رسالة من «بريد الليل»

رواية هدى بركات اتسمت برؤية فكرية عميقة

هدى بركات
هدى بركات
TT

رسالة من «بريد الليل»

هدى بركات
هدى بركات

يظل فوز عمل أدبي بجائزة ما نسبياً إلى حد كبير؛ فالعمل الفائز لا يعني أنه الأفضل أو الأكثر تلقياً، لكنه العمل الذي يتجه إلى الحصول على معطيات الفوز التقريبية، التي تفترض تحقيق الأبعاد الإبداعية المختلفة في مضامينه وتركيبه، ليصبح الفوز نفسه بجائزة ما أحد المكونات الداعمة لتلقيه؛ ولعل ذلك ما يجعل تقييم عمل أدبي لجائزة ما على قدر من الصعوبة، لكن الأكثر صعوبة من ذلك تقييم الأعمال التي تنتمي إلى الحقل الروائي؛ إذ تكثر الروايات المشاركة الطامحة إلى نيل الصدارة، وتتفق في كونها مكتوبة بأقلام روائيين محترفين، إلى جانب كونها تضم ملامح كثيرة لسلوك طريق الفوز، الأمر الذي يجعل مستوياتها متقاربة، وتحمل فوق ذلك رغبات مؤلفيها وتطلعات دور نشرها لتحقيق المنجز، وهم يتمثلون مثل غيرهم غريزة الافتتان بما نشروه من كتب، وهو ما أشار الجاحظ إليها بقوله: «... ولذلك تجد فتنة الرجل بشعره، وفتنته بكلامه وكتبه، تفوق فتنته بجميع نعمه».
ظهرت في جائزة البوكر الأخيرة إشارات شتى عن تنافس بدا قوياً وجذاباً، ودعم هذا بنشاط إعلامي كبير في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يدفعنا إلى محاولة عقد قراءة متأنية في الرواية الفائزة «بريد الليل» لهدى بركات. وتتطلع هذه القراءة إلى تحديد ما يميز هذا العمل من ملامح تستحق الإشارة والإشادة. وتتطلع هذه القراءة إلى تحديد ما يميز «بريد الليل» لهدى بركات الذي حظي ببوكر هذا العام 2019.
كُتب عمل «بريد الليل» برؤية فكرية عميقة تتصل بأوضاع المهاجرين الذين تركوا بلدانهم العربية نتيجة الحروب والفقر فيها، وغادروها إلى بلدان أخرى ليلاقوا مصائر حتمية سوداء في تلك البلدان الجديدة بالنسبة إليهم. وكانت لغته أدبية رشيقة دالة على وعي فني، ومعبرة عن ثقافة واسعة، وتميز بملامح استثنائية منها: جدة البنية السردية التي تجسد بها هيكله؛ إذ إنه أتى في بناء مختلف غير معتاد، حضرت فيه الشخصيات، وتبينت للمتلقي دون ذكر أسمائها، ورسمت فيه الأمكنة تفصيلياً دون تحديدها، وتجلت سمات الزمن الروائي دون إغراق، وجاءت الأحداث فيه على صورة رسائل تتبادلها الشخصيات، فتتضح معالم سيرها، وتتعدد في هذا البناء وجهات النظر المتباينة، ويتناوب السرد فيه ضميران اثنان: المتكلم بصفة رئيسة، وضمير المخاطب بصفة فرعية.
تناولت الرواية في الجانب الموضوعي قضايا حيوية منها: تبيان صور العربي لدى الآخر الأوروبي، وصورة الأوروبي لدى العربي، وكان رسم ذلك من خلال تعدد وجهات النظر، إلى جانب إلقاء الضوء على العلاقات التي تؤثر على من هم في سن ما بعد الخمسين، وكذلك العلاقات المثلية والشذوذ. وتبدو هذه المواضيع التي عولجت جيدا في العمل أقل تداولا في الكتابة الروائية إذا استثنينا موضوع صورة الآخر.
تتضمن الرواية خمس رسائل وثلاثة نصوص بدت أحادية (مونولوجية) وآخر بوصفه خاتمة لها، كانت صفات شخصياتها - وفقاً لما سبق - امرأة خمسينية غربية، ولاجئ عربي عاش في بلدها منذ عقود، وذلك الشاب الألباني الذي يعتقل أخيراً، بعد أن كان صديقاً للمتشرد العربي، وتنتهي الرواية بصوت ساعي البريد الذي يشرح كيف وصلت إليه تلك الرسائل؟ وكيف صنفها؟ لا تتحدد الشخصيات في هذا العمل بأسمائها، لكنها تحدد بصفاتها وأفعالها التي تتجلى في أثناء كتابة الرسائل بين أفراد المجموعة، وتتسم الأماكن في العمل الروائي بكونها أقرب إلى أماكن عامة، مثل: أرض المهجر، المطار، الفنادق، ملاجئ المشردين، ومن ثم تأتي الأماكن الخاصة كالمنازل بوصفها استكمالاً لما يدور في تلك الفضاءات العامة.
راوح السرد في الرواية بين ضميري المتكلم والمخاطب، وهما ضميران نادرا الاستعمال معاً إلا حال توظيفهما في القالب الرسالي، وهو ما ظهر في الجزء الأول والأكبر في الرواية التي تضم الرسائل الخمس المتداخلة أو لنقل: المتقاطعة؛ كُتبت الرسالة الأولى من حبيب إلى حبيبته التي هجرها، أما الرسالة الثانية فهي من امرأة مسنة تنتظر صديقاً حميماً لا يأتي، مع كونها عرفته منذ عقود، تعثر هذه المرأة على الرسالة الأولى في غرفة الفندق التي استأجرتها انتظاراً لذلك الفارس العربي، الذي يقرر بعد وصوله أن يعود إلى بلده، وكانت الرسالة الثالثة إلى أمّ ذلك الشاب الذي كان فتى خجولاً، ثم تحول إلى سجين استغله سجانوه؛ ليكون مثلهم في العنف والقسوة على الآخرين، يلتقي بشاب ألباني بعد هروبه ولجوئه إلى بلد أجنبي، يتعرف على امرأة أوروبية، ويقيم معها علاقة جنسية، ولا يلبث أن يقتلها ويسلبها. أما أخته فتكتب له في الرسالة الرابعة وتبين ظروفها الصعبة التي حولتها إلى خادمة وعاهرة، وتكشف كيف تركت أمها في لحظات الموت، وكيفية سرقتها مال والدتها، ثم تفصح عن جريمة قتل مخدومتها ثم سرقة أموالها. يتحول الشاب إلى مثلي منفي، مصاب بفقد إحدى عينيه، كما يتجلى في الرسالة الخامسة التي بعثها إلى أبيه.
إلى جانب الصور التي تكررت في الرواية ظهرت تشكيلات من المجازات الفاعلة فيها؛ ومثال ذلك ما ورد في الرسالة الأولى حين شبه حبيبته المفقودة بصور متتالية: «صراحة، أصبح لا يطاق بحثك عن المعاني. صرت تشبهين حكايات الكتب التي تقرئينها: بداية، متن، نهاية. ثلاثية المنطق الحديدية. صرت مرعبة في شطارتك، في محاولاتك سحب بواطني، بلذة الصياد حين يقدم على شق أحشاء الطريدة منتصراً رافعاً سلاحه، بادئا بالسكين من أسفل البطن، قبل أن يتوقف القلب تماما، بينما البخار الخفيف ما زال ينفث في الشدق المفتوح» ص 15، وتكرر توظيف الحذف في الرواية، ومن أبرز ملامحه حذف أسماء الشخصيات اتساقاً مع هامشيتها في مجتمعاتها الأصلية، وتوافقاً مع أوضاعهم في البلدان التي هاجروا إليها، ومن ذلك توظيف علامات الحذف، وكان هذا التوظيف مراوحاً بين حذف مفردة واحدة، وهو يأتي، غالباً، لما يُستقبح ذكره كألفاظ الجنس وما يماثلها، أو حذف جملة أو جمل تأتي مراعية للسياق، وتترك أحياناً للمتلقي كي يقوم بملئها دلالياً بما يناسب النص.
ووفقا للمعطيات السابقة فإن رواية «بريد الليل» قد قاربت تحقيق مؤشرات الفوز، ونجحت في استمالة محكميها؛ استهلالاً بلغتها، ومروراً ببنائها الذي كان جديداً واستثنائياً، وانتهاءً بمكوناتها الجمالية الأخرى.

- كاتب سعودي



الفائز بجائزة غونكور الأدبية يدافع عن استخدامه «المرِح» للذكاء الاصطناعي

الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا الحائز على جائزة غونكور الأدبية عن روايته «المرأة المجهولة على رصيف جافيل» يقف عند نافذة مطعم دروان عقب حفل توزيع الجوائز في باريس (أ.ف.ب)
الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا الحائز على جائزة غونكور الأدبية عن روايته «المرأة المجهولة على رصيف جافيل» يقف عند نافذة مطعم دروان عقب حفل توزيع الجوائز في باريس (أ.ف.ب)
TT

الفائز بجائزة غونكور الأدبية يدافع عن استخدامه «المرِح» للذكاء الاصطناعي

الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا الحائز على جائزة غونكور الأدبية عن روايته «المرأة المجهولة على رصيف جافيل» يقف عند نافذة مطعم دروان عقب حفل توزيع الجوائز في باريس (أ.ف.ب)
الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا الحائز على جائزة غونكور الأدبية عن روايته «المرأة المجهولة على رصيف جافيل» يقف عند نافذة مطعم دروان عقب حفل توزيع الجوائز في باريس (أ.ف.ب)

دافع الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا عن استخدامه «المرِح» و«الساخر» والمحدود للغاية للذكاء الاصطناعي في روايته التي نالت جائزة غونكور الأدبية المرموقة لهذا العام، وفق تعبيره.

وقال جاينادا أمس (الجمعة) في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» عبر دار نشر «فلاماريون» التي يملكها، وأوضح فيه كيفية استخدامه لهذه التكنولوجيا، إنه «من السخف تماماً التفكير ولو لنصف ثانية أنني استخدمت الذكاء الاصطناعي التوليدي لكتابة أي شيء في هذا الكتاب».

وأضاف: «إن استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مرحة، أو ساخرة (...) مع الإقرار التام بذلك قبل كل شيء (...) كان في الواقع جزءاً من خطتي حتى قبل أن أبدأ في الكتابة».

واعترف جاينادا -الذي أُعلن الثلاثاء فوزُه بجائزة غونكور لعام 2026 عن روايته «المرأة المجهولة على رصيف جافيل»- بأنه استعان بالذكاء الاصطناعي ثلاث مرات خلال عملية الكتابة.

وجاءت تعليقاته في ظل موجة من ردود الفعل السلبية عالمياً ضد أكاديميين ومؤلفين تم استبعادهم من مسابقات أدبية على خلفية مزاعم تفيد باستخدامهم لهذه التكنولوجيا في كتاباتهم.

وأكد جاينادا مجدداً أنه لم يستخدم الذكاء الاصطناعي سوى ثلاث مرات في روايته التي تتناول جريمة قتل غامضة ظلت من دون حل لامرأة من منطقة بريتاني في أواخر أربعينات القرن الماضي.

في البداية، طرح المؤلف سؤالاً على روبوتات الدردشة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وذكر أنه تلقى «إجابات شديدة الدقة إلى حد يبعث على السخرية»، واعتبر أن هذا الأمر جعلها إجابات «غبية، ومتناقضة». ثم استخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أكثر تقليدية، وهي إجراء البحوث. وأخيراً قال إنه عمد إلى «إخفاء جملة أنشأها الذكاء الاصطناعي داخل النص». وأشار إلى أن الجملة تتكون من 10 كلمات فقط، ومنذ نشر الكتاب يتلقى العشرات من التخمينات من القراء، وقال الكاتب إنه قرر الكشف عن الجملة رداً على «الغباء، والخيانة، وسوء النية».

والشهر الماضي أكدت دار نشر كندية أنها قطعت علاقتها مع الكاتب الهايتي الكندي ثيليسون أورليان الذي كان من المرشحين الأوفر حظاً لنيل غونكور بعد سحب روايته من القائمة النهائية للجائزة بعدما سرت تكهنات بأنه استخدم الذكاء الاصطناعي لكتابتها.


توقيت يثير الاستغراب... سلسلة ميلانيا ترمب الوثائقية الجديدة تثير موجة انتقادات

السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (إ.ب.أ)
السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (إ.ب.أ)
TT

توقيت يثير الاستغراب... سلسلة ميلانيا ترمب الوثائقية الجديدة تثير موجة انتقادات

السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (إ.ب.أ)
السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (إ.ب.أ)

أثار الإعلان الترويجي للسلسلة الوثائقية الجديدة عن السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب انقساماً في الآراء على الإنترنت، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وبحسب استوديوهات «أمازون إم جي إم» (Amazon MGM Studios)، تكشف سلسلة «ميلانيا» (Melania) عن قصص تُروى للمرة الأولى، وتقدم نظرة غير مسبوقة على حياة ميلانيا ترمب، بما في ذلك الأيام الاستثنائية التي أعقبت مباشرة مراسم تنصيب الرئيس الأميركي السابع والأربعين.

وتتألف السلسلة من حلقتين، تحمل الأولى عنوان «العائلة والثقة» (Family & Trust)، فيما تحمل الثانية عنوان «الفخر والشرف» (Pride & Honor)، ومن المقرر أن يبدأ عرضها في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) على منصة «برايم فيديو» (Prime Video).

ويأتي هذا العمل بعد أشهر من إصدار فيلم وثائقي من إنتاج استوديوهات «أمازون إم جي إم»، تناول حياة السيدة الأولى خلال الأيام العشرين التي سبقت مراسم تنصيب زوجها دونالد ترمب لولاية رئاسية ثانية.

وفي الإعلان الترويجي للسلسلة الجديدة، تظهر ميلانيا وهي تقول في تعليق صوتي: «أنا أم وزوجة، وأيضاً سيدة أولى».

ومع ظهور لقطات لابنها بارون على الشاشة، تضيف: «إنه أولويتي، وسيظل دائماً أولويتي».

انتقادات حادة وتفاعل واسع

أثار المقطع الترويجي ردود فعل قوية بين المشاهدين، خصوصاً أن طرحه جاء بعد أيام قليلة من تعرض ترمب والجمهوريين لهزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي.

وكتب أحد المستخدمين على منصة «إكس»: «يا له من توقيت مثالي! لا يمكن اختلاق شيء كهذا!».

فيما وصف مستخدم آخر ميلانيا بأنها «تفتقر تماماً إلى الحس العام»، متسائلاً: «لا بد أن هذا مجرد مزحة، أليس كذلك؟».

وعلّق شخص آخر قائلاً: «بعد الكارثة الانتخابية التي وقعت مساء الثلاثاء، فإن الاعتقاد بأن الجمهور يتوق إلى المزيد من المحتوى المتعلق بعائلة ترمب يعكس انفصالاً تاماً عن الواقع. افهموا المزاج العام يا أمازون!».

وكتب مستخدم آخر: «مسلسل؟ لقد فشل الفيلم فشلاً ذريعاً!»، في إشارة إلى الفيلم الوثائقي الذي صدر في وقت سابق من العام الحالي.

وتأتي السلسلة الجديدة بعد أشهر قليلة من إصدار فيلم وثائقي يحمل الاسم نفسه، «ميلانيا»، وثّق الأيام العشرين التي سبقت مراسم تنصيب دونالد ترمب لولايته الثانية عام 2025.

وقد واجه الفيلم، الذي أنتجته استوديوهات «أمازون إم جي إم»، انتقادات لاذعة من النقاد، ولم تتجاوز إيراداته العالمية 16 مليون دولار أميركي إلا بقليل.

وتكبّد الاستوديو خسائر مالية كبيرة بسبب التكلفة المرتفعة للفيلم، التي بلغت 40 مليون دولار لإنتاج العمل الوثائقي، إضافة إلى نحو 35 مليون دولار خُصصت للتسويق وحده.

وأثارت هذه المبالغ تكهنات بأن «أمازون» استثمرت هذا القدر من الأموال سعياً إلى التقرب من الرئيس الأميركي.

وفي مقابلة أُجريت معه في مايو (أيار)، دافع جيف بيزوس، مؤسس «أمازون»، عن التكلفة الإجمالية لفيلم «ميلانيا»، البالغة 75 مليون دولار، واصفاً إياها بأنها «قرار تجاري صائب».


لماذا يبدو الناس أصغر من عمرهم الحقيقي في هذا الزمن؟ أخصّائية بشرة تشرح وتنصح

أكثر من أي وقت مضى يتمتّع البشر بشيخوخة بطيئة لا تُظهر عمرهم الحقيقي (بيكسلز)
أكثر من أي وقت مضى يتمتّع البشر بشيخوخة بطيئة لا تُظهر عمرهم الحقيقي (بيكسلز)
TT

لماذا يبدو الناس أصغر من عمرهم الحقيقي في هذا الزمن؟ أخصّائية بشرة تشرح وتنصح

أكثر من أي وقت مضى يتمتّع البشر بشيخوخة بطيئة لا تُظهر عمرهم الحقيقي (بيكسلز)
أكثر من أي وقت مضى يتمتّع البشر بشيخوخة بطيئة لا تُظهر عمرهم الحقيقي (بيكسلز)

مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي بلغت الممثلة سلمى حايك الـ60. مَن ينظر إلى وجهها يكاد لا يصدّق الرقم. والحالُ ذاتُه مع جنيفر لوبيز التي تجاوزت الـ57 من عمرها، لكنها ما زالت تبدو أربعينيّةً برشاقة جسمها، ونضارة بشرتها. أما براد بيت فمن يصدّق أنه تَجاوز الـ60 بـ3 سنوات؟

في زمنٍ قريبٍ مضى، حتى أجمل وجوه هوليوود كانت تعكس عمرها الحقيقي، أو ربما أكثر. ملامح صوفيا لورين مثلاً في عمر الـ60 ليست كملامح سلمى حايك حالياً. والأمرُ ليس حكراً على نجوم الشاشة، والخشبة، إذ يكفي تصفّح ألبومات العائلة لاكتشاف أنّ الوالدة في سن الـ50 كانت تبدو خمسينيّة، والعمّ الأربعينيّ كان يعكس عمره الحقيقي، وأحياناً أكثر. فيما حالياً يبدو الخمسينيّون في الـ40، والأربعينيّون في الـ30، وهكذا دواليك.

عام 1949 الممثلة إليزابيث تايلور في سن الـ17 لكنها تبدو في أواخر العشرين (فيسبوك)

هل كان أهلُنا شباباً مسنّين؟

صحيح أنّ نجوم هوليوود محظيّون لناحية الرفاهية، وإمكانيّات العناية بأنفسهم، إلّا أنّ ظاهرة الشيخوخة البطيئة، أو عدم ظهور ملامح التقدّم في السنّ على الشكل ما عادت حكراً على مشاهير التمثيل، والغناء.

التفسير الأوّل لذلك التحوّل له أبعادٌ بصريّة، ونفسيّة. فعندما نتفرّج على صور أشخاصٍ من الماضي، نراهُم حُكماً في ملابس وتسريحات قديمة الطراز، فنظنّهم كباراً في السنّ. يكفي أن ينظر شخصٌ أربعينيّ إلى صورة والديه عندما كانا في عمره، ليندهش كم أنهما يبدوان أكبر منه في تلك الصورة.

أما من الناحية التقنية، والجماليّة، فإنّ ثقافة الصورة خضعت لتحوّلات جذريّة مع مرور السنوات، لا سيّما في العصر الرقميّ هذا. الصور اليوم ذات دقّة أعلى بكثير من تلك التي كانت تؤخذ بالكاميرات التقليديّة، ويجب ألا ننسى الاستخدام الكثيف لبرامج التجميل، والتَّنقية والفيلتر على منصات التواصل الاجتماعي، ما يجعل البشرة والملامح تبدو أكثر نضارةً، وشباباً.

عام 1983 الممثلان جورج ويندت وجون راتزنبرغ في الـ34 من العمر (إكس)

العمر الزمَني < العمر البيولوجي

لم يَحدُث في التاريخ البشري أن سُجِّل فارقٌ بين العمر البيولوجي والعمر الزمَني كهذا الذي يُسجَّل في زمننا الحالي. وإذا كان العمر الزمني هو ذاك الذي يُحسَب بدءاً من تاريخ الولادة، فإنّ العمر البيولوجي يُقاس بناءً على مدى سرعة شيخوخة الخلايا، والأنسجة، والأعضاء.

وفق دراسة أُجريت في السويد نشرتها منصة «هيلث دايجست» الأميركية، فإنّ الرجال السويديين المتقدمين في السن يصغرون بيولوجياً ما بين 3 إلى 4 سنوات عن الرجال في العمر ذاته من أجيالٍ سابقة. وليس الأمر محصوراً بالسويد، أو أوروبا، أو الولايات المتحدة، بل يمتدّ إلى جميع أنحاء العالم، حيث يتمتّع البشر بحدّ لا بأس به من العناية الطبية، والوعي الصحي.

السبب الثاني إذاً للفرق الملحوظ في ملامح العمر بين الأمس واليوم هو التقدّم في مجالات الطب، والتغذية، وأسلوب العيش بشكلٍ عام. بمعنى أنّ البشر باتوا يتنبّهون أكثر إلى ما يأكلون، ويعالجون أمراضهم بالأدوية الملائمة، ويعوّضون ما ينقصهم من فيتامينات بتناول المتمّمات الغذائية. أما النساء، فما عدن يُنجبن عدداً كبيراً من الأطفال كما كان يحصل في الماضي، وهذا أيضاً يساعدهنّ في الحفاظ على مظهر أكثر شباباً.

يُضاف إلى ذلك الحدّ من التدخين، والاهتمام المتزايد بالرياضة، بدليل أنّ الأندية الرياضية تغزو كل شارع في العالم وهي ممتلئة دائماً بالمتمرّنين الراغبين في تحسين لياقتهم، ورشاقتهم.

ساهمت ممارسة الرياضة في الحدّ من بروز علامات التقدّم في السن (بيكسلز)

لا تهملوا واقي الشمس

يبقى أن السبب الرئيس في ظهور الناس أكثر شباباً ممّا كانوا يبدون عليه في الماضي هو أساليب العناية بالبشرة، والتدخّلات التجميلية التي باتت تأخذ حيّزاً أساسياً من يوميات البشر، إناثاً وذكوراً.

في الماضي كانت لمسة العناية بالبشرة تقتصر على كريم الترطيب. أما اليوم فإن الروتين اليومي يتراوح ما بين سيروم الفيتامين سي صباحاً، والريتينول مساءً، وما بينهما من مستحضرات مضادّة للشيخوخة، وحقَن الفيلر، والبوتوكس، ومشروب الكولاجين، وغيرها الكثير.

يترافق ذلك مع وعي متزايد بهشاشة البشرة، وأهمية حمايتها. ففي حين كان بعض الجيل السابق يدهن وجهه بزيت التسمير عندما يرتاد الشاطئ، بات الجيل الجديد لا يخرج من المنزل قبل وضع واقي الشمس، أو الـsunscreen.

واقي الشمس هو المستحضر الأهم لمحاربة شيخوخة البشرة (بيكسلز)

التقدّم الصحّي بالسنّ أهم من الشباب الدائم

أبعد من واقي الشمس، وأخفّ حدّةً وتكلفةً من جراحات التجميل، ثمة أساليب للحفاظ على بشرةٍ أكثر شباباً تتحدّث عنها اختصاصية علاج البشرة سلام مرجانة في حديث مع «الشرق الأوسط».

تلفت مرجانة إلى أنّ المفهوم الرائج حالياً هو الـwell aging، أي التقدّم في السنّ بأسلوب جيّد؛ «ما عاد الهدف يقتصر على الظهور أصغر سناً، فالأساس هو التقدّم في العمر، مع الحفاظ على بشرة صحية، ومشرقة، وطبيعية».

يرتكز الاستثمار بذكاء في بشرة صحية على خطوات معيّنة تُعدّدها مرجانة. «أولاً، لا مفرّ من الالتزام بوضع واقي الشمس، تفادياً لآثار الأشعّة ما فوق البنفسجيّة، والتي تضاعف من احتمال ظهور التجاعيد، والتصبّغات، وفقدان البشرة مرونتها». أما اختيار مستحضرات العناية بالبشرة فلا يكون عشوائياً، بل يجب أن يتماشى مع طبيعة البشرة، وما يمكن أن تتحمّله. تركّز مرجانة على المستحضرات الأكثر فعاليةً في تصحيح علامات شيخوخة البشرة، على رأسها الريتينويد المضاد للأكسدة، والببتيد.

الريتينويد والببتيد أساسيان في محاربة علامات التقدّم في السن (بيكسلز)

لكلّ فئة عمريّة علاجاتها

لا يتوقف الأمر عند الكريمات، والسيروم، إذ يُقدّم عالم التجميل اليوم احتمالاتٍ لا متناهية من العلاجات غير الجراحية التي تدعم نضارة البشرة، وشبابها.

تنطلق مرجانة من تقنية الليزر المجزّأ Fractional Laser الذي يفعّل إنتاج الكولاجين، ويعالج بدايات التجاعيد، والندبات، والتصبّغات، كما أنه يحسّن ملمس الجلد. ثم توضح اختصاصية علاج البشرة أنّ لكل فئة عمرية العلاجات غير الجراحية الخاصة بها:

* من 30 إلى 39 عاماً

الأهم هو الوقاية من خلال استعمال واقي الشمس، ومضادات الأكسدة المرطّبة صباحاً، وعلى رأسها سيروم فيتامين سي، والريتينويد مساءً إذا كان يلائم البشرة، ومن دون إهمال علاجات التنظيف المحترفة.

سيروم فيتامين سي هو المستحضر الصباحي الأساسي قبل وضع واقي الشمس (بيكسلز)

* من 40 إلى 49 عاماً

تستمر الحماية، ويبدأ العلاج، أي عدم الاستغناء عن واقي الشمس، وفيتامين سي، والريتينويد، مع عناية مركزة للتجاعيد، والبقع الداكنة، والجفاف. وهنا يأتي الببتيد وحمض الهيالورونيك ليلعبا دوراً إضافياً. يُنصَح كذلك بالعلاجات غير الجراحية، مثل الـBBL التي تستخدم نبضات ضوئية عالية الكثافة لإصلاح البشرة، وتجديد حيويتها، ونضارتها، وتوحيد لونها.

من ضمن العلاجات غير الجراحية التي يمكن القيام بها في هذه المرحلة، الـMicroneedling، أي الوخز بالإبر الدقيقة. وهو توغّل طفيف على سطح البشرة يحفّز إنتاج الكولاجين، والإيلاستين.

يحفّز الـmicroneedling إنتاج الكولاجين والإيلاستين (بيكسلز)

* 50 وما فوق

يبدأ دعم التغيّرات الهرمونية من خلال الترطيب المكثّف، والعناية المضادة للشيخوخة، مع الحفاظ على كل ما سبق من مستحضرات، ومن دون إهمال الروتين المسائي.

أما على خط العلاجات، فتنصح مرجانة بالـUltherapy، وهو إجراء تجميلي غير جراحي يستخدم الموجات فوق الصوتية المدعومة بتقنية التصوير المباشر، وذلك لشد ورفع الجلد المترهل في مناطق الوجه، والعنق، والصدر.