«هوس البروتين»... بدعة غذائية متنامية

«هوس البروتين»... بدعة غذائية متنامية

عدد المنتجات المدعمة بالبروتينات ازداد بنحو 500 % خلال 5 سنوات في بريطانيا
الاثنين - 8 شهر رمضان 1440 هـ - 13 مايو 2019 مـ رقم العدد [ 14776]
لندن: د. وفا جاسم الرجب
  انتشرت في الآونة الأخيرة أنواع من الأغذية المدعمة (أي التي تحتوي على مضافات) من البروتين، مثل الحبوب واللبن الخاثر (الزبادي) والخبز والجبن والمكرونة والمثلجات أضيفت لها مواد لبناء العضلات. وقد يكون الماء هو المنتج التالي، مثل الماء الفوار، أو ماء مصل اللبن.

«إكسير الصحة»

يتصور الكثير من الناس أن البروتين هو إكسير الصحة ليس لأنه يساعد على بناء العضلات بل يضمن فقدان الوزن، بأن يجعل الإنسان «ممتلئا» لفترة طويلة. هل حقا أن مثل هذه الأغذية والمشروبات ذات فائدة؟

تحتاج أجسامنا إلى البروتين والدهون والكربوهيدرات وهي المواد الأساسية لبناء الجسم. ويتألف البروتين من عشرين حامضا أمينيا وهي اللبنات الأساسية في العظام والعضلات والجلد والدم. ومن الضروري أن نحصل على الأحماض الأمينية الثمانية الأساسية لأن جسم الإنسان لا يستطيع إنتاجها. لذلك فإن البروتين الذي نحصل عليه مع الغذاء هو حيوي وهذا أمر معروف منذ زمن طويل لكن في السنوات الأخيرة أصبح الكثيرون مقتنعين، لسبب أو آخر، بأنهم يحتاجون إلى المزيد منها.

منتجات بروتينية

ارتفع عدد المنتجات الغذائية والمشروبات المدعمة بالبروتينات في بريطانيا بشكل هائل أي بما يقرب من 498 في المائة بين عامي 2010 و2015، وفقا لشركة «منتيل» للأبحاث. وفي السنوات الثلاث الأخيرة حتى عام 2017 قفزت المنتجات المدعمة بالبروتين من نسبة 1.8 في المائة إلى 4.3 في المائة. وفي الشهور الثلاثة الأولى من عام 2018 أفاد نحو 35 في المائة من البالغين بأنهم اشتروا أغذية مدعمة بنسب عالية من البروتين. وهذا أمر غريب، إذ تشير الإحصاءات في المملكة المتحدة إلى أن معدل الاستهلاك اليومي الفعلي من البروتين للبالغين بين 19 و64 سنة يبلغ 87 غراما للرجال و67 غراما للنساء وهذه النسبة أعلى بنحو 50 في المائة مما يحتاجه الإنسان من البروتين، وأن من يحتاج فعلا إلى هذه النسب العالية هم الذين يمارسون الرياضة والأعمال الشاقة فقط.

ويقول توم ساندرز من جامعة «كنغز كوليدج - لندن»، إنه ليس هناك أحد في المملكة المتحدة من يأكل قليلا من البروتينات باستثناء بعض الحالات من المسنين حين تكون تغذيتهم غير كافية. وعلى العموم لا يوجد نقص في البروتين في غذاء البريطانيين.

تزعم شركات إنتاج الأغذية المدعمة أن تلك المنتجات تساعد في بناء العضلات وأن تناول الإنسان لكميات إضافية من البروتين سوف تجعله قويا. في عام 2010 أفادت هيئة سلامة الأغذية الأوروبية بعدم وجود أدلة مقنعة تدعم الادعاءات بأن بروتين مصل اللبن يزيد من قوة الإنسان أو من كتلة عضلاته أو من قدرته على التحمل وهو ما يدحض الادعاء بأن الفطور المؤلف من الحبوب المدعم بالبروتين سوف يزيدك قوة. وأشار باحثون بريطانيون في دراسة مراجعة عام 2016 إلى أن الأغذية المدعمة بالبروتين لم تدعم المقاومة في الأشخاص الذين يزيد عمرهم على 70 سنة، إلا أن باحثين في دراسة مراجعة أخرى عام 2017 قالوا إن زيادة البروتين في الأغذية كانت لها نتائج إيجابية في دعم قوة الأشخاص وزيادة كتلة العضلات لجميع الأعمار.

الأغذية المدعمة والرياضيون

يلجأ لاعبو رياضة كمال الأجسام إلى تناول المكملات الغذائية وتحديداً البروتينات كونها المسؤول الأوّل لبناء العضلات، إلا أن ذلك جعل بعض المتدربين المبتدئين يلجأون لاستخدام المكملات الغذائية بطريقة عشوائية لا تخلو من المخاطرة، ساعدهم في ذلك نصائح يقدمها بعض المدربين غير المتخصصين في مجال التغذية. ولم تقتصر تلك السلوكيات على الشباب فقط، بل وصل الأمر إلى الفتيات اللاتي يسعين للحصول على جسم رياضي رشيق من خلال اللجوء لاستخدام بعض المكملات والبروتينات دون الرجوع إلى اختصاصي أو طبيب. ويشير ستيورت فيلبس من جامعة ماكماستر الكندية في هاملتون الذي أشرف على دراسة بهذا الشأن، إلى أن قدرة الرياضيين الذين يرفعون الأثقال في النوادي الرياضية هي ليست بسبب نمو عضلاتهم المزعوم بل بسبب ممارستهم للتمارين اليومية. أما ستيورت غراي من جامعة غلاسكو في اسكوتلندا فيؤكد على أن الأغذية المدعمة بالبروتين قد لا يكون لها أي تأثير ملحوظ بالنسبة للنخبة من الرياضيين.

السؤال المطروح هنا هل يفضل أخذ الأغذية المدعمة قبل أو بعد التدريبات؟ وجد الباحثون الأميركيون عند مراجعتهم للدراسات السابقة حتى عام 2013 أنه لا يوجد فرق عندما يتعلق الأمر بزيادة قوة الشخص أو زيادة كتلة العضلات. المفهوم الخاطئ الآخر هو أن تناول كميات كبيرة من البروتين سوف يجعلك تشعر بالشبع لفترة طويلة ولا تحتاج إلى تناول وجبات خفيفة بين الوجبات الثلاث الرئيسية.

البروتين والشعور بالشبع

أفادت البحوث بأن تناول البروتين يؤدي إلى تحرير مواد تدعى بالببتيدات peptides في القناة الهضمية لها علاقة بالشعور بالشبع. وأوضحت دراسة عام 2011 أن النظام الغذائي الغني بالبروتين ليس أفضل من النظام الغني بالدهون أو بالكربوهيدرات فيما يتعلق بفقدان الوزن، بل إن الأغذية الغنية بالبروتين تدع الإنسان يشعر بالشبع أكثر من الأغذية الأخرى. يضيف غراي من جامعة غلاسكو أن إضافة كمية قليلة من البروتين إلى الشوكولاته لا يجعلها بالضرورة أن تصبح صحية وهناك مخاطر من أخذ كميات مضاعفة من البروتين ولذلك حذرت وزارة الصحة البريطانية من تناول ضعف كمية البروتين الموصى بها في اليوم الواحد.

سلبية زيادة البروتين

عندما يحصل الإنسان على البروتين أكثر من حاجة الجسم فإن الزيادة تتحلل وتطرح كنفايات مع البول. لذلك أشار الكثير من البحوث إلى أن زيادة البروتين تولد ضغطا على عمل الكليتين التي تقوم بترشيح الدم مما يسبب ضررا على المدى البعيد. والأشخاص الذين يعانون من أمراض في الكلى ويتبعون نظاما غذائيا منخفض البروتين هم أقل احتمالا للإصابة بالفشل الكلوي أو الموت بسبب المضاعفات، مقارنة بالأشخاص الذين يتبعون النظام الغذائي الاعتيادي. وتؤدي زيادة البروتين أيضا إلى زيادة مستوى اليوريا في الدم وهذا ما يزيد احتمالية الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وقد توصلت دراسة فنلندية نشرت في مايو (أيار) عام 2018 إلى حقيقة أن كمية عالية من البروتين في الغذاء بأكثر من 109 غرامات في اليوم تزيد من احتمالية الإصابة بعجز في القلب بنسبة 33 في المائة عن تناول البروتين بمستوى أقل من 78 غراما في اليوم.

وفي بريطانيا ينصح البالغون بتناول 0.75 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم في اليوم الواحد. وهذا يعني أن الأشخاص الذين تكون معدل أوزانهم طبيعية عليهم أن يتناولوا 56 غراما والنساء 45 غراما من البروتين في اليوم الواحد. ويمكن تحقيق ذلك ببعض الوجبات الخفيفة إضافة إلى الوجبات الثلاث الرئيسية. أما بالنسبة للأشخاص الذين يرفعون الأوزان الثقيلة بانتظام فقد اقترحت مؤسسة التغذية البريطانية أن يتناولوا 1.2 - 1.7 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم في اليوم الواحد آخذين بنظر الاعتبار معدل الوزن المثالي للشخص الذي بدأ توا برنامج تدريب القوة.

تسويق تجاري

تقول ماريون نيسل المتخصصة بالتغذية من جامعة نيويورك إن شركات إنتاج الغذاء هي التي ابتدعت فكرة زيادة البروتين في الغذاء فقد تم تقليل كمية الكربوهيدرات والدهون ولم يبق سوى البروتينات وهذا هو مبدأ التسويق. وتجادل نيسل في كتابها المنشور عام 2018 والموسوم «الحقيقة البغيضة» Unsavory Truth بأن شركات إنتاج الأغذية والمشروبات، وخصوصا تلك التي تبالغ في كمية البروتين المضاف مثل اللحوم ومنتجات الألبان، قد شوهت علم التغذية بأن تنشر النتائج المفيدة في تسويق تلك المنتجات. لذلك لا ينصح بتناول زيادة من البروتين في أي من المنتجات الغذائية أو المشروبات لأنها لن تجدي نفعا بل إنها خسارة مادية فقط.

كيف يحصل النباتيون على البروتينات؟

السؤال المحير هو كيف يحصل النباتيون على كفاية من البروتين وهل أن الأغذية النباتية لا تحتوي على البروتينات الكافية لتغذية الإنسان؟ الجواب هو أن البروتين مكون من عشرين حامضا أمينيا يشار لها بمصطلح لبنات الأنسجة البشرية. وهناك ثمانية أحماض منها أساسية لا يستطيع جسم الإنسان من إنتاجها بل يحصل عليها من الغذاء، وقد أشار كريستوفر غاردنر وفريقه من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا في بحثه الذي نشر في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 أن الفرق بين النظام الغذائي القائم على النبات ونوعية البروتين، لا يختلف كثيرا عن النظام الغذائي الحيواني.

وتكمن البراعة في كيفية تناول الأحماض الأساسية من مصادر مختلفة، فعلى سبيل المثال أن الحبوب غنية بحامض المثيونين methionine وتفتقر لحامض اللايسين lysine على عكس البقوليات التي تكون غنية باللايسين وتفتقر للمثيونين ولذلك فإن تناول قطعة من الخبز المحمص مع الفاصوليا يمنح الإنسان النوعين من الأحماض الأساسية.

المملكة المتحدة الصحة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة