«مرسوم الجنسية» فتح مواجهة مبكرة بين بوتين وزيلينسكي

الرئيس الروسي: الأوكرانيون والروس «شعب واحد»

موظفون في دائرة الهجرة بوزارة الداخلية الروسية خلال تلقي طلبات للحصول على الجنسية من أوكرانيين يقطنون شرق البلاد (رويترز)
موظفون في دائرة الهجرة بوزارة الداخلية الروسية خلال تلقي طلبات للحصول على الجنسية من أوكرانيين يقطنون شرق البلاد (رويترز)
TT

«مرسوم الجنسية» فتح مواجهة مبكرة بين بوتين وزيلينسكي

موظفون في دائرة الهجرة بوزارة الداخلية الروسية خلال تلقي طلبات للحصول على الجنسية من أوكرانيين يقطنون شرق البلاد (رويترز)
موظفون في دائرة الهجرة بوزارة الداخلية الروسية خلال تلقي طلبات للحصول على الجنسية من أوكرانيين يقطنون شرق البلاد (رويترز)

انشغلت الأوساط الروسية في الأيام الأخيرة، بمتابعة تصاعد حدة السجالات بين الكرملين من جانب، والرئيس الأوكراني المنتخب فلاديمير زيلينسكي من الجانب الآخر، على خلفية المرسوم الرئاسي الروسي القاضي بمنح تسهيلات واسعة للأوكرانيين في شرق البلاد للحصول على الجنسية الروسية.
وشكل المرسوم الذي وقّعه الرئيس فلاديمير بوتين غداة إعلان نتائج الانتخابات الأوكرانية التي فاز فيها زيلينسكي بأصوات 73 في المائة من الناخبين، أول اختبار جدي لشكل العلاقات التي قد تنشأ بين الجانبين ومدى استعداد الطرفين لإطلاق قنوات حوار لتقريب المواقف بينهما.
وأدلى الرئيس الروسي بتصريحات جديدة في هذا الصدد أمس، وقال إن الأوكرانيين والروس «شعب واحد»، وإنهم سيستفيدون من «جنسية مشتركة». وصرح للصحافيين مبتسماً: «قلت مراراً إن الشعبين الأوكراني والروسي شعبان شقيقان؛ بل أعتقد أنهما شعب واحد بثقافات مختلفة وخصوصيات لغوية وتاريخية». وأضاف: «إذا منحت أوكرانيا جوازات السفر للروس، فنحن في روسيا نمنح جوازات السفر والجنسية للأوكرانيين، وعاجلاً أو آجلاً سنحصل في النهاية على نتيجة متوقعة، وهي أن الجميع ستكون لديه جنسية مشتركة». وتابع: «يجب أن يكون هذا أمراً مرحباً به»، قبل أن يقول للصحافيين: «وداعاً» باللغة الأوكرانية.
وكان مسؤولون في أوكرانيا اعتبروا القرار الروسي تحدّياً لقدرة الرئيس المنتخب الذي أعرب مراراً خلال الحملة الانتخابية عن عزمه إطلاق قنوات حوار مع روسيا، خصوصاً أن بوتين عندما سئل عن مغزى قراره خلال مشاركته في منتدى «الحزام والطريق» في الصين قبل يومين، قال: إن المرسوم يفتح المجال أمام كل الأوكرانيين وليس فقط سكان الشرق لطلب الجنسية الروسية.
واعتبرت هذه الكلمات تصعيداً «متعمداً في توقيته ولهجته» من جانب الرئيس الروسي، وفقاً لتعليق صحيفة أوكرانية، رأت أن بوتين «يمارس مع زيلينسكي لعبة الضغط منذ البداية لتسهيل الحصول على تنازلات لاحقاً منه». ورغم أن أوكرانيا تحركت على المستوى الرسمي لبحث الملف في مجلس الأمن، ورأت فيه تدخلاً سافراً وإجراءً غير قانوني من جانب موسكو، لكن رد الفعل الأول من جانب زيلينسكي نفسه الذي لم يتسلم بعد مهامه رسمياً جاء قوياً، ومعبراً بحسب طريقة الممثل الهزلي الذي استخدم السخرية اللاذعة سلاحاً رئيسياً خلال الحملة الانتخابية الرئاسية. وكتب الرئيس المنتخب تعليقاً على المرسوم الرئاسي الروسي، جاء فيه أن «السلطات الروسية تهدر الوقت في محاولة لإغراء بعض المواطنين الأوكرانيين بجوازات السفر الروسية»، ملاحظاً أنه «ربما يستجيب بعض المواطنين الذين ما زالوا تحت تأثير الدعاية الروسية، وربما يقوم بذلك شخص ما من أجل الكسب أو في محاولة للهرب من تحقيقات جنائية». ووفقاً لتصريحه، فإن «المبادرة الأخيرة لموسكو تفتح باباً أمام الراغبين في التهرب من المسؤولية عن أعمالهم في أوكرانيا، حيث تعتزم السلطات الجديدة إطلاق حملة واسعة لمكافحة الفساد».
وأضاف زيلينسكي أنه «يمكننا حتى تزويد فلاديمير بوتين بقائمة بأسماء المواطنين الأوكرانيين الذين سيصبحون قريباً غير مرتاحين جداً في البلاد، ولتقرر روسيا مجدداً أين ستحتاج إلى هؤلاء في روستوف أو في ماغادان». وحملت العبارة، وفقاً لمحللين روس، سخرية لاذعة من تقديم موسكو حق اللجوء للرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، بعد ملاحقته قضائياً وكونه يقيم منذ عام 2014 في مدينة روستوف الروسية.
لكن اللافت أكثر هو أن «الاستفزاز الروسي»، وفقاً لتعبير سياسيين أوكرانيين، أسفر عن اتضاح قدرة زيلينسكي الذي كان تعهد خلال الحملة الانتخابية بإدارة المواجهة مع موسكو بهدوء وبفتح قنوات حوار، على التحول نحو المواجهة؛ إذ رأت صحيفة «كوميرسانت» الروسية المقربة من أوساط رجال المال والأعمال أن «الجدل الذي أعرب عنه زيلينسكي بصوت مرتفع لم يقتصر في كونه رداً مباشراً على مرسوم منح الجنسية الروسية لمواطني أوكراني، بل تعدى ذلك إلى توجيه انتقادات مباشرة إلى سياسة بوتين الداخلية، عبر الإشارة إلى (تقريب الفاسدين) وأوضاع الحريات العامة في روسيا، خصوصاً أن زيلينسكي كان استدرك في تعليقه بأن (الأوكرانيين يملكون على الأقل حرية التعبير في بلادنا، وحرية الصحافة وتداول الإنترنت حق مصان للجميع). في غمز مباشر من الأوضاع في روسيا في هذه المجالات».
وتسببت السجالات بين الطرفين في ردود فعل كثيرة في كييف وموسكو على حد سواء. إذ كتب النائب في مجلس الدوما (البرلمان) الروسي أليكسي بوشكوف: «إذا كان زيلينسكي يؤيد الحرية، فلا يجب عليه أن يتحدث نيابة عن الأوكرانيين، وهذا أمر ضروري، فهم سيقررون من دونه، وهناك كثيرون من سكان لوغانسك ودونيتسك قد قرروا بالفعل». بينما رأى معلقون أوكرانيون في إشارة بوشكوف سبباً آخر لاتهام روسيا بالتدخل في شؤونهم، وكتب معلق صحافي إن «السيد بوشكوف يقول لرئيس انتخبه 73 في المائة من الأوكرانيين ألا يتحدث باسم الشعب، والسؤال للبرلماني الروسي من تقترح علينا ليتحدث باسمنا»؟
ومع تضارب الآراء حول تقويم خطوة بوتين بإصدار مرسوم تسهيلات منح الجنسية للأوكرانيين، فإن بعض الخبراء الروس رأوا أن الإجراء، مرتبط بالدرجة الأولى بدعم طموحات الانفصاليين في جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك ولم يكن موجهاً ضد زيلينسكي بشكل خاص، لكن بعضهم أقر بأن المرسوم الروسي «يحمل أبعاداً أوسع ضد سياسة أوكرانيا عموماً».
في كل الأحوال، فإن الخطوات الأولى لزيلينسكي على مقعد الرئاسة سوف تحدد الكثير بالنسبة إلى العلاقة مع موسكو، لكن التعليقات الصادرة في موسكو وفي كييف توحي بأن المدخل الذي اختاره زيلينسكي في البداية للتعامل مع موسكو، والذي كان يقوم على الاتفاق على خطوات محددة لوقف التصعيد بما في ذلك على صعيد تبادل السجناء، وفتح الحوار لتعزيز وقف النار في شرق أوكرانيا، تم تجاوزه بعد إطلاق السجالات الأخيرة. وأن «زيلينسكي ربما يجد نفسه مضطراً إلى خوض مواجهة لم يكن يريد لها أن تأتي سريعاً»، وفقاً لتعليق صحافي، لفت إلى أن النخب الأوكرانية تدرس حالياً أن يكون موعد تنصيب الرئيس الجديد في أوكرانيا هو التاسع من الشهر المقبل، وهذا إذا تم سيشكل بدوره تحدياً للكرملين؛ كون هذه المناسبة تصادف عيد النصر على النازية وهو يعد من أبرز الاعياد الروسية، لكن كييف ألغت الاحتفال به أخيراً، في إطار إجراءات ضد الارتباط بالماضي الشيوعي والارتباط مع روسيا، بعدما ظل عيداً رسمياً في البلاد طوال الحقبة السوفياتية والسنوات التي تلت.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.