التصحر... مصر تواجه «القاتل الصامت» بحلول استراتيجية

التصحر... مصر تواجه «القاتل الصامت» بحلول استراتيجية

الاثنين - 23 شعبان 1440 هـ - 29 أبريل 2019 مـ رقم العدد [ 14762]
القاهرة: حازم بدر
كثيراً ما يستخدم تعبير «القاتل الصامت» لوصف بعض الأمراض التي تتسلل لجسم الإنسان، لكن إطلاقه عند الحديث عن أخطار التصحر قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، باعتبار أن الظاهرة تحمل أبعاداً بيئية بالدرجة الأولى، لكن منظمة الصحة العالمية أعطت مبرراً لهذا الوصف عندما أفردت على موقعها الإلكتروني صفحة خاصة عن التصحر.
- تأثيرات شديدة
عرَّفت المنظمة على موقعها هذه الظاهرة باختصار بأنها تعني «تحوّل الأرض الخصبة لصحراء»، وقالت إن الظواهر المناخية الشديدة، لا سيما الجفاف، والأنشطة البشرية التي تسهم في تلوّث الأرض أو ترديها، هي ما تؤدي لتحويل الأرض الخصبة إلى صحراء.
ولأن التأثيرات الصحية لهذه الظاهرة لا تأتي بشكل مباشر، بل تتسلل مع مرور الزمن، استحقت الظاهرة وصف «القاتل الصامت»، إذ إنها وفق موقع المنظمة تتسبب في 4 تأثيرات صحية سلبية، هي ارتفاع مخاطر سوء التغذية بسبب نقص إمدادات الأغذية والمياه، وزيادة الأمراض المنقولة بالمياه والأغذية نتيجة تدني مستوى النظافة الشخصية ونقص المياه النقية، وانتشار الأمراض التنفسية بسبب الغبار الجوي الناجم عن التعرية بسبب الرياح، وانتشار الأمراض المعدية مع زيادة هجرة السكان.
ولم تكن الحكومات المصرية السابقة تضع مواجهة هذه المشكلة على قائمة أولوياتها، لكن أخيراً أصبح هناك تحرك في أكثر من اتجاه، بعد أن أصبحت مصر تصنف من أكثر الدول معاناة من المشكلة، وفق إحصائيات السكرتارية التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.
يقول الدكتور عبد المنعم محمود أستاذ الأراضي بجامعة الزقازيق، «وفق إحصائيات السكرتارية التنفيذية للاتفاقية، فإن هناك 3.5 فدان تتعرض للتصحر كل ساعة، وهو أمر خطير جداً، لأن المساحة الزراعية محدودة، حيث تمثل نحو 4 في المائة من مساحة مصر».
ويرى أن الحكومات المتعاقبة في السنوات الماضية أهملت المشكلة، لكنه بات يشعر حالياً بأن هناك محاولات جادة لمواجهتها، بعد أن صار الحديث عنها ليس ترفاً، لكنه أمر يتعلق بالوجود والحياة.
- جدار أخضر
من الجهود الإيجابية في هذا الإطار مشاركة مصر في إحياء مشروع «الجدار الأخضر»، الذي ولدت فكرته عام 2007، ولم يتحقق منه سوى 15 في المائة.
وقد أخذت فكرة هذا المشروع من الصين التي شرعت في أواخر سبعينيات القرن الماضي في بناء جدار أخضر عملاق، يربط بين أقصى الشمال الشرقي والشمال الغربي، على امتداد 4500 كيلومتر، لينجح هذا المشروع في استصلاح أكثر من 20 في المائة من الأراضي الصحراوية، ووقف تدهور أكثر من 40 في المائة من الأراضي التي تعاني من انهيار التربة، بالإضافة لحماية 70 في المائة من الأراضي الزراعية.
والتقطت الفكرة نيجيريا التي دعت لتنفيذ المشروع في أفريقيا، وحصلت على موافقة الاتحاد الأفريقي، لينطلق عام 2007 بمشاركة 12 دولة أفريقية، منها مصر، وتنضم إليها لاحقاً 9 دول أخرى، سيفصلها جدار أخضر لمواجهة التصحر. ويقول محمود: «أخذ المشروع زخماً في البداية، ثم توقف، لكن مع رئاسة مصر الحالية للاتحاد الأفريقي عاد الحديث عن إحياء هذا المشروع».
ووفق تقرير نشره موقع «زد أم إي ساينس» في 4 أبريل (نيسان) الحالي عن المشروع، فإنه سيتكلف نحو 8 مليارات دولار، وينتهي بحلول عام 2030. ويستهدف استصلاح واستعادة أراضٍ زراعية مساحتها 100 مليون هكتار.
وتسعى مصر من خلال هذه المشروع لإنقاذ أكثر من مليوني فدان من الأراضي الواقعة في التخوم الغربية لمحافظات الصعيد جنوباً، كما أوضح دكتور إسماعيل الباجوري، الأستاذ بمركز بحوث الصحراء والمنسق الوطني للمشروع، في تصريحات صحافية، إذ قال: «تعاني هذه الأراضي من أخطار سفي الرمال التي تؤدي إلى خفض إنتاجيتها بمعدلات تتراوح بين 25 في المائة إلى 35 في المائة، بفعل 8 عوامل تنجم عنه، منها أنه يتسبب في تجريح أوراق النباتات، ما يجعلها عرضة لجميع الأمراض النباتية والفيروسات، كما تؤدي الرياح الشديدة لفقد النبات والتربة للمياه». وأضاف الباجوري: «سيبدأ تنفيذ المشروع أولاً في محافظتي المنيا والفيوم، على أن تنقل جميع الممارسات الناجحة المطبقة فيهما إلى باقي المحافظات بطول الصحراء حتى أسوان».
- حلول وقتية
إذا كان هذا المشروع من النوع الذي يمكن تسميته بـ«الحلول الاستراتيجية بعيدة الأمد»، التي تهدف لمنع تفاقم المشكلة، فإن هناك حلولاً وقتية يجري تنفيذها على الأرض تعتمد على استخدام حلول غير تقليدية لتثبيت الرمال. وأحد هذه الحلول يتمثل في استزراع نباتات تتحمل الجفاف في البيئة الصحراوية، وتكون بمثابة حائل يمنع انتقال الكثبان الرملة، وبدأ تنفيذ تلك التجربة في محافظة البحر الأحمر، حيث تمت زراعة نبات «الساليكورنيا».
ويسقى «الساليكورنيا» بماء البحر، ويمكن استخدامه كخضار وعلف ووقود حيوي، ونجح استزراعه في الإمارات من خلال التجارب التي نفذها المركز الدولي للزراعات الملحية «إكبا»، ويسعى المركز لنقل التجربة إلى مصر بالتعاون مع الجهاز التنفيذي لمشروعات التنمية الشاملة بوزارة الزراعة المصرية.
ونجح حل آخر نفذه باحث مصري في محافظة الوادي الجديد، حيث ابتكر مادة «بوليمرية» يمكن وضعها على الكثبان الرملية لتوقف زحفها، ومن ثم قدمها كحل لمواجهة التصحر.
يقول مبتكر تلك المادة الدكتور أحمد إسماعيل، الأستاذ بقسم «البوليمرات» والمخصبات في المركز القومي للبحوث بمصر لـ«الشرق الأوسط»، إنها «عبارة عن مستحلب مصنع من مشتقات (بوليمرية)، يخفف بالماء، ثم يرش على الرمال، فيؤدي إلى تماسك حبيباتها».
وأوضح: «المنتج آمن بيئياً، لأنه مركب عضوي غير سام، وغير قابل للتآكل أو الاشتعال، ولا يلوث المياه الجوفية».
مصر science

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة