نظراً لأن الانتخابات في الهند هي مهرجانات سياسية، فقد وظفت الأحزاب السياسية المتنافسة، على الصعيدين الوطني والإقليمي، الموسيقى لجذب جمهور الناخبين. لكن هذه الحملات الموسيقية أصبحت بلا طعم، إذ إنها تعتمد على تكرار إيقاعات مستقاة من موسيقى «الراب» و«الهيب هوب» دون تغيير. ولم يقتصر هذا النهج على أكبر حزبين في البلاد - حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم وحزب «المؤتمر» المعارض الرئيسي - بل امتد ليشمل كثيراً من الأحزاب الإقليمية التي باتت تعتمد في حملاتها الانتخابية على الأغاني.
وعلى سبيل المثال، اتخذ حزب «بهاراتيا جاناتا» شعاراً في انتخابات عام 2014 يقول: «دعونا نلقِ نظرة على حكومة مودي مرة أخرى، دعونا نخطُ إلى الأمام بفخر، دعونا نساعد زهرة اللوتس على أن تتفتح مرة أخرى»، وأصبح الناس يرددونها كأغنية.
وتركز مقاطع الفيديو الموسيقية على أداء رئيس الوزراء ناريندرا مودي طيلة السنوات الخمس الماضية مع التركيز بشكل خاص على الأمن القومي والمصداقية والقدرة على اتخاذ قرارات كبيرة مع انتقاد المعارضة، لأنها تفتقر إلى التماسك.
كما أطلق حزب «المؤتمر» أغنية دعائية تقول حرفياً: «ستكون هناك عدالة الآن»، في إشارة إلى الظلم الذي عاشته البلاد في ظل حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم. وتركز الأغنية التي تحمل اسم «أنا الهند»، والتي كتبها شاعر «بوليوود» الشهير جاويد أختار، وصوّرها مخرج بوليوود الشهير نيكيل أدفاني، على الهند وما تتطلع إليه في الفترة المقبلة، فيما تُعرض في الخلفية مشاهد للمزارعين المتضررين من عمليات التحديث التي تمرّ بها البلاد.
تستهدف أغنية حزب «المؤتمر» المعارض أهم سياسات حزب «بهاراتيا جاناتا»، وتسلّط الضوء على أجندة «المؤتمر» المهمومة بالفقراء وبعامة الناس، وتشرح كيف أهمل الحزب الحاكم الفقراء. قام ملحن الإعلانات الشهير الذي يعيش بمدينة مومباي أرجونا هارجاي بتلحين الأغنية الدعائية لحزب المعارضة الرئيسي مستخدماً فقط الطبل والإيقاع. والجدير بالذكر أن هذا الملحن هو نفسه من لحن الأناشيد والمقاطع الموسيقية لكيانات كبيرة، مثل «أمازون»، و«غوغل» وغيرهما.
تقول كلمات الأغنية: «لقد اتخذت إجراءات خاطئة وغيرت أسماء المدن، وجعلت من العملة ورقاً عديم القيمة، وخدعت الفقراء ونشرت الكراهية بين الناس وحرضت الأخ على أخيه، والآن تطالبني بأن أنتخبك؟ لقد حان الوقت لأن تسمعني».
وعن كلمات الأغنية التي أخرجها مخرج بوليود الشهير نيخيل أدفاني، قال هارجاي إنها اتبعت أسلوب المختصر المفيد في مخاطبتها للشباب، مضيفاً: «لذلك أبقيت هذه الفكرة في ذهني وتناولتها وخرجت جذابة، وأتوقع أن تترك أثراً طيباً». وأضاف هارجاي أن الفكرة هي أن يشعر كل شخص عادي بأنه يمثل «هندوستان».
- موسيقى الراب
كان القاسم المشترك في غالبية الأغاني استخدام موسيقى الراب التي تكررت إيقاعاتها. بدأ هذه الاتجاه عندما عُرضت أخيراً مقاطع مصورة مصحوبة بموسيقى الراب دعماً لحزب «بهاراتيا جاناتا» ورئيس الوزراء ناريندرا مودي. فمقطع أغنية الراب يقول: «رجلنا على حق»، في إشارة إلى رئيس الوزراء، فيما يسلط المقطع الضوء على إنجازات حكومته خلال السنوات الخمس الماضية. ويشيد المقطع، الذي تتعدى مدته 38 دقيقة بمودي، وبأنه الشخص المناسب للبلاد وبالعمل الجيد الذي قام به، بما في ذلك مكافحة الفساد ومنح السلطة للجميع، وإيصال الغاز للفقراء، وكذلك بناء المراحيض العامة، تحت شعار «الهند نظيفة»، وغيرها من الإنجازات.
لم يمضِ وقت طويل بعد ذلك حتى بث مؤيدو حزب «المؤتمر» مقطعاً مصوراً يمتدح حزبهم من مستخدمين موسيقى الراب أيضاً. يتضمن المقطع صوراً لرئيس الحزب راهول غاندي مصحوبة بأغنية الراب الجديدة التي تقول «عصرنا سيأتي» والتي غناها في الأصل نجم بوليوود رينفير سينغ في فيلمه الناجح الذي عرض أخيرا بعنوانGully Boy» ».
وفي حين استوحي مخرج أغنية الحملة الفكرة من ذلك الفيلم لصالح حزب «بهاراتيا جاناتا» وجرى تنفيذها بواسطة خلية تكنولوجيا المعلومات التابعة للحزب ومقرها ولاية «غوجارات»، فبالنسبة لحزب «المؤتمر»، فقد جرى إعداد الأغنية بواسطة فايزن صديقي الذي يعيش بولاية «لكناو»، والذي استخدم مهارات الدمج التي أتقنها خلال عمله الصحافي في عدد من القنوات التلفزيونية. لكنه لم يكن يعلم أنه كان يصنع مقطعاً مصوراً سينتشر كالنار في الهشيم.
وعن هذا العمل، قال فايزن صديقي: «علمتُ أن أحد أصدقائي مرشح عن حزب المؤتمر، وأردت مساعدته فقط، لذا قمت بعمل مقطع مستوحى من فيديو فيلم (Gully Boy). كنتُ على دراية كافية بتقنية الدمج، لأنني عملت في أربع قنوات في السابق ولذا كان الأمر سهلاً بالنسبة لي. لكنني لم أتوقع رد الفعل الذي أراه اليوم».
ومن جانبه، قال فيفيك أفاستي كبير المحررين السياسيين بقناة «بيزنس تليفجن» الهندي: «لقد أصبح للناخبين أهمية كبيرة لأول مرة بالنسبة لحزب (بهاراتيا جاناتا)، وحزب (المؤتمر). الآن لدينا أكبر عدد من الناخبين الشباب وندير عملية التواصل معهم بأفضل طريقة، وذلك من خلال موسيقى الراب».
في مقاطع الفيديو الخاصة بكل منهما، يتبادل الطرفان اتهامات الفساد. فحزب «بهاراتيا جاناتا» يطالب في أغنيته بالتحرر من حزب «المؤتمر»، فيما يطالب «المؤتمر» في أغنيته بالحرية من هذا الحزب قبل أن يعيش الناس في خوف.
أغنية أخرى نشرها أخيراً «بهاراتيا جاناتا»، مدتها 3 دقائق، وتقول: «أول صوت أمنحه لمودي». وفي تلك الأغنية ترى أربعة شباب يرقصون على إيقاعات الراب يمتدحون حكومة مودي وإنجازاتها خلال السنوات الخمس الماضية.
ومع ذلك جاءت ردود الفعل متباينة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ففي حين أشاد البعض بالحزب لاستخدامه هذه الأغنية للوصول إلى الناخبين الشباب، ادعى آخرون أن الحزب كان منافقاً. وأشار البعض إلى أنه في حين انتقد قادة حزب «بهاراتيا جاناتا» في مناسبات كثيرة الفتيات والنساء لارتدائهن ملابس غربية، فقد أظهر الفيديو فتيات يرتدين سراويل قصيرة.
- أحزاب الأقاليم
لطالما كانت أحزاب الإقليم جزءاً مهماً من السياسة الهندية، ويرى المحللون أنها ستلعب دوراً رئيسياً في تشكيل الحكومة الجديدة. فعلى المنوال نفسه، أعدّ حزب «تيلجو ديسام» بولاية أندرا براديش، الذي يتزعمه الوزير الأول تشاندرا بابو نايدو أغنية بعنوان «سيلا موس غايل». تعقد الأغنية مقارنة بين نايدو والحجر المصقول الذي يصلح لأن يُنحت ليصبح تمثالاً، وتبين كيف أن الجروح التي تسبب فيها سلفه جعلت الناس يذرفون الدموع. كذلك أعد خصمه جاجن موهان أغنية لحملته الانتخابية تبدأ بكلمة «نريد جاجن»، فيما خرجت أغنية حملة الوزير الأول بولاية «ماديا براديش ديش» لتقول: «من قلب البلاد إلى دلهي، لن يكون هناك غير حزب المؤتمر».
على الرغم من وجود مجموعة من مقاطع الفيديو الذكية والمسلية المتداولة، فإن مقطع الفيديو الذي حقق نجاحاً جماهيريا كبيراً كان ذلك المقطع الذي ظهر فيه مودي بذراعين مفتولي العضلات ووشم متجهاً إلى حلبة مصارعة ليطيح بزعماء المعارضة واحداً تلو الآخر. وفي إعلان مضاد، ظهر رئيس الوزراء مودي يعطي وعداً تلو الآخر لم يتحقق منها شيء.
