الفقعسي: قطر كانت جسراً للأموال إلى بن لادن

إيران وقناة «الجزيرة» في صفحات قيادي {قاعدي} سابق

علي الفقعسي
علي الفقعسي
TT

الفقعسي: قطر كانت جسراً للأموال إلى بن لادن

علي الفقعسي
علي الفقعسي

في مارس (آذار) 2003 انفجرت قنبلة في أثناء تصنيعها البدائي، في منزل بحي الجزيرة في العاصمة السعودية الرياض، كانت تحت تصنيع إرهابي يُدعى فهد الصاعدي، وعثرت الأجهزة الأمنية على قنابل ومعدات ومبالغ مالية كبرى، تبعها إنجاز أمني في كشف خلية «إشبيلية» التي كانت حاوية لعدد من الأسلحة والمواد المتفجرة.
وفي شهر مايو (أيار) 2003، أعلنت الأجهزة الأمنية السعودية أول قائمة أمنية لمطلوبين يتبعون لتنظيم «القاعدة»، تضمنت القائمة 19 شخصاً، ضمّت يوسف العييري أول زعيم لـ«القاعدة» في السعودية كمطلوب أول، وعبد العزيز المقرن، واسماً آخر كان المطلوب رقم 3 هو علي الفقعسي.
الفقعسي يقطن سجنه من 2003 بعد استسلامه للسلطات الأمنية في ضربة كانت حينها لتنظيم «القاعدة» بعد تفجيرات شرق الرياض التي مرت ذكراها المؤلمة الـ16 أول من أمس، والتي ذهب ضحيتها 34 وأصيب فيها 194 شخصاً من جنسيات مختلفة.
علي الفقعسي، الذي كان أداة عسكرية في تنظيم «القاعدة» في أوجّ نشاطه الإجرامي، يحكي تفاصيل البدء، خلال حديث تلفزيوني في «الليوان» عبر قناة «روتانا خليجية». استطرد في حديثه إلى أنه لم يمر إلا بأن الخطاب الديني كان المحرض الأساسي له كي يغادر في بواكير 92 نحو الشيشان، ومن ثم العودة لرجال «القاعدة» في كهوف أفغانستان، متأثراً بالتهييج الإعلامي للخطب المنبرية الوعظية.
تركة ثقيلة أنبتها الخطاب الديني في فترات مضت منذ حرب السوفيات ضد الأفغان، ومن ثم رحلات مَن يُسمون الجهاديين في الشيشان والبوسنة، ومن ثم إعادة تدويرهم، للعودة في تشكيل تنظيم «القاعدة» من أفغانستان. وصل الفقعسي ومَن معه إلى أفغانستان 1998 واستقبلهم عناصر «القاعدة» واحتفوا بهم، ونقلوهم إلى معهد، ونوقش معهم موضوع العمليات الانتحارية ومسائل التكفير، والتقوا أسامة بن لادن الذي طرح مشروعه.
يقول الفقعسي: «خرجنا من أفغانستان هاربين -كان ذلك قبل أشهر قليلة من هجمات 11 سبتمبر (أيلول)- لكن العمل ظل مفتوحاً، من يستطيع أن يعمل في أي مكان فليعمل، ثم من أفغانستان إلى سوريا، ومنها عدت إلى السعودية مكلفاً من خالد شيخ محمد بتكوين خلية تهدف إلى عمليات الاختطاف والقتل لأميركا». وكشف أن سيف العدل يدير العمليات الخارجية لـ«القاعدة» من إيران.
كان علي -القاعدي السابق- مسؤول المجلس العسكري للتنظيم، يخطط مع قادة «القاعدة» لتأسيس خلية نوعية الأهداف داخل السعودية، مثل استهداف الأجانب وضرب المقرات الحكومية واختطاف الطائرات، حيث يوضح أن الهدف لم يكن فقط مواجهة أميركا بل كانت الولايات المتحدة تكتيكاً لأجل إقامة «خلافة إسلامية» هي لبّ ما ينشده «داعش» اليوم.
يمر الفقعسي على أدوار دول عديدة في تكوين هذه الأهداف، يتحدث عن إيران التي تسهل حضوره وسفره عبرها للوصول إلى باكستان، وعن قطر التي كانت جسراً لإيصال الأموال (مليون ريال شهرياً) من التنظيم إلى أسامة بن لادن والعكس، متحدثاً عن معتمرين محسوبين على التنظيم في الطريق من قطر إلى باكستان.
يتحدث عن قناة «الجزيرة» التي كانت محط أنظار «القاعدة» ومركز بث بياناتهم، يقول: «أهداف أسامة بن لادن تتقاطع مع (الجزيرة)، منها زعزعة أمن الدول العربية والسعودية أولاها».
وعمّا يؤلم الفقعسي، الذي يقضي عقوبة سجن تجعله حبيساً له حتى 3 عقود، يقول: «مَن حرّضنا أمس ينتقدنا اليوم، فمن تأثرت بهم هم سفر الحوالي وسلمان العودة وعائض القرني وسعد البريك، كان الخطاب يضخم السلبيات ضد الدولة، فمذكرة النصيحة أثّرت بي فكان بعضهم يمتدح الدولة العثمانية مع أننا أفضل منهم، فنحن نبارك ثورة ولي العهد التي يقودها سموه، ونحن نعيش صحوة حقيقية، فأنا مطمئن أن ولدي محمي وألقّنه الوطن والبيعة لأننا حُرمنا منه».
ربما هو الحديث نفسه الذي يتجدد عن أهمية تجديد الخطاب الديني، وكذلك نزع شوكة التشدد الذي أحاط بالخطاب الوعظي داخل السعودية وظل محتفياً بالشباب في أروقة التعليم وكذلك المساجد وغيرها، في بلورة الخطاب الوسطي الذي تكرسه الاتجاهات في مؤسسة الحكم داخل البلاد.
في تلك الأزمات السياسية في فترات الثمانينات والتسعينات، كان للخطاب الوعظي عبر جناح «الصحوة» حماسته لاستغلال الشباب السعودي المتحمّس في فترات طويلة بمربط صوت وعاظ التدين الصحوي وحضورهم، فأصبحوا المقرّبين منهم ورأيهم هو المقدّس لهم، فغذّاهم أولئك بتسييس الإسلام في دروسهم الدينية، باعثين خطاباً حماسياً تحريضياً بأسلوب لا يتقنه سواهم، خلقوا اتجاهاً ثورياً في خطبهم، معارضين فقط، ولم تخلق ألسنتهم تأييداً، راسمين منهجاً سياسياً صريحاً، عكس ما يتوارى عنهم في حزمتهم الصحوية، وإن ظهر في أوائل صعودهم مَن يحاول المساندة ولو قليلاً مع الموج السلفي السعودي، لكنّ وريد تنظيم الإخوان الرابط لهم يجعلهم في مقام مختلف.
السعودية تكرس حزمها بشكل أعمق، بمراجعات للخطاب، وتكثيف أكبر للحياة الثقافية بكل مكوناتها، وفي ذلك ما قاله قبل عام ونصف العام ولي العهد السعودي: «نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه، الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان»، مضيفاً: «لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفوراً».


مقالات ذات صلة

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات

أوروبا أمستردام (رويترز) p-circle

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات، والسلطات الهولندية توقف 4 أشخاص للاشتباه بتورّطهم في انفجار خارج كنيس يهودي في روتردام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الشرطة خارج جامعة أولد دومينيون في ولاية فرجينيا (أ.ب)

«إف بي آي» يحقق في إطلاق نار بجامعة في فرجينيا بوصفه «عملاً إرهابياً»

أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي أن إطلاق النار الذي وقع، الخميس، في جامعة أولد دومينيون يجري التحقيق فيه بوصفه «عملاً إرهابياً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

يوجد وفد جزائري من قطاع المالية، وخبراء في مجال التصدي للجرائم المالية، في السنغال حالياً للاستلهام من تجربة هذا البلد في مغادرة «المنطقة الرمادية»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد «لواء البراء بن مالك» المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

ترحيب بين قوى سودانية بتصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية

لقي تصنيف الإدارة الأميركية جماعة «الإخوان» في السودان «كياناً إرهابياً عالمياً» ترحيباً بين قوى سياسية ومدنية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية
TT

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

فقدت السعودية، الأحد، أحد أبرز رجالات الأعمال فيها، بوفاة الشيخ حمد بن عبد العزيز الجميح، الذي شكّل على مدى عقود أحد أعمدة القطاع الخاص في البلاد، وأسهم في بناء واحدة من أبرز المجموعات التجارية العائلية التي لعبت دوراً مهماً في تطور النشاط الاقتصادي فيها.

وينتمي الراحل إلى عائلة الجميح المعروفة بنشاطها التجاري الممتد منذ عقود، حيث تولّى رئاسة العائلة بعد رحيل المؤسسين، كما شغل مناصب قيادية في عدد من الشركات والمؤسسات التابعة للمجموعة، من بينها رئاسة مجلس إدارة شركة الجميح للسيارات وشركة الجميح للمشروبات، إضافة إلى توليه منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة الجميح القابضة، ورئاسة مجلس إدارة مؤسسة التطوير والتنمية في محافظة شقراء.

ولد الشيخ حمد الجميح في محافظة شقراء - وسط السعودية - عام 1931 (1350 هجرياً)، ونشأ في بيئة تجارية بسيطة في فترة كانت فيها الحركة الاقتصادية في المملكة في بداياتها. وقد عاصر مراحل التحول الكبرى التي شهدتها البلاد مروراً بمرحلة بناء الدولة الحديثة وتطور اقتصادها.

ويروي الراحل في أحاديثه عن بداياته أنه بدأ حياته العملية في سن مبكرة، حيث كان يجمع بين الدراسة والعمل في متجر العائلة، إذ كان يذهب إلى المدرسة صباحاً ثم يعمل في المتجر (الدكان) بعد الظهر لبيع الأقمشة والبضائع الأساسية مثل القهوة والهيل والسكر. وكان هذا التوازن بين التعليم والعمل، بحسب ما كان يذكر، مدرسة مبكرة في الانضباط والمسؤولية.

يقول الجميح في حديث سابق: «كانت قيم الأمانة والالتزام من أبرز ما تشكلت عليه شخصيتي منذ تلك السنوات»، مشيراً إلى أنه اعتاد منذ شبابه الحفاظ على أموال التجارة بدقة شديدة، حتى إنه كان يروي أن العائلة كانت تفصل تماماً بين المال الشخصي ومال البضاعة، وهو مبدأ ظل يؤكد أنه أساس النجاح في العمل التجاري.

ومع انتقال العائلة إلى الرياض واتساع النشاط التجاري، بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الجميح، حيث شارك في تطوير أعمال العائلة وتوسيعها، لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز المجموعات التجارية في المملكة. وأسهم في الحصول على عدد من الوكالات التجارية العالمية، وكان من أبرزها وكالة «بيبسي كولا» في المملكة، التي شكّلت نقطة تحول في مسيرة المجموعة، إلى جانب نشاطها في قطاع السيارات الذي تطور لاحقاً عبر شراكات مع شركات عالمية والتي من أهمها شركة «جنرال موتورز» الأميركية.

وقد شهدت المجموعة خلال تلك الفترة توسعاً كبيراً في أنشطتها، لتشمل مجالات متعددة من التجارة والصناعة والخدمات، معتمدة في نموها على السمعة التجارية والالتزام المهني، وهي القيم التي كان الجميح يحرص دائماً على ترسيخها داخل الشركة العائلية بحسب حديثه.

وعُرف الراحل باهتمامه بالعمل التنموي والاجتماعي، خصوصاً في مسقط رأسه محافظة شقراء، حيث دعم عدداً من المبادرات التنموية والخيرية، إيماناً منه بدور رجال الأعمال في خدمة المجتمع إلى جانب دورهم الاقتصادي.

ونعت شركة الجميح القابضة فقيدها في بيان رسمي، وبرحيل الشيخ حمد الجميح، تفقد الساحة الاقتصادية السعودية واحداً من رجال الأعمال الذين عاصروا بدايات النهضة الاقتصادية للمملكة، وأسهموا في بناء مؤسسات تجارية عائلية تحولت مع الزمن إلى كيانات اقتصادية مؤثرة في السوق السعودية.


السعودية تطلق خدمةً للإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تطلق خدمةً للإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

أطلقت وزارة الدفاع السعودية، الأحد، خدمة الإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة عبر التطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، لتتيح للمواطنين والمقيمين في البلاد فرصة الإبلاغ عن أي مشاهدات جوية مشبوهة، وذلك لضمان وصول هذه البلاغات في وقت قياسي، بما يحقق سرعة الاستجابة لحماية الوطن وصون مقدراته.

وأكد الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن «المواطنين والمواطنات شركاء في الدفاع عن الوطن، من خلال وعيهم ويقظتهم لكل ما يستهدف وطنهم»، داعياً إياهم إلى الإبلاغ عمَّا قد يشاهد من صواريخ وطائرات مسيّرة عبر تطبيق «توكلنا».

وعبَّر الأمير خالد بن سلمان عن فخره بكفاءة القوات المسلحة في أداء مهامهم بالتصدي للعدوان الإيراني غير المبرر، وقال: «نفخر بأداء أبطال قواتنا المسلحة بكافة أفرعها، وبكفاءتهم العالية في أداء مهامهم لحماية الوطن وصون أمن مواطنيه والمقيمين على أراضيه، والمحافظة على مقدراته ومكتسباته، بالتصدي للعدوان الإيراني غير المبرر».

وأعلنت وزارة الدفاع، في وقت سابق، الأحد، خدمة الإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة عبر التطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، وأوضح المتحدث باسمها اللواء الركن تركي المالكي، أن هذه الخدمة تعزز الشراكة الحقيقية بين المواطنين والمقيمين ومنظومة الدفاع، من منطلق دورهم المهم في الدفاع عن الوطن.

اللواء الركن تركي المالكي المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع السعودية (الشرق الأوسط)

وأكد اللواء المالكي أن القوات المسلحة السعودية تمتلك القدرات المتقدمة اللازمة للتصدي لأي هجمات أو اعتداءات جوية قد تحدث (لا قدر الله) على المملكة، مشيراً إلى أن هذه الخدمة تتيح المجال للمواطنين والمقيمين للإبلاغ عن كل ما يشكل تهديداً للبلاد، وعدّها نقلة نوعية في تسخير التقنيات المتقدمة لإشراك المواطن والمقيم في اكتشاف التهديدات.


في ذكرى بيعة ولي العهد... كيف تنامى التفاعل السعودي مع الإقليم إلى تشكيل توازناته؟

الأمير محمد بن سلمان (واس)
الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

في ذكرى بيعة ولي العهد... كيف تنامى التفاعل السعودي مع الإقليم إلى تشكيل توازناته؟

الأمير محمد بن سلمان (واس)
الأمير محمد بن سلمان (واس)

يعيش الشرق الأوسط ما يمكن وصفه بحالة «انفلات استراتيجي»: صراعات ممتدة، توازنات متحركة، أزمات متعددة، وتحولات في أسواق الطاقة.

هذا الوضع ليس جديداً، فعلى مر تاريخ المنطقة الحديث، على الأقل، يلحظ المراقب توالي الأزمات والحروب والصراعات، يصاحب ذلك تغير المحاور، وتحول الأدوار، وتبدل العناوين، وتوسع ساحات الصراع.

في بيئة كهذه لا تكفي ردود الفعل، وإنما المطلوب قيادة استثنائية تصنع الفرق ولا تستسلم للواقع، بل تعيد تشكيل المنطقة وبناء توازناتها، وتنقلها من إدارة الأزمة إلى إدارة الاستقرار والتنمية.

فالتنمية لا تتحقق من دون استقرار والمعادلة هنا ثنائية وليست أحادية، فالاستقرار الخارجي بلا تنمية داخلية هش، والتنمية بلا استقرار إقليمي مهددة.

لذا حينما ننظر إلى «رؤية 2030»، التي صاغتها حكمة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، نرى أنها جمعت طرفي المعادلة: التنمية مع ضمانة الاستقرار، كما أن التجارب الدولية تظهر أن الاقتصادات الصاعدة تحتاج إلى بيئة آمنة مستقرة لجذب الاستثمار والاستدامة الاقتصادية، وهو ما جعل الاستقرار الإقليمي جزءاً من معادلة التنمية الوطنية، لذا فإن «رؤية المملكة 2030» لم تُصمم - في تقديري - كمشروع اقتصادي داخلي فقط، بل إطار يعيد تعريف موقع المملكة في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد واللوجستيات والاستثمار.

وبيعة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التي نعيش ذكراها هذه الأيام ليست مناسبة رمزية وحسب؛ بل محطة لاستقراء نموذج قيادي أعاد تعريف دور المملكة العربية السعودية: من دولة تتفاعل مع الإقليم إلى دولة تعيد تشكيل توازناته.

نموذج الحكم والإدارة

لم يكن قوله: «السعودية ستكون أعظم قصة نجاح في القرن الحادي والعشرين»، مجرد وعد لشعبه ورسالة لشعوب العالم، وهي تنظر للحراك الهائل الذي أحدثه في بلاده، بل مدخل لفهم منهجيته في الحكم والإدارة؛ المنهجية القائمة على الرؤية الشاملة التي تضع فيها مؤسسات الدولة كل طاقاتها وأدواتها لتحقيق الأمن والازدهار بمنظور بعيد يراعي كل الاحتمالات، ولا تبرز فاعلية ونجاعة تلك الرؤى وبرامجها كما تبرز في أوقات الأزمات.

وفي الأزمة الحالية، وأنظار العالم ترقب أسعار النفط وهي تتجاوز المائة دولار، يحسن أن نقف قليلاً عند محطات من رؤية الأمير محمد الشاملة في هذا الجانب، ونستحضر بعض المضامين العميقة في ذكرى البيعة: فقبل حوالي الـ10 أعوام، تحدث الأمير محمد ولأول مرة عن فكرة إدراج شركة «أرامكو» في السوق المالية. بدا الخبر صادماً لكثيرين ممن خلعوا على «أرامكو» هالة، وظنوا أن البترول -وفقاً لوصف الأمير - جزء من دستور الدولة الذي لا يمس. أدرجت «أرامكو»، وتحقق من اكتتابها فائض سيولة نقدية، وأخرج الإدراج بيانات الشركة من صندوقها الأسود في الظهران إلى شاشات الرصد والتحليل العالمية. فأصبح سهم الشركة مرجعاً رئيساً لاقتصاد العالم في فهم حالة قطاع الطاقة، ونذيراً حياً لأي مغامرات غير مسؤولة للتأثير على سلامة إمداداته، وفرصة للملايين من السعوديين وغيرهم للاستثمار في شركة الطاقة الأولى عالمياً.

ثم جاءت خطوة إعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة، واستثمار الفوائض النقدية من الإدراج وغيره في قطاعات جديدة محلية ودولية، لتبدأ البلاد رحلة التعافي من إدمان النفط التي طالت. وكان من بين أولويات الخطة نقل وتوطين التقنية في جانبها الدفاعي.

ثم جاء التوسع اللازم لـ«أرامكو» وفق «الرؤية الشاملة». يروي وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، أنه عرض على ولي العهد حقل الجافورة، الذي يعد أكبر حقل غاز غير تقليدي مكتشف في البلاد، مبيناً تكلفة تطويره العالية، وأنه يحتاج أن يفكر فيه من منظور «الدولة» الاستراتيجي، وليس من منظور «الشركة» التجاري، حيث سيوفر تطويره -رغم تكلفة الاستثمار الضخمة - كميات هائلة من الغاز وسيزيد من قدرة المملكة التصديرية. استمع ولي العهد، واتخذ القرار بالانطلاق في التطوير، وهو في رحلة عمل على متن الطائرة. بعد أعوام معدودات، تم تصدير أول شحنة من سوائل الغاز والمكثفات من حقل الجافورة، وكان ذلك قبل أسابيع من توقف بعض منابع الغاز في الخليج العربي عن الإنتاج نتيجة للاعتداءات الإيرانية.

قبل بضع سنين، مضت المملكة في مفاوضات مباشرة مع إيران برعاية صينية، لخفض التوتر وإعادة بناء الثقة بين البلدين بعد سنوات من القطيعة، لم يكن اختيار الصين إلا شاهداً آخر على الرؤية الشاملة لولي العهد، فهي دولة باتت من دول الشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وتستهلك حوالي 90 في المائة من نفط إيران، ويمثل إغلاق مضيق هرمز بالنسبة لها كابوساً اقتصادياً. وعندما وقعت الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على المملكة وباقي دول مجلس التعاون الخليجي، لم تكن فقط انتهاكاً لأحكام القانون الدولي، واستفزازاً لحليف المملكة الأول الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى، بل كانت هجوماً مسلحاً وانتهاكاً للسيادة وتقويضاً لاتفاق إعادة العلاقات الذي وقع برعاية وضمانات صينية: الدولة الكبرى والممكن الأكبر لاقتصاد إيران الرازح تحت العقوبات الدولية. وهنا يبرز المنظور الشامل بأبعاده السياسية الجغرافية، والاقتصادية، والأمنية لرؤية تستشرف قرناً من العمل والنجاح ببصيرة حاذقة توظف فيها كل علاقات وأدوات الدولة لخدمة مصالح البلاد العليا.

وجاء التحول الرقمي الذي قاده ولي العهد لينشئ منظومة رقمية متكاملة لا يعرف العالم مثيلاً لها، تضمن ديمومة العمل الحكومي في أقصى الظروف صعوبة، ووصول الحكومة للمواطن أينما كان بخدماتها وإشعاراتها.

وكان برنامج تطوير وزارة الدفاع - الذي أطلقه ورعاه إبان توليه الوزارة - شاهداً على رؤيته الاستشرافية البصيرة بأهمية تطوير القوى الدفاعية للدولة وتوطين تقنياتها المختلفة.

في العلاقات الخارجية كان دور الدبلوماسية السعودية فاعلاً ومؤثراً، وجاءت الاتفاقات الاستراتيجية مع أميركا تتويجاً لرؤية ولي العهد، لتعيد صياغة مستقبل العلاقات بين البلدين.

منهجية الأزمات

تمر ذكرى بيعة ولي العهد هذا العام والمنطقة ملتهبة، وسيناريوهات نهاية حرب إيران مفتوحة، إلا أن المؤكد أن السعودية مستمرة في تنفيذ رؤيتها وبناء قدراتها وحماية مصالحها، وستتعامل مع هذه الأزمة بمنهجيتها التي أثبتت نجاحها عبر عقود، وكسابقاتها من الأزمات، أكدت الرياض أن إمكاناتها وقدراتها مسخرة دوماً للدفاع عن المبادئ الحقة، وخدمة أشقائها في أزماتهم.

وللإجابة عن التساؤل الذي يطرح عن المنهجية السعودية في إدارة الأزمات والمخاطر وما يرتبط بها من تخطيط مسبق قائم على البناء المؤسسي المدروس، فمنذ عقود وحتى الوقت الحاضر تم إنشاء عدد من المجالس والأجهزة واللجان ذات الصلة بإدارة المخاطر والطوارئ، وما زال بعضها يمارس مهامه واختصاصاته.

في خطوة استباقية لافتة صدر في عام 2024 نظام الطوارئ الذي تضمن تشكيل المجلس الأعلى للطوارئ برئاسة الملك، كما أنشئت «الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ»، وهي - وفقاً لتنظيمها - الجهة المختصة والمرجع الرئيس في السعودية فيما يتعلق بشؤون إدارة الطوارئ، وتهدف إلى تنسيق أدوار ومسؤوليات الجهات ذات العلاقة، وتعزيز قدراتها للحد من مخاطر الطوارئ وآثارها من خلال التخطيط والرصد والتأهب والاستجابة لها.

وتعمل الهيئة الآن على إعداد الاستراتيجية الوطنية لإدارة الطوارئ، التي يتوقع أن تحدد أدوار ومسؤوليات جميع المجالس والأجهزة واللجان ذات الصلة بمنظومة المخاطر والطوارئ.

ولئن كانت جهود التحوط من الأزمات والحروب قد بدأت منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز بمد جسور التواصل والرصد الدقيق للتطورات العالمية وتأمين الاحتياجات اللازمة لمناطق الدولة المترامية، ثم التوسع في البنى التحتية من طرق ومطارات وموانٍ وشبكات وخدمات، وبعد ذلك برنامج الخزن الاستراتيجي للنفط والسلع الأساسية، وبناء أنبوب «شرق - غرب»، وغيرها الكثير من منجزات التنمية السعودية عبر عهود ملوكها المتعاقبة وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مما يؤكد الرؤية الممتدة لقادة السعودية واستشرافهم للمستقبل، إلا أن ولي العهد، وبتوجيه من الملك سلمان، قد جاء برؤية أعادت تعريف دور السعودية في العالم، وأعادت تشكيل توازنات المنطقة، وبنت لبنات جديدة راسخة في بنيان الدولة السعودية، وكأنه بها يتمثل قول جده العظيم: «نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل (فوق) - لا (مثل) - ما فعلوا».