قطاع الطيران الهندي... انتكاسة ومحاولات النهوض

يعاني بسبب نقص الخبرة الإدارية وعدم وجود هيئة رقابية

كشفت أزمة «جيت إيروايز» الأخيرة عن مشكلات عميقة يعانيها قطاع الطيران الهندي (رويترز)
كشفت أزمة «جيت إيروايز» الأخيرة عن مشكلات عميقة يعانيها قطاع الطيران الهندي (رويترز)
TT

قطاع الطيران الهندي... انتكاسة ومحاولات النهوض

كشفت أزمة «جيت إيروايز» الأخيرة عن مشكلات عميقة يعانيها قطاع الطيران الهندي (رويترز)
كشفت أزمة «جيت إيروايز» الأخيرة عن مشكلات عميقة يعانيها قطاع الطيران الهندي (رويترز)

تعرضت صناعة الطيران في الهند لضغوط كبيرة خلال الاثني عشر عاماً الماضية، بعد أربعة أعوام من النمو الذي تُحسد عليه، وذلك بعد أن أغلقت شركة «جيت إيروايز إنديا المحدودة» أسطولها بالكامل رغم أنها كانت يوماً ما أكبر شركة طيران في البلاد من حيث القيمة السوقية، مما ألقى بظلاله على قطاع الطيران المزدهر في الهند.
رغم أن الميزانيات العمومية لجميع شركات الطيران جاءت سلبية بسبب عوامل الاقتصاد الكلي، مثل ارتفاع أسعار وقود الطائرات، وتراجع قيمة الروبية، وارتفاع قيمة انتظار الطائرات ورسوم الهبوط، وتراكم الديون، والمنافسة في الأسعار، والقيام ببعض العمليات غير الفعالة، جاء توقف شركة الطيران الهندية الكبرى عن العمل ليضع علامة استفهام كبيرة على نمو الطيران الهندي. وباتت شركة «جيت إيروايز» مثقلة بديون تتجاوز 1.2 مليار دولار أميركي، وتُعتبر ثاني أكبر شركة طيران هندية تقوم بإيقاف أسطولها بالكامل في العقد الحالي بسبب ديون كبيرة للمقرضين. وكانت شركة طيران «كنغ فيشر إيرلاينز» المثقلة بالديون قد قامت بإيقاف طائراتها عام 2012 ولم تعمل منذ ذلك الحين، وأُجبر المؤجرون على شطب ملايين الدولارات من الخسائر وفقد آلاف الأشخاص وظائفهم.
وكان لشركة طيران «جيت» أسطول يضم 119 طائرة قبل أن تعاني من أزمة السيولة العام الماضي. ووفق تقديرات الحكومة، فقد تسبب التوقف عن العمل في استمرار بقاء نحو 280 مكانَ انتظارٍ للطائرات شاغراً في مومباي، و160 مكاناً شاغراً في دلهي بسبب توقف تلك الطائرات عن العمل. ولأن ما حدث يمثل انتكاسة كبيرة لصناعة الطيران بأكملها، فقد صرح بارفيز دامانيا خبير طيران في مومباي، بأن «ما حدث أثار الشكوك في حركة الطيران بأكملها. لقد أثرت شركة (جيت إيروايز)، على مصداقية النمو بقطاع الطيران الهندي».
كذلك استمرت المعاناة التشغيلية والمالية لشركات الطيران الأخرى مثل «إنديغو» و«سبيس جيت»، و«غو إير» و«إير إنديا». ناهيك بشركة «جيت»، فقد تسبب تعطيل نحو 40 طائرة تابعة لعديد من شركات الطيران خلال الشهر الماضي في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، في حين شهدت حركة نقل الركاب انخفاضاً ملحوظاً.
واضطرت شركة «سبيس جيت»، ثالث أكبر شركة طيران في الهند من حيث الحصة السوقية، في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى تعطيل 13 طائرةً من طراز «بوينغ 737 ماكس 8» تعمل ضمن أسطولها لضمان سلامة الركاب وذلك بضغط من «إدارة الطيران المدني الهندي».
جاءت تلك الخطوة عقب تحطم طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الإثيوبية من نفس الطراز في 10 مارس (آذار) الماضي لتتماشي مع التدابير التي اتخذتها عدة هيئات عالمية في القضية ذاتها.
وقد أثر ذلك على عمليات شركة «سبيس جيت» حيث اضطرت إلى إلغاء رحلات جوية على 30 مساراً على الأقل تعمل عليها طائرات من طراز «ماكس 737». وفي بيان رسمي لها، قامت شركة «سبيس جيت» بتحسين وتعديل استخدام طائرات «بوينغ 737 إن جي» و«بومباردير كيو 400» لمعالجة الوضع الحالي، وعدم مضايقة الركاب.
وتدفع شركة «إنديغو» الرائدة في السوق الهندية، التي نقلت نحو 43 في المائة من الركاب في الهند، ثمن النمو السريع. ففي مواجهة النقص الحاد في أعدد الطيارين في أسطولها الذي يضم 213 طائرة، قالت الشركة إنها ستلغي نحو 30 رحلة يومياً. الجدير بالذكر أن الشركة ذاتها أضافت 19 طائرة «إيرباص» إلى أسطولها في الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ناهيك بمواجهة الأزمة التشغيلية، فإن شركة الطيران تعاني من ارتفاع التكاليف، لا سيما تكاليف استئجار الطائرات والوقود والتمويل. ففي الربع المنتهي في ديسمبر 2018، سجلت شركة «إنديغو»، التي تمتلك حصة سوقية تبلغ 42.5 في المائة، انخفاضاً بنسبة 75 في المائة في صافي الأرباح، وأوقفت شركة «إير إنديا» نحو عشرين طائرة عن العمل خلال شهرين، وجرى إلغاء رحلات لنحو 80000 مسافر في شهر فبراير (شباط) الماضي، وهو الرقم الأعلى على الإطلاق، مما يعكس تأثير إيقاف الطائرات عن العمل على حركة الطيران. وتتوقع «الإدارة العامة للطيران المدني» أن يكسر هذا الرقم بنهاية الشهر الحالي.
وذكرت تقارير إعلامية أن القيود التي فرضتها باكستان على الطائرات الهندية التي تستخدم مجالها الجوي قد ألحقت ضرراً كبيراً بحركة الطيران العالمي في تلك الفترة. وفي هذا الصدد، قالت صحيفة «مينت» الهندية اليومية، إن فرض هذه القيود جاء نتيجة لحالة التوتر على امتداد الحدود طيلة الشهر الماضي، فقد أوقفت شركة «سبيس جيت» رحلتها اليومية إلى كابل.
وفي هذا السياق، قال مسؤولو الطيران: «نتوقع أن تكون بيانات شهر مارس أسوأ من ذلك، حيث أغلق المجال الجوي الباكستاني بحلول نهاية فبراير، مما أدى إلى إلغاء الرحلات».
لماذا يعاني قطاع الطيران؟
يقول الخبراء إن قطاع الطيران الهندي يعاني بسبب نقص الخبرة الإدارية والخبرات في هذا القطاع وعدم وجود هيئة رقابية لمراقبة الصناعة. وقال جيتندر بهارجافا، خبير الطيران والمدير التنفيذي السابق لشركة «إير إنديا»، خلال حلقة نقاش حول صناعة الطيران الهندية نظمتها «جمعية العلاقات العامة الهندية»، إن رجال الأعمال في الهند يرغبون في إنشاء شركات طيران، لكن لا أحد يعلم متى يتم ذلك. تقوم شركات الطيران الواحدة تلو الأخرى بتقليص رحلاتها في الهند، مما يُجبر الركاب على الدفع أكثر مقابل سفرهم. وعلى الرغم من تحسُّن بعض المؤشرات، فإن التوقعات بالنسبة للقطاع المحلي لا تزال ضعيفة. وتتوقع شركة «استشارات الطيران الأسترالية لشؤون آسيا والمحيط الهادي» أن تخسر شركات النقل الهندية ما بين 550 إلى 700 مليون دولار أميركي في السنة المالية 2020، مقارنة بخسائر 1.7 مليار دولار للعام المالي المنتهي في مارس 2019. وفي مذكرة عُرِضت في يناير الماضي، تنبأت وكالة التصنيف (ICRA) أيضاً سنةً سيئة لقطاع الطيران.
لم يمر قطاع الطيران وخطوط الطيران العاملة وفق جداول زمنية في الهند بوقت أسوأ من الوقت الحالي. فالعطلات المدرسية السنوية التي تبدأ في أبريل (نيسان) تمثل ذروة فترات السفر في البلاد، وها قد بدأت مواقع حجز الرحلات الجوية تسجل بالفعل ارتفاعاً في أسعار تذاكر الطيران.
وفي السياق ذاته، قال بالو راماشاندران رئيس قسم حركة الطيران والتوزيع بشركة «كلير تريب» المعنية بعمليات حجز الطيران، في تصريح بالبريد الإلكتروني لموقع «كوارتز»، إنه يتوقَّع زيادة إضافية في السعر تتراوح بين 10 و20 في المائة في المتوسط.
كما أن التوترات الأخيرة بين الهند وباكستان تسببت في تفاقم المشكلات في هذا القطاع الحيوي، وقامت باكستان بمنع الطائرات الهندية من استخدام مجالها الجوي. كذلك زادت القيود المفروضة من التكاليف التشغيلية لشركات الطيران. على سبيل المثال، باتت الرحلات الجوية لطيران الهند المقبلة من دلهي إلى الولايات المتحدة تطير عبر مومباي لتجنب المجال الجوي الباكستاني.
وفي سياق متصل، كتب مانو بالشاران: «قطاع الطيران في الهند ينطوي على قدر من التناقض: فمن ناحية، لا يزال ثالث أكبر اقتصاد في آسيا هو أسرع أسواق الطيران نمواً في العالم حيث سجلت أعداد الركاب المحليين نمواً بلغ 18 في المائة في عام 2018... ومن ناحية أخرى، ما زالت هناك الطبيعة الدائمة لشركات الطيران المتمثلة في الخسائر الضخمة وفي فشل مخططات الاتصال الإقليمي وتراكم الديون الهائلة لصالح مشغلي المطارات».
ومع ذلك، لا يزال هناك ما يجذب الكثيرون في مجال الطيران الهندي لدخول هذا القطاع. ففي أوائل مارس، برزت مجموعة «أداني»، أكبر مطوري الموانئ في البلاد، كفائز في مناقصة لتطوير خمسة مطارات تشغيلية جرت خصخصتها أخيرا، في محاولة لتحسين بنيتها التحتية.
وتواترت كل هذه الأخبار القاتمة بعد أن أفادت صحيفة «ليفيمنت» الهندية اليومية في تقرير نشرته في ديسمبر، نقلا عن «وكالة إياتا» (الاتحاد الدولي للنقل الجوي) بأن الهند ستصبح ثالث أكبر سوق للطيران بحلول العام 2025، بعد الولايات المتحدة والصين. وتوقع الاتحاد الدولي المعني بصناعة الطيران العالمية أن ينمو الطيران الهندي بوتيرة مضاعفة خلال السنوات القليلة المقبلة، فيما يتوقع أن تشهد معظم الاقتصادات العالمية المتقدمة نمواً أبطأ في مجال الطيران.
إنقاذ طيران «جيت إيروايز»
كتب موظفو شركة «جيت إيروايز» إلى الرئيس الهندي رام ناث كوفيند ورئيس الوزراء ناريندرا مودي يلتمسون التدخل للحصول على مستحقاتهم وتسريع ضخ أموال الطوارئ لإنقاذ الشركة التي أغلقت عملياتها مؤقتاً، حيث قامت شركة طيران «جيت إيروايز» المتعطشة للنقد، التي تضم نحو 23000 موظف، بتأخير دفع الرواتب للموظفين، بما في ذلك الطيارون.
وتدخلت شركتا «سبايس جيت ليميتد» و«إير إنديا ليميتد» الوطنية في محاولة لتحقيق الاستقرار لصناعة الطيران في الهند وتخفيف المعاناة الناجمة عن خسائر الأجور التي تسبب فيها تراجع عمليات شركة «إير وايز إنديا ليميتد» التي أدت بها إلى الإفلاس والإغلاق التشغيلي.
تبذل شركة «سبايس جيت» كل ما بوسعها لتخفيف الضربة التي لحقت بصناعة الطيران بسبب تعليق شركة «جيت إيروايز» لعملياتها التي توفر فرص عمل لأولئك الذين فقدوا وظائفهم، وكذلك زيادة أعداد المقاعد عن طريق إضافة طائرات جديدة، مما يساعد على الحفاظ على استقرار أسعار التذاكر.
ومن جانبها، تطوعت شركة «إير إنديا» باستخدام بعض طائرات شركة «جيت إيروايز» المتوقفة مؤقتاً وتشغيلها على الخطوط الدولية الرئيسية. وتجري شركات طيران أخرى محادثات مع مؤجري الطائرات لاستخدام طائرات شركة «جيت إيروايز».
لقد تسبب تعطيل طائرات شركة «جيت» في حدوث فجوة كبيرة في أعداد المقاعد المتاحة على الرحلات، مما أثر على الأسعار وراحة الركاب وتجربة السفر ذاتها، كما فاقم من المشكلات المالية للمقرضين ومؤجري الطائرات ومقدمي الخدمات الآخرين. وفي السياق ذاته، أرسلت شركة «إير إنديا» إلى بنك الدولة الهندي SBI)) تطالب بالحصول على تصريح للعمل مؤقتاً باستئجار خمس طائرات من طراز «بوينغ 777» مملوكة لشركة «جيت» التي أوقفت طائراتها عن العمل.
وفي خطاب إلى رئيس مجلس إدارة بنك الدولة الهندي راجنيش كومار، قال المدير التنفيذي لشركة «إير إنديا»: «نتطلع إلى معرفة إمكانية عمل خمس من طائرات (B777) المتوقفة على الأرض، التي تديرها حتى الآن (شركة جيت)، لتشغيلها على المسارات الثابتة التالية: مومباي - لندن - مومباي، دلهي - لندن - دلهي، مومباي - دبي - مومباي، دلهي - دبي - دلهي، دلهي - سنغافورة - دلهي».



بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.


«إياتا»: الحرب في الشرق الأوسط تؤثر على تكاليف الوقود وتحركات الشركات

شعار «الاتحاد الدولي للنقل الجوي - إياتا»  (الشرق الأوسط)
شعار «الاتحاد الدولي للنقل الجوي - إياتا» (الشرق الأوسط)
TT

«إياتا»: الحرب في الشرق الأوسط تؤثر على تكاليف الوقود وتحركات الشركات

شعار «الاتحاد الدولي للنقل الجوي - إياتا»  (الشرق الأوسط)
شعار «الاتحاد الدولي للنقل الجوي - إياتا» (الشرق الأوسط)

قال المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) ويلي والش إن تحديد المدى الكامل لتأثير الحرب في الشرق الأوسط على قطاع الطيران لا يزال مستحيلاً دون معرفة مدتها وكثافتها، إلا أن مؤشرات واضحة بدأت تظهر؛ منها ارتفاع تكاليف الوقود وارتفاع أسعار التذاكر نتيجة ضيق السعة التشغيلية وانخفاض هوامش الربح، إضافة إلى إعادة ضبط توزيع السعة، خاصة للرحلات المتجهة من وإلى الشرق الأوسط أو العابرة من خلاله.

وأوضح في بيان، الأربعاء، أن نمو السعة المقرر لشهر مارس (آذار) تراجع إلى 3.3 في المائة بعد أن كانت التوقعات تشير إلى أكثر من 5 في المائة.

وكشف الاتحاد أن إجمالي الطلب على السفر، مقاساً بإيرادات الركاب لكل كيلومتر، ارتفع في فبراير (شباط) 2026 بنسبة 6.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من 2025، بينما زادت السعة الإجمالية بنسبة 5.6 في المائة وبلغ معامل الحمولة 81.4 في المائة، وهو أعلى رقم مسجل لشهر فبراير تاريخياً.

وعلى الصعيد العالمي، ارتفع الطلب بنسبة 5.9 في المائة مع زيادة السعة بنسبة 5.3 في المائة، وبلغ معامل الحمولة 80.5 في المائة. أما الطلب المحلي فارتفع بنسبة 6.3 في المائة وزادت السعة بنسبة 6.2 في المائة، واستقر معامل الحمولة عند 82.8 في المائة.

وتوزعت نتائج النمو الإقليمي وفقاً لتقرير الاتحاد؛ حيث سجلت آسيا والمحيط الهادئ زيادة في الطلب بنسبة 8.6 في المائة وبلغ معامل الحمولة 86.6 في المائة، وأوروبا 5 في المائة مع معامل حمولة 75.6 في المائة، وأميركا الشمالية 5 في المائة مع 80.9 في المائة، والشرق الأوسط 0.9 في المائة مع 79.6 في المائة، وأميركا اللاتينية 13.5 في المائة مع 85.0 في المائة، وأفريقيا 4.8 في المائة مع 74.5 في المائة.

وسجلت أسواق السفر المحلية نمواً قوياً في الإيرادات بنسبة 6.3 في المائة مدفوعة بالطلب في البرازيل والصين، مع ارتفاع السعة بنسبة 6.2 في المائة واستقرار معامل الحمولة عند 82.8 في المائة.


تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر مسحٌ يحظى بمتابعة دقيقة أن اليابان شهدت تحسناً في معنويات الأعمال وارتفاعاً في توقعات التضخم لدى الشركات خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس (آذار) الماضي؛ مما ساعد «البنك المركزي» على تبرير رفع سعر الفائدة في أقرب وقت هذا الشهر.

لكن الشركات تتوقع تدهور الأوضاع في الفترة المقبلة مع ارتفاع تكاليف الوقود نتيجة الحرب الإيرانية؛ مما يُهدد بتقليص هوامش الربح، وفقاً لمسح «تانكان»، الذي يُسلط الضوء على المخاطر المُحدقة بالاقتصاد الهش، التي تُعقّد قرارات «البنك المركزي الياباني» بشأن أسعار الفائدة.

قالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة في شركة «نومورا» للأوراق المالية: «من الواضح أن الشركات قلقة بشأن تداعيات النزاع. ومع ارتفاع أسعار الوقود، فلن يكون أمامها خيار سوى رفع الأسعار».

وأضافت: «تزداد توقعات التضخم لدى الشركات. وبشكل عام، يشير مؤشر (تانكان) إلى تصاعد مخاطر التضخم؛ مما قد يزيد من احتمالية رفع أسعار الفائدة في أبريل (نيسان)» الحالي.

وأظهر المسح، الذي نُشر يوم الأربعاء، تحسن معنويات الشركات المصنعة الكبرى للربع الرابع على التوالي، حيث تجاوز المؤشر الرئيسي توقعات السوق بشكل طفيف ليصل إلى «زائد 17» في مارس الماضي، مرتفعاً من «زائد 16» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ ديسمبر 2021.

وأوضح مسؤول في «بنك اليابان»، خلال إحاطة إعلامية، أن الطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي، وتراجع حالة عدم اليقين بشأن السياسة التجارية الأميركية، قد عوضا الضغط الناتج عن ارتفاع تكاليف المدخلات والنزاع في الشرق الأوسط.

واستقر مؤشر يقيس معنويات الشركات الكبرى غير الصناعية عند «زائد 36»، متجاوزاً متوسط ​​توقعات السوق البالغ «زائد 33»، وذلك بفضل ارتفاع الأرباح نتيجة زيادة الأسعار ونمو السياحة الوافدة.

وقال مارسيل ثيليانت، رئيس قسم آسيا والمحيط الهادئ في شركة الأبحاث «كابيتال إيكونوميكس»: «أظهر استطلاع (تانكان) أن الشركات تتجاوز الصدمة الطاقية الناجمة عن الحرب الإيرانية، وهو ما يُفترض أن يشجع (بنك اليابان) على رفع أسعار الفائدة في اجتماعه هذا الشهر».

وأظهر الاستطلاع أن الشركات الكبرى تتوقع زيادة الإنفاق الرأسمالي بنسبة 3.3 في المائة خلال السنة المالية 2026، مقارنةً بمتوسط ​​توقعات السوق البالغ 3.0 في المائة.

وأُجري الاستطلاع بين 26 فبراير (شباط) و31 مارس الماضيين، حيث استجاب نحو 70 في المائة من الشركات بحلول 12 مارس، أي بعد نحو أسبوعين من الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي.

وأظهر الاستطلاع أن المصنّعين وغير المصنّعين، في مؤشر على استعدادهم لمزيد من تداعيات الصراع، يتوقعون تدهور الأوضاع التجارية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.

وعلى الرغم من أن ضعف الين، وبطء نمو الأجور، قد حسّنا هوامش الربح، فإن أرباح الشركات ومعنوياتها ستتدهور في نهاية المطاف؛ بسبب ضعف الصادرات والطلب المحلي، وفقاً لما ذكره ستيفان أنغريك، رئيس قسم اقتصادات اليابان والأسواق الناشئة في مؤسسة «موديز أناليتكس». وأضاف: «سيشعر (بنك اليابان) بالارتياح من قوة مؤشر (تانكان)، ولكن ما لم يتحسن الاقتصاد بشكل عام، فسيكون من الصعب تبرير رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر حدة».

ازدياد توقعات التضخم

شهدت الأسواق اضطراباً منذ أدت الحرب الإيرانية إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً، وهو ممر حيوي لنحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية؛ مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام.

ووضع هذا الصراع «بنك اليابان» في موقف حرج؛ إذ يدرس رفع تكاليف الاقتراض المنخفضة نسبياً؛ لمواجهة التضخم الذي تجاوز هدفه البالغ اثنين في المائة لنحو 4 سنوات.

وبينما قرروا الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة، فإن صناع السياسة النقدية في «بنك اليابان» ناقشوا في مارس الماضي ازدياد مخاطر التضخم، وهو ما رأى البعض أنه قد يستدعي رفع أسعار الفائدة بشكل تدريجي أو بوتيرة أسرع من المتوقع.

وفي مؤشر على ازدياد توقعات التضخم، فإن الشركات تتوقع أن يصل التضخم إلى 2.6 في المائة خلال عام واحد، وفقاً لبيانات شركة «تانكان»، ارتفاعاً من 2.4 في المائة خلال ديسمبر الماضي. كما تتوقع الشركات أن يصل التضخم إلى 2.5 في المائة خلال 3 سنوات، وكذلك خلال 5 سنوات، وهما أعلى التوقعات المسجلة على الإطلاق، وفق ما أظهره الاستطلاع.

وتأتي هذه النتائج عقب تقرير صادر عن «بنك اليابان» يُظهر كيف أن معدل التضخم الأساسي في اليابان قد يواجه ضغوطاً تصاعدية أكبر من ذي قبل؛ نتيجة ارتفاع أسعار النفط وانخفاض قيمة الين.

وأنهى «بنك اليابان» برنامجَ تحفيزٍ اقتصاديٍ ضخماً استمر عقداً من الزمن في عام 2024، ورفع أسعار الفائدة، بما في ذلك خلال ديسمبر، عندما رفعها إلى أعلى مستوى لها في 30 عاماً عند 0.75 في المائة، انطلاقاً من اعتقاده بأن اليابان تُحرز تقدماً في تحقيق هدفها التضخمي البالغ اثنين في المائة على المدى الطويل. ومع تفاقم الضغوط التضخمية؛ نتيجة ضعف الين، ترى الأسواق احتمالاً بنسبة نحو 70 في المائة لرفع آخر لأسعار الفائدة في أبريل الحالي.