صحافيان ميدانيان في سوريا... الأول وثّق فظائع «داعش» والثاني خطفه التنظيم

الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
TT

صحافيان ميدانيان في سوريا... الأول وثّق فظائع «داعش» والثاني خطفه التنظيم

الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة

تحتل سوريا المركز السابع ما قبل الأخير في تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة لعام 2019. وبحسب المنظمة، فإن ظروف العمل في الصحافة «لا تحتمل»؛ إذ تجعل الاعتقالات والاختطافات والاغتيالات العمل الصحافي في سوريا «خطيراً وصعباً». تجربتان ننقلهما لتوثيق هذا؛ الأولى لكاميران، الصحافي الذي شهد المعارك الساخنة لطرد عناصر «داعش»، وغطّاها لصالح أكثر من 30 جهة إعلامية بين عامي 2014 و2019. والأخرى للصحافي فرهاد الذي مر 1600 يوم على اختفائه...
«لا زلت أتذكر صوت الفتاة الإيزيدية وهي تدعوا شقيقها لاعتناق الدين الإسلامي. المقابلة تركت أثراً عميقاً وفتحت باب التساؤل عن هذه الحرب وما خلفتها من مصائب»، بهذه الكلمات يبدأ الإعلامي كاميران سعدون الحديث عن تجربته الإعلامية والقصص المؤثرة التي سمعها وكتبها أثناء تغطية المعارك ضد تنظيم «داعش» الإرهابي منذ منتصف عام 2014 وحتى اليوم.
كاميران المتحدر من مدينة المالكية أو «ديريك» كما يسميها سكانها الأكراد، قرر العمل بمجال الإعلام، وكانت أول تجربة له في يونيو (حزيران) (حزيران) 2014 مع وكالة «رويترز» العالمية منسقاً ومترجماً بعد أيّام من إعلان تنظيم «داعش» خلافته المزعومة... ونجح فيها، لينتقل بعدها للعمل مع صحيفة «لوس أنجليس تايمز» الأميركية ونال إعجاب كادرها الصحافي.
خلال 5 سنوات من عمله تجول في مدن وبلدات مضطربة شهدت معارك ساخنة لطرد عناصر التنظيم، وتنقل من مكان إلى آخر وسط صحراء مترامية الأطراف، وسلك طرقاً وعرة ونام في أماكن خطرة، وتعرض لنيران المعارك التي كادت تودي بحياته.
في منتصف أغسطس (آب) عام 2014، وعندما شن عناصر تنظيم «داعش» آنذاك هجوماً واسعاً على موطن الأقلية الإيزيدية في جبال شنكال شمال العراق، عمل كاميران مراسلاً حربياً لصالح صحيفة «لوس أنجليس تايمز»، وكانت بداية عمله مع الصحافي البارز باتريك ماكدونالد. وعن تجربته يقول كاميران: «عملت مع جميع مراسلي الصحيفة بالمنطقة لتغطية المعركة ضد التنظيم، وحصلت على خبرة كافية في التغطية الميدانية».
عن قصة الفتاة الإيزيدية، يروي كاميران أنه كان في مهمة صحافية بمخيم شاريا التابع لمدينة دهوك العراقية صيف 2015، وأجرى مقابلة مع شاب إيزيدي يدعى نشوان الذي نقل أن لديه 6 شقيقات اختطفن جميعاً صيف 2014، وكانت أعمارهن صغيرة لا تتجاوز الكبيرة منهن 20 سنة. بقي التواصل بينهم عبر خدمة «واتساب»، وبعد مرور عام على اختطاف ثاني أخواته وكانت قد تزوجت من مسلح «داعشي» سوري الجنسية وأنجبت منه طفلة تسكن في بادية تدمر وسط سوريا، بدأ يتغير حديثها مع أخيها، وفي إحدى التسجيلات الصوتية طلبت منه ترك الإيزيدية والدخول للدين الإسلامي ووعدت بمساعدته وأهلها للالتحاق بالتنظيم.
نشوان كان يقول إن هذه التسجيلات أخفاها عن والديه، ويعزو ذلك إلى أنهما «سيموتان قهراً لو سمعاها، فالمصيبة التي حلت بعائلتنا كبيرة ولا يزال أبي وأمي يذرفان الدموع ليل نهار على فقدان جميع بناتهما، لتأتي هذه المصيبة وتتحول أختي (داعشية)».
وكانت بلدة مخمور العراقية أولى المدن الكردية التي تحررت من قبضة التنظيم في نهاية أغسطس (آب) 2014، من قبل قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق، وقتذاك ذهب كاميران بمهمة صحافية ميدانية وكان من أول دفعات الإعلاميين الذين يدخلون المنطقة المحفوفة بالمخاطر، وعن مشاهداته الأولى يقول: «أشلاء وبقايا جثث تعود لمقاتلي التنظيم في كل مكان، بجانبها رؤوس منفصلة عن أجسادها. كانت مشاهد قاسية جداً لم أعتد رؤيتها. بالنسبة لي كان تحدياً حقيقياً لمتابعة عملي أو التوقف عنه»، عدا مشاهد الخراب والدمار الذي تعرضت له مخمور، وكانت ألسنة النار قد أحرقت معظم المباني والبيوت القديمة للمنطقة، مما ترك أثراً عميقاً لدى كاميران.
وسيطر مسلحو تنظيم «داعش» على مساحة كانت تعادل مساحة المملكة المتحدة، في سوريا والعراق المجاور في ذروة قوته منتصف 2015، وكان يحكم نحو 8 ملايين شخص في منطقة تبلغ مساحتها 88 ألف كيلومتر مربع، واستطاع أن يجني مليارات الدولارات من عائدات النفط والسرقة والخطف، لكنه تكبد أكبر هزائمه العسكرية في عام 2017 عندما فقد السيطرة على مدينة الموصل بالعراق والرقة في سوريا.
وحملت الأيام كثيراً من المفاجآت للإعلامي كاميران، ففي شهر مارس 2017 وعندما كان يعمل مترجماً مع فريق صحيفة الـ«تلغراف» البريطانية لتغطية المعارك الدائرة في مدينة الموصل العراقية، تعرض المكان الذي كانوا يوجدون فيه لقصف بقذائف الهاون... يروي تلك التفاصيل كأنها حدثت قبل قليل ليقول: «كانت المنطقة تهتز من حولنا، أصوات عالية.. رصاص وقذائف. كنا نجهل مصيرنا، يومذاك نجونا بأعجوبة ولم يتعرض أحد لأي أذى والحمد لله»، وفي ذلك اليوم وعندما تعرضوا للقصف دخلوا إلى أحد المنازل بالموصل وكان بداخله أصحابه، ويضيف: «تساءلنا هل هم من التنظيم أم مدنيون، دخلنا بحذر. كنا خائفين منهم وهم أيضاً خائفين منا. دخلنا إلى السرداب حتى هدأ القصف، لنكتشف فيما بعد أنهم لا علاقة لهم بالتنظيم».
يكتب كاميران باللغة الإنجليزية، ونشر له كثير من التقارير في صحف الـ«تلغراف» البريطانية، و«واشنطن بوست» و«لوس أنجليس» الأميركيتين، وعمل مراسلاً لراديو(NPR) الأميركي، وقال: «أكتب القصص التي تحمل بعداً إنسانياً وترتبط بالواقع، والحروب التي دارت بمناطق كردستان العراق وشمال شرقي سوريا»، والأخيرة تسمى عند سكانها الأكراد منطقة «روج آفا»، وتعني بالعربية «غرب كردستان».
وخلال سنوات عمله في تغطية معارك «داعش»، عمل كاميران مع 30 جهة ووكالة عالمية.
وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» العربية الكردية والمدعومة من التحالف الدولي بقيادية أميركية، بعد 6 أشهر من هجوم بدأته في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، ضد آخر معقل لعناصر «داعش» في بلدة الباغوز فوقاني بريف دير الزور الشمالي، من القضاء على خلافة التنظيم المزعومة جغرافياً وعسكرياً.
بحسب كاميران كان الدمار والخراب من بين أكثر الأشياء التي لفتت انتباهه. ففي مدينتي الموصل والرقة كانت هناك مناطق سويت بالكامل بالأرض، جراء قصف الطيران الحربي وتعرضها للصواريخ والقاذفات في معارك طرد عناصر التنظيم. وكان حريصاً على التقاط الصور بكاميرا هاتفه في معظم المدن التي عمل فيها. ويقول: «كنت أتساءل في قرارة نفسي: هل سيأتي يوم ويحتفل العالم بالقضاء على هؤلاء القتلة؟ هل ستتخلص البشرية من هذا التطرف والتشدد وآثاره؟».
وفي ختام حديثه، يرى الإعلامي كاميران سعدون أن التنظيم لم ينته رغم القضاء عليه عسكرياً، «حيث خلاياه النائمة وأفكاره المتطرفة منتشرة بين سكان المناطق التي خضعت لحكمه سنوات طويلة»، وعلق قائلاً: «إذا بقيت الحروب دون حلول سياسية فسيظهر تنظيم ثان وثالث... تحمل العقيدة والآيديولوجيا نفسها لـ(داعش) ولو بأسماء أخرى، فالفوضى تساعد على ظهورها وانتشارها».
- فرهاد حمو... 1600 يوم من الاختفاء القسري
> فرهاد حمو. صحافي كردي مضى على اختفائه القسري 1600 يوم. اختُطف بتاريخ 15 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2014 على يد عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي. فبعد انتهاء العمليات العسكرية والقضاء على خلافته المزعومة في نهاية مارس (آذار) الماضي؛ بقي مصير الرهائن والمختطفين لدى «داعش» صندوقاً أسود.
يروي الصحافي مسعود عقيل المتحدر من مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، كيف اختطف مع زميله فرهاد يومذاك، ففي ساعات الصباح الباكر وأثناء توجههما من القامشلي إلى قرية تل علو مسقط رأس الشيخ حميدي دهام الجربا لإجراء مقابلة لصالح شبكة «رووداو» الإعلامية، حيث كان يعمل فرهاد ومسعود معها، وبعد وصولهما إلى الطريق السريعة الواصلة بين محافظة الحسكة (شمال شرقي سوريا) وبلدة تل كوجر أو «اليعربية» بحسب تسميتها العربية، شاهدا حاجزاً غير اعتيادي لمسلحين يلبسون زياً إسلامياً مدججين بالأسلحة ويرتدون أحزمة ناسفة.
يقول مسعود: «أتذكر كان عددهم 6 عناصر، فتشوا السيارة، وشاهدوا معداتنا والهواتف الجوالة، وعرفوا أننا صحافيان، وقام أحدهم بالركوب معنا وهددنا بالسلاح أو تفجير حزامه الناسف في حال مخالفة أوامره»، واتجهوا نحو بلدة تل حميس.
في تلك البلدة، بدأت رحلة من التعذيب والتحقيقات والأسئلة عن ديانتهما وتوجهاتهما الحزبية، حيث بقي فرهاد ومسعود في سجن تل حميس 3 أيام، لينقلا بعدها إلى سجن الشدادي الواقعة أقصى شرق سوريا، ثم نقلا بعد شهر إلى سجن الرقة، وكانت أبرز معاقل التنظيم آنذاك في سوريا قبل طرده منها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركية.
ويتابع مسعود حديثه ليقول: «أعتقد كان السجن الأسود، وضعونا في زنزانات انفرادية منفصلة، بعد شهرين جمعونا في (منفردة) واحدة لمدة 10 أيام»، ولم يكن يعلم مسعود بأن تلك الأيام ستكون الأخيرة بينهما، يضيف بحسرة: «في 9 مارس (آذار) 2015 كان آخر يوم نقضيه معاً، بعد الظهر جاء السجان ونقلني إلى (منفردة) ثانية وبقي فرهاد في مكانه، ومنذ ذلك اليوم فقدنا بعضنا».
ونقل مسعود لسجون ومعتقلات عدة خاضعة للتنظيم، وفي 21 سبتمبر (أيلول) 2015، أُطلق سراحه في إطار صفقة تبادل للأسرى بين «الإدارة الذاتية» وتنظيم «داعش»، عبر وجهاء من العشائر تمت في بلدة الهول جنوب مدينة الحسكة، وأضاف: «كانوا دائماً يرهبونني بأنهم سيجزّون رأسي من عنقي، كنت فاقداً الأمل بصراحة، وعندما أفرج عني سألت الأمير (الداعشي) عن مصير فرهاد، فادعى أنه لا يعرف شيئاً؛ لا مكانه ولا سجنه».
في منزل عائلته الكائن بمدينة القامشلي، لا تزال والدته وأباه وإخوته ينتظرون عودة الصحافي فرهاد بفارغ الصبر. في كل ركن وزاوية من المنزل هناك ذكرى ترويها والدته إلهام أحمد بحسرة، حيث كانت تلبس إيشارباً مطرزاً بألوان فاتحة، لكن الشيب غزا شعرها، وبدت متقدمة بالعمر رغم أنها في بداية عقدها الخامس، حزناً لفقدان ابنها، لتقول: «كان يجلس هنا نشرب الشاي الذي كان يحبه، في تلك الزاوية كنا نجلس على مائدة الطعام، وهناك كان مكانه المفضل للدراسة، وجهه لا يفارقني ولا لحظة؛ كيف كان ينام ويصحو باكراً»، وأضافت: «كنت أحرص على تجهيز الطعام مرات عدة كي تكون وجبته ساخنة، أما أكلته المفضلة فكانت (اللحم في صينية)».
وعبر حسين عمر، مدير ديسك «روج آفا» بقناة «رووداو»، عن حزنه العميق لغيابه بهذه الطريقة المؤلمة، قائلاً: «لا يزال جرحاً عميقاً لن يندمل إلا بعودته السالمة إلى أسرته وزملائه»، منوهاً: «كنّا نأمل أن يتحرّر زملينا فرهاد مع القضاء على آخر جيب لتنظيم (داعش) في شرق الفرات، وقد آلمنا عدم حدوث ذلك، لكننا لم نفقد الأمل، وسنظلّ ننتظر عودته».
أثناء معركة الباغوز كان أراس حمو؛ الأخ الأصغر لفرهاد يعمل مصوراً مع قناة «رووداو» الكردية، بقي في التغطية حتى آخر دقيقة بهدف البحث عن شقيقه، فكلما كانت تخرج دفعة من المحاصرين ومقاتلي التنظيم وأسرهم كان يستفسر عن مصير شقيقه، ونقل أنه وفي إحدى الليالي كانت المعركة على أشدها، وتحول ليل الباغوز إلى نهار من شدة لهيب القصف ونيران المعارك، وقال: «طلبت من مسؤول عسكري في (قوات سوريا الديمقراطية) أن يكونوا حذرين بالهجوم وقصف المواقع، لأن هناك أسرى ورهائن في قبضة التنظيم، وشقيقي فرهاد من بينهم».
كما أجرى أراس مقابلات مع أمراء وقادة من التنظيم بهدف معرفة معلومات عن أخيه فرهاد، ولفت أنه حصل على معلومات حول مصيره، وقال: «البعض أكد مشاهدته وأنه على قيد الحياة، ولكن لا يعرفون مكانه، فيما آخرون نقلوا له أنهم شاهدوه من بين الأشخاص الذين كان يستخدمهم التنظيم في أعمال الحفر والسخرة ولا يعلم أحد مصيرهم».
وعبر ساكار عبد الله، مدير قسم المراسلين في قناة «رووداو»، عن أسفه الشديد لغياب زميله، وأكد أن «فرهاد اتسم بروحه المرحة والمرونة في التعامل مع ما كان يُطلب منه إنجازه بموجب خطط العمل المرسلة إليه، أو الأحداث الطارئة التي كانت تتطلّب التحرّك الفوري والوصول بأسرع ما يمكن إلى موقع الحدث».
وأشار أراس حمو إلى أن مسؤولي «قوات سوريا الديمقراطية» أكدوا لهم استمرار التحقيقات مع قادة وأمراء التنظيم: «يقولون هناك أكثر من 10 آلاف عنصر ومسلح (داعشي)، وبعد انتهاء التحقيقات يأملون في الحصول على معلومات تفيد بمعرفة مصير الرهائن والمختطفين».
أما والدته إلهام التي تنتظر عودته ليجلس ابنها فرهاد من جديد بجانبها ويحتسي الشاي معها، فتقول: «كان يقول لي إنه يحب شرب الشاي معي. أنتظر عودته، وأملي الوحيد أن يكون على قيد الحياة ويعود لنا بسلامة».


مقالات ذات صلة

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

يوميات الشرق  ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

حصد صلاح لبن، المحرر في «إندبندنت عربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، «جائزة فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»

«الشرق الأوسط» (ليماسول (قبرص))
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في روما يوم 15 أبريل 2026 (رويترز)

إيطاليا تستدعي سفير روسيا بعد إهانة مذيع تلفزيوني جورجيا ميلوني

انتقد السفير الروسي لدى إيطاليا الحكومة في روما، الأربعاء، بعد استدعائه بشأن تعليقات مسيئة من جانب مذيع تلفزيوني روسي بحق رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

«الشرق الأوسط» (روما)
خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

خاص بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».