أجهزة مطوَّرة لتحسين وظائف الذاكرة والتركيز والإبداع

تقنية جديدة تساعد على «الإنصات إلى الدماغ»

جهاز «أوبن بي سي آي»
جهاز «أوبن بي سي آي»
TT

أجهزة مطوَّرة لتحسين وظائف الذاكرة والتركيز والإبداع

جهاز «أوبن بي سي آي»
جهاز «أوبن بي سي آي»

هل تذكرون نظارات «غوغل»؟ أو لعلّكم تذكرون محاولة الشركة الفاشلة لدفعنا إلى تثمين التقنيات القابلة للارتداء على الرأس؟
- «إشعال» الدماغ
أخيراً، أطلقت شركتا «بلاتو ساينس» و«أوبن بي سي آي» منتجات تهدف إلى إحداث شرارة في الدماغ لـ«إشعال» نشاطه، وكذلك رسم خريطة له حسب المهمة التي يؤديها الفرد. وعندما نقول «إشعال»، نعنيها بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث إن منتجات الشركتين تعتمدان على تقنيتي «تخطيط موجات الدماغ electroencephalogram» (EEG) المتوفرة حالياً، وكذلك «التحفيز الدماغي بالتيار الكهربائي المستمر transcranial direct current stimulation» (tDCS) لتحفيز نشاط الدماغ الكهربائي ورسم خريطة له.
- تقنيات تحفيز الدماغ
وكان قد تمّ اختبار التقنية التي طوّرتها شركتا «بلاتو ساينس» و«أوبن بي سي آي» لبعض الوقت لصالح شركات ومؤسسات معنية بالشؤون الطبية في مجالي التغذية والأمراض كالاكتئاب، والقلق المرضي، والتصلّب الجانبي الضموري، وأولى مراحل الخرف. وتسعى الشركتان اليوم إلى توسيع تقنيتيهما إلى ما بعد المرحلة الاختبارية وإتاحتهما للمستهلكين.
«كيف يمكننا أنّ نتيح تقنية علوم الدماغ للجميع ونحوّلها إلى خيار استهلاكي غير محصور بالشركات التجارية فحسب؟»، شكّل هذا السؤال مجال اهتمام بالدر أونرهايم، الشريك المؤسس لشركة «بلاتو ساينس» منذ عام 2009، حيث إنه ظل يسعى لتحويل معدات مختبرية ثمنها 60000 دولار إلى خدمة استهلاكية للأفراد بثمن 450 دولاراً. تنتج شركة «بلاتو ساينس» جهاز «بلاتو وورك PlatoWork» القابل للارتداء على الرأس ومهمته تعزيز التوازن الإدراكي لتحسين وظائف الذاكرة والتركيز والإبداع.
يرى أونرهايم أنّ البشر «يميلون إلى تركيز إمكاناتهم الإدراكية في منطقة الفص الجبهي المعنية بوظائف الذاكرة. وعندما يقومون بذلك، فإنهم يحدّون من نشاط المناطق الشبكية الأصلية التي تتمّ فيها عمليات المعالجة للعقل الباطن واللا وعي. وعندما يأخذ الإنسان فترة استراحة للاستحمام، أو لممارسة الجري أو للطهي، يحرّر منطقة الفص الجبهي من التوتر، فيتعزز النشاط في الشبكات الأصلية الموجودة في خلفية الدماغ».
يحاول الدماغ البشري العمل بفعالية أكبر من خلال إرساء التوازن بين مختلف مناطقه والحفاظ على الطاقة بشكل مستمرّ. وعند القيام بمهام متعبة وصعبة كاحتساب الضرائب، يمرّ الدماغ البشري في بعض الأحيان بنوع من التدخّل تشهد فيها المنطقة الأصلية الكثير من النشاط.
ويوفر استخدام جهاز «بلاتو وورك» لمرتديه الحدّ من هذا التدخّل، فيتحوّل الجهاز إلى صوت (بالمعنى الحرفي) يُسمع في خلفية الرأس. إذ تطلق سماعة «بلاتو» للرأس عملية لتحرير التوتر عبر تحفيز ميكرو - إلكتروني لنقل نشاط أكبر من الفصّ الجبهي (المسؤول عن تصنيف الوظائف حسب أهميتها) إلى المناطق الأصلية، الأمر الذي يسهم في إرساء التوازن الإدراكي.

«راسم خريطة الدماغ»
من جهته، أسّس كونور روسومانو شركة «أوبن بي سي آي» (واجهة الدماغ الحاسوبية) عام 2013، ويعتمد جهاز هذه الشركة القابل للارتداء، على جمع البيانات ويلعب دور المنظار الذي يراقب ما يحصل داخل الدماغ بهدف «استغلال الإشارات الكهربائية في الدماغ والجسم لفهم هويتنا وتطويرها بشكل أفضل».
يعمل هذا الجهاز، وبأشكال كثيرة، على تكملة عمل جهاز «بلاتو وورك»، إذ بينما يعمل الأخير على إرساء التوازن الإدراكي، يرسم جهاز «أوبن بي سي آي» خريطة لما يحصل في الدماغ. وهكذا، يشكّل الجهازان مجتمعين دائرة تغذية استرجاعية مقفلة وينتجان البيانات البيومترية، أي القياسات البيولوجية. وكما في شركة «بلاتو ساينس»، يسعى روسومانو إلى توسيع نطاق استخدام تقنية تخطيط موجات الدماغ وإتاحتها للمستهلكين العاديين لمساعدتهم على التعامل مع حالات القلق المرضي والاكتئاب وأولى مراحل الخرف. ويتباهى روسومانو بمنتج شركته كونه جهازاً غير تدخّلي ويتصل بأجهزة الكومبيوتر أيضاً.
وتتألف قاعدة زبائن «أوبن بي سي آي» الحالية من الصناعيين والتقنيين غير الخبراء، ولكنّها أيضاً حقّقت قفزة نوعية تمثّلت بتأسيس منصة بالتعاون مع فئة من الزبائن الذين يملكون المعدات المطلوبة للعمل معها، ساهموا في بيع تقنية الشركة في نحو 80 دولة وشحن 20000 منتج.
وفي النهاية، ستسهم هاتان التقنيتان في تطوّر التعبير والإبداع الدماغي. وفي مقابلة أجريتها مع روسومانو، شرح لي أنّ «الدماغ عضو عادي، أمّا العقل فهو مجمل الأحاسيس التي تشكّل جذور المشاعر والتواصل». العقل هو النتيجة النهائية الذي تجمع ما نعرفه مع ما نشعر به. يمكننا تشبيه العقل بالمحيط من نواحٍ كثيرة، لذا يجب علينا أن نفهمه جيّداً ونعمل على تطويره لأجل خيرنا.
في ظلّ الثورة الصناعية الرابعة والمستقبل الذي ينتظر عالم العمل، لا شكّ أنّ تطوير العقل سيزداد أهمية، والسبب يعود إلى صعوبة سيطرة الإنسان على نفسه في عالم تصبح فيه التقنية أكثر انتشاراً وألفة. وبالتالي، ستوفّر هذه التقنيات وسائل بديلة لإتمام «فعل السيطرة» في المواقف التي يكون فيها الإنسان عاجزاً عن التأمّل. هذا بالإضافة إلى أنّ تعدّد المهام ليس بالأمر الممكن على الصعيد الفيزيولوجي، لأننا عندما نحاول القيام بأكثر من مهمّة في وقت واحد يضيع انتباه وتركيز دماغنا بينها، وينتهي بنا الأمر إلى الإخفاق فيها جميعها.
- مزايا أجهزة الدماغ
> فيما يلي ستتعرفون على بعض ميزات جهازي «بلاتو ساينس» و«أوبن بي سي آي»:
> يعد جهاز «بلاتو وورك» وسيلة حسيّة لإثبات عدم إتمام دماغنا للمهام التي نحتاج إليه فيها في معظم الأحيان. تعمل هذه التقنيات على لفت انتباهنا بطريقة سلسة للتوقف عن المماطلة وإتمام المهام المطلوبة منّا من خلال الحفاظ على الوضح العقلي الصحيح.
> إنّ الطريقة الوحيدة التي تتيح لنا الإنصات إلى دماغنا هي الانتباه إلى سلوكنا. تعمل شركة «أوبن بي سي آي» على تزويدنا بالبيانات وتحفيزنا على مراقبة سلوكنا والاستماع إلى دماغنا بشكل مباشر.
> إنّ هذه التضمينات الإلكترونية قادرة على الحلول مكان المواد الكيميائية والأدوية المستخدمة للتعامل مع مشكلات كالاكتئاب. وفي حديثه عن السياق الثقافي لتبنّي هذه الأجهزة، اعتبر روسومانو أنّ «أوروبا أكثر انفتاحاً على الأبحاث المتعلّقة بالتضمين الإلكتروني، في حين تقاوم الولايات المتحدة هذا الانفتاح بسبب مخاوف من احتمالات الصعق الكهربائي وتأثيرات أخرى غير معروفة، على الرغم من أنّها لا تمانع استخدام الأدوية المخدّرة».
يبدي الأميركيون عامة تقاعساً في تبني التقنية التي تتفاعل مع الجسم البشري، ويميل المستهلكون إلى حقن أجسادهم بالمواد الكيميائية على شكل حبوب وأدوية رغم التحذيرات من احتمال تسببها في نوبات مَرضية وحالات وفاة، وهم يفضلونها على تجربة تقنية تخطيط الموجات الدماغية التي تحفّز نشاط نقاط الاشتباك العصبية في الدماغ.

- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

بلغ المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي مستوى عالياً من الواقعية لدرجة أنه يصعب في كثير من الأحيان، التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف

ستيوارت تومبسون (نيويورك)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.