تركيا تتمسك بخطط التنقيب عن الغاز شرق المتوسط رغم الانتقادات الدولية

قضية «إس 400» تفرض نفسها على اجتماع مجلس «الناتو» في أنقرة

أمين عام «الناتو» والرئيس التركي خلال اجتماع مجلس الحلف وشركاء الحوار المتوسطي في أنقرة أمس (إ.ب.أ)
أمين عام «الناتو» والرئيس التركي خلال اجتماع مجلس الحلف وشركاء الحوار المتوسطي في أنقرة أمس (إ.ب.أ)
TT

تركيا تتمسك بخطط التنقيب عن الغاز شرق المتوسط رغم الانتقادات الدولية

أمين عام «الناتو» والرئيس التركي خلال اجتماع مجلس الحلف وشركاء الحوار المتوسطي في أنقرة أمس (إ.ب.أ)
أمين عام «الناتو» والرئيس التركي خلال اجتماع مجلس الحلف وشركاء الحوار المتوسطي في أنقرة أمس (إ.ب.أ)

أعربت واشنطن عن قلقها من خطط تركيا إجراء عمليات تنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص.
وذكرت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، مورغان أورتاغوس، مساء أول من أمس، في بيان أن «الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ إزاء النوايا المعلنة لتركيا بشأن البدء في عمليات تنقيب في منطقة تعتبرها جمهورية قبرص منطقتها الاقتصادية الخالصة». وأضافت أن «هذه الخطوة بالغة الاستفزاز، وتهدد بإثارة التوترات في المنطقة. نحضّ السلطات التركية على وقف هذه العمليات، ونشجّع جميع الأطراف على ضبط النفس».
في غضون ذلك، أصدرت قبرص مذكرات اعتقال دولية أمس بحق طاقم سفينة تنقيب تركية عن الغاز الطبيعي في «المنطقة الاقتصادية الخاصة» بنيقوسيا، كما نقلت وكالة الأنباء الألمانية. وقال وزير الخارجية القبرصي فاسيليس بالماس، لمحطة «أكتيف» الإذاعية: إن مذكرات الاعتقال صدرت لأن الطاقم كان يجري بحثاً دون موافقة حكومة نيقوسيا.
وحذر بالماس من «أنه من الممكن إلقاء القبض على المتورطين في أنشطة غير مشروعة»، وقالت وزارة الخارجية: إنها سوف تثير القضية في قمة الاتحاد الأوروبي المقررة يوم الخميس المقبل.
وأثار إعلان تركيا بدء أنشطة التنقيب عن الغاز في منطقة غرب قبرص ردود فعل من جانب الكثير من الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر.
وكانت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني عبّرت، السبت، عن «قلقها البالغ حيال إعلان تركيا نيتها القيام بأنشطة تنقيب عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص». وذكرت في بيان أنه «في مارس (آذار) 2018، ندد المجلس الأوروبي بشدة بمواصلة تركيا أنشطتها غير القانونية في شرق البحر المتوسط». وأضافت: «ندعو تركيا بإلحاح إلى ضبط النفس واحترام الحقوق السيادية لقبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة والامتناع عن أي عمل غير قانوني»، مؤكدة أن «الاتحاد الأوروبي سيرد عليه في شكل ملائم وبتضامن كامل مع قبرص».
وانضم رئيس البرلمان الأوروبي، أنطونيو تاياني، إلى المسؤولين الأوروبيين والأميركيين الذين نددوا بخطط تركيا للتنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية التابعة لقبرص. وقال تاياني في بيان صدر ببروكسل أمس: «نيابة عن البرلمان الأوروبي، نؤكد مجدداً التضامن الكامل مع حكومة قبرص وشعبها»، مضيفاً: «نحن نقف مع قبرص في حماية حقوقها التي يدعمها القانون الدولي والقانون الأوروبي». كما دعا رئيس البرلمان الأوروبي السلطات التركية إلى التحلي بضبط النفس والتصرف وفقاً للقانون الدولي، عن طريق وقف العمليات غير القانونية وسحب السفن من المنطقة الاقتصادية القبرصية «على الفور»، منوهاً إلى قرار سابق صدر عن البرلمان الأوروبي حول المطالب نفسها صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، ولمح أيضاً إلى حق قبرص الكامل وسيادتها لاستكشاف واستغلال الموارد الطبيعية في مياهها الإقليمية.
في المقابل، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إن بلاده تتوقع من حلف شمال الأطلسي (ناتو) دعم «حقوقها» في شرق البحر المتوسط رداً على إعلان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قلقهما إزاء خطط تركيا للتنقيب في منطقة بحرية تقول قبرص إنها تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لها.
وجاءت مطالبة إردوغان للحلف بدعم تركيا في كلمة خلال اجتماع مجلس «الناتو» وشركاء الحوار المتوسطي، الذي عقد في أنقرة أمس (الاثنين). وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان أمس، إن بيان نظيرتها الأميركية حول أنشطة أنقرة المتعلقة بالتنقيب عن الغاز في «جرفها القاري» شرق البحر المتوسط، «لا يمت إلى الحقيقة بصلة»، وإن «دعوة الولايات المتحدة تركيا إلى عدم التنقيب في منطقة تدعي قبرص أنها لها، وكأن هناك اتفاقية ترسيم حدود سارية، ليست مقاربة بناءة ولا تتماشى مع القانون الدولي».
وفي الأعوام الأخيرة، وقّعت قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، عقوداً للتنقيب عن الغاز مع شركات عملاقة مثل «إيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسية و«إكسون موبيل» الأميركية. لكن أنقرة التي اجتاحت قواتها الشطر الشمالي من الجزيرة عام 1974 رداً على انقلاب سعى إلى ضم الجزيرة لليونان، تطالب بوقف أي عملية تنقيب مع استمرار عدم التوصل إلى حل بين القبارصة اليونانيين والأتراك.
ومن شأن أي تصعيد بين تركيا والولايات المتحدة أن يزيد من توتر العلاقات القائم بالفعل بين البلدين على صُعد عدة، بما في ذلك رفض واشنطن اقتناء أنقرة أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية «إس 400» والعمليات العسكرية في سوريا.
وقال إردوغان، في كلمته: إن «تركيا هي الدولة الوحيدة في حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي هزمت تنظيم (داعش) الإرهابي وجهاً لوجه، إثر حرب مباشرة... ننتظر من أصدقائنا في (الناتو) التصرف بما يتلاءم مع روح الحلف والقيم التي أسس عليها».
وشدد على أن توسيع تركيا علاقاتها مع روسيا ومع دول ومناطق مختلفة، لا يعني أنها تبحث عن بدائل لبلدان معينة. وقال: إنه «ليس من الصواب إثارة الجدل بشأن قضايا تتعلق بصميم السيادة التركية، مثل صفقة (إس 400)».
وتقول واشنطن: إن صواريخ «إس 400» الروسية، ستشكّل خطراً على أنظمة «الناتو» باعتبار تركيا عضواً فيه، وهو ما تنفيه الأخيرة.
وبحث وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مع الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، العلاقات بين الناتو والاتحاد الأوروبي، وشراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس 400»، على هامش اجتماع مجلس الحلف وشركاء الحوار المتوسطي في أنقرة أمس.
وقال جاويش أوغلو، في تغريدة عبر «تويتر»، إنه بحث أيضاً مع ستولتنبرغ، الكثير من القضايا، من بينها التحضيرات لاجتماع رؤساء دول وحكومات الناتو في العاصمة البريطانية لندن. من جانبه، كتب ستولتنبرغ عبر «تويتر»: «أعرب عن سعادتي لوجودي في أنقرة مجدداً من أجل لقاء الرئيس إردوغان. تركيا دولة حليفة، و(الناتو) يقف بجانب تركيا في مجابهة التحديدات الأمنية التي تواجهها».
وتستضيف تركيا على مدى يومين اجتماع مجلس «الناتو»، في إطار الذكرى الـ25 للحوار المتوسطي.
من ناحية أخرى، تطرق إردوغان إلى وجود عناصر تابعة لحركة الخدمة التي يتزعمها فتح الله غولن المقيم في أميركا، والتي صنفتها أنقرة منظمة إرهابية بعد أن اتهمتها بتدبير محاولة انقلاب فاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016، في بعض الدول الحليفة لتركيا. وقال: «لا تزال (منظمة غولن) تواصل أنشطتها (المدمرة) ضد بلادنا بالخارج، وبعض حلفائنا مع الأسف يتيحون لقياداتها ومنتسبيها المتورطين في محاولة الانقلاب إمكانية الفرار من العدالة».
ورفضت الولايات المتحدة أكثر من طلب من أنقرة لتسليم غولن، المقيم بها منذ عام 1999، بدعوى تدبيره محاولة الانقلاب على حليفه السابق إردوغان، مطالبة تركيا بتقديم أدلة دامغة على اتهامه.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».