المعارضة التركية تتعهد بفوز كبير «جديد» في إسطنبول

احتجاجات ليلية حاشدة... وأنقرة تواجه انتقادات أوروبية حادة

محتجون داعمون لعمدة إسطنبول المنتخب إمام أوغلو يشاركون في مظاهرات ليلية مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
محتجون داعمون لعمدة إسطنبول المنتخب إمام أوغلو يشاركون في مظاهرات ليلية مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

المعارضة التركية تتعهد بفوز كبير «جديد» في إسطنبول

محتجون داعمون لعمدة إسطنبول المنتخب إمام أوغلو يشاركون في مظاهرات ليلية مساء أول من أمس (أ.ف.ب)
محتجون داعمون لعمدة إسطنبول المنتخب إمام أوغلو يشاركون في مظاهرات ليلية مساء أول من أمس (أ.ف.ب)

أعلن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، أنه لن يقاطع الانتخابات المحلية «المعادة» في إسطنبول التي ستجرى في 23 يونيو (حزيران) المقبل، ووعد بتحقيق «انتصار كبير» واسترداد رئاسة بلدية إسطنبول التي نزعت من مرشحه الفائز أكرم إمام أوغلو بقرار اللجنة العليا بإعادة الانتخابات. من جهتها، عينت وزارة الداخلية والي إسطنبول، علي يرلي كايا، رئيساً للبلدية بالوكالة حتى انتخاب رئيس جديد لها.
وأكد رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، في كلمة أمام اجتماع الكتلة البرلمانية للحزب في مقر البرلمان التركي بأنقرة أمس (الثلاثاء) إن حزبه لن يقاطع الانتخابات المعادة، مشيرا إلى أن أكرم إمام أوغلو الذي سيستمر كمرشح للحزب، نزعت منه رئاسة البلدية بضغط من «القصر» (يقصد رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان) «الذي لا يتورع عن اغتصاب الحقوق حتى في شهر رمضان، لكنه لا يستمد قوته من القصر وإنما من 16 مليون مواطن في إسطنبول».
وانتقد مجلس الحزب، في بيان تحت عنوان «إعلان الديمقراطية والحرية» نشره عقب اجتماع طارئ، قرار اللجنة العليا للانتخابات إلغاء انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، وإعادة إجرائها في 23 يونيو المقبل. وقال: «نمد يدنا لجميع مواطنينا بغض النظر عن انتمائهم الحزبي، ونؤمن بأن هذه اليد الممدودة ستلقى دعما قويا في 23 يونيو».
وأضاف: «نحن على ثقة بأننا سنحقق انتصارا أكبر مما حققناه يوم 31 مارس (آذار) الماضي عندما فاز مرشح الحزب في الانتخابات المحلية». وأشار إلى أنه إذا كانت هناك شبهات في لجان صناديق الاقتراع، فينبغي إعادة كل من الاستفتاء على التعديلات الدستورية (أجري في 16 أبريل (نيسان) عام 2017)، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة في 24 يونيو 2018، وانتخاب رؤساء بلديات الأقضية وأعضاء مجلس إدارة البلديات أيضا للأسباب ذاتها؛ لأن كلها جرت في ذات الظروف والصناديق.
وتابع أنه «عبر هذا القرار، تم القضاء بشكل صريح على الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية والمتمثلة بسيادة القانون والفصل بين السلطات، والحق في التصويت والترشح... وأن 6 مايو (أيار) 2019 (يوم إعلان إعادة الانتخابات بإسطنبول) دُوّن في تاريخ ديمقراطية بالبلاد كيوم أسود لن يُنسى أبدا». وطالب البيان أعضاء اللجنة العليا للانتخاب بتقديم استقالتهم بسبب ما اقترفوه من «جريمة تجاه الناخب».
من جانبه، قال مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض لبلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو، إن «ديمقراطيتنا تلقت ضربة قوية» على خلفية قرار إعادة الانتخابات في كبرى مدن البلاد. وأضاف إمام أوغلو، الذي سحبت اللجنة العليا للانتخابات وثيقة تسلمه مهام رئاسة بلدية إسطنبول، أن «علينا إصلاح ومعالجة هذه المرحلة سويا. لدينا ردود فعل رافضة لما جرى».
وكانت شوارع إسطنبول، شهدت ليل الاثنين إلى الثلاثاء، مسيرات ليلية حاشدة احتجاجا على قرار اللجنة العليا للانتخابات، انطلقت تحت شعار: «هذه هي البداية... الكفاح مستمر». كما خرجت مظاهرة حاشدة مماثلة في مدينة إزمير (غرب تركيا).
وتجمع الآلاف في مؤتمر عقده إمام أوغلو، وسط هتافات مؤيديه لقضيته ورافضة لقرار اللجنة منها: «الشعب معك... سنفوز.. حق، حقوق، عدالة». ووصف أوغلو في كلمة خلال التجمع قرار إبطال فوزه وإعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول بأنه «خيانة». وقال إن «أولئك الذين يتّخذون قرارات في هذا البلد ربّما وقعوا في الخيانة، لكنّنا لن نستسلم أبداً... احتفظوا بالأمل».
وأدان حزب الشعب الجمهوري قرار إعادة الانتخابات في إسطنبول، ووصفه بأنه «ديكتاتورية صريحة». وقال فائق أوزتراك، نائب رئيس الحزب، إن اللجنة العليا للانتخابات «قد أنكرت سبب وجودها؛ بقبول اعتراضات وطعون النظام الحاكم، التي ليس لها أي أسس مادية، وإلغاء انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول». ولم تعلن اللجنة العليا للانتخابات حتى الآن حيثيات قرارها بإلغاء انتخابات رئاسة البلدية وإعادتها.
من جانبها، وصفت ميرال أكشنار رئيس حزب «الجيد» شريك الشعب الجمهوري في «تحالف الأمة» قرار اللجنة العليا للانتخابات بأنه «يوم أسود في تاريخ الديمقراطية في تركيا».
في المقابل، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إنه لا يمكن تجاهل أو التغاضي عن «المخالفات الواضحة» التي شابت الانتخابات المحلية لمدينة إسطنبول، مضيفا أمام اجتماع نواب حزبه بالبرلمان التركي أمس: «لا يمكننا أن نتجاهل المخالفات الواضحة التي شابت انتخابات إسطنبول، ولا يمكننا التغاضي عن سلب الإرادة... نحن على ثقة كبيرة بحدوث تلاعب منظم وفقدان للشرعية ومخالفات في الانتخابات المحلية بإسطنبول».
وأضاف أن اللجنة العليا للانتخابات قررت إعادة الانتخابات بعد إجراء دراسة معمقة ودقيقة للطعون التي قدمها حزبه حول حدوث تلاعب في نتائج الاستحقاق الانتخابي.
وأعلنت وزارة الداخلية التركية، أمس، تعيين والي إسطنبول علي يرلي كايا، رئيسا بالوكالة لبلدية إسطنبول. وقالت في بيان إنّ قرار التعيين يأتي عقب إلغاء اللجنة العليا للانتخابات، نتائج انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول التي أجريت في 31 مارس الماضي، بسبب شكوك حول صحتها، وإن يرلي كايا سيواصل عمله رئيسا للبلدية بالوكالة، إلى حين صدور نتائج انتخابات الإعادة المقررة في 23 يونيو المقبل.
بدوره، علّق مرشح حزب العدالة والتنمية لرئاسة بلدية إسطنبول، الذي سبق أن خسر في انتخابات مارس، بن علي يلدريم، على قرار اللجنة العليا للانتخابات مؤكدا احترامه له. وقال إنه عاقد العزم على خدمة مدينة إسطنبول وسكانها.
في السياق ذاته، اعتبر البرلمان الأوروبي أن قرار إعادة الانتخابات على رئاسة بلدية إسطنبول يقضي على مصداقية الانتخابات الديمقراطية في تركيا. وجدّد المستشار النمساوي سيباستيان كيرتس مطالبته بإنهاء مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، على خلفية إلغاء نتائج انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول. وقال، في تصريحات أمس: «ليس لدى من لا يقبل الانتخابات الديمقراطية شيء يبحث عنه في الاتحاد الأوروبي... تركيا ابتعدت منذ سنوات بخطوات متزايدة عن الاتحاد الأوروبي، خاصة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، لا تزال هناك قيود ممنهجة شديدة على حرية الرأي والتعبير في تركيا».
بدوره، انتقد وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أمس قرار إعادة إجراء انتخابات بلدية إسطنبول، بوصفه «غير شفاف وغير مفهوم بالنسبة لنا». وقال ماس في تصريحات: «إرادة الناخبين الأتراك هي فقط من يقرر من يتولى رئاسة بلدية إسطنبول». وأضاف بأن «الحفاظ على المبادئ الديمقراطية مع ظروف انتخابية شفافة هما أهم أولوياتنا».
في المقابل، عبرت وزارة الخارجية التركية عن رفضها انتقادات بعض نظيراتها قرار اللجنة العليا للانتخابات إعادة انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول، معتبرة أن هذه الانتقادات ذات «دوافع سياسية». ودعت، في بيان، الجميع إلى احترام قرار اللجنة الذي قالت إنها اتخذته ضمن الأطر القانونية.
في شأن آخر، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ إن عواقب خطط تركيا لنشر منظومة «إس - 400» الروسية للدفاع الصاروخي «مثيرة للقلق»، في الوقت الذي أوضحت فيه واشنطن أنها ستفرض عقوبات بسبب ذلك.
وأضاف ستولتنبرغ بعد اجتماع مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على هامش اجتماعات مجلس الناتو في أنقرة الذي اختتم أمس، أن الحلف يرغب تجنّب الظروف التي يفرض فيها حلفاء عقوبات على بعضهم. غير أن جاويش أوغلو أكد مؤخراً أن بلاده «لن تتراجع» عن حيازة المنظومة الدفاعية الروسية.
وأضاف ستولتنبرغ: «بحثت مسألة (إس - 400) مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وتحدثت بهذا الشأن سابقا مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب... موقف تركيا واضح، هذا قرار وطني، ماذا ومن أين الشراء. لكنني استعرضت قلقي حيال أن منظومتي دفاع جوي (منظومة الناتو والمنظومة الروسية) لن تعملا معا، ونحن قلقون من احتمال فرض واشنطن عقوبات بسبب (إس - 400)».
وسبق أن حذرت الولايات المتحدة ودول من الناتو مرارا أنقرة من شراء منظومات «إس - 400»، مهددة بفرض عقوبات على تركيا، لكن الأخيرة أكدت أكثر من مرة، أن الصفقة مع روسيا لا رجعة عنها ومسألة الانسحاب منها ليست واردة على الإطلاق، متعهدة بالرد على أي إجراءات أميركية في هذا الصدد.
في غضون ذلك، قالت مصادر عسكرية تركية أمس إن تركيا سترسل 100 من العسكريين إلى روسيا نهاية شهر مايو الجاري للتدريب على تشغيل منظومة «إس - 400».



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».