«العسكري» السوداني متفائل بقرب الحل... ويسلم رؤيته للفترة الانتقالية اليوم

الكباشي نفى وجود خلافات أو عقبات مع قوى التغيير... و{تجمع المهنيين} و«الشيوعي» يتمسكان بمجلس سيادي مدني ويرفضان إنشاء مجلس للدفاع

سودانيون يشاركون في الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
سودانيون يشاركون في الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

«العسكري» السوداني متفائل بقرب الحل... ويسلم رؤيته للفترة الانتقالية اليوم

سودانيون يشاركون في الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
سودانيون يشاركون في الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

وعد المجلس العسكري السوداني بالرد اليوم (الاثنين)، على الوثيقة الدستورية المقدمة من «قوى إعلان الحرية والتغيير»، وتتناول سلطات وهياكل ومستويات الحكم، وتتضمن رؤيته للفترة الانتقالية. وفي الأثناء، ظهر اختلاف في الرؤى بين الكتل المكونة لقوى الحرية والتغيير؛ ففي حين تمسك بعضها بمبادرة الوسطاء القاضية بإنشاء مجلسين للحكم بمشاركة العسكر، رفض تجمع المهنيين، الذي قاد حراك الشارع، ومعه الحزب الشيوعي، أي مشاركة للعسكر في المجلس السيادي، كما رفضا إنشاء مجلس للأمن والدفاع الوطني.
وقال المتحدث باسم المجلس شمس الدين الكباشي في تصريحات مع مجموعة محدودة من الصحافيين أمس، حضرتها «الشرق الأوسط» في القصر الجمهوري، إن مجلسه «سيكمل اليوم (أمس) دراسة الوثيقة الدستورية التي سلمتها له قوى إعلان الحرية والتغيير الخميس الماضي، وسيسلم رده على الوثيقة اليوم».
ونفى الكباشي أحاديث عن «تعثر التفاوض» بين المجلس العسكري وقيادة الحرية والتغيير، وقال: «التفاوض لم يتوقف، واتصالاتنا مستمرة على مدار الساعة».
وقال إن الوثيقة أعادت التفاوض للطريق الصحيحة، وأضاف: «أخطأنا حين بدأنا بمناقشة المستوى السيادي، وقد أعادتنا لطريق تثبيت الهياكل والسلطات، لندخل بعدها في مرحلة التفاصيل والأسماء».
وأعلن الكباشي موافقة مجلسه المبدئية على محتوى الوثيقة، وأضاف: «منذ تسلمنا الوثيقة نعكف على دراستها» لنضع ملاحظاتنا عليها، وسنرفق معها وثيقة تتضمن رؤيتنا للحل الشامل.
وأشار إلى أن علاقات مجلسه بالحرية والتغيير جيدة، بقوله: «تواصلنا مستمر، والأجواء وبيئة التواصل بيننا وبينهم جيدة، وتغيرت لغة التخاطب، ولا توجد عقبات كبيرة أمام التفاوض».
وأوضح الكباشي أن الطرفين، لم يتحدثا بعد عن نسب المشاركة في الحكم وقيادة الحراك الثوري، وأضاف: «لم نصل إلى هذه المرحلة، نحن فقط نناقش المستويات الثلاثة للحكم، ثم بعدها يمكن أن نصل إلى نقاش تسمية الأشخاص».
وكشف عن تسلم مجلسه عدداً كبيراً من مبادرات لتقريب وجهات النظر، لكنه أعلن قبولهم مبادرة واحدة من بينها مبدئياً، دون أن يسميها، بيد أنه لمح إلى «مبادرة الشخصيات الوطنية»، نافياً أي حديث أو تسريبات عن قبول مجلسه مقترحات تتضمن مجلسين (سيادي وأمن قومي)، وقال: «لم نتسلم أي وثيقة مكتوبة من أي وساطة»، وتابع: «الأمور بيننا لم تصل إلى مرحلة الحاجة لوساطة».
إلى ذلك، قال الكباشي إن مجلسه «جاد» في اعتقال رموز النظام السابق، وأضاف: «كل من اعتقلناهم في السجون، ومستعدون لترتيب زيارات للإعلام للتأكد»، وفي الوقت نفسه جدد التأكيد على عدم نية مجلسه فض الاعتصام، وقال: «لن نفض الاعتصام بالقوة، ولم نطلب منهم فضه، وهذا خيارهم».
من جهة أخرى، وصل تحالف المعارضة الذي يقود الثورة إلى ما يمكن أن يطلق عليها «حالة انسداد سياسي» بين أطرافه، بإعلان الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين رفضهما مقترحات الوساطة، فيما أعلنت قوى أخرى قبولها المقترحات.
وأعلن الحزب الشيوعي، وهو أحد مكونات تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير الرئيسية، رفضه مقترحات لجنة الوساطة المكونة من شخصيات وطنية، لتقريب وجهات النظر بين تحالف قوى الثورة والمجلس العسكري الانتقالي، المتعلق بتحديد مكونات وهياكل الحكومة الانتقالية.
وتقدمت شخصيات وطنية بارزة بمقترح لتشكيل مجلس سيادة من 7 أشخاص مدنيين و3 أشخاص عسكريين، ومجلس للدفاع من 7 عسكريين و3 مدنيين بحكم مناصبهم، وأن يترأس المجلسين رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان.
وقال الحزب الشيوعي في بيان إنه يرفض أي تمثيل عسكري في المجلس السيادي المقترح، ووصف الصراع الدائر بأنه بين «الثورة والثورة المضادة»، ووصف مشروع لجنة الوساطة بأنه يفتح الباب للثورة المضادة، لأنه يشرعن سلطة المجلس العسكري الانتقالي، ويعطيه مبرر إجهاض الثورة.
ووصف «الشيوعي» المجلس العسكري الانتقالي بأنه «غير شرعي»، ودعاه لتسليم السلطة لقوى الحرية والتغيير ومجلسها السيادي المدني، ومستويات الحكم الأخرى. وجدد الحزب، الذي اتهمته سلطات أمن النظام المباد مراراً بأنه يقف وراء الاحتجاجات، تمسكه بإعلان الحرية والتغيير والإعلان الدستوري، ورفض أي رئاسة عسكرية للبلاد، وإنشاء مجلس دفاع عسكري للأمن القومي، خارج المؤسسة العسكرية، أحد مستويات وهياكل السلطة المزمع تشكيلها.
وبدوره، رفض تجمع المهنيين السودانيين مقترحات الوساطة، معترفاً بمجلس سيادة انتقالي مدني واحد بتمثيل عسكري محدود، وطلب من شركائه في تحالف «إعلان الحرية والتغيير»، عدم اللجوء للمزايدات وزعزعة الصف الوطني.
وأشار التجمع الذي ينسب إليه شعبياً لعب الدور الأبرز في قيادة وتنظيم الثورة السودانية حتى عزل البشير الشهر الماضي، إلى ما أطلق عليها «الصراعات والأصوات الحزبية المتضاربة»، معتبراً مواقفها ضرباً للثقة بين مكونات الشعب، بإصدارها بيانات منفصلة لم تلتزم فيها بالقرارات الجماعية.
وكان حزب المؤتمر السوداني المنضوي تحت تحالف نداء السودان، العضو في تحالف «إعلان الحرية والتغيير» قد ذكر على لسان رئيسه عمر الدقير أن قوى «الحرية والتغيير» وافقت مبدئياً على مقترحات لجنة الوساطة، ونقلت عنه «الشرق الأوسط» أول من أمس، قوله إن «كتل قوى إعلان الحرية والتغيير» وافقت مبدئياً على مقترحات لجنة الوساطة المكونة من شخصيات تحظى بقبول من الأطراف كافة.
من جهته، أعلن حزب الأمة القومي، الذي يترأس زعيمه الصادق المهدي كتلة تحالف نداء السودان قبوله مقترحات الوساطة، باعتبارها حلاً للخلافات بين الطرفين، وتعهد بتسويقها لفصائل لقوى إعلان الحرية والتغيير وإقناعها بقبولها.
ويتكون تحالف «قوى إعلان الحرية والتغير» من 4 كتل رئيسية؛ وهي «كتلة نداء السودان» وتضم حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر السوداني وحركات مسلحة، و«كتلة قوى الإجماع الوطني» وتضم أحزاب الشيوعي والبعث والناصري وقوى مدنية، وكتلة «التحالف الاتحادي المعارض»، وقوى مدنية وأحزاب أخرى انضمت جميعها إلى تجمع «المهنيين السودانيين» في مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، وكونت معه تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» الذي قاد الثورة السودانية طوال الأشهر الماضية، وحتى عزل الرئيس البشير في 11 أبريل (نيسان) الماضي.
ومع حلول شهر رمضان المعظم، قرر المعتصمون السودانيون البقاء في مكان الاعتصام، وقال بيان صادر عن قوى إعلان الحرية والتغيير بالمناسبة أمس، إن شهر رمضان «سيصبح أجمل في ساحات الاعتصام في كل ربوع الوطن الحبيب». وأشار إلى تحويل ساحات الاعتصام لمكان للإفطارات الجماعية، بقوله: «عرف السودان بين الشعوب بالإفطارات الجماعية على الطرقات لكل عابر سبيل وقاصد خير»، وأضاف: «إن الشهر سيزيد من التواد والتراحم بين أهل السودان من دون زيف أو رياء»، وتابع: «وسنخبر العالم عن جمال ثورتنا عبر تبيان الصفات الراسخة فينا من كرم فياض وجود بلا حدود».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.