مدن أميركية تتنافس على اجتذاب اللاجئين

جاليات المهاجرين أنعشت أحياء خالية وأسهمت في ازدهارها الاقتصادي

لاجئون يحضرون درساً حول مهارات المقابلات الوظيفية في بفالو بنيويورك (نيويورك تايمز)
لاجئون يحضرون درساً حول مهارات المقابلات الوظيفية في بفالو بنيويورك (نيويورك تايمز)
TT

مدن أميركية تتنافس على اجتذاب اللاجئين

لاجئون يحضرون درساً حول مهارات المقابلات الوظيفية في بفالو بنيويورك (نيويورك تايمز)
لاجئون يحضرون درساً حول مهارات المقابلات الوظيفية في بفالو بنيويورك (نيويورك تايمز)

على امتداد العقود القليلة الماضية، ومع حدوث انحسار صناعي خلّف المنازل خاليةً وواجهات المتاجر معتمة، شرعت مدن شمال ولاية نيويورك في فتح أبوابها أمام اللاجئين. ورغم ضآلة تدفق اللاجئين، فإنهم بثوا الروح في الأحياء، وساعدوا في تخفيف حدة مشكلة نقص العمالة وعززوا ميزانيات المدن.
إلا أن انتعاش مدن مثل أوتيكا وبفالو وسيراكوز انتهى بعد أن قلصت إدارة الرئيس دونالد ترمب، بصورة حادة عدد اللاجئين المسموح بدخولهم إلى البلاد. وخلال السنة المالية الماضية، استقبلت نيويورك 1281 لاجئاً، مقارنةً بـ5026 قبل عامين فقط، حسب الأرقام الصادرة عن وزارة الخارجية. ويشعر مسؤولون في هذه المدن بالقلق إزاء إمكانية فقدان الحصن «الصغير لكن المهم» الذي تحظى به مدنهم، في مواجهة تراجع أعداد السكان.
الآن، يختبر البعض استراتيجية جديدة: اجتذاب لاجئين استقروا في أجزاء أخرى من الولايات المتحدة كي ينتقلوا إلى نيويورك. وفي إطار هذه الاستراتيجية، يجري الإعلان عن وظائف وتوفير خدمات تتعلق باللغة الإنجليزية والإسكان، على أمل جذب عدد كافٍ من الأشخاص لتعويض النقص.
ولا تعد نيويورك وحدها في مساعي تجريب سبل جديدة للتغلب على تضاؤل أعداد السكان. فعلى سبيل المثال، فتحت ولاية مين أبوابها برحابة أمام اللاجئين على أمل زيادة قوة العمل لديها. كما أعلنت مين عن منح بقيمة 100.000 دولار لحث الناس على الانتقال إلى الولاية والعمل من المنزل، في محاولة لاجتذاب العاملين التقنيين الشباب. أما وايومنغ، فتحاول اجتذاب الأشخاص الذين وُلدوا بها للعودة إليها من خلال معاونتهم على إيجاد وظائف.
بيد أنه في الوقت الذي تنكمش أعداد اللاجئين في ظل إدارة الرئيس ترمب، نجحت نيويورك في اتخاذ وضع يمنحها ميزة بالمقارنة مع أماكن أخرى. جدير بالذكر أن تقليص التمويل الفيدرالي دفع وكالات إعادة التوطين في أجزاء أخرى من البلاد إلى تقليص أعمالها، أو غلق أبوابها تماماً. أما في نيويورك، فتدخلت الولاية وأمدت هذه الوكالات بتمويل منذ عام 2017. والآن، أصبح بإمكان هذه الوكالات تقديم خدمات لأعداد أكبر من اللاجئين، في حافز من أجل دفع الناس نحو الانتقال إلى نيويورك من أماكن أخرى.
في هذا الصدد، قال أنتوني بيسنتي، رئيس مقاطعة أونيدا: «إذا انتشرت رسالة أن لدينا فرص عمل، وأن هذا مكان رائع لتنشئة أسرة فيه، فإن هذا تحديداً ما نرغبه، وهذه الرسالة التي نرغب في نشرها». جدير بالذكر أن بيسنت عضو في الحزب الجمهوري، وتضم مقاطعته أوتيكا. ورغم إيمان بيسنتي بضرورة اتّخاذ إجراءات صارمة ضد الهجرة غير الشرعية، فإنه ومسؤولين آخرين يساورهم القلق إزاء تقييد المسارات الشرعية المتاحة أمام اللاجئين وإمكانية أن يضر ذلك بالمدن الأميركية الصغيرة. وأضاف: «لماذا نسد المنافذ القانونية للدخول ما دمنا قادرين على التعامل مع اللاجئين؟ لم يقل أحد أننا عاجزون عن التعامل مع اللاجئين».
وفي الوقت الذي يتوجه طالبو اللجوء السياسي من تلقاء أنفسهم إلى الولايات المتحدة ثم يطلبون الحماية، فإن اللاجئين تتفحصهم الأمم المتحدة ووزارة الأمن الداخلي ووزارة الخارجية بينما لا يزالون في الخارج. بعد ذلك، تحدد هذه الوكالات ما إذا كان شخص ما سيحصل على حق القدوم إلى الولايات المتحدة.
منذ توليه الرئاسة، عمد ترمب إلى تقليص أعداد اللاجئين بصورة حادة. وجرى إقرار 30.000 لاجئ كحد أقصى مسموح به خلال السنة المالية الحالية، بانخفاض عن 11.000 خلال السنة المالية الأخيرة من رئاسة باراك أوباما. ويعد هذا أصغر سقف يقره رئيس أميركي على الإطلاق بالنسبة إلى أعداد اللاجئين المسموح بدخولها البلاد.
من ناحية أخرى، وخلال حقبة أثارت سياسة الهجرة خلالها انقسامات سياسية حادة بمختلف أرجاء البلاد، نجحت محاولات نيويورك لاجتذاب اللاجئين في الفوز بتأييد محلي من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
في هذا الصدد، قال شون ريان، عضو المجلس التشريعي المحلي عن الحزب الديمقراطي والمقيم في بفالو: «يتمثل الخوف الحقيقي أمام المدن الواقعة شمال الولاية في أنه إذا لم نحافظ على نمو السكان لدينا، سنسقط في هوة لا قرار لها من التراجع».
وبين عامي 1950 و2000، خسرت ميدنتا روشستر وسيراكوز نحو 40% من قاطنيهما، بينما فقدت بفالو نصف ساكنيها، تبعاً للأرقام الصادرة عن مكتب المراقب المالي بولاية نيويورك. ويعد هذا الانحسار في أعداد ساكني بفالو أكبر رابع تراجع في أعداد السكان على مستوى البلاد ككل.
ومع ذلك، ومع انتقال اللاجئين إلى داخل منازل مهجورة واستئجارهم متاجر خالية، بدأت موجة تحوّل تطرأ على هذه المدن، وإن كانت لم تشهد نمواً كافياً في السكان للوصول إلى الأعداد التي كانت عليها منذ قرابة 70 عاماً.
اليوم، أصبح شارع غرانت ستريت في بفالو الذي كان شبه خالٍ، يعجّ بالحركة لوجود الكثير من المتاجر والأسواق التجارية التي تخدم الكثير من اللاجئين الذين انتقلوا إلى الحي المجاور. وأصبح ويست سايد بازار، المنطقة الشهيرة المخصصة للمطاعم والتسوق، يعج بالباعة الذين يبيعون منسوجات مصنوعة يدوياً وإكسسوارات، بينما تنطلق في الأجواء روائح التوابل الإثيوبية والماليزية.
عبر المدينة على الجانب الشرقي، وهي منطقة اشتهرت بارتفاع معدلات الجريمة منذ 30 عاماً، ساعد أفراد الجالية البنغالية في تحويل منازل كانت تستخدم في أعمال الدعارة إلى مساحات تقدّم خدمات اجتماعية.
من ناحيته، قال عتيق الرحمن (56 عاماً)، وهو لاجئ من بنغلاديش كان من أوائل عناصر الجالية البنغالية التي سكنت إيست سايد في بفالو عام 2006: «كانت هناك عمليات إطلاق نار ودعارة واعتدنا رؤية نحو 200 سيارة تفد إلى المنطقة ليلاً لشراء مخدرات، لكن أعتقد أن غالبية هؤلاء هجروا منازلهم وعالم الجريمة. واليوم، تتوافر منازل رخيصة التكلفة، وبإمكان أي شخص الانتقال إليها وإضاءة مصباح على عتبة منزله والتعامل بلطف مع جيرانه وبناء مستقبل جيد».
وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، أدار عتيق الرحمن نشاطاً تجارياً خاصاً به وشركة محاسبة في برودواي ستريت، حيث أطلق مهاجرون أمثاله نشاطات تجارية خاصة بهم. والتحق بعض المهاجرين بالعمل في شركات نيويورك المتعطشة إلى العمالة.
عن ذلك، قال لاري كريست، رئيس قطاع التشغيل بشركة «ليتلاب كوربوريشن» العاملة في صنع المصابيح في بفالو: «لم نكن لننجح في النمو في نشاطنا لولاهم، لأننا كنا نعاني أزمة طاحنة في إيجاد عاملين». جدير بالذكر أن ثلث العاملين في الشركة ينتمون إلى المهاجرين، بينهم مهاجرون وصلوا إلى البلاد حديثاً.
من ناحية أخرى، تتضمن الجهود الرامية لاجتذاب مزيد من الأفراد نحو نيويورك حملة إعلانات عبر «فيسبوك» و«واتساب» وصحف يديرها لاجئون. وأعدت واحدة من وكالات إعادة التوطين، تدعى «معهد بالو الدولي»، مقطع فيديو يضم صورة مجموعة رائعة من المنازل وعدداً من السكان الذين يكيلون الإشادة للمدينة وجمالها.
وفي خضم محاولاتها اجتذاب المهاجرين المستقرين داخل الولايات المتحدة، تدخل نيويورك بذلك في منافسة مع أماكن أخرى شهدت تراجعاً مشابهاً في أعداد السكان بها، في إطار تراجع النمو السكاني على مستوى البلاد إلى أدنى مستوياته منذ 80 عاماً. وتكشف الأرقام أنه بين عامي 2007 و2017 خسرت 80% من المقاطعات الأميركية التي يصل إجمالي عدد سكانها إلى 149 مليون نسمة، بالغين في سن العمل، طبقاً لما ورد في تقرير صدر حديثاً عن «إكونوميك إنوفيشن غروب»، وهي منظمة فكرية مقرها واشنطن.
وحتى دون حملة توظيف منسقة، نجحت مدن شمال نيويورك من الاستفادة من تقلبات ضربت جاليات اللاجئين في مناطق أخرى. على سبيل المثال، قال شيلي كالام، المدير التنفيذي لـ«موهوك فالي ريسورس سنتر فور ريفيوجيز» في أوتيكا، إن المدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة وفود ما يتراوح بين 80 و100 لاجئ كانوا يعيشون في أجزاء أخرى من البلاد.

* خدمة «نيويورك تايمز»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended