غرينبلات: نتطلع إلى حوار بنّاء مع القادة الإقليميين حول تفاصيل خطة السلام

مساعد ترمب وممثله الخاص للمفاوضات الدولية للشقيقة «المجلة»: السلطة الفلسطينية ستتعرض لحكم تاريخي قاسٍ إذا رفضت الاقتراح الأميركي

غرينبلات
غرينبلات
TT

غرينبلات: نتطلع إلى حوار بنّاء مع القادة الإقليميين حول تفاصيل خطة السلام

غرينبلات
غرينبلات

يعمل جيسون غرينبلات مساعداً للرئيس دونالد ترمب، وهو الممثل الخاص للمفاوضات الدولية في البيت الأبيض. عمل غرينبلات، الذي يمتهن المحاماة،مع ترمب منذ 22 عاماً. ومن بين المناصب التي تولاها في السابق نائب الرئيس التنفيذي وكبير الموظفين القانونيين في مؤسسة ترمب. في الوقت الحالي، غرينبلات واحد ضمن أربعة مسؤولين فقط في الإدارة الأميركية على علم بخطة الرئيس للسلام في الشرق الأوسط.
في لقاء غرينبلات الحصري الذي خصّ به الشقيقة «المجلة»، وهو أول لقاء له مع إصدار عربي، أجاب على الانتقادات الاستباقية الموجهة إلى الخطة، وشاركنا بعضاً من مبادئها الأساسية. وتحدث عن علاقتها بمساعي السلام السابقة، بما فيها «مبادرة السلام العربية»، ووضع الخطة واحتمالاتها في سياق أوسع من «الكفاح من أجل تحقيق الأمن والرخاء في جميع أنحاء المنطقة». وفيما يلي نص الحوار...
* ماذا تقول لهؤلاء في المنطقة ممن لا يؤيدون خطتكم أو جهودكم لتحقيق السلام؟
- سيكون ذلك هو الشخص النادر الذي لا يسعى إلى السلام. يجب أن يؤيد الجميع جهود السلام في حد ذاتها، إلا إذا كانوا ضد السلام أو ضد تحسين حياة الفلسطينيين. أما بالنسبة للخطة، فلا يستطيع أحد أن يقول بصدق إنه ضد الخطة لأنهم لم يروها. هناك من قد لا تعجبهم سياساتنا الحالية، ونتفهم ذلك. ولكن ذلك لا يعني أن في إمكانهم أن يقولوا بصدق إنهم ضد الخطة التي لم يروها حتى الآن. طلبنا من الجميع أن يتحلوا بالصبر وأن لا يصدروا حكمًا مسبقًا على الخطة. نعتقد أننا وضعنا خطة تفصيلية وواقعية ومنصفة وقابلة للتنفيذ؛ وسوف تُمَكِن الناس من الحصول على حياة أفضل. بمجرد أن يطَلع الجميع على الخطة، سوف يعلمون لماذا استغرقنا كل هذا الوقت في إصدارها. ونأمل أن يتمتع الجميع بعقلية متفتحة حتى يمكن إجراء حوار مفيد بمجرد صدور الخطة.
* ترفض السلطة الفلسطينية اللقاء معك وأعلنت أنها لن تفكر حتى في خطتك. ماذا ستفعل إذا كان الوضع كذلك؟
- من الصعب فهم لماذا قد ترفض السلطة الفلسطينية خطة لم ترها. يستحق الفلسطينيون كرامة وفرصة وأسلوب حياة أفضل. بمجرد أن تسنح لهم فرصة قراءة خطتنا واستيعابها، يجب أن يسأل الناس أنفسهم: هل ستجعل هذه الخطة حياة الفلسطينيين والإسرائيليين أفضل. نحن نعتقد أنها سوف تحقق ذلك. لذا عندما يحين الوقت، نأمل أن تتصرف السلطة الفلسطينية بمهنية وتلقي نظرة جادة على الخطة، وتحكم عليها وفقًا لأسس موضوعية، وأن تتناولها بأسلوب بنَاء. لا يستحق جميع الفلسطينيين، في كل من الضفة الغربية وغزة، أقل من ذلك. وأعتقد أن التاريخ سوف يُصدر حكمًا قاسيا على السلطة الفلسطينية لرفضها فرصة يمكن أن تعطي للفلسطينيين شيئا مختلفًا تمامًا، شيئا إيجابيًا للغاية، مقارنة بما لديهم اليوم.
* في تصريحات إعلامية سابقة، قلت إن القيادة الفلسطينية متشبثة بإرث قديم ومبادرات سابقة لم تنجح. فهل هذا هو الوقت المناسب لإطلاق خطة سلام مع عباس، وهو نفسه معاصر ووريث لتلك الموروثات ذاتها؟ هل تعتقد أن هناك قادة لديهم فهم أفضل للتطورات؟
- لن يكون هناك وقت مثالي للسعي إلى صناعة السلام قط، ولكن الوضع الراهن ليس جيدًا للجميع – الناس يعانون؛ المنطقة تعاني. ونأمل أن تتمكن القيادة من ترك نقاط الحوار المتكلسة جانبا لفترة كافية لكي يقرأوا ويدرسوا خطتنا. ونأمل أيضًا أن يتمكن الناس من قراءة خطتنا ومناقشة عناصرها الإيجابية الكثيرة. في العامين الماضيين، بعد مناقشات كثيرة مع فلسطينيين عاديين، وجدنا أن الناس، خاصة الشباب، سئموا من هذا النزاع. ويزداد تطلعهم إلى ما يأملون أن يكون مستقبلاً مشرقًا. وفي النهاية، نعتقد أن هذه الخطة سوف تكون أكثر فرصة مثيرة وشاملة يجدونها في حياتهم، إذا اختاروا اتباعها. ولن يكون البديل سوى المزيد من الوعود الزائفة وتصريحات سياسية لا تقدم أي شيء لمساعدة الفلسطينيين. أما بالنسبة لقادة المنطقة، فأنا أكن احترامًا لكثير منهم وأستطيع أن أرى كيف يرغب كثير منهم في السعي من أجل المُضي قدمًا. أرى أن كثيرًا منهم يضعون شعوبهم ومصالحهم الوطنية على رأس أجندتهم، وهذا أمر مهم. غالبية السكان في بعض من هذه البلدان من الشباب، ويدرك هؤلاء القادة الحاجة إلى العناية بسكانهم. نحن هنا لنعمل معهم في هذا المسعى. ونريد أن نساعد الفلسطينيين، بل نريد أيضًا أن نعمل مع المنطقة لكي نسمح لهم بالنجاح مع سكانهم كذلك.
* هل خطتكم للسلام عن «سلام اقتصادي»، كما قال البعض؟
- هذا ليس سلاماً اقتصادياً. تقترح الخطة ما نعتقد أنه أفضل وأكثر طريق واقعي لحل كل القضايا الأساسية. ولكننا نؤمن أيضًا أن الجانب الاقتصادي في الخطة له أهمية بالغة. من أجل الحصول على سلام مستدام، نعتقد أن الفلسطينيين يجب أن يحصلوا على فرص أفضل كثيرًا وأسلوب حياة أفضل. وهذا ما سوف تقدمه خطتنا الاقتصادية. ولكن الرؤية الاقتصادية التي نقدمها لا يمكن أن توجد دون المكون السياسي، وكذلك لا يمكن للمكون السياسي أن ينجح دون العنصر الاقتصادي. يكمل كل من العنصرين الآخر ويدعمه. وعن طريقهما معًا، قد تقدم خطتنا الشاملة أول فرصة حقيقية لكي يحصل الفلسطينيون على مستقبل أكثر إشراقًا.
* هل تضع خطتك في الحسبان «مبادرة السلام العربية»؟ هل هي أساس خطتك؟
- منذ بداية هذه العملية، اطَلعنا على الجهود السابقة وحاولنا الاستفادة منها. لقد عمل كثير من الأشخاص الأذكياء والموهوبين في هذا الملف على مدار أعوام كثيرة. كان نهجنا هو الاعتراف بالواقع والتركيز على الحديث بصدق. تستند خطتنا إلى منطق وحقائق عام 2019. وكانت مبادرة السلام العربية جهدًا طيبًا في حينها. وأذكر أني قرأتها منذ عدة أعوام وشعرت بإلهام كبير بسبب الإمكانيات التي كانت تحملها. لقد قررنا تطوير الأفكار والحلول بعمق أكبر حتى يتمكن الجميع بالفعل من استيعاب الفوائد الجَمَة التي يمكنهم تحقيقها إذا شرعنا في تنفيذ خطتنا، بالإضافة إلى التسويات المطلوبة للوصول إلى السلام. ولسنا تحت تأثير أوهام تتعلق بالتحديات التي نواجهها فيما يعتبره كثيرون أحد أصعب المشاكل المستعصية في العصر الحديث.
* هل سعيتم إلى الحصول على إسهامات ونصائح من قادة عرب في المنطقة؟ وإذا كانت الإجابة نعم، هل يمكن أن تعطينا فكرة عن أي إسهام تجد أنه جدير بالإشارة ويمكن قبوله؟
- على مدار العامين الماضيين، أجرينا الكثير من المباحثات مع قادة في المنطقة من أجل الأفكار والرؤى وسمعنا ما كان لديهم بشأن القضايا. ونتطلع إلى حوار بنَاء مع قادة إقليميين حول تفاصيل الخطة بمجرد صدورها. وهناك الكثير من القادة الموهوبين في المنطقة ومشاركاتهم مهمة.
* يبدو أنكم، على عكس مساعي السلام السابقة التي كان الطرفان - الإسرائيلي الفلسطيني - يتفاوضان فيها سرًا حول خطة ما، سوف تقدمون خطة ثم تأملون أن يتفاوض عليها الطرفان. هل يمكن أن توضح لماذا انتهجتهم هذا الأسلوب؟
- قررنا أن نفعل الأمر بطريقة مختلفة. قررنا أنه من المهم وضع التفاصيل بصورة شاملة حتى لا يكون هناك مجال للشك فيما سيتفاوض عليه الطرفان. ولكن من المهم أن نذكر أن الأمر في النهاية يرجع إليهما إذا كانا سيصلان إلى اتفاق. لا يوجد دولة أخرى أو منظمة دولية تستطيع أن تفرض اتفاق سلام على الطرفين. يجب أن يكون لديهما استعداد للعمل معًا من أجل الوصول إلى هذا الاتفاق.
* ألا يُشكل قرارا القدس والجولان حكمًا مُسبقًا على ما تحمله الخطة للفلسطينيين؟
- أولاً، قرار الجولان ليس متعلقًا بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وعلى أي حال، هذان القراران اعتراف بواقع حدث. نعتقد أن ذلك مهم للبدء من منطلق الحقيقة، ويعني هذا أن نكون صادقين بشأن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولن يؤدي التظاهر بخلاف ذلك سوى إلى عرقلة فرص السلام. أما بالنسبة لمرتفعات الجولان، فمن يستطيع أن يقترح أن تتخلى إسرائيل عنها، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، كانت تستخدم لشن هجمات متكررة على إسرائيل، وأن نعطيها لرجل ارتكب مجازر جماعية وألقى ببراميل متفجرة على نساء وأطفال في بلاده؟ إذا رجع القادة إلى نقاط ومواقف الحوار القديمة، لن يكون لدينا أكثر من الوضع الراهن. وخطتنا قائمة على الحقائق الراهنة على أرض الواقع، ونؤمن بأنها تقدم أسلوب حياة أفضل بلا شك للفلسطينيين. ونحن مستعدون للنقد العقلاني المنطقي للخطة من جميع الأطراف، ولكن لا يجب أن يستخدم الناس مواقفنا السياسية لترك خطتنا. كيف سيساعد ذلك الفلسطينيين؟ من يهتمون بالفلسطينيين حقًا يجب أن يشجعوهم على قراءة الخطة والمشاركة فيها. تلك هي الوسيلة الوحيدة التي تقدم لهم فرصة مستقبل جيد. إن ترك الخطة أو التنديد بها يؤذي الفلسطينيين. ولا تساهم التكهنات وانتقاد خطة لم تصدر بعد في تقديم السلام.
* كيف ترى مساعيك من أجل السلام في سياق القضايا الأخرى التي تواجه المنطقة؟
- بحكم العادة، يشير كثيرون إلى أن حل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني هو «عملية السلام في الشرق الأوسط». ولكنه اسم خاطئ. ما النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني إلا واحد من النزاعات القائمة في المنطقة، وحله لن يضع حدًا لصراعات أخرى مثل الحرب الأهلية المأساوية في سوريا، والحرب في اليمن، و«حزب الله» (المنظمة الإرهابية التي ترعاها إيران) في لبنان، وانعدام الاستقرار في ليبيا، والإرهابيين في صحراء سيناء في مصر، والنظام الإيراني الذي يقمع شعبه ويشعل الإرهاب حول العالم. ومع ذلك، سوف يسمح إنهاء النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني للبعض في المنطقة بالمُضي قدمًا وقد يؤدي إلى مزيد من التعاون والفرص الاقتصادية بين شعوب المنطقة. هناك إمكانيات لم يتم استغلالها يمكن أن يساعد الوصول إلى اتفاق سلام على إطلاقها وتعزيزها. ولكنه لن يحل مشاكل المنطقة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.