صحافيان ميدانيان في سوريا... الأول وثّق فظائع «داعش» والثاني خطفه التنظيم

الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
TT

صحافيان ميدانيان في سوريا... الأول وثّق فظائع «داعش» والثاني خطفه التنظيم

الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة

تحتل سوريا المركز السابع ما قبل الأخير في تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة لعام 2019. وبحسب المنظمة، فإن ظروف العمل في الصحافة «لا تحتمل»؛ إذ تجعل الاعتقالات والاختطافات والاغتيالات العمل الصحافي في سوريا «خطيراً وصعباً». تجربتان ننقلهما لتوثيق هذا؛ الأولى لكاميران، الصحافي الذي شهد المعارك الساخنة لطرد عناصر «داعش»، وغطّاها لصالح أكثر من 30 جهة إعلامية بين عامي 2014 و2019. والأخرى للصحافي فرهاد الذي مر 1600 يوم على اختفائه...
«لا زلت أتذكر صوت الفتاة الإيزيدية وهي تدعوا شقيقها لاعتناق الدين الإسلامي. المقابلة تركت أثراً عميقاً وفتحت باب التساؤل عن هذه الحرب وما خلفتها من مصائب»، بهذه الكلمات يبدأ الإعلامي كاميران سعدون الحديث عن تجربته الإعلامية والقصص المؤثرة التي سمعها وكتبها أثناء تغطية المعارك ضد تنظيم «داعش» الإرهابي منذ منتصف عام 2014 وحتى اليوم.
كاميران المتحدر من مدينة المالكية أو «ديريك» كما يسميها سكانها الأكراد، قرر العمل بمجال الإعلام، وكانت أول تجربة له في يونيو (حزيران) (حزيران) 2014 مع وكالة «رويترز» العالمية منسقاً ومترجماً بعد أيّام من إعلان تنظيم «داعش» خلافته المزعومة... ونجح فيها، لينتقل بعدها للعمل مع صحيفة «لوس أنجليس تايمز» الأميركية ونال إعجاب كادرها الصحافي.
خلال 5 سنوات من عمله تجول في مدن وبلدات مضطربة شهدت معارك ساخنة لطرد عناصر التنظيم، وتنقل من مكان إلى آخر وسط صحراء مترامية الأطراف، وسلك طرقاً وعرة ونام في أماكن خطرة، وتعرض لنيران المعارك التي كادت تودي بحياته.
في منتصف أغسطس (آب) عام 2014، وعندما شن عناصر تنظيم «داعش» آنذاك هجوماً واسعاً على موطن الأقلية الإيزيدية في جبال شنكال شمال العراق، عمل كاميران مراسلاً حربياً لصالح صحيفة «لوس أنجليس تايمز»، وكانت بداية عمله مع الصحافي البارز باتريك ماكدونالد. وعن تجربته يقول كاميران: «عملت مع جميع مراسلي الصحيفة بالمنطقة لتغطية المعركة ضد التنظيم، وحصلت على خبرة كافية في التغطية الميدانية».
عن قصة الفتاة الإيزيدية، يروي كاميران أنه كان في مهمة صحافية بمخيم شاريا التابع لمدينة دهوك العراقية صيف 2015، وأجرى مقابلة مع شاب إيزيدي يدعى نشوان الذي نقل أن لديه 6 شقيقات اختطفن جميعاً صيف 2014، وكانت أعمارهن صغيرة لا تتجاوز الكبيرة منهن 20 سنة. بقي التواصل بينهم عبر خدمة «واتساب»، وبعد مرور عام على اختطاف ثاني أخواته وكانت قد تزوجت من مسلح «داعشي» سوري الجنسية وأنجبت منه طفلة تسكن في بادية تدمر وسط سوريا، بدأ يتغير حديثها مع أخيها، وفي إحدى التسجيلات الصوتية طلبت منه ترك الإيزيدية والدخول للدين الإسلامي ووعدت بمساعدته وأهلها للالتحاق بالتنظيم.
نشوان كان يقول إن هذه التسجيلات أخفاها عن والديه، ويعزو ذلك إلى أنهما «سيموتان قهراً لو سمعاها، فالمصيبة التي حلت بعائلتنا كبيرة ولا يزال أبي وأمي يذرفان الدموع ليل نهار على فقدان جميع بناتهما، لتأتي هذه المصيبة وتتحول أختي (داعشية)».
وكانت بلدة مخمور العراقية أولى المدن الكردية التي تحررت من قبضة التنظيم في نهاية أغسطس (آب) 2014، من قبل قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق، وقتذاك ذهب كاميران بمهمة صحافية ميدانية وكان من أول دفعات الإعلاميين الذين يدخلون المنطقة المحفوفة بالمخاطر، وعن مشاهداته الأولى يقول: «أشلاء وبقايا جثث تعود لمقاتلي التنظيم في كل مكان، بجانبها رؤوس منفصلة عن أجسادها. كانت مشاهد قاسية جداً لم أعتد رؤيتها. بالنسبة لي كان تحدياً حقيقياً لمتابعة عملي أو التوقف عنه»، عدا مشاهد الخراب والدمار الذي تعرضت له مخمور، وكانت ألسنة النار قد أحرقت معظم المباني والبيوت القديمة للمنطقة، مما ترك أثراً عميقاً لدى كاميران.
وسيطر مسلحو تنظيم «داعش» على مساحة كانت تعادل مساحة المملكة المتحدة، في سوريا والعراق المجاور في ذروة قوته منتصف 2015، وكان يحكم نحو 8 ملايين شخص في منطقة تبلغ مساحتها 88 ألف كيلومتر مربع، واستطاع أن يجني مليارات الدولارات من عائدات النفط والسرقة والخطف، لكنه تكبد أكبر هزائمه العسكرية في عام 2017 عندما فقد السيطرة على مدينة الموصل بالعراق والرقة في سوريا.
وحملت الأيام كثيراً من المفاجآت للإعلامي كاميران، ففي شهر مارس 2017 وعندما كان يعمل مترجماً مع فريق صحيفة الـ«تلغراف» البريطانية لتغطية المعارك الدائرة في مدينة الموصل العراقية، تعرض المكان الذي كانوا يوجدون فيه لقصف بقذائف الهاون... يروي تلك التفاصيل كأنها حدثت قبل قليل ليقول: «كانت المنطقة تهتز من حولنا، أصوات عالية.. رصاص وقذائف. كنا نجهل مصيرنا، يومذاك نجونا بأعجوبة ولم يتعرض أحد لأي أذى والحمد لله»، وفي ذلك اليوم وعندما تعرضوا للقصف دخلوا إلى أحد المنازل بالموصل وكان بداخله أصحابه، ويضيف: «تساءلنا هل هم من التنظيم أم مدنيون، دخلنا بحذر. كنا خائفين منهم وهم أيضاً خائفين منا. دخلنا إلى السرداب حتى هدأ القصف، لنكتشف فيما بعد أنهم لا علاقة لهم بالتنظيم».
يكتب كاميران باللغة الإنجليزية، ونشر له كثير من التقارير في صحف الـ«تلغراف» البريطانية، و«واشنطن بوست» و«لوس أنجليس» الأميركيتين، وعمل مراسلاً لراديو(NPR) الأميركي، وقال: «أكتب القصص التي تحمل بعداً إنسانياً وترتبط بالواقع، والحروب التي دارت بمناطق كردستان العراق وشمال شرقي سوريا»، والأخيرة تسمى عند سكانها الأكراد منطقة «روج آفا»، وتعني بالعربية «غرب كردستان».
وخلال سنوات عمله في تغطية معارك «داعش»، عمل كاميران مع 30 جهة ووكالة عالمية.
وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» العربية الكردية والمدعومة من التحالف الدولي بقيادية أميركية، بعد 6 أشهر من هجوم بدأته في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، ضد آخر معقل لعناصر «داعش» في بلدة الباغوز فوقاني بريف دير الزور الشمالي، من القضاء على خلافة التنظيم المزعومة جغرافياً وعسكرياً.
بحسب كاميران كان الدمار والخراب من بين أكثر الأشياء التي لفتت انتباهه. ففي مدينتي الموصل والرقة كانت هناك مناطق سويت بالكامل بالأرض، جراء قصف الطيران الحربي وتعرضها للصواريخ والقاذفات في معارك طرد عناصر التنظيم. وكان حريصاً على التقاط الصور بكاميرا هاتفه في معظم المدن التي عمل فيها. ويقول: «كنت أتساءل في قرارة نفسي: هل سيأتي يوم ويحتفل العالم بالقضاء على هؤلاء القتلة؟ هل ستتخلص البشرية من هذا التطرف والتشدد وآثاره؟».
وفي ختام حديثه، يرى الإعلامي كاميران سعدون أن التنظيم لم ينته رغم القضاء عليه عسكرياً، «حيث خلاياه النائمة وأفكاره المتطرفة منتشرة بين سكان المناطق التي خضعت لحكمه سنوات طويلة»، وعلق قائلاً: «إذا بقيت الحروب دون حلول سياسية فسيظهر تنظيم ثان وثالث... تحمل العقيدة والآيديولوجيا نفسها لـ(داعش) ولو بأسماء أخرى، فالفوضى تساعد على ظهورها وانتشارها».
- فرهاد حمو... 1600 يوم من الاختفاء القسري
> فرهاد حمو. صحافي كردي مضى على اختفائه القسري 1600 يوم. اختُطف بتاريخ 15 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2014 على يد عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي. فبعد انتهاء العمليات العسكرية والقضاء على خلافته المزعومة في نهاية مارس (آذار) الماضي؛ بقي مصير الرهائن والمختطفين لدى «داعش» صندوقاً أسود.
يروي الصحافي مسعود عقيل المتحدر من مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، كيف اختطف مع زميله فرهاد يومذاك، ففي ساعات الصباح الباكر وأثناء توجههما من القامشلي إلى قرية تل علو مسقط رأس الشيخ حميدي دهام الجربا لإجراء مقابلة لصالح شبكة «رووداو» الإعلامية، حيث كان يعمل فرهاد ومسعود معها، وبعد وصولهما إلى الطريق السريعة الواصلة بين محافظة الحسكة (شمال شرقي سوريا) وبلدة تل كوجر أو «اليعربية» بحسب تسميتها العربية، شاهدا حاجزاً غير اعتيادي لمسلحين يلبسون زياً إسلامياً مدججين بالأسلحة ويرتدون أحزمة ناسفة.
يقول مسعود: «أتذكر كان عددهم 6 عناصر، فتشوا السيارة، وشاهدوا معداتنا والهواتف الجوالة، وعرفوا أننا صحافيان، وقام أحدهم بالركوب معنا وهددنا بالسلاح أو تفجير حزامه الناسف في حال مخالفة أوامره»، واتجهوا نحو بلدة تل حميس.
في تلك البلدة، بدأت رحلة من التعذيب والتحقيقات والأسئلة عن ديانتهما وتوجهاتهما الحزبية، حيث بقي فرهاد ومسعود في سجن تل حميس 3 أيام، لينقلا بعدها إلى سجن الشدادي الواقعة أقصى شرق سوريا، ثم نقلا بعد شهر إلى سجن الرقة، وكانت أبرز معاقل التنظيم آنذاك في سوريا قبل طرده منها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركية.
ويتابع مسعود حديثه ليقول: «أعتقد كان السجن الأسود، وضعونا في زنزانات انفرادية منفصلة، بعد شهرين جمعونا في (منفردة) واحدة لمدة 10 أيام»، ولم يكن يعلم مسعود بأن تلك الأيام ستكون الأخيرة بينهما، يضيف بحسرة: «في 9 مارس (آذار) 2015 كان آخر يوم نقضيه معاً، بعد الظهر جاء السجان ونقلني إلى (منفردة) ثانية وبقي فرهاد في مكانه، ومنذ ذلك اليوم فقدنا بعضنا».
ونقل مسعود لسجون ومعتقلات عدة خاضعة للتنظيم، وفي 21 سبتمبر (أيلول) 2015، أُطلق سراحه في إطار صفقة تبادل للأسرى بين «الإدارة الذاتية» وتنظيم «داعش»، عبر وجهاء من العشائر تمت في بلدة الهول جنوب مدينة الحسكة، وأضاف: «كانوا دائماً يرهبونني بأنهم سيجزّون رأسي من عنقي، كنت فاقداً الأمل بصراحة، وعندما أفرج عني سألت الأمير (الداعشي) عن مصير فرهاد، فادعى أنه لا يعرف شيئاً؛ لا مكانه ولا سجنه».
في منزل عائلته الكائن بمدينة القامشلي، لا تزال والدته وأباه وإخوته ينتظرون عودة الصحافي فرهاد بفارغ الصبر. في كل ركن وزاوية من المنزل هناك ذكرى ترويها والدته إلهام أحمد بحسرة، حيث كانت تلبس إيشارباً مطرزاً بألوان فاتحة، لكن الشيب غزا شعرها، وبدت متقدمة بالعمر رغم أنها في بداية عقدها الخامس، حزناً لفقدان ابنها، لتقول: «كان يجلس هنا نشرب الشاي الذي كان يحبه، في تلك الزاوية كنا نجلس على مائدة الطعام، وهناك كان مكانه المفضل للدراسة، وجهه لا يفارقني ولا لحظة؛ كيف كان ينام ويصحو باكراً»، وأضافت: «كنت أحرص على تجهيز الطعام مرات عدة كي تكون وجبته ساخنة، أما أكلته المفضلة فكانت (اللحم في صينية)».
وعبر حسين عمر، مدير ديسك «روج آفا» بقناة «رووداو»، عن حزنه العميق لغيابه بهذه الطريقة المؤلمة، قائلاً: «لا يزال جرحاً عميقاً لن يندمل إلا بعودته السالمة إلى أسرته وزملائه»، منوهاً: «كنّا نأمل أن يتحرّر زملينا فرهاد مع القضاء على آخر جيب لتنظيم (داعش) في شرق الفرات، وقد آلمنا عدم حدوث ذلك، لكننا لم نفقد الأمل، وسنظلّ ننتظر عودته».
أثناء معركة الباغوز كان أراس حمو؛ الأخ الأصغر لفرهاد يعمل مصوراً مع قناة «رووداو» الكردية، بقي في التغطية حتى آخر دقيقة بهدف البحث عن شقيقه، فكلما كانت تخرج دفعة من المحاصرين ومقاتلي التنظيم وأسرهم كان يستفسر عن مصير شقيقه، ونقل أنه وفي إحدى الليالي كانت المعركة على أشدها، وتحول ليل الباغوز إلى نهار من شدة لهيب القصف ونيران المعارك، وقال: «طلبت من مسؤول عسكري في (قوات سوريا الديمقراطية) أن يكونوا حذرين بالهجوم وقصف المواقع، لأن هناك أسرى ورهائن في قبضة التنظيم، وشقيقي فرهاد من بينهم».
كما أجرى أراس مقابلات مع أمراء وقادة من التنظيم بهدف معرفة معلومات عن أخيه فرهاد، ولفت أنه حصل على معلومات حول مصيره، وقال: «البعض أكد مشاهدته وأنه على قيد الحياة، ولكن لا يعرفون مكانه، فيما آخرون نقلوا له أنهم شاهدوه من بين الأشخاص الذين كان يستخدمهم التنظيم في أعمال الحفر والسخرة ولا يعلم أحد مصيرهم».
وعبر ساكار عبد الله، مدير قسم المراسلين في قناة «رووداو»، عن أسفه الشديد لغياب زميله، وأكد أن «فرهاد اتسم بروحه المرحة والمرونة في التعامل مع ما كان يُطلب منه إنجازه بموجب خطط العمل المرسلة إليه، أو الأحداث الطارئة التي كانت تتطلّب التحرّك الفوري والوصول بأسرع ما يمكن إلى موقع الحدث».
وأشار أراس حمو إلى أن مسؤولي «قوات سوريا الديمقراطية» أكدوا لهم استمرار التحقيقات مع قادة وأمراء التنظيم: «يقولون هناك أكثر من 10 آلاف عنصر ومسلح (داعشي)، وبعد انتهاء التحقيقات يأملون في الحصول على معلومات تفيد بمعرفة مصير الرهائن والمختطفين».
أما والدته إلهام التي تنتظر عودته ليجلس ابنها فرهاد من جديد بجانبها ويحتسي الشاي معها، فتقول: «كان يقول لي إنه يحب شرب الشاي معي. أنتظر عودته، وأملي الوحيد أن يكون على قيد الحياة ويعود لنا بسلامة».


مقالات ذات صلة

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أوروبا رجل الأعمال والملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب)

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أقام إيلون ماسك دعوى على قناة ألمانية بسبب تقرير عنه، ما دفعها لحذف فقرة مثيرة للجدل بعد اعتراضه القانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه على فيسبوك)

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

تعرض إعلامي مصري للهجوم الحاد من فنانين ومتابعين لتعرضه للحياة الشخصية للفنان الراحل عبد العزيز مخيون.

داليا ماهر (القاهرة)
الخليج «هيئة تنظيم الإعلام» أكدت استمرارها في رصد كل محتوى مخالف للأنظمة والضوابط (واس)

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

استدعت «هيئة تنظيم الإعلام» السعودية مواطناً أساء لدولة شقيقة بتعرضه لرموزها وقياداتها في مساحة صوتية بمنصة تواصل اجتماعي، وجرت إحالته للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا نشطاء ومعارضون سياسيون يشاركون في مظاهرة بالعاصمة تونس (رويترز)

القضاء التونسي يحكم بسجن صحافية 4 سنوات غيابياً

كشفت الصحافية التونسية ‌خولة بوكريم، وهي منتقدة شديدة للرئيس قيس سعيد، أن محكمة في تونس قضت بسجنها 4 سنوات غيابياً.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد