باسيل: الحكومة مهددة.. ومنعنا انفجارها حتى الآن

وزير الخارجية اللبناني قال في حديث مع {الشرق الأوسط} إن الحوار مع الحريري في «ركود».. ونحن مصرون على استكماله إذا أراد

وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل
وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل
TT

باسيل: الحكومة مهددة.. ومنعنا انفجارها حتى الآن

وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل
وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل

حذر وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل من أي صفقة توصل شخصا «لا يمثل المسيحيين» إلى موقع رئاسة الجمهورية الشاغر منذ أن عجز البرلمان عن انتخاب رئيس جديد في 25 مايو (أيار) الماضي، محملا من ينخرط فيها «مسؤولية الانزلاقات التي سوف تحصل».
وشدد باسيل في حوار مع «الشرق الأوسط» على أن العقبة في هذه الانتخابات «ليست في موقف العماد عون»، بل في ضرورة إنصاف المسيحيين في إيصال من يمثلهم إلى موقع الرئاسة وتحقيق الشراكة الفعلية. وأكد أن اقتراح تكتل عون تعديل الدستور لانتخاب الرئيس مباشرة من الشعب «لا يهدف إلى تغيير النظام السياسي القائم»، مقترحا في حال رفض اعتماده القيام بالمداورة في رئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة».
وأعلن باسيل الذي ينتمي إلى التيار الوطني، بقيادة العماد ميشال عون، أن الحوار مع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في «حالة ركود»، مؤكدا أن «الموانع ليست من جهتنا»، مشددا على أن «هذه الموانع مهما كانت طبيعتها، داخلية أو خارجية، يجب أن تسقط، لكي نواكب هذه الحركية التي تواجه الإرهاب وتسقطه». ونبه إلى أن «الدفع الذي قدمناه في الحوار الماضي وصل إلى خواتيمه، فالقضية بحاجة إلى دفع إضافي وإلا سنكون أمام مشكلة». وفيما يلي نص الحوار:

* هناك تحالف دولي يتشكل ضد الإرهاب أين لبنان منه؟
- أين نحن من «داعش» أمر معروف، أي أن الموقف البشري الإنساني معروف، لكن ليس معروفا بعد أين الحقيقة المرسومة لـ«داعش»؛ لأن «داعش» لم يوجد من لا شيء أو من دون تنبيه إلى خطورة وجوده، ومن دون مراحل مر بها وجوده التدريجي، إلى أن وصل إلى حد أن احتل 250 ألف كم مربع وأصبح يملك 1500 مدرعة، ويحكم 10 ملايين إنسان، هذا لم يوجد من دون غطاء وسقوط وتواطؤ، فإذا اليوم أصبحت هناك استفاقة على هذا الموضوع وعودة عن خطأ ورغبة في القضاء على «داعش»، فهذا شيء مهم جدا، لكن على أن يكون القضاء على«داعش» وليس تحجيما لـ«داعش» لأنه وحش مفترس، كما تبين مع تجربة أسامة بن لادن و«القاعدة» من قبل، وهذه التجربة تتكرر.
لكن السؤال الكبير هو أن هذا التحالف المزمع تركيبه هو مفترض أن يكون قائما بالفعل، منذ حرب العراق، حيث كانت هناك اتفاقات دولية وعربية حول الإرهاب، وقرارات دولية معنية فقط بالإرهاب مثل قرار 1710. المنظومة المضادة للإرهاب موجودة ويجب وجود القرار السياسي الواضح بتفعيلها، ويمكن بعدها يكون القضاء على «داعش» وأسماء التكفير سهلا.
في لبنان نحن في قلب الحدث وليس على طرفه، انطلق من لبنان وعاد إلى لبنان، أساسا وقبل أن يكون هناك شيء في العراق. في عام 2000، كان يوجد في لبنان «داعش» على مستوى مصغر (أحداث الضنية بين الجيش ومجموعة متطرفة) كذلك في عام 2007 (حرب مخيم نهر البارد مع فتح الإسلام) لذلك نحن في قلب الحدث وفي قلب أي تحالف يتم، وارتسمت ملامحه في وجه الإرهاب.
* هل هناك تواصل مع الأميركيين في هذا الصدد؟
- طبعا، لا يمكن أن يقوم هذا الخط المواجه لـ«داعش» ولبنان لا يكون في صلبه. الأميركيون يدعمون الجيش لكن هل يكفي؟ بالطبع لا، نحن بحاجة لشيء أكبر. نحن بحاجة إلى منظومة وطلبنا من الأميركيين تأمينها.
* وما هذه المنظومة؟
- هي منظومة معلوماتية ومنظومة لضبط الأموال استعملت في لمواجهة تبييض الأموال في محاربة «القاعدة» ونجحت، فيجب أن تستعمل ضد «داعش». نريد منظومة فكرية تجفف الفكر الإرهابي لدى «داعش» وكل منابعه المعروفة، فنحن قادرون على أن ندخل إليها ونغلقها، وهذا الشيء يجب أن يستتبع بعمل دبلوماسي وسياسي وأمني وعسكري كامل للقضاء على هذه الظاهرة بالكامل.
* هذه العملية ممكن أن تتم بالعراق بمعزل عن سوريا أو لبنان مثلا؟
- لا يمكن أن تترك متنفسا واحدا لـ«داعش»، لأنه واضح أن هذه الحركات، مع التكنولوجيا الموجودة اليوم، ليس لها حدود. وفكر هذا التنظيم ليس له حدود لأنه لا يملك قضية مرتبطة بجغرافية أو مساحة أو حدود دولة، بل فكرها معمم، ووسائل الأذى أيضا ليس لها حدود. على صعيد الأذى الفكري، التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني، يطال كل الناس، وإن كان الأذى المادي فالبكتيريا والأسلحة والطائرة، تمكنك أن تصل من متر مربع على الأرض لتطال آلاف الملايين من الكيلومترات بأسلحة كيماوية استعملت وبيولوجية يوجد خوف من استعمالها، لذلك ليس هناك حدود لهذا الموضوع ولا يمكن أن يبقى أحد في مأمن. ونحن كدولة قدرنا أن نطلق آلية قضائية دولية في ملاحقة الإرهابيين، وخصوصا المقاتلين الأجانب المنتمين إلى «داعش» وأرسلنا مجموعة من وزراء خارجية الدول المعنية من بعد أن تجاوبت معنا المحكمة الجنائية الدولية وطلبت معلومات وننتظر أن نجمع ونستحصل على معلومات.
* وفي لبنان نحن أيضا في قلب الحدث؟
- طبعا، فعندما تشاهد الأحداث التي تحصل عندنا مثل أحداث طرابلس وعبرا وعرسال أخيرا، فهذا يدل على أنه ليس جزءا من لبنان، بل في أكثر من ناحية من لبنان وهذه الأحداث بمثابة مثلث تربط لبنان من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه.
* هناك لغز اسمه عرسال؟
- عرسال ليست لغزا، بل هي قاعدة تمويل للمسلحين والإرهابيين في جرود القلمون وجرود عرسال. وهذه القاعدة خلقت حولها بيئة غريبة عنها، وعن أهلنا اللبنانيين في عرسال، وخلقت بيئة غير لبنانية احتضنت المسلحين واختلطت ما بين الجرد والجبل والبلدة اللبنانية، واختلط الناس من سوريين ولبنانيين وأجانب ببعضهم البعض، وأصبحت قاعدة تمويل وتسليح للمجموعات الإرهابية فيما بعد. خلاص عرسال يكون بإبعاد المسلحين عنها وإبعادها عن النازحين وإعادتهم إلى بلادهم في سوريا، هكذا يتم تنظيف عرسال وتحررها بشكل فعلي. لأن الآن تحرير عرسال مجتزأ، وعليك أن تحررها بشكل فعلي وألا تكون حالة لتغريبها عن الوطن. هذا الحل يتطلب أداته العسكرية في أن يحكم الجيش السيطرة على عرسال ويمنع المسلحين من الدخول إليها، وله مكون ثان سياسي اجتماعي أمني دبلوماسي الذي هو إبعاد النازحين وإعادتهم إلى سوريا، على ضوء التجربة التي حصلت مع 1700 شخص (سوري) من عرسال، هذه التجربة يمكن تكرارها.
* الناس الخائفة على حياتها وتلجأ إلى لبنان هل تستطيع أن تقول لهؤلاء أن يرجعوا إلى سوريا؟
- في جميع الأحوال علينا أن نسعى لوضعهم في المكان الأمن ما بين لبنان وسوريا، على الحدود هناك، إلى حين أن تطمئن وتقرر أن ترجع. فخوف الإنسان على أمنه لا يمكن أن يتحول إلى المس بأمن الآخرين، واليوم كل الأمن اللبناني يمس به نتيجة وجود أماكن يتبين، ولو بعدم رضا الناس، لكنها أماكن يمكن أن تتحول في حالة معينة إلى أماكن لجوء للإرهابيين وليست أماكن للنازحين السوريين، هل نحن بصدد قيام قواعد عسكرية؟
* هل هذا الموضوع بحث بشكل جدي في الحكومة؟
- طبعا، ونتيجته أن هناك بعض القرارات اتخذت، وهناك حاجة إلى أن يتبلور من بعد الخطة الأولى التي وضعتها الحكومة، والتجربة التي على ضوئها أثبتت أن هذه الإجراءات التي اتخذت لم تكن فعالة بشكل كاف، فيجب أن نتحول إلى إجراءات أكثر حزما بكثير بالحد الكامل من دخول النازحين إلى لبنان وضبط التسجيل ونزع صفة النازح عن غير مستحقيها، من أجل إيصال المساعدات للنازحين الفعليين، وبعدها خلق كل الوسائل التي تشجع النازحين للعودة إلى سوريا، نحن نريد أن نصبح في مرحلة تناقص العدد وليس تزايده. والآن أعتقد أن لدينا حدا فاصلا لهذا الموضوع لجدية الحكومة في التعاطي مع هذا الموضوع ولمواجهة المجتمع الدولي فيه، في نيويورك في اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة، هذا الموعد والمكان الذي لا يمكن للحكومة التهرب من أخذ إجراءات ملموسة وفعلية تؤدي إلى تناقص عدد النازحين السوريين في لبنان.
* هل لدينا الانسجام الكافي في الحكومة بهذا الموضوع؟
- لدينا النية الكافية، إنما وسائل التنفيذ لا تزال قاصرة عن مواءمة النيات، لذلك أنا واضح وأتكلم عن وقت ومكان وزمان محددين، وإن لم نذهب في هذا الاتجاه، فالحل الثاني سيكون الانفجار اللبناني–السوري، وفي داخل التركيبة اللبنانية بكل حساسيتها وتوازناتها وانفجار اجتماعي اقتصادي أمني كبير جدا.
* في السياسة يبدو كأننا اعتدنا أن لا يكون هناك رئيس للجمهورية، إلى متى؟
- أول شيء، هذا دليل أولا، على أمرين: أولا يدل على الصلاحيات الناقصة لدى رئيس الجمهورية إلا في محطات معينة يستطيع فيها أن يكون شريكا فعليا وهناك توازن في السلطة، وثانيا دليل على حاجاتنا إلى رؤساء أقوياء وفاعلين وممثلين لكي يكونوا فارقا كبيرا في الحياة السياسية والوطنية.
* هل صحيح ما يقال إن أساس المشكلة هي عند العماد ميشال عون الذي يعتمد قاعدة أنا أو لا أحد للرئاسة؟
- المشكلة هي عند كل المسيحيين الذين هم المكون النصف في التركيبة اللبنانية. ونعم إما هم في موقع الرئاسة أو لا أحد، أو لنبحث في شيء ثان، أي في كل المكونات للسلطة اللبنانية. هل تقوم على أساس المبادلة (في رئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة) أو المداورة، لكنها ليست معادلة أشخاص، بل معادلة مجموعات، ودائما الجماعات تتمثل في أشخاص إنما هذه معادلة ظلامية ومظلومية ولا توازن واختلال لنصف البلد.
* هناك حلول تطرح اليوم ومن ضمنها أنه إذا ليس هناك مجال لميشال عون ممكن أن يأتي جبران باسيل رئيسا للجمهورية؟
- (ساخرا) أصبحت هذه الخبرية قديمة جدا.. و«بايخة».
* ألم تطرح؟
- نعم طرحت في بعض الأوساط لكننا تجاوزناها منذ زمن بعيد.
* هناك مأزق ما في موضوع الرئاسة، ويجب أن يكون هناك حل آخر.. لهذا طرحتم انتخاب الرئيس من الشعب مباشرة؟
- بالديمقراطيات، هناك نتيجة تذهب لشخص ولا تستطيع أن ترفض هذه النتيجة. لا تستطيع أن تقول في أميركا إن أوباما رئيس وفي هولندا نقول لهم اتفقوا على رئيس. لذلك إما أن تقبل التركيبة اللبنانية بقرار الناس الذي تم سابقا (الانتخابات النيابية التي أظهرت من هو صاحب أكبر كتلة مسيحية)، أو أن نحتكم للشعب ليقرر. لكنّ هناك عيبا في هذه التركيبة الموجودة في هذا النظام. نحن نقول إن في هذا الوضع الصعب في المنطقة يستأهل أن نقدم لبنان فرصة للحياة لكي يعيش. وهذه الفرصة باحترام الشراكة بين الأقوياء والممثلين الفعليين لكل مكونات المجتمع اللبناني بشراكة فعلية في السلطة التي هي روحية الطائف وروحية الميثاق، وهذا معنى لبنان. وإذا لا تريد أن تحترم هذا الشيء وفقا لقواعد تمثيلية حقيقية، ونحن كنا منفتحين ولم نقل أن تنحصر في شخص واحد، بل تنحصر بمجموعة أشخاص يمثلون، لكن لا نذهب إلى من لا يمثلون. إذا لم تقبل هذه الفكرة، فنحن لم نقل أن يعاد النظر في النظام كله، بل نقول إن هذه المشكلة التي تتكرر بموقع الرئاسة كل 6 سنوات (عند انتهاء ولاية كل رئيس)، فلنذهب إلى الناس ليختاروا رئيسهم، وهذا على أساس نفس الصلاحيات الموجودة لدى الرئيس ونفس التركيبة (السياسية) لكي يصل إلى هذا الموقع من يستحق أن يصل. هذا ليس فيه مس بهذا النظام.
* وإذا لم تقبل؟
- إذا لم تقبل بهذا أيضا، فأنت ماذا تقول؟ أنت تؤكد أن هذا النظام غير قابل للحياة، هل المطلوب دفنه. تستطيع أن تذهب للمسيحيين وتقول لهم، انظروا ما الذي يحصل مع الشيعة والسنة كونوا مثلهم، وتعالوا نقم بنفس طريقة الانتخاب في رئاسة مجلس النواب ورئيس الحكومة ورئاسة الجمهورية، وأن نعتمد نفس المعيار الذي نطلب من المسيحيين أن يعتمدوه، بأن يأتي رئيس للبرلمان أو الحكومة وفاقي ولا يمثل أحدا.
* يقال إن الطرح الذي تقدمونه قد يكون غير قابل للتنفيذ عمليا، لأنه يحتاج إلى تعديل دستوري.. وثانيا، إننا في عقد غير استثنائي..
- أدعوهم لأن يحترموا النتيجة الشعبية.
* هم يقولون لك أن تذهب إلى مجلس النواب وتصوت، وليس هناك مشكلة من سيفوز برئاسة الجمهورية؟
- الدستور اللبناني يقول إن لك الحق بألا تنزل إلى المجلس النيابي.
* كيف؟
- عندما يضع لك الدستور نصاب جلسة فهو يعطي الإمكانية للنائب في ألا يؤمن النصاب وإلا لما قام بوضع نصاب، وهذا حق مقدس من الدستور، معطى للنائب لكي يمارسه، من الطبيعي أنه ليس شيئا جيدا أن نصل إلى هذه المرحلة (الفراغ في موقع الرئاسة) لأن هناك عدم اعتراف من فريق بوجود فريق آخر وبأحقيته وتمثيله. المعادلة سهلة جدا، وقبلا كان مبررا السكوت عنها في ظل الوجود السوري ووصايته على لبنان مرة واثنتين، ثم قبلت التسوية بحجة أنها وضع استثنائي يتم تعويضه، قبلت التسوية في عام 2008 (انتخاب الرئيس ميشال سليمان) فهل سنبقى ننتقل من تسوية إلى تسوية تأخذنا من مزيد إلى مزيد من التدهور والتقهقر والتراجع بالدور المسيحي والتمثيل والشراكة، إلى متى ومقابل ماذا، وفي انتظار ماذا؟
أعتقد أن اللبنانيين واعون للمخاطر المقبلة والمسيحيين يؤكدون مرة ثانية تمسكهم بهذا الوطن وبصيغته مع المسلمين ويؤكدون على دورهم في الدفاع المستميت والفعال عن الإسلام في وجه ما يصور عليه الإسلام، لأننا نحن من يعرف حقيقة الإسلام، ونحن من يستطيع أن يخبر الغرب وكل من يعمل لأن يحول القضية إلى صراع أديان وتعميم الشر والأذى على المسلمين، وهذا الاستثناء الذي يؤكد أن الإسلام دين تسامح، نحن من يقدر على لعب هذا الدور، ونعطي ميزة للبلد ولهذا النموذج في التعايش، لأن الخيار البديل هو أن تأتي مجموعة تقتل كل ما يختلف عنها، فنحن القادرون على التسويق للفكر الثاني، لأن اليوم في الإعلام الغربي هناك العلم الأسود و«الله أكبر» وقطع الرؤوس، لكن لا أحد ينقل الخطابات التي يقولها المشايخ في المساجد وتدعو للخير والتسامح، لماذا؟ لأن صوت الشر اليوم أقوى وله ردود فعل من الغرب تنمو تدريجيا، وهذا يولد تطرفا من نوع آخر، لكن نحن القادرون على تخفيف حدة هذا الصراع وشكله الطائفي. ونقول إن هذا الصراع ليس صراعا بين أديان، بل هذا صراع بين بشر وغير البشر، بين إنسان ولا إنسان بمعزل عن دينه وطائفته، فهل نعاقب على هذا الشيء بدورنا في لبنان؟ يجب أن نشجع (المسيحيون) لكي نبقى أكثر في هذه الأرض ونلعب هذا الدور، الذي في النهاية هو دور يساعد في الدفاع عن كل الأديان.
* إلى متى سيستمر هذا الفراغ الرئاسي؟ هناك استحقاق وانتخابات نيابية يفترض أن تجرى في أكتوبر.
- نعم، فلتجرَ الانتخابات النيابية، كيف أصدرت الحكومة مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وكيف أنا اليوم كوزير خارجية دعوت المنتشرين في العالم لتواريخ اقتراع. نستطيع أن نقوم بعملية انتخابية، نصل إلى مجلس جديد قد يكون الشعب اللبناني في وعي أكبر والمجلس الجديد يكون عبر عملية انتخابية صحيحة.
* لكن يبدو أن الاتجاه العام للتمديد؟
- نحن ضده، وعندما تقدر في أن تقوم بانتخابات في تونس ومصر والعراق وسوريا رغم كل المجازر الحاصلة، ليس مبررا ألا تكون هناك انتخابات في لبنان. الطبيعي أن تكون هناك انتخابات وإذا حصل أمر ما في موقع ما لطارئ أمني، تؤجل في هذا الموقع، وتعيد له الانتخابات وحده، فلا مبرر في أن نعيد لبنان في زمن أنت تنشر فيه الديمقراطية في المنطقة والبلد الديمقراطي الأول أن يمدد مجلس النواب لنفسه. وأعتقد أن النموذج اللبناني إذا سقط في معناه الديمقراطي والتنوعي والتعددي، فكل المنطقة ذاهبة إلى أتون صراع لن تخرج منه إلا في وعي وفكر نير، وبتغلب على العصبية وباللجوء إلى فكرة الإنسان–القيمة الذي يجب أن ينتصر بتنوعه وتعدده وحريات فكره بمواجهة ظلام حقيقي، فماذا تنتظر من أشخاص يذبحون بهذا الشكل، وينظرون إلى الإنسان على أنه خروف ويذبحه بهذه الصورة، فما الذي يميزهم عن أكلة لحوم البشر، فنحن نرجع إلى العصور الحجرية وما قبل الجاهلية.
* أنت متهم، كفريق سياسي، بأنك تستعمل «داعش» لتخويف المسيحيين؟
- أنا هنا أنبه المسلمين والمسيحيين وأقول لهم أن يتحدوا مع بعضهم وأن ينسوا كل المشكلات الصغيرة لأنه في اتحادهم وجرأة عملهم، «داعش» ليس له وجود، ويقضي عليه بسرعة. لكن استغلال وجود «داعش» لغايات سياسية في مكان ما وزمان ما، واعتقاد أنه يمكن حصره في خانة معينة وبعدها نفلت الوحش في اتجاه ثان–لنحقق منه غاية، هذا يبين أن ليس له حدود، الفكر التكفيري ليس له حدود ويجب أن لا يكون له وجود، ليس له حدود في الشر المطلق الذي يتمتع به.
* أين أصبح حوار التيار الوطني الحر مع الرئيس سعد الحريري؟
عندما كان (الحوار) شغالا، أعطى للبلد كثير، من حكومة وتوافق، وفرض خطة أمنية وجعل هناك استقرار وتعيينات وأطلق الاقتصاد، وكل ذلك في فترة قصيرة جدا. والآن لأننا في حال ركود، نرى المخاطر تقترب أكثر على الحكومة وعلى الاستقرار في البلد. ومن الأكيد أن الموانع ليست من جهتنا طبعا، ونحن دائما لدينا رغبة مفتوحة في فعالية هذا الحوار، لكن هذه الموانع مهما كانت طبيعتها، داخلية أو خارجية، يجب أن تسقط، لكي نواكب هذه الحركية التي تواجه الإرهاب وتسقطه. هذا يمكن أن يجعل لنا مكانة داخلية لنواجه فيها أخطار الخارج وتجعل اللبناني فاعلا على المنظومة التي نسعى لتركيبها وهي منظومة مواجهة الإرهاب.
* رئيس البرلمان نبيه بري قال لـ«الشرق الأوسط» أخيرا إنه صارح العماد عون بأن الحوار مع الحريري لن يوصله إلى نتيجة..
- نحن مصرون على الحوار مع الحريري وكل مكونات البلد لكي نصل إلى نتيجة، وهذا واجبنا لأنه ما هي خياراتنا الأخرى؟ نحن سمعنا نصائح كثيرة في هذا الموضوع ونحن مدركون ما هو المأمول وما هو غير مأمول، ومصرون على أن نكمل في حوارنا، إذا كان الحريري يريد أن يكمل في الحوار وينتج. لأن هذا الحوار عليه أن ينتج وليس حوارا لمجرد الحوار، وأنا أقول لك إننا أمام مرحلة حساسة جدا في لبنان ليس فقط في الخطر التكفيري الخارجي، لكن في إمكانيات تثبيت التوافق الداخلي، والحكومة أمام لحظة دقيقة جدا في انفراطها أو أن تكمل متماسكة، والدفع الذي قدمناه في الحوار الماضي وصل إلى خواتيمه، فالقضية بحاجة إلى دفع إضافي وإلا سنكون أمام مشكلة، لن يحلها لا تمديد لمجلس النواب ولا اتفاقات موضعية يعمل عليها البعض ونحن نعلم ذلك، بل ستكون مسكنات محلية لأزمة لاحقة.
* ما الذي يمكن أن يفجر للحكومة؟
- هي على أبواب انفجار منعناه في الأيام الأخيرة، ونأمل أن يضع الجميع يده معنا لكي نزيل هذا الصاعق.
* وما سببه؟
- سببه أمران، أولا الخطر المحدق الذي هو أمن وإرهاب وكيفية تعامل الحكومة معه، وكان هناك مشهد جميل (في الحكومة) بعد أن استوعبت الضربة في عرسال، لكن نتمنى أن تعود عرسال إلى ما كانت عليه في السابق، وهذا خطر كبير ممكن أن يتفشى، وإذا الحكومة غير قادرة أن تقوم بهذا الشيء، فإذا بماذا هي قادرة أن تقوم؟ وهذا سبب وجودها.
الخطر الثاني هو آلية وروحية عملها الميثاقية التي اتفقنا عليها ليست تعطيلية، وكل جهة تستغل هذه الآلية الوفاقية وعدم رغبتنا في التعطيل لكي تضرب ضربات سياسية في مجالات كبيرة خدماتية وحياتية ويومية تعطل شؤون الناس، وتضرب هيبة الدولة ولا تدل على أن هناك حكومة تعمل، وهذا يهدد روحية التوافق في الحكومة وكل عمل الحكومة.
* هناك كلام عن التسوية التي تحدثت عنها، وهناك جهد كبير للوصول إلى رئيس توافقي، هل قادرون أن تمنعوه وهل عندكم ثقة في حلفائكم؟
- من يقدر أن يوصل (رئيسا) فليكن، لكن هو من يتحمل النتائج. لا نمنع أحدا، والبرهان أن (مقاطعة جلسات الانتخاب) ليست موقفا مبنيا على انقسام فريقي «14 آذار» و«8 آذار». فالرئيس نبيه بري يدعو (للجلسات) ويحضر. نحن لا نمنع أحدا بتاتا، نحن لم نطلب شيئا من أحد ولا هم طلبوا منا شيئا في ما يخص هذا الموضوع، وكل جهة حرة في موقفها. والفارق هو أن أي تعاطٍ خاطئ مع هذا الاستحقاق سوف يؤدي لانزلاقات ثانية، من يقم بها يتحمل مسؤوليتها.



العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
TT

العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

سعى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، عبر سلسلة لقاءات مكثفة على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى إعادة تعريف الأزمة اليمنية باعتبارها تحدياً مباشراً للأمن الدولي، ترتبط مباشرة بأمن الملاحة العالمية واستقرار الطاقة ومكافحة الإرهاب، وليست مجرد نزاع داخلي.

وخلال اجتماعاته مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين وقادة دول، ركّز العليمي على فكرة مركزية مفادها أن دعم الدولة اليمنية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي والعالمي.

في هذا السياق، شدد العليمي خلال لقائه مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على ضرورة انتقال المجتمع الدولي من مرحلة «إدارة الأزمة» في اليمن إلى مرحلة «إنهائها».

وفي حين رأى أن استمرار الوضع الحالي يمنح الجماعة الحوثية مساحة لإعادة إنتاج التهديدات الأمنية، أكد أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي باتت ذات بعد استراتيجي؛ نظراً لتقاطعها مع أمن الملاحة الدولية واستقرار سلاسل الطاقة والتجارة العالمية.

العليمي مجتمعاً مع رئيس فنلندا على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التهديد الحوثي لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى أداة ضغط إقليمية تستخدم البحر الأحمر كورقة ابتزاز سياسي وأمني، محذراً من أن أي تراخٍ دولي قد يؤدي إلى تمدد المخاطر نحو بحر العرب وممرات مائية أخرى. وفي هذا السياق، أشاد بالدور الأوروبي في حماية الملاحة، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الاحتواء إلى إنهاء التهديد بشكل كامل.

كما ربط العليمي بين استقرار اليمن وتقليص نفوذ إيران في المنطقة، مؤكداً أن الأذرع المسلحة المدعومة من طهران تمثل التهديد المركزي للأمن الإقليمي، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب دعماً مؤسسياً للدولة اليمنية وليس التعامل مع كيانات موازية.

دعم الدولة

في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين وعدد من القادة الدوليين، قدم العليمي سردية سياسية تقوم على أن نجاح الدولة اليمنية يمثل أفضل استثمار طويل الأمد لأمن الخليج والبحر الأحمر والسلام العالمي.

وأكد أن التحولات الأخيرة داخل اليمن، بدعم سعودي، شملت توحيد القيادة الأمنية والعسكرية، وتشكيل حكومة جديدة، وإطلاق برنامج إصلاحي يركز على الانضباط المالي وتحسين الخدمات واستعادة الثقة المحلية والدولية.

اجتماع العليمي مع مسؤول أميركي رفيع لبحث دعم استقرار اليمن ومكافحة الإرهاب (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني أسهم في دحض مزاعم وجود فراغ أمني، موضحاً أن الخطر الحقيقي ينشأ عندما تتنازع جهات متعددة سلطات الدولة. وقال إن توحيد القرار الأمني لا يعزز فقط مكافحة الإرهاب، بل يسهم أيضاً في تجفيف بيئة التطرف وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك إغلاق السجون السرية.

وخلال لقائه بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، شدد العليمي على أهمية استمرار الدعم الأميركي سياسياً واقتصادياً وتنموياً، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز قدرات البنك المركزي واستقرار العملة وتأمين الخدمات الأساسية، التي وصفها بأنها «خط الدفاع الأول» ضد التجنيد الميليشياوي والتطرف.

الضغط على إيران

كما طرح رئيس مجلس القيادة اليمني رؤية أوسع للمرحلة الحالية باعتبارها لحظة إعادة تشكل استراتيجية في المنطقة، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إيران، معتبراً أن إضعاف أذرعها الإقليمية يخلق فرصة تاريخية لإنهاء نفوذها في اليمن.

وفي لقائه مع رئيس الوزراء الهولندي، ديك سخوف، دعا العليمي إلى موقف أكثر صرامة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، والدفع باتجاه إدراجه على قوائم الإرهاب الأوروبية، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية في اليمن تمثل إحدى أخطر أذرع إيران الإقليمية، وأن التساهل معها يطيل الحرب، ويُبقي التهديد مفتوحاً على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

اجتماع العليمي مع رئيس وزراء هولندا لاستجلاب الدعم الأوروبي (سبأ)

ودعا العليمي هولندا للاضطلاع بالدور نفسه أوروبياً تجاه الحوثيين عبر توسيع إجراءات الضغط والعقوبات على شبكات التمويل والتهريب، ودعم آليات الملاحقة القانونية والمالية للشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالميليشيات.

أما لقاؤه مع الرئيس الفنلندي، فقد حمل بعداً مختلفاً؛ إذ ركز على الاستفادة من التجربة الفنلندية في الحوكمة الرشيدة والتعليم وإصلاح القطاع العام، باعتبارها أدوات طويلة المدى لإعادة بناء الدولة والهوية الوطنية.


تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
TT

تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)

تراجعت أسعار صرف العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية بشكل مفاجئ أمام العملة المحلية (الريال اليمني) خلال الأيام الماضية، دون مقدمات اقتصادية واضحة أو تطورات تبرر هذا التحول؛ حيث لا زيادة في الصادرات، ولا عودة لتصدير النفط والغاز، ولا إعلان عن تدفقات مالية استثنائية، دون أن ينعكس أثر ذلك على أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وانخفض سعر الدولار والريال السعودي، وهما أكثر العملات الأجنبية تداولاً في الأسواق اليمنية، بصورة لافتة، في مشهد أربك سوق التداول، وأثار تساؤلات عن أسرار هذا التحول غير المتوقع، ومخاوف من أن تكون حركة سعرية بلا أساس اقتصادي صلب.

وبينما أكد البنك المركزي اليمني في عدن أنه يتابع سوق العملات بصرامة، ويعمل على الحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية، وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 1558 ريالاً للشراء و1573 ريالاً للبيع، بعد أن كان مستقرّاً عند مستويات أعلى بما يقارب 100 ريال خلال الأشهر الماضية.

وأظهرت مؤشرات من تطبيقات مصرفية على الهواتف المحمولة تراجعاً ملحوظاً في أسعار مختلف العملات.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

ويُعدّ هذا التغير في أسعار الصرف هو الأول منذ أواخر يوليو (تموز) وبداية أغسطس (آب) الماضيين، حين شهدت العملة المحلية تحسناً يقارب 50 في المائة، بإجراءات وسياسات اتبعها البنك المركزي والحكومية، بعد أشهر من انهيار تاريخي.

وجاء هذا التراجع بعد اجتماع للبنك المركزي، الخميس الماضي، ناقش فيه استمرار مراقبة حركة السوق المحلية، والمحافظة على استقرار العملة والأسعار لأطول فترة ممكنة.

تدخل غير معلن

لم يكشف البيان الصادر عن البنك، عقب الاجتماع، عن قرارات بتحديد أسعار العملات الأجنبية، ما أثار المخاوف في أوساط السكان من عودة المضاربة ودفعهم إلى بيع ما بحوزتهم من العملات.

إلا أن مصدراً في البنك المركزي تحدّث عن وجود قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية والمحافظة على الأسعار الجديدة لأطول وقت ممكن، بانتظار أن تُحقق المصادر الإيرادية الحكومية دعماً ثابتاً يؤدي إلى مزيد من الاستقرار.

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

وذكر المصدر -الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته- أن البنك لا يستطيع حالياً إعلان أسعار صرف العملات الأجنبية أو إلزام السوق المصرفية بها بشكل رسمي، لالتزامه باتفاقيات مع مؤسسات دولية بعدم التدخل، وترك الأسعار تخضع لحركة الأسواق.

ويرجع الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي التحسن الجديد في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بالتدفق النقدي الخارجي، خلال الأسابيع الماضية، ومن ذلك صرف رواتب الموظفين والعسكريين بالريال السعودي، ضمن تدخلات السعودية لمساندة الحكومة اليمنية.

ويُضيف الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك اتفاقاً بين البنك المركزي و«صندوق النقد الدولي» حول التحسن التدريجي للعملة المحلية للوصول إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، وخلال الأسابيع الماضية، حدثت زيادة كبيرة في العملات الأجنبية لدى كثير من الأفراد، في حين البنوك وشركات الصرافة تحتفظ بالعملة المحلية لاستخدامها عند تقديم طلبات الاستيراد من اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد.

ويعود ذلك لقرار البنك المركزي بحظر تحويل أي عملات أجنبية إلى خارج البلاد ما لم يكن قد جرى تغييرها بالعملة المحلية، في إطار إجراءاته التي اتبعها العام الماضي لوقف المضاربة بالعملة.

الأسواق اليمنية تشهد عزوفاً عن التسوق بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (غيتي)

ويؤكد الآنسي أن البنك المركزي لا يزال يملك القدرة على التحكم بأسعار الصرف وتحسين وضع العملة المحلية بشكل أكبر، لكنه يسعى إلى المباعدة بين فترات التحسين لضمان حدوث تحسن موازٍ في أسعار السلع، منوهاً بأن الفترة المقبلة قد تشهد مزيداً من تدفق النقد الأجنبي مع استمرار احتفاظ البنوك بالعملة المحلية.

وتقول مصادر محلية إن البنك المركزي وجه، شفهياً، الشركات والبنوك بشراء وبيع العملات الأجنبية بالأسعار الجديدة، على ألا تتجاوز أكبر عملية بيع واحدة مبلغ 600 دولار أو 2000 ريال سعودي، أو ما يعادلها من العملات لكل عميل.

اتساع الفجوة المعيشية

وتشكو العديد من العائلات التي تلقت حوالات خارجية من رفض الشركات والبنوك الشراء منها، بحجة محدودية ما لديها من أوراق نقدية من العملة المحلية، وتتزايد مخاوف العديد من السكان من فقدان قيمة ما يمتلكون أو يدخرون من العملات خلال الأسابيع المقبلة.

من جهته، يُحذر وحيد الفودعي، الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي اليمني، من أن يكون هذا التحسن قسرياً وغير مستدام، وناتجاً عن أزمة السيولة المحلية التي يرجح أنها مفتعلة، ويشدد على أن معالجتها ينبغي ألا تتم عبر تخفيض سعر صرف العملات الأجنبية؛ بل من خلال معالجة جذورها النقدية والهيكلية.

عدد من الأنشطة المحلية توقف أو تراجع بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يصف الفودعي تراجع سعر الصرف في الأيام الأخيرة بـ«وهم الانخفاض»؛ حيث تتسع الفجوة بين سعر العملات في السوق والأسعار الفعلية للسلع والخدمات، في ظل غياب انتقال حقيقي للأثر إلى المستهلك، في حين لا يلمس السكان أي تراجع لتكاليف المعيشة، في ظل هيكل سوق شبه احتكاري، وضعف في الرقابة وغياب آليات التسعير العادلة.

وينوه بأنه ومع استمرار الغلاء وتآكل الدخول، يتعمق الإحباط الشعبي، إذ لا ينعكس انخفاض سعر الصرف على واقع المعيشة، في حين تحتاج السوق إلى وقت طويل للتفاعل مع أي تغير، إن حدث ذلك أصلاً، ما يجعل خفض الصرف لا يعني بالضرورة خفض الأسعار.

وعلى الرغم من اقتراب شهر رمضان، تشهد الأسواق اليمنية حركة محدودة لشراء المواد والسلع الاستهلاكية، في ظل صعوبات معيشية تواجه السكان بسبب الحرب والتطورات العسكرية والأمنية واعتداءات الجماعة الحوثية على المنشآت الحيوية.

ويلفت حلمي الحمادي، الخبير المالي اليمني، إلى أنه ومع اقتراب شهر رمضان ترتفع معدلات تحويلات المغتربين لأهاليهم في اليمن، لمواجهة تكاليف متطلبات رمضان والعيد، إلى جانب أن كثيراً من رجال الأعمال والتجار المستثمرين خارج البلاد يقدمون مبالغ كبيرة لأعمال الخير والزكاة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة المحلية، وهذا يحدث بشكل سنوي تقريباً.

الجماعة الحوثية تسببت بانقسام نقدي وترفض تداول العملة الصادرة عن الحكومة اليمنية (رويترز)

وأبدى الحمادي قلقه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن يكون هذا التحسن بسبب تدخل سياسي لتطمين السكان بوجود مؤشرات جيدة للتحسن الاقتصادي والمعيشي بعد التطورات الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة، من دون وجود أسباب حقيقية ومستدامة لتحسن العملة المحلية.

ويشهد اليمن انقساماً اقتصادياً ونقدياً بسبب سيطرة الجماعة الحوثية على أجزاء واسعة من البلاد وعدد كبير من مؤسسات الدولة، بينها جهات إيرادية ضخمة، وفرضها، بالقوة، أسعاراً ثابتة وغير عادلة للعملات الأجنبية، ومنعها لتداول العملات الصادرة عن الحكومة في مناطق سيطرتها.


آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)

تتجَّه الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى مرحلة جديدة ومعقَّدة، بعد اضطرار الأمم المتحدة إلى اعتماد آليات بديلة لتوزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب إغلاق مكاتبها هناك ومصادَرة أصولها، في خطوة أعادت رسم خريطة العمل الإغاثي في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد العاصمة الأردنية لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين؛ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من توسُّع دائرة الجوع لتشمل ملايين إضافية خلال العام الحالي.

وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 22.3 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية هذا العام، بزيادة 2.8 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، وهو مؤشر يعكس عمق التدهور الاقتصادي واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق النزاع.

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

وبحسب مصادر إغاثية، تعمل الأمم المتحدة على إعادة تنظيم عملياتها عبر نقل مهام توزيع المساعدات المنقذة للحياة إلى شبكة من الشركاء، تشمل المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لا تزال قادرةً على العمل ميدانياً داخل تلك المناطق.

تحول اضطراري

يهدف هذا التحوُّل الأممي إلى ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء إلى الفئات الأكثر ضعفاً رغم غياب الوجود الأممي المباشر، الذي تعرَّض لانتكاسة واسعة جراء قيود الحوثيين وانتهاكاتهم.

ويعكس هذا التوجه تحولاً اضطرارياً في آليات العمل الإنساني، إذ باتت الوكالات الدولية تعتمد نموذج «الإدارة عن بُعد» لتقليل المخاطر على موظفيها والحفاظ على تدفق المساعدات.

غير أن خبراء الإغاثة يحذرون من أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على الرقابة الميدانية، وصعوبة ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين دون تدخلات أو قيود.

وتؤكد تقارير إغاثية أن القيود المفروضة على العمليات الإنسانية أسهمت في حرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الأساسية، في وقت يشهد فيه البلد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم ملايين يعيشون في مستويات طارئة وفق التصنيفات الدولية للأمن الغذائي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

ويمثل مؤتمر المانحين المرتقب في الأردن محطةً مفصليةً لإعادة حشد الدعم الدولي، إذ تسعى وكالات الإغاثة إلى سدِّ فجوة تمويلية متزايدة تهدِّد بتقليص البرامج الإنسانية الحيوية.

ومن المتوقع أن يناقش المشاركون آليات جديدة لضمان وصول المساعدات في ظل القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى تعزيز دور الشركاء المحليين بوصفهم الحلقة الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.

أزمات متعددة

لا تقتصر الأزمة في اليمن على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية متوقفة أو مُهدَّدة بالإغلاق؛ بسبب نقص التمويل. ويؤثر ذلك بشكل خاص على النساء والفتيات، مع تراجع خدمات الصحة الإنجابية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.

وتحذِّر منظمة الصحة العالمية من أن تدهور الوضع الصحي في اليمن أسهم في انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في ظل انخفاض معدلات التحصين، إذ لم يحصل سوى أقل من ثُلثي الأطفال على اللقاحات الأساسية.

وقد سُجِّلت أكثر من 18600 إصابة بالحصبة و188 وفاة خلال العام الماضي، إضافة إلى تسجيل اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا عالمياً بين مارس (آذار) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نحو 350 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 1100 وفاة.

ويرتبط تفشي الأمراض بشكل مباشر بتفاقم سوء التغذية، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل يمني دون سنِّ الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 570 ألف حالة شديدة الخطورة، بينما يواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة؛ نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتؤكد المنظمات الإنسانية أن نجاح مؤتمر المانحين لن يُقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد آليات مستدامة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، ومنع تحوُّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة طويلة الأمد يصعب احتواؤها مستقبلاً.