وثائق تكشف خديعة إسرائيل النووية لأميركا

كيندي هدد وبن غوريون استقال فجأة ووريثه تهرّب من التفتيش

TT

وثائق تكشف خديعة إسرائيل النووية لأميركا

في وقت كشف النقاب عن أن إسرائيل كادت تقصف بالسلاح النووي مواقع مصرية في حرب 1967، نشر باحثان؛ إسرائيلي وأميركي، أمس، وثائق تسلط الأضواء للمرة الأولى بهذه التفاصيل على حجم وقوة المواجهة السياسية الحادة بين الرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي وإدارته، وبين رئيسي الحكومة الإسرائيلية المتعاقبين في مطلع الستينات من القرن الماضي؛ ديفيد بن غوريون وليفي أشكول، على خلفية إطلاق البرنامج النووي الإسرائيلي.
والباحثان هما البروفسور الإسرائيلي أفنير كوهين، المحاضر في دراسات منع الانتشار النووي، والمحلل الأميركي ويليام بار، مدير مشروع التوثيق النووي في أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن. ونشرا في الأيام الماضية قرابة 50 وثيقة سرية تتضمن الرسائل المتبادلة بين قادة البلدين وبروتوكولات توثق زيارات مفتشين أميركيين لمفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي عام 1964، ومذكرات أعدها مسؤولون في الإدارة الأميركية حول التعامل مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، وتقديرات وضعتها الاستخبارات الأميركية حول حقيقة ما يجري في المفاعل ومدى ملاءمته لصنع سلاح نووي، وتحديداً ما إذا كان يضم منشأة عزل البلوتونيوم.
وتبين إحدى الوثائق أن المدير العلمي للمركز النووي الإسرائيلي «شوريك»، الوزير في إحدى حكومات اليمين، البروفسور يوفال نئمان الذي كان مطلعاً على المراسلات السرية المذكورة أعلاه، قد أبلغ الباحثين كوهين وبار، قبل 25 عاماً، أن الإسرائيليين نظروا إلى الوضع حينها على أنه «أزمة»، وأن أشكول والمحيطين به نظروا إلى كنيدي كمن «يضع إنذاراً عسكرياً حقيقياً أمام إسرائيل»، مشيراً إلى أنه «كان هناك مسؤولون إسرائيليون، بينهم اللواء دان طولكوفسكي، تخوفوا فعلاً من أن يأمر كنيدي بإنزال قوة مظليين في ديمونا».
المعروف أن إسرائيل أقامت المفاعل النووي في 1958 بمساعدة فرنسية. واكتشفته الولايات المتحدة وأعربت عن غضبها الشديد جراء ذلك، خصوصاً في إدارة كنيدي الذي يعتبره الباحثان «الرئيس الأميركي الأكثر التزاماً بمنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وبذل كل ما بوسعه من أجل منع إسرائيل من صنع سلاح نووي». لكن بن غوريون، ولاحقاً أشكول، أصرا بالقدر نفسه على استكمال مشروع ديمونا النووي. واعتبرا أن القدرة النووية الإسرائيلية كانت «بوليصة تأمين ضد تهديدات وجودية تقف إسرائيل أمامها». وعكست الرسائل بين كنيدي وبين بن غوريون وأشكول عام 1963، إصرار الجانبين. وكشفت مدى الإصرار الإسرائيلي والخدع الدبلوماسية التي اتبعتها حتى حققت مرادها في نهاية الأمر.
وتشير الوثائق إلى أن الولايات المتحدة كشفت أمر المفاعل في ديمونا في عهد إدارة الرئيس دوايت آيزنهاور، في نهاية عام 1960 حين أصدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تقديرات مفادها أن «إنتاج بلوتونيوم لصنع سلاح هو على الأقل أحد الأهداف الرئيسية» لإنشاء مفاعل ديمونا، وأنه إذا صدّق العالم العربي أن إسرائيل تتسلح بقدرة نووية، فإن هذا الأمر سيقابل بـ«الذهول»، ولذلك سيتم توجيه أصبع الاتهام مباشرة نحو الولايات المتحدة وفرنسا بسبب ما يبدو أنه تأييد منهما لهذا المشروع.
وعند انتخاب كنيدي، أبلغه آيزنهاور في يناير (كانون الثاني) 1961 أن إسرائيل والهند تتطلعان إلى تطوير سلاح نووي. وقال كريستيان هرتر، وزير خارجية آيزنهاور، إنه جرى مؤخراً اكتشاف مفاعل ديمونا الذي «سيتمكن في غضون سنتين من إنتاج 90 كيلوغراماً من البلوتونيوم بمستوى يكفي لصنع قنبلة نووية». وحث كنيدي على إرسال مفتشين إلى ديمونا. ومنذ بداية ولايته، طالب كنيدي بن غوريون بإدخال مفتشين أميركيين إلى ديمونا، شرطا لتحسين الأجواء بين الدولتين وللقاء قمة بينهما، لكن بن غوريون تهرب من الموضوع متذرعاً بقضية تعرف في تل أبيب باسم «فضيحة لافون» أو «العمل المشين»، وهي قضية اكتشاف شبكة تجسس يهودية في مصر. ثم تم حل الحكومة الإسرائيلية. وبعد تشكيل بن غوريون حكومته التالية، في أبريل (نيسان) 1961، أبلغت إسرائيل الإدارة الأميركية بأنها توافق على زيارة المفتشين لمفاعل ديمونا.
وادعى مدير مفاعل ديمونا عمانوئيل فرات أمام المفتشين الأميركيين أن هدف المشروع هو مراكمة الخبرة الفعلية في بناء وتشغيل مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء في فترات السلم. وتشير الوثائق الأميركية إلى أن المفتشين «كانوا راضين لأنه لم يتم إخفاء الأمر عنهم، وأن حجم وطبيعة المفاعل مثلما تم وصفه سابقاً»، وبعد ذلك جرى الإعداد للقاء بين كنيدي وبن غوريون في نيويورك، في نهاية مايو (أيار) 1961.
وقال الباحثان في تقريرهما إن التفسير الذي قدمه بن غوريون إلى كنيدي، خلال اللقاء، كان مشابهاً لادعاءات إدارة ديمونا أمام المفتشين الأميركيين، أي أن بن غوريون أخفى حقيقة هذا المفاعل بالزعم أن أهدافه سلمية وتقتصر على إنتاج الطاقة. لكن بن غوريون قال لكنيدي أيضاً إنه «حتى الآن، الهدف الوحيد للمفاعل سلمي... لكن سنرى ماذا سيحدث في الشرق الأوسط. وهذا ليس متعلقاً بنا». ولم يزل اللقاء شكوك واشنطن حيال النيات النووية الإسرائيلية، وطالبت بزيارة أخرى للمفتشين الأميركيين إلى المفاعل في سبتمبر (أيلول) 1962 بعد «طلبات متكررة على مدار أشهر عدة». ودامت الزيارة الثانية 45 دقيقة فقط. لكن الوثائق التي تم كشفها مؤخراً أشارت إلى أن المفتشيْن تذمرا من الوقت القصير للزيارة، كما أظهرت الوثائق أنه بعد الزيارة جرت مرافقتهما إلى البحر الميت، ولدى عودتهما «أبلغهما مضيفهما أنهما يعبران بالقرب من مفاعل ديمونا وأن بإمكانه تنظيم زيارة ولقاء مع المدير». والتقى المفتشان مع المهندس الرئيسي في ديمونا لأن المدير لم يوجد هناك، ودامت هذه الزيارة 40 دقيقة. وفي مذكرة وُجهت إلى مساعد وزير الخارجية الأميركي في حينه فيليب تلبوت، كتبا أنهما لم يتأكدا ما إذا كانا وصلا إلى المفاعل بصفتهما ضيفين أم زميلين للعلماء المضيفين، أو أنهما موجودان هناك بصفتهما مفتشين. «ورغم أنه لم يتوافر الوقت الكافي لمشاهدة المنشأة كلها، ورغم أنه كانت هناك مبان عدة لم يدخلاها أبداً، فإنه كان بإمكانهما التيقن من الطبيعة البحثية للمنشأة».
وفي أعقاب هذه الزيارة، ثارت الشكوك في واشنطن. وقال مسؤول رفيع في الاستخبارات الأميركية إنه «كانت هناك عدم ملاءمة بين تقريري الفحص الأول والثاني». ورغم هذه الشكوك، فإن وزارة الخارجية الأميركية عممت استنتاجات إيجابية للمفتشين على عدد من الدول. ووصف موظفون أميركيون الزيارة الثانية لمفاعل ديمونا بأنها «مهينة»، وطالبوا بإعادة النظر في شكل مراقبة الولايات المتحدة للمفاعل، وزيارة مفتشين له كل ستة أشهر.
وتظهر إحدى الوثائق التي كتبها المسؤول في الاستخبارات المركزية الأميركية كنت شرمان، تحذيره من النتائج الخطيرة لاقتناء إسرائيل لسلاح نووي، قائلاً إن «سياسة إسرائيل تجاه جيرانها ستكون أشد، وستحاول استغلال الفوائد النفسية لقدرتها النووية من أجل إخافة العرب». وأشارت إحدى الوثائق إلى أن البيت الأبيض أوعز لوزارتي الخارجية والدفاع والاستخبارات بالتحقيق في «القدرات النووية في الشرق الأوسط»، ويظهر من وثيقة بهذا الخصوص أن كنيدي مقتنع بأن المعلومات الاستخبارية حول البرنامج النووي الإسرائيلي منقوصة. وطالب كنيدي بـ«القيام بأي خطوة ممكنة من أجل تحسين معلوماتنا الاستخبارية حول البرنامج النووي الإسرائيلي، وكذلك حول برامج تسلح متقدمة أخرى، إسرائيلية أو عربية».
وفي بداية أبريل، طلبت الولايات المتحدة من إسرائيل إجراء زيارات لمفتشين أميركيين في ديمونا كل ستة أشهر. وحاول بن غوريون التهرب من الرد على هذا الطلب، ثم استغل إعلان مصر وسوريا والعراق عن إنشاء تحالف عسكري من أجل تحرير فلسطين. ولمح بن غوريون في رده على الطلب الأميركي، إلى أن الإعلان العربي يبرر سعي إسرائيل لحيازة سلاح نووي. كما طلب لقاء سرياً مع كنيدي، ما اعتبره مسؤولون في الخارجية الإسرائيلية طلباً غير عقلاني. وكتب بن غوريون في رسالة إلى كنيدي، بعد الإعلان عن إنشاء التحالف العربي: «أذكر إعلان هتلر قبل 40 عاماً، أن أحد أهدافه هو القضاء على الشعب اليهودي كله. والعالم المتنور في أوروبا والولايات المتحدة تعاملا بعدم اكتراث واستخفاف مع هذا الإعلان. والنتيجة كانت محرقة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية».
لكن كنيدي رد على بن غوريون برسالة قصيرة، قال فيها «إننا نتابع من كثب التطورات في العالم العربي»، مشيراً بذلك إلى مبالغة بن غوريون بوجود تهديد وجودي على إسرائيل. ووفقاً للباحثين، فإن كنيدي كان قلقاً من تطوير إسرائيل لسلاح نووي، كما رفض زيارة سرية لبن غوريون، مشدداً على أنه «لا يوجد احتمال لأن نلتقي من دون نشر».
وإزاء إصرار بن غوريون على عدم إطلاع الأميركيين على تفاصيل البرنامج النووي الإسرائيلي، باتت تعتبر في واشنطن، وفقاً للباحثين، «شوكة في الحلق». وتصاعدت المواجهة بين الجانبين، وبعث كنيدي برسالة إلى بن غوريون في 5 يونيو (حزيران) قال الباحثان إنها «كانت بمثابة إنذار»، إذ جاء فيها أنه «إذا لم تنجح الإدارة الأميركية بالحصول على معلومات موثوقة حول وضع مشروع ديمونا، فإن التزام واشنطن بدعم إسرائيل قد يتضرر بشكل كبير».
لكن هذه الرسالة لم تصل إلى بن غوريون قط، إذ إنه استقال من رئاسة الحكومة غداة إرسالها. ولم يفسر بن غوريون قط سبب استقالته المفاجئة، باستثناء القول إنها جاءت «لأسباب شخصية». لكن بعد عشرة أيام وصلت رسالة كنيدي إلى خلف بن غوريون في رئاسة الحكومة الإسرائيلية ليفي أشكول الذي وصف العلاقات مع الإدارة الأميركية بأنها «دخلت في أزمة حقيقية». وإثر ذلك، التقى أشكول مع رؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية وطالبهم بعدم النشر عن ديمونا. ويقول الباحثان إن أشكول بدا مذهولاً من الإنذار الذي وضعه كنيدي، ورد عليه بطلب مزيد من الوقت من أجل التشاور، وأبلغ السفير الأميركي في تل أبيب بمدى مفاجأته من رسالة كنيدي. وأضاف أشكول أنه كان يأمل بازدهار العلاقات بين الدولتين، وأن «إسرائيل ستفعل ما يتطلبه أمنها القومي وحماية حقوقها السيادية».
وأظهرت الوثائق التي جرى كشفها حديثاً أن أشكول طرح أمام السفير الأميركي سؤالاً: كيف سترد واشنطن على اقتراح إسرائيلي «لمشاورات سابقة» مع الولايات المتحدة «بحال أن في موعد ما في المستقبل البعيد» تضطرنا التطورات في الشرق الأوسط «إلى تطوير برنامج سلاح نووي؟». ورد السفير الأميركي بأن موقف الولايات المتحدة هو أن إدخال سلاح نووي إلى الشرق الأوسط سيكون «خطيراً للغاية».
وبعد ستة أسابيع من المداولات، سلّم أشكول السفير الأميركي رداً على رسالة كنيدي، فعاد لتكرار موقف بن غوريون بأن مفاعل ديمونا سلمي. وأضاف أنه على ضوء العلاقات الحسنة بين الجانبين فإنه قرر السماح بزيارات دائمة وثابتة لمندوبين أميركيين في المفاعل. واقترح نهاية عام 1963 موعدا لأول زيارة، وأنه حتى هذا التوقيت «ستنقل المجموعة الفرنسية المفاعل إلينا وسيخضع لفحوص شاملة وقياس معاييره الفيزيائية بصفر نشاط». لكن أشكول شدد على أن زيارة المندوبين الأميركيين الأولى ستجري قبل مرحلة بدء تشغيل المفاعل، وأبقى مسألة وتيرة الزيارات ضبابية. ورد كنيدي برسالة، شدد فيها على زيارات المفتشين الأميركيين بصورة «منتظمة». وجرت زيارة المفتشين الأميركيين في مفاعل ديمونا في بداية عام 1964، وأبلغ الإسرائيليون المفتشين بأن المفاعل بدأ بالعمل قبل أسابيع، لكن هذا كان ادعاء كاذباً. فقد تبين لاحقاً، وفقاً للباحثين، أن المفاعل بدأ بالعمل في منتصف عام 1963، مثلما كانت تقديرات إدارة كنيدي. وحافظ الجانبان على سرية زيارة المفتشين الأميركيين، وجرى منع التسريبات للصحف طوال أكثر من سنة. وأشار الباحثان إلى أن كنيدي نظر إلى البرنامج النووي الإسرائيلي بمعايير دولية وليست إقليمية. لكن رغم مراقبة الولايات المتحدة لمفاعل ديمونا، فإنها لم تمنع إسرائيل من صنع أسلحة نووية، وإدخال السلاح النووي إلى الشرق الأوسط.



ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.


تصاعد شكاوى اليمنيين في صنعاء وإب من الانتهاكات الحوثية

الحوثيون يخشون من تحول المطالب بالرواتب إلى انتفاضة ضدهم (رويترز)
الحوثيون يخشون من تحول المطالب بالرواتب إلى انتفاضة ضدهم (رويترز)
TT

تصاعد شكاوى اليمنيين في صنعاء وإب من الانتهاكات الحوثية

الحوثيون يخشون من تحول المطالب بالرواتب إلى انتفاضة ضدهم (رويترز)
الحوثيون يخشون من تحول المطالب بالرواتب إلى انتفاضة ضدهم (رويترز)

تشهد مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في شكاوى السكان من انتهاكات وممارسات وصفوها بـ«التعسفية» من قِبَل قيادات نافذة في الجماعة، في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية متدهورة وتراجع مستمر في مستوى الخدمات الأساسية، الأمر الذي دفع متضررين إلى اتخاذ خطوات احتجاجية، بينها الإضراب عن الطعام.

وتعكس هذه التطورات حالة احتقان متنامية في عدد من المحافظات، خصوصاً في صنعاء وإب، حيث يتهم السكان قيادات حوثية باستغلال النفوذ للسيطرة على الممتلكات الخاصة والتأثير في مسار العدالة، وسط غياب آليات إنصاف فعالة، حسب شهادات محلية وحقوقية.

في هذا السياق، أعلن أحد السكان، في العاصمة المختطفة صنعاء، يدعى شرف حجر، دخوله في إضراب شامل عن الطعام احتجاجاً على ما وصفه باستمرار تعرضه للظلم منذ سنوات، مؤكداً أنه استنفد جميع الوسائل القانونية والاجتماعية للحصول على الإنصاف دون جدوى.

وقال حجر، في مقطع مرئي تداوله ناشطون، إن قضيته تعود إلى أكثر من تسع سنوات، مشيراً إلى صدور أحكام وتوجيهات قضائية عدة لصالحه، لكنها لم تُنفذ. وأوضح أن محاولاته المتكررة لمتابعة قضيته عبر الجهات القضائية التابعة للجماعة لم تؤدِّ إلى نتائج، بل ترافقت، حسب قوله، مع تهديدات مباشرة وتضييق مستمر.

ابن عم زعيم الحوثيين يرى أنه أحق برئاسة مجلس حكم الانقلاب (إ.ب.أ)

وحسب مقربين منه، جاء قرار الإضراب عن الطعام بعد شعوره بانسداد كامل لقنوات الشكوى، معتبرين أن القضية باتت مثالاً على صعوبة حصول المواطنين على العدالة في ظل نفوذ القيادات المسلحة داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وأثار إعلان الإضراب قلقاً واسعاً بين ناشطين وحقوقيين في صنعاء، الذين اعتبروا أن لجوء مواطن إلى هذا الخيار يعكس مستوى متقدماً من اليأس وفقدان الثقة بالمؤسسات القضائية. ودعا هؤلاء إلى فتح تحقيق شفاف ومستقل في الادعاءات، وضمان سلامة المضرب وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له.

وكان حجر قد نشر خلال السنوات الماضية تسجيلات مصورة تحدث فيها عن ملابسات قضيته منذ عام 2017، حين أُقيل من عمله في شركة اتصالات عقب اتهامات قال إن القضاء أثبت لاحقاً بطلانها، متهماً قيادياً حوثياً بارزاً بالوقوف خلف الإجراءات التي تعرض لها، بما في ذلك مصادرة حقوقه الوظيفية وحرمانه من العودة إلى عمله.

تغوّل حوثي

تسلط قضية حجر الضوء على أزمة أوسع تتعلق بثقة اليمنيين في منظومة العدالة داخل مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يشكو السكان من تغوّل النفوذ الشخصي لقادة الجماعة على حساب الأحكام القضائية.

ويرى حقوقيون أن تكرار الشكاوى المرتبطة بتجاهل قرارات قضائية أو تعطيل تنفيذها يشير إلى وجود ازدواجية بين المؤسسات الرسمية الخاضعة للحوثيين والهياكل غير الرسمية التابعة لهم والتي تفرض قراراتها بقوة النفوذ والسلاح، وهو ما يلغي دور القضاء ويحدّ من قدرته على حماية الحقوق.

مسلح حوثي يردد شعارات الجماعة خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

كما يشير مراقبون إلى أن استمرار الانتهاكات يأتي في سياق أزمة اقتصادية خانقة، مع انقطاع الرواتب وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما يجعل النزاعات على الوظائف والممتلكات أكثر حساسية وتأثيراً على الاستقرار الاجتماعي.

وتؤكد تقارير محلية أن تراجع الخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، أسهم في زيادة الاحتقان الشعبي، خصوصاً مع اتهامات متزايدة بوجود فساد إداري واستغلال للسلطة من قِبَل قادة الجماعة.

غضب في إب

بالتوازي مع الانتهاكات الحوثية في صنعاء، تصاعد التوتر في محافظة إب عقب شكاوى تقدمت بها أسرة «آل الشريف» بشأن محاولة الاستيلاء على أراضٍ مملوكة لهم في مديرية المشنة، على أطراف مدينة إب، من قِبَل مسلحين قالوا إنهم مدعومون من قيادات حوثية نافذة.

وأوضح أفراد الأسرة أن مسلحين شرعوا في تسوير الأراضي ومنعهم من الوصول إليها، رغم امتلاكهم، حسب قولهم، أحكاماً قضائية تثبت ملكيتهم. واتهموا جهات تابعة لهيئة الأراضي الخاضعة للجماعة بمحاولة إعادة تصنيف الأرض تمهيداً لتأجيرها لصالح استثمارات خاصة مرتبطة بقيادات حوثية.

جانب من أراضٍ سورها الحوثيون بعد الاستيلاء عليها في إب (فيسبوك)

وأكد الأهالي تعرضهم لاعتداءات وتهديدات أثناء محاولتهم الاعتراض على الإجراءات، مشيرين إلى أن النزاع تطور إلى حالة احتقان مجتمعي واسعة، دفعت سكاناً وناشطين إلى التحضير لتنظيم احتجاجات سلمية للمطالبة بوقف ما وصفوه بعمليات النهب والاستيلاء.

وطالب المتضررون بفتح تحقيق محايد في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مؤكدين أن استمرار هذه الممارسات الحوثية يهدد السلم الاجتماعي ويزيد من حالة الاحتقان في المحافظة التي ترفض الوجود الحوثي فيها منذ السيطرة عليها قبل أكثر من 10 سنوات.