جدل في بريطانيا حول أنشطة مفتي ليبيا

الطائرات تقصف معقل المتطرفين في درنة.. و«درع الوسطى» تبدي استعدادها للحوار مع الأمم المتحدة

ليبيات يشاركن في مظاهرة ضد البرلمان في بنغازي أمس (رويترز)
ليبيات يشاركن في مظاهرة ضد البرلمان في بنغازي أمس (رويترز)
TT

جدل في بريطانيا حول أنشطة مفتي ليبيا

ليبيات يشاركن في مظاهرة ضد البرلمان في بنغازي أمس (رويترز)
ليبيات يشاركن في مظاهرة ضد البرلمان في بنغازي أمس (رويترز)

تصاعدت أمس حدة التوتر السياسي في ليبيا التي تعيش معظم مدنها حالة من الانقسام ما بين مؤيد ومعارض لمجلس النواب، الذي توعد تركيا في المقابل بسبب تصريحات وصفها بـ«العبثية» لرئيسها المنتخب رجب طيب إردوغان، في وقت يتعرض فيه مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغريانى المقيم في بريطانيا لحملة قد تنتهي بالإطاحة به من منصبه، فيما أكدت الخارجية الليبية لـ«الشرق الأوسط» أمس أنه جاء إلى لندن في زيارة خاصة، بينما أرسلت الداخلية البريطانية بيانا لـ«الشرق الأوسط» أكدت فيه أنها لا تعلق على حالات خاصة، لكنها لا ترحب في الوقت ذاته بأي ترويج للإرهاب من على أراضيها، وستتخذ كل الإجراءات القانونية لمنع أنشطة إرهابية على أراضيها. وثار جدل في بريطانيا حول أنشطة مفتي ليبيا الصادق الغريانى، الذي تردد أنه غادر العاصمة لندن على عجل إلى قطر، عقب ما تردد عن قرب توجيه بريطانيا اتهامات له. ويتهم الغرياني بأنه وراء قيادة وتسهيل سيطرة الإسلاميين على طرابلس من مكان إقامته في المملكة المتحدة.
وقالت صحيفة الـ«غارديان» البريطانية أمس، إنه في اليوم الذي أعلن فيه ديفيد كاميرون تدابير أكثر صرامة للتصدي لتهديدات الإرهابيين، تحدثت مصادر مقربة من الخارجية البريطانية عن أن الغرياني يقيم في المملكة المتحدة، ويقوم بتشجيع أتباعه للإطاحة بالحكومة الليبية. وحذرت المصادر البريطانية من أن وجود الغرياني في بريطانيا يضع الحكومة البريطانية في حرج شديد اليوم، بعد ما حذر رئيس الوزراء من «تهديد أكبر وأعمق لأمننا مما كان معروفًا من قبل» من المتطرفين الإسلاميين، كما جرى رفع مستوى التهديد الأمني من مرتفع إلى عالٍ جدًا.
الأمر المرجح، بحسب المصادر البريطانية، أن يؤدي هذا إلى توتر العلاقات مع واشنطن أيضًا، ويفهم أن المسؤولين الأميركيين غاضبون باتخاذ الغرياني المملكة المتحدة منبر تحريض له، خصوصًا بعد مدحه لجماعة أنصار الشريعة في شهر يونيو (حزيران) الماضي، وهي الجماعة المتهمة من قبل الولايات المتحدة بمقتل سفيرها كريس ستيفنز في بنغازي في عام 2012. قال وزير الهجرة في حكومة الظل، ديفيد هانسون: «توقيت وجود الغرياني في بريطانيا هو نموذج آخر لفشل وزارة الداخلية بعدم تبادل المعلومات الاستخباراتية مع وزارة الخارجية (إم آي فايف)» وأضاف: «بدلاً عن ذلك هناك ادعاءات خطيرة جدًا عن شخص تم إعطاؤه الإذن لدخول البلاد ويحتاج وزير الداخلية لشرح كيف استطاع السفر إلى هنا والاستمرار في التحريض على استمرار الأحداث في طرابلس».
وتصاعدت أمس حدة التوتر السياسي في ليبيا التي تعيش معظم مدنها حالة من الانقسام ما بين مؤيد أو معارض لمجلس النواب، الذي توعد تركيا في المقابل بسبب تصريحات وصفها بـ«العبثية»، لرئيسها المنتخب رجب طيب إردوغان، في وقت يتعرض فيه مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني المقيم في بريطانيا لحملة قد تنتهي بالإطاحة به من منصبه.
وقال فرج بوهاشم الناطق الرسمي باسم مجلس النواب لـ«الشرق الأوسط» إن هناك ما وصفه بالإجماع على الإطاحة بالمفتي بسبب مواقفه العدائية من الأزمة السياسية في البلاد، وانحيازه لطرف على حساب مصالح الشعب الليبي.
ويعتقد الكثيرون أن المفتي متورط في التخطيط للسيطرة على طرابلس، مستغلا وجوده على الأراضي البريطانية، وفقا لما نشرته أمس صحيفة «غارديان»، التي انتقدت تأكيد وزارة الخارجية البريطانية أن الغرياني مقيم في بريطانيا، حيث يشجع أتباعه على إسقاط مجلس النواب في طبرق.
وكان الغرياني أرسل رسالة تهنئة للمتطرفين بعد سيطرتهم على طرابلس عبر قناة تلفزيونية. وتُنقل خطب الغرياني إلى أتباعه عن طريق موقع باللغة العربية على الإنترنت أطلقه قريبه، سهيل الغرياني، من بناية سكنية متداعية في مدينة اكستر.
وتمثل إقامة الغرياني في بريطانيا مصدر إحراج شديد للحكومة البريطانية، التي حذر رئيسها ديفيد كاميرون من أن تهديد المتطرفين الإسلاميين لأمن بريطانيا «أكبر وأعمق منه في أي وقت مضى». ونقلت الصحيفة البريطانية عن وزير الهجرة في حكومة الظل العمالية المعارضة ديفيد هانسون أن «أسئلة خطيرة مطروحة على وزيرة الداخلية البريطانية المطلوب أن تجيب عنها بشأن إقامة شخص متهم بانتهاك قرار الأمم المتحدة حول جرائم الحرب في البلد، وكيف قررت وزارة الداخلية أن يكون في وجوده هنا منفعة لبريطانيا». وطالب هانسون وزيرة الداخلية تيريزا ماي بتقديم شرح لكيفية تمكن الغرياني من السفر إلى بريطانيا والاستمرار في التحريض من أراضيها على ما حدث في طرابلس.
إلى ذلك، انتقد الناطق باسم البرلمان الليبي تصريحات الرئيس التركي طيب رجب إردوغان أخيرا، حول رفضه إصرار البرلمان على الانعقاد في مقره المؤقت بمدينة طبرق وليس في العاصمة الليبية طرابلس.
وقال بوهاشم: «نأمل أن لا تتكرر التدخلات التركية، وهذه التصريحات العبثية، إذا تكررت فسيكون لنا موقفا تجاه تركيا التي يجب أن تفهم جيدا خطورة التدخل في شؤوننا». وكان إردوغان قد وصف في مقابلة بثتها قناة «الجزيرة» القطرية انعقاد البرلمان الليبي في مدينة طبرق بأنه «خطأ»، وقال: «من يريد أن يدير البلاد، فعليه أن يديرها من طرابلس وليس من أي مدينة أخرى».
وفى تفسيره لهذا الموقف العدائي التركي المفاجئ، كشف المهندس فتح الله السعيطي عضو البرلمان الليبي النقاب عبر صحفته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» عن أن رفض صالح عقيلة رئيس البرلمان تلبية دعوة إردوغان له بحضور حفل تنصيبه أخيرا تقف وراء هذا الموقف التركي. وأضاف: «جرى اتصال قبل أيام برئيس مجلس النواب، وقدم التهنئة بعقد جلسات المجلس في طبرق، وأرسل دعوة إلى السيد الرئيس لحضور تنصيبه على تركيا العلمانية، ولكن جرى رفض الدعوة، وأمس، خرج على (الجزيرة) القطرية، لكي يقول لنا: أين نجتمع».
وتابع: «لقد ولى زمن الإملاءات مع المؤتمر الوطني (البرلمان) السابق، ونحن أحرار نجتمع في أي مكان تحت السماء وفوق الأرض الليبية».
إلى ذلك، قصفت طائرة حربية مقر شركة محلية بالمدخل الغربي لمدينة درنة التي تُعدّ المعقل الرئيس للجماعات المتطرفة في شرق البلاد. ونقلت وكالة الأنباء المحلية عن شهود عيان أن طائرة حربية أطلقت 3 صواريخ، أصابت أحد المستودعات، مما أدى لاشتعال النيران فيه، من دون أي إصابات بشرية.
من جهة أخرى، اجتمع وفد مشترك من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبعثة الاتحاد الأوروبي مع مسؤولين بمدينة مصراته، بينما قالت قوات «درع الوسطى»، عبر الناطق الرسمي باسمها أحمد هدية، إنها على استعداد للتحاور مع المبعوث الأممي إلى ليبيا برناردينو ليون، تحت ضمان المجتمع الدولي. كما لفتت إلى أن الاجتماع استعراض جملة من الحلول التي من شأنها خلق بيئة للحوار الوطني الشامل، الذي يضمن بناء الدولة، ودور مدينة مصراته في إرساء دعائم السلم والأمن والاستقرار في ليبيا، والحوار والمصالحة الوطنية.
من جهته، أعلن الناطق الرسمي باسم قوات درع ليبيا الوسطى أنها على استعداد للتحاور مع المبعوث الأممي إلى ليبيا، مشيرا في مؤتمر صحافي عقده مساء أول من أمس إلى أن ثوار فبراير الشرفاء يؤكدون رفضهم للتدخل الأجنبي في ليبيا تحت أي ذريعة، متعهدين بملاحقة كل من يتورط بهذا الصدد.
وفيما بدا أنه بمثابة تأكيد للمعلومات التي انفردت بنشرها «الشرق الأوسط»، أخيرا، بشأن حدوث خلافات سرية في آخر اجتماع عقده قادة ما يُسمى بـ«عملية فجر ليبيا»، بعد سيطرتها على العاصمة الليبية طرابلس ومطارها الدولي، أعلن هدية عن تشكيل هيئة لتصحيح مسار الثورة تضم جميع المقاتلين الذين شاركوا في العملية.
ولفت إلى أن أهداف الهيئة تتمثل في استكمال أهداف ثورة الـ17 من فبراير، والالتزام بالمنهج الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة وفق خارطة طريق واضحة تضمن مشاركة عادلة لكل الليبيين، بالإضافة إلى تمكين الثوار من المشاركة في قيادة المرحلة الانتقالية.
في غضون ذلك، حشد التيار الإسلامي المتشدد أنصاره، أول من أمس، في العاصمة طرابلس وعدة مدن أخرى، في مظاهرات مؤيدة لعملية فجر ليبيا العسكرية التي تشنها منذ بضعة أسابيع ميليشيات مصراته وحلفائها من الجماعات المتطرفة ضد بقايا الجيش الليبي (كتائب الزنتان وجيش القبائل الليبية المتحالف معها) في طرابلس.
ودعا المتظاهرون إلى بناء دولة المؤسسات والقانون التي يشارك فيها الثوار، وباستبعاد أتباع النظام السابق ورفض التدخل الأجنبي والدعوة إلى إسقاط مجلس النواب ومحاسبة دولتي مصر والإمارات، بسبب مزاعم لم تثبت نهائيا عن تورطهما في القصف الجوي، الذي استهدف العاصمة عدة مواقع لميليشيات الزنتان في محيط مطار طرابلس الدولي، الأسبوع الماضي.
ووجه المتظاهرون رسالة إلى مجلس الأمن الدولي جددوا فيها رفضهم للقرارات الصادرة عن مجلس النواب، لتجاوزه الإعلان الدستوري، ولانعقاده خارج المكان الذي حدده هذا الإعلان، طبقا لما بثته وكالة الأنباء الرسمية.
كما شهدت مدينة بنغازي، مساء أول من أمس، مظاهرتين؛ الأولى مؤيدة لمجلس النواب وقراراته، والثانية معارضة له، حيث تجمع المئات من جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم في ساحة التحرير، معلنين عدم اعترافهم بانعقاد مجلس النواب بمدينة طبرق، ولكل القرارات التي صدرت عنه، ورفضهم لعملية الكرامة التي يشنها الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء متقاعد خليفة حفتر ضد المتطرفين في المدينة.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.