بعد احتفال بعيد ميلاد هتلر... رسالة ترصد تفشي العنصرية في ألمانيا

أصحاب البشرة السمراء معرضون دوماً لتهديدات النازيين الجدد

جانب من احتفالات التشيك بذكرى دحر النازية (أ.ف.ب)
جانب من احتفالات التشيك بذكرى دحر النازية (أ.ف.ب)
TT

بعد احتفال بعيد ميلاد هتلر... رسالة ترصد تفشي العنصرية في ألمانيا

جانب من احتفالات التشيك بذكرى دحر النازية (أ.ف.ب)
جانب من احتفالات التشيك بذكرى دحر النازية (أ.ف.ب)

ألقى احتفال مجموعة من الألمان المنتمين لجماعات النازيين الجدد بعيد ميلاد الزعيم الراحل أدولف هتلر الأسبوع الماضي مخاوف كبيرة حول شعبية هذه المجموعات في البلد الذي دفع الثمن الفادح للنازية بعدما كادت تدمر العالم القرن الماضي.
وقالت وسائل الإعلام الألمانية إن النازيين الجدد تجمعوا للبدء في مسيرة قرب بلدة إنجلهايم القريبة من فرانكفورت غرب ألمانيا لكنهم قوبلوا بمسيرة أكبر من الرافضين للاحتفال بعيد ميلاد هتلر.
ويتباين نفوذ المجموعات النازية من مدينة لأخرى مع انتشار النزعات العنصرية في شرق ألمانيا أكثر من غربها بحسب تقارير وسائل الإعلام، كما يتزايد نفوذهم في المدن الصغيرة.
وكانت صحيفة «الغارديان» البريطانية قد نشرت شهادة «مجهول»، اختار عدم الكشف عن هويته، يعيش في القسم الشرقي من ألمانيا ويحكي عن أجواء تجربته المقلقة من داخل مدينة كيمنتس الواقعة شرق البلاد التي تعد أحد معاقل النازيين الجدد.
تقرير «الغارديان» أكد أن ما ورد حول أعمال العنف العرقية التي شهدتها مدينة كيمنتس في وقت سابق من العام الماضي لا تتعدى كونها «قمة جبل الثلج»، وأن ما يقبع تحت السطح ما زال خفياً على الأغلبية.
ويقدم «المجهول» صاحب الشهادة الواردة بالتقرير الصحافي نفسه، موضحاً أنه طالب جامعي يلتزم بمعاداة الفاشية يعيش في مقاطعة «ساكسونيا»، في موقع ليس ببعيد عن كيمنتس. ويقول «المجهول» في شهادته: «لفترة طويلة لم أحسن تقدير مدى تغلغل اليمين المتطرف في أوساط ألمانيا. قبل انتقالي إلى هذا الموقع من سنوات قليلة، لم أكن على دراية بساكسونيا وكنت أعتبر أفكاري المعادية للفاشية من المسلمات، ولم أقابل في حياتي نازيا (حقيقياً) أو أحد المتعصبين منتهجي العنف».
وعن خلفيته وحياته قبل الانتقال إلى ساكسونيا، يقول: «نشأت في برلين، كنت طفل المدينة (الكوزموبولتيانية)، حيث كان من الطبيعي ألا تكون أبيض أو لا تحمل اسما ألمانيا. قاتل جدي الفرنسي ضمن صفوف القوات الجوية للتحالف، وهكذا تهيأ لوالدي المجيء إلى ألمانيا. والدتي ألمانية، ولدت في برلين الغربية، تلك المقاطعة الغربية الواقعة في منتصف جمهورية ألمانيا الديمقراطية، التي تعد ملجأ للأشخاص (المختلفين)».
ويكمل الطالب قائلاً: «لفترة طويلة، أخبرت نفسي أن مسألة الانقسام بين الشرق والغرب لا تعنيني. كنت قد ولدت بعد سقوط حائط برلين. ولكن عندما انتقلت إلى الشرق، بدأت في التفكير بعمق أكثر حول نشأتي في القطاع الغربي. كما أنني استبعدت أي أحكام مسبقة، وبدأت في التفكير بشكل نقدي حول كيفية تعامل ألمانيا مع مسألة إعادة توحيد شطريها».
ويشرح: «أريد أن أقف ضد العنصرية في كل مكان وأوان، ولكن في هذه المدن الصغيرة قد يكون ذلك صعبا ومرهقا. قد تظن أن تاريخ ألمانيا وحده يكفي، بحيث يضمن ألا يتم منح حتى أدنى قدر من التشجيع لأفكار الفاشية والقومية. وكان يفترض أن يكون ذلك شأنا يشغل الجميع، ولكن الأمور للأسف ليست كذلك».
ويوضح الشاب لألماني وجهة نظره، قائلاً: «عندما ظهرت حركة (بغيدا) العنصرية بشكل مفاجئ وبحشود تقدر بنحو 20 ألف شخص تقدموا في مسيرات عبر مدينة دريسدن ينشدون الشعارات المعادية للإسلام وذات الطبيعة العنصرية، تولدت بداية الأمر حالة من الصدمة لدى الجمهور المتابع. ولكن سريعاً ما انحرف خطاب الإعلام، وظهر الرأي المنادي بضرورة المحاولة لفهم تلك العناصر المتواجدة بين المتظاهرين التي (لا تضمر سوء). ونظمت (بغيدا) مسيرات مماثلة في عدد آخر من المدن، وتم استقبالها في الأغلب بمقدار من التفهم. ثم جاء الحديث عبر الصحافة بشأن (مسألة اللجوء)، وضرورة وضع حد لأعداد طالبي اللجوء، مما منح خطاب (بغيدا) دعما جديدا».
ويضيف: لاحقا، جاء «البديل من أجل ألمانيا»، وهو حزب جديد على الصعيد السياسي الألماني يلتزم بالخطاب المعادي لأوروبا، والأجانب، ويلتزم التوجه القومي. وبدأ الفزع يدب بين الأحزاب الرئيسية إثر خسارتها الناخبين، وأصبحت «مسألة اللجوء» القضية الرئيسية خلال انتخابات 2017 العامة. وتم تشديد القوانين المنظمة لشؤون اللجوء. وكفعل مناوئ، نظمت بعض المجموعات المظاهرات دعما لثقافة الانفتاح والترحيب. فقد تم استقبال اللاجئين في ميونيخ بأقداح الشاي والبسكويت. وبدأ الناس في اتخاذ خطوات لمواجهة العنصرية. وأحب الإعلام عرض صور للألمان يتعاملون مع الأزمة بمظاهر من الحب والتفاهم.
ويستعرض المتحدث ما حدث بقوله إن «ما تم في الأغلب غض الطرف عنه في سياق هذه التغطيات. كانت هجمات استهدفت الأجانب ومراكز إيواء طالبي اللجوء، التي تجاوزت عدد الأربعة آلاف مركز منذ عام 2015، وتتضمن بعض هذه الهجمات استخدام عبوات المولوتوف ومضارب البيسبول، وحتى استهداف عناصر النازيين الجدد المسلحين لغرف نوم الأطفال. وفي عام 2016، كشفت السجلات الرسمية عن وقوع عشر جرائم كراهية يوميا ضد المهاجرين».
ويتساءل: «ماذا تعني هذه الهجمات والجرائم بالنسبة للحياة اليومية بالأماكن التي جرت بها؟ حتى تتمكن من تحصيل الإجابة الوافية، عليك أن تعيش فعليا هناك. فهناك ستصادف حواراً بالمخبز، عندما تشتكي سيدة عجوز من الأجانب (الأشرار)، فيما أن السيدة التي تقوم بخدمتها توافقها الرأي. وهناك المدقق بعربات الترام الذي لا يلقي نظرة إلا على تذاكر أصحاب البشرة السوداء من الركاب. وهناك الاعتداءات على المشروعات الثقافية المحسوبة على اليسار السياسي والمراكز المجتمعية، وما يتخلل ذلك من إلقاء حجارة، وضرب، والعنف الذي يمكن أن تتعرض له إذا ما حاولت التدخل ووقف ما يجري. وهناك طبعاً سلبية البعض، المواطنون المحليون الذين يقفون فيما يتعرض شخص أسود البشرة للضرب بمركز المدينة. وهكذا تتجسد العنصرية والفاشية».
ويضيف المتحدث: «هناك ندرة مراكز الشباب والإخصائيين الاجتماعيين، الذين يفترض أن يتحركوا ضد الجماعات اليمينية المتطرفة بإطلاق المشروعات (البديلة). يعيش هؤلاء في خطر. فيمكن أن تعاني من أجل أن تعد ورشة عمل بإحدى المدارس ضد التطرف، ويجب أن تكد في البحث عمن يمكنه الاهتمام بمثل هذا المجهود في المناطق الريفية. ففي نهاية الأمر، من يرغب في الإقامة بقرية نازية؟ فأصحاب جوازات السفر الألمانية يمكنهم اختيار البقاء بعيدا عن تلك المناطق حيث يتم ثقب إطارات السيارات وتتم مهاجمة المنازل بالعبوات الحارقة لمجرد أن البعض لا تروقهم هويتك، أو من أين جئت، أو ماهية مواقفك السياسية. ولكن لا يمكن للجميع المغادرة بسهولة. فطالبي اللجوء لديهم التزام بالإقامة في مواقع محددة إذا ما أرادوا تحصيل مساعدات اجتماعية أو ترخيص للعمل».
ويقول الشاهد: «أصبحت المدن والقرى التي تعاني من أزمة النازية عبارة عن قائمة لا نهاية لها. فهي لا تتوقف عند كيمنتس أو دريسدن. فبالنظر نحو أوروبا بشكل عام، يتضح ضرورة البدء بمحاربة الفاشية من المستوى الشعبي، وذلك يعني التواجد على ذلك المستوى وبشكل فعلي. كما يجب أن ندرك أن السماح بترديد الشعارات القومية عبر وسائل الإعلام والمنصات السياسية، وأن السماح بعقد الفعاليات التابعة لحركة النازيين الجدد من دون عوائق، مع الفشل في إدانة جرائم الكراهية، يساهم كله في تشجيع النازية الجديدة. وفي ذلك، أرى تشابها مع عهد كنا نظن أنه بات حبيس كتب التاريخ، وهو عهد الظلام السابق على حكم هتلر».
ويختتم الشاهد حديثه لـ«الغارديان» قائلاً: «لا أفضل الكشف عن هويتي، لأن لا داعٍ لتعريض أشخاص لتهديد إضافي. قبل أسابيع قليلة، تم إيقافنا خلال إحدى الليالي التي شهدت أعمال شغب من جانب جماعات عنصرية. لاحظتنا إحدى مجموعات النازيين الجدد، وبدأت في توجيه الإهانات الجارحة لي ولرفاقي، ولم تتوقف وتغادر المكان إلا بعد أن شاهدت أن بصحبتنا كلب. إنها الأشياء الصغيرة، وكذلك الأشياء الكبيرة التي تجعلك تشعر بأنك على خط المواجهة في معركة ضد كيان كبير ومشؤوم».



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.