مجلات المسرح... لون صحافي انحسر في العالم العربي

رافقت نهضته منذ بدايات القرن العشرين ومن أبرزها «تياترو» و«الممثل» في مصر

الآنسة أم كلثوم في مجلة «المسرح»  -  مجلة «الناقد»
الآنسة أم كلثوم في مجلة «المسرح» - مجلة «الناقد»
TT

مجلات المسرح... لون صحافي انحسر في العالم العربي

الآنسة أم كلثوم في مجلة «المسرح»  -  مجلة «الناقد»
الآنسة أم كلثوم في مجلة «المسرح» - مجلة «الناقد»

واكبت النهضة المسرحية في مصر منذ بدايات القرن العشرين حركة نقدية وأدبية تبعها ازدهار في المجلات المتخصصة التي تتناول هذا الفن العريق، الذي حافظ على خصوصيته، أمام السينما ووسائل الترفيه الأخرى. ولعبت المجلات الصحافية المتخصصة دوراً مهماً في ذلك السياق، على عكس ما تشهده حالياً من تقلص وركود. ففي مصر توقفت جريدة «مسرحنا» عن الصدور وأصبحت إلكترونية. لكن ثمة عدداً من الإصدارات المحدودة التي تواكب العروض المسرحية ومهرجانات المسرح في العالم العربي، منها: مجلة «الحياة المسرحية» السورية، ومجلة «المسرح العربي» في الشارقة عن الهيئة العربية للمسرح، ومجلة «الخشبة» في العراق وهي دورية، بينما يوجد عدد من المواقع والمدونات، أبرزها: الفنون المسرحية في مصر. في هذا التقرير نظرة شاملة على هذا اللون الصحافي المميز.
بدأت الصحافة في مصر بشكل غير متخصص منذ صدور صحيفة «الوقائع المصرية» عام 1828، تبعها تطور وازدهار في الإصدارات الصحافية؛ إلا أن مجلات المسرح المتخصصة ظهرت مع ازدهار الفرق المسرحية في القاهرة والإسكندرية، وانتظام العروض بشكل دوري وليس مجرد اسكتشات ترفيهية في الحدائق، مثل «حديقة الأزبكية» أو في الأماكن العامة، فظهرت مجلات: «الأدب والتمثيل»، و«المسرح»، و«الناقد» و«تياترو»، ثم مجلة «روز اليوسف» التي أسستها الفنانة روز اليوسف.
وقال الدكتور سيد علي إسماعيل، أستاذ المسرح بقسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة حلوان لـ«الشرق الأوسط»: «بدأ المسرح المصري عام 1905 بفرقة سلامة حجازي بعد انفصالها عن فرقة إسكندر فرح، وواكب المسرح منذ ذاك الوقت حركة نقدية مهمة. وأول مجلة بعنوان (المسرح) بصورة صريحة كانت 1925 أصدرها أول ناقد مسرحي معتمد محمد عبد المجيد حلمي، وأعقبتها مجلات أخرى، منها: مجلة «الممثل»، و«تياترو» و«الناقد» نحو 8 مجلات خاصة بالمسرح فقط وتصدر أسبوعياً، بعضها كان خاصاً ببعض المسارح، المستقبل كانت خاصة بمسرح يوسف وهبي، والمسرح كانت ضد يوسف وهبي، وهكذا.
واتسمت معظم الكتابات النقدية آنذاك بالكتابة الانطباعية، كما يوضح إسماعيل، لافتاً إلى أن تلك المجلات «لم يكن بها النقد الرصين الموضوعي، لكن أنتجت فيما بعد صورة النقد المسرحي الحصيف كما نعلمه».
وحول محتوى المجلات، يقول إسماعيل: «كانت تعرض النصوص وأخبار الفرق، وكل عرض يتم عرضه في مصر أو خارجها، والمقالات وبروفايل للفنانين والممثلين، ومقالات تحمل تفاصيل تقنية، مثل الصوت والديكور والسيناريو والجمهور، وغيرها... وكانت بعض المقالات ممهورة بأقلام كبار الفنانين مثل يوسف وهبي، وكانت أخطر المجلات المسرحية هي (الصباح) التي لعبت دوراً كبيراً في تطور المسرح وازدهاره»، مضيفاً: بعض الصحف كانت تصدر بها صفحة كل أسبوع أو كل يوم، ونذكر منها: «كوكب الشرق»، و«جريدة السياسة»، و«البلاغ» للناقد محمد على حماد الذي كان ينشر صفحة كاملة أسبوعياً، وبعض المسرحيات يتم نشرها في شكل سلسلة مقالات، وكان هذا الشكل الاحترافي من الممارسات الصحافية له جمهوره، مشيراً إلى أهمية هذه الصحف والمجلات أنها تدحض «الاعتقاد الخاطئ أنه لدراسة الحركة المسرحية المصرية لا بد أن نبدأ من مسرح الستينات، لكن الحركة المسرحية بدأت في بدايات القرن العشرين ولم يلقَ عليها الضوء».
حول تراجع الصحافة المسرحية المتخصصة، أوضح الدكتور إسماعيل أن «الأزمة الاقتصادية التي بدأت سنة 1930 أثرت على وجود المجلات المسرحية المتخصصة، وبدأ الأحزاب والممولون يوجهون جهودهم وفكرهم في الصحف السياسية والحزبية، وبخاصة أنها كانت مجلات خاصة بالفرق والمسارح، وبسبب تغير الأوضاع وتقلص الفرق، ثم إنشاء اتحاد الفنانين وتأسيس الفرقة القومية للمسرح، تراجعت المجلات الصحافية وتوقفت، لكن بلا شك دفعت هذه الصحف والمجلات بالمسرح وساهمت في تطوره مع تطور الحركة النقدية المصاحبة له».
وأضاف: «كانت العروض المسرحية متواترة مع وجود فرق حققت نجاحاً كبيراً على خشبات المسرح، ومنها: فرقة رمسيس ليوسف وهبي، وفرقة جورج أبيض، وفرقة فاطمة رشدي، وفرقة منيرة المهدية، وفرقة أولاد عكاشة، وفرقة علي الكسار وأمين صدقي، وفرقة نجيب الريحاني... ويبدو أن هذه المجلات تأثرت أيضاً بفترة الحرب العالمية الثانية، حيث تأثرت أيضاً العروض المسرحية، وبالتالي تراجعت الحركة النقدية المصاحبة، وتوقفت الكثير من المجلات، كما تم حل الكثير من الفرق المسرحية التي كانت تضم بين أعضائها فنانين من مختلف الجنسيات».
وتقول الأديبة والكاتبة الصحافية الدكتورة عزة بدر، صاحبة كتاب «المجلات الأدبية في مصر من 1954 إلى 1981»: «من أهم المجلات المتخصصة في المسرح هي (المجلة) التي صدرت في يناير (كانون الثاني) 1964 باسم (المسرح)، وكانت مجلة شهرية تصدر عن مسرح الحكيم والتلفزيون العربي، وزارة الثقافة والإرشاد القومي آنذاك، وتولى تحريرها الكاتب رشاد رشدي. وكان هدفها تقريب الصحافة المسرحية والمفاهيم الفنية للجمهور؛ ليلتقي الفنان والجمهور على أرض مشتركة، وتصبح الفنون قادرة على أداء رسالتها وتخلق الثقافة المسرحية»، مضيفة: «كانت تنشر نصوصاً من المسرح العالمي وأعداداً خاصة عن المسرح الإغريقي».
وتشير إلى أن المجلة ظلت على نهجها حتى عام 1968 لتتحول إلى مجلة مهتمة بالمسرح والسينما معاً، وتغير اسمها إلى «المسرح والسينما» وصدرت عن المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، وقام برئاسة تحريرها معاً: عبد القادر القط وسعد الدين وهبة، لكنها لم تكن منتظمة في الصدور، وفي عام 1969 تم فصلها عن السينما وعادت باسم «المسرح» ليرأس تحريرها الشاعر صلاح عبد الصبور، لكنها لم تستمر طويلاً».
ويؤكد جامع الوثائق مكرم سلامة، أنه «كانت هناك مجلات كثيرة في بدايات القرن العشرين ومع وجود ما يسمى (مسرح الصالات) كانت تصدر المسارح والفرق مجلات تنشر أخبارها وأخبار الفنانين، وتتضمن إعلانات مواسم العروض المسرحية والمسرحيات الجديدة، وأخبار الفرق وجولاتهم، في الشرق والغرب».
ويلفت إلى أن مجلة «المسرح» كانت شهرية صدر منها 80 عدداً وتوقفت ثم عاودت وزارة الثقافة المصرية نشرها ثم توقفت، بينما مجلة «الكواكب» صدر منها 113 عدداً، والتي تحولت فيما بعد إلى «الكواكب والدنيا»، و«الكواكب والفكاهة» وطرأ عليها تغييرات عدة، مع نجاح السينما في مصر وزيادة إنتاج الأفلام، ولا تزال مستمرة حتى الآن، لكنها معنية بالفن بشكل عام، سواء سينما أو مسرح، وأحياناً فن تشكيلي».
وحول توقف آخر جريدة متخصصة بالمسرح عن الصدور، يقول الكاتب والناقد المسرحي يسري حسان، رئيس تحرير جريدة «مسرحنا» الأسبق لـ«الشرق الأوسط»: «الصحيفة صدرت عام 2007، وكانت مهتمة بنشر النصوص المسرحية والمقالات النقدية وأخبار مهرجانات المسرح، وحوارات وتحقيقات وفنون العمل الصحافي كافة، ولم تكن قاصرة على المسرح في مصر فقط، بل المسرح العربي من المحيط إلى الخليج؛ لتصبح أول مجلة أسبوعية تصدر بانتظام عن المسرح بعد مجلة stage البريطانية، وكانت تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية».
ويضيف حسان الذي رأس تحرير الصحيفة لمدة 9 سنوات: «الصحيفة تنازعتها مشاكل عدة، وتوقفت عن الصدور ثم عاودت الصدور مرة شهرياً، ثم توقفت تماماً وأصبحت إلكترونية فقط على موقع لا يليق أبداً بقيمة فن المسرح العربي وتاريخه».
ويلفت إلى أن «هناك نحو 3 آلاف عرض مسرحي سنوياً يتم تقديمها داخل مصر فقط، هذا فضلاً عن الحركة المسرحية العربية، ورغم ذلك لا توجد صحيفة واحدة متخصصة تصدر بانتظام تواكب هذا الزخم»، مؤكداً: «بعض الصفحات في جرائد أو مجلات شهرية لا تكفي للتواصل مع القراء وجمهور المسرح أو لتثقيف الجماهير بالقيم التي يرسخها المسرح وجمالياته الأدبية والفنية».
وتشير الدكتورة نجوى كامل، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام والمتخصصة في تاريخ الصحافة، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هناك إشكاليات عدة تواجه الصحافة المتخصصة بشكل عام، أهمها الجمهور المستهدف، فغالباً ما يكون الهدف من إصدارها هو توعية الجمهور بالمفاهيم سواء المسرحية أو غيرها وفقاً لتخصصها، هذا النوع الصحافي يحتاج إلى كتاب متخصصين في فنيات العمل المسرحي، فضلاً عن كونه يحتاج إلى أن يكون «القائم بالاتصال» على دراية كافية بالمفاهيم وفنيات وتاريخ المسرح وأدبياته، ناهيك عن فريق عمل متمرس في هذا المجال، قد يتمكن الصحافي الذي يمتلك أدواته من تقديم عمل يثري هذه الإصدارات، مثل التحقيقات والحوارات والأخبار وتبسيط المفاهيم المسرحية للقارئ العادي».
وتلفت إلى أن «كليات الإعلام لا تعنى بالتخصص، ولا تقدم أقساماً خاصة لدراسة المسرح أو السينما أو غيرهما، ولا توجد دبلومات مهنية تحقق المواءمة المطلوبة بين التخصص وتبسيط المعلومة للجماهير». ويبدو أن أزمة تراجع الصحف المسرحية نابعة بالأساس من أزمة الصحف الورقية الآخذة في التراجع بسبب انخفاض أرقام التوزيع وارتفاع تكاليف النشر الورقي.


مقالات ذات صلة

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.