«ربيع السودان» بانتظار الإجابة عن سؤال «الانتقال الديمقراطي»

«تغيير الوجوه» ما زال غير مُرضٍ للمُحتجين

«ربيع السودان» بانتظار الإجابة عن سؤال «الانتقال الديمقراطي»
TT

«ربيع السودان» بانتظار الإجابة عن سؤال «الانتقال الديمقراطي»

«ربيع السودان» بانتظار الإجابة عن سؤال «الانتقال الديمقراطي»

بعد أكثر من أسبوعين على سقوط الرئيس السوداني عمر البشير، يترقب ملايين السودانيين الإجابة عن سؤال كيفية الوصول لانتقال ديمقراطي، يتجنب به عثرات الربيع العربي المشهودة، وكذلك تكرار تجارب الماضي المريرة. فالسودان منذ استقلاله رسمياً عن بريطانيا والانفصال عن مصر، عام 1956، تاريخه حافل بالثورات والانتفاضات التي عادة ما حادت عن تحقيق أهدافها، متحوّلة لانقلاب عسكري.
لقد أطاح الجيش السوداني بالبشير يوم 11 أبريل (نيسان) الجاري، بعدما أمضى ثلاثة عقود في الحكم، في أعقاب احتجاجات شعبية حاشدة استمرت نحو 4 أشهر. وعلى الأثر أُعلن تشكيل مجلس عسكري لإدارة شؤون الدولة لفترة انتقالية، وتعطيل الدستور، وإعلان حالة الطوارئ 3 شهور، وحلّ «المجلس الوطني» ومجالس الولايات ومؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء، وإقالة كثير من القيادات التنفيذية.
إلا أن هذه الإجراءات، ما زالت غير كافية للمعتصمين الذين تزداد أعدادهم قرب مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في العاصمة الخرطوم. فهؤلاء يرفضون مبدئياً تحديد المجلس العسكري «فترة انتقالية لمدة سنتين»، ويطالبون بدلاً من ذلك بسرعة تسليم السلطة للمدنيين، وسط تساؤلات حول الخطوات التي على المجلس اتخاذها لتفكيك كامل لأركان النظام السابق، وأسباب تأخره في ذلك.

تقود قوى «إعلان الحرية والتغيير» في السودان الاحتجاجات الشعبية منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتضم هذه القوى بالأساس «تجمع المهنيين»، وعدداً من الأحزاب والمنظمات المدنية، منها «نداء السودان»، في حين يُتحفظ على مشاركة أحزاب أخرى، التي ينظر إليها البعض على أنها جزء من النظام السابق.
عثمان باونين، رئيس حزب «مؤتمر البجا» المعارض، ورئيس «تحالف الخلاص الوطني القومي» المنضوي ضمن قوى «الحرية والتغيير»، يقول إن «ترحيب المتظاهرين بانحياز الجيش للثورة، ودوره في إسقاط البشير، لا يعني القبول بتسلّمه السلطة... فالشعب السوداني فرح بالانتصار في خطوة، وهي إزاحة رأس النظام؛ لكنه بالطبع لن يقبل بالوضع الراهن».
وتابع باونين في حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن الغالبية لا تمانع في تشكيل مجلس رئاسي يمزج بين الشخصيات المدنية والعسكرية البعيدة عن الانتماء للنظام السابق، لإدارة المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى (حكومة تكنوقراط) حتى إجراء انتخابات».
ثم أضاف: «علينا الاستفادة من التجارب السابقة وحماية الثورة من السرقة، حتى لا ننزلق في منحنى آخر. فالشعب يرى ضرورة تغيير جذري شامل للنظام وأذرعه وسياساته، وليس فقط تغيير الوجوه الرئيسية في المشهد، وهو مطلب يتنافى مع معلومات تشير إلى اتصالات بين المجلس العسكري ورموز النظام السابق من قيادات المؤتمر».

إزاحة «الحركة الإسلامية»
من ناحية أخرى، طرح القيادي السوداني المعارض، مخاوف الشعب السوداني من عودة الحركة الإسلامية للسلطة، مرة أخرى: «من الشباك... بعد طردهم من الباب» على حد وصفه. وأكد: «هناك تخوفٌ حقيقي من أن يسعى النظام إلى تكرار سيناريو عام 1989. وتصعيد مماثل للبشير الذي راوغ لإخفاء حقيقته الإخوانية... وهو سيناريو مرفوض».
واستطرد: «أحد أهداف الثورة حالياً هو تفكيك دولة (الإخوان) العميقة، وعودة ممتلكات وأموال الشعب السوداني التي استولى عليها النظام السابق، ومحاكمة رموزه بشكل كامل، وحل أي ميليشيات عسكرية خارج منظومة القوات المسلحة أو الشرطة، ونزع أسلحتهم وتسريحهم فوراً».
وبشأن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني، قال باونين: «حال تشكيل حكومة وطنية تحظى بتوافق شعبي، فإنها مطالبة بالتأكيد بوضع خطة تنفيذية لعودة النازحين وإعادة توطينهم ومعالجة احتياجاتهم، وتقديم رؤية لإنعاش الاقتصاد، وإيجاد حلول تنفيذية شاملة تعالج التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وتوفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين، وتحسين أوضاعهم المعيشية».

انضمام القضاة
وبدا أن المتظاهرين يكسبون كل يوم أراضي جديدة. فللمرة الأولى انضم إلى الاعتصام يوم الخميس الماضي، قضاة سودانيون، لـ«دعم التغيير، ولسيادة حكم القانون، ومن أجل استقلال القضاء»، على حد تعبيرهم.
وبعد تهديد المتظاهرين بتعليق الحوار، تراجع المجلس العسكري، المؤلف من عشرة ضباط، خطوة مهمة في محاولة منه لتجنب مزيد من التصعيد. واستبق المجلس مظاهرة مليونية دعت إليها قوى الاحتجاج الرئيسية للضغط على المجلس لنقل السلطة إلى إدارة مدنية، يوم الخميس الماضي، بالإعلان عن استقالة ثلاثة من أعضائه، والاتفاق مع «قوى الحرية والتغيير» على تشكيل «لجنة مشتركة لترتيبات الانتقال»، دون مزيد من الإيضاحات.

خطوات تصعيدية
مع هذا، يخشى البعض من أن يواجه السودان «انقلاباً مضاداً» ما لم يتوصل المجلس العسكري والمعارضة إلى اتفاق بشأن تسليم السلطة، إذ يهدد المحتجون في السودان بإعلان إضراب عام، ما لم يتم الاتفاق على تسليم السلطة. وهنا يقول صديق فاروق الشيخ، القيادي في الحراك: «لدينا خطوات تصعيدية... سنسيّر مواكب مليونية»، مضيفاً: «كما أننا نحضر لإضراب شامل».
ومن جهة ثانية، يحذّر الدكتور عصمت محمود، الأستاذ بجامعة الخرطوم، من تعنّت جميع الأطراف، و«تعلية» سقف مطالب المتظاهرين، معلّقاً لـ«الشرق الأوسط» بأن «الوضع في السودان سيئ جداً، والأمور معقدة... نتمنى أن يدرك الجميع ذلك».
وفي حين يواجه القائمون على الحراك الشعبي تهماً من بعض الأوساط بأنهم غير متفقين على مرشحين لتمثيلهم، يقول محمود: «حسابات القوى غير متوافقة حتى الآن، بينما الوضع في السودان لا يتحمل مزيداً من الانزلاق والتشرذم، أو أي اتجاه للفوضى... البنية العامة للسودان لا تتحمّل. نحن في دولة ليست راسخة أمنياً واقتصادياً».
ومن هذا المنطلق يحثّ محمود كلاً من المتظاهرين والمجلس العسكري على «تقديم تنازلات بهدف الوصول إلى حل توافقي»، معيباً على القوى التي تقود الاحتجاجات محاولتهم «إقصاء كثير من القوى». ومن ثم يتابع: «باستثناء حزب (المؤتمر الوطني)، باعتباره الحزب الحاكم لآخر لحظة، من غير المقبول من قوى (الحرية والتغيير) إقصاء الآخرين، فهذه ثورة شعب، وليس لأحد أن يقول: هي لنا وحدنا». ويضيف: «بعضهم يحتكرون القرار، ويحاولون فرض أسماء بعينها واستبعاد البقية».
أيضاً، أكد الدكتور محمود على «ضرورة الوصول إلى توافق بين جميع القوى السياسية على حكومة تكنوقراط، تتكوّن من كفاءات وطنية تتولى الأمر لمدة سنتين، بالتعاون مع المجلس العسكري، بما يحقق أمن البلاد»، مشيراً إلى أن الحديث الآن هو عن 3 مستويات (مجلس سيادي، وحكومة تنفيذية، ومجلس تشريعي).
محمود يعتبر أن «مطلب مناصفة المدنيين للعسكريين في المجلس السيادي الانتقالي، أمر يصعب على تجمّع المهنيين أن يقدم فيه بعض التنازلات»، ويوضح: «يمكن فقط تطعيمه بمدني أو اثنين؛ لكن التقاسم مطلب بعيد المنال». ثم يرى أن «وجود رئيس وزراء مدني يمارس ضغوطاً على المجلس العسكري لتحقيق أهداف الثورة أمر جيّد، ويحقق في النهاية الأهداف الرئيسية».
وحول مطلب المتظاهرين تطهير البلاد من رموز النظام السابق، يعتبر الأكاديمي السوداني أنه «أمر تقوم به الحكومة المدنية، وليس المجلس العسكري. بالطبع ما قام به من إقالات أمر غير كافٍ؛ لكن ليس منوطاً به بالكلية. أولاً يجب وضع إطار قانوني للتطهير... إن تقصير الفترة الانتقالية أفضل حل لمصلحة البلاد تجنباً للفوضى، على أن يحتكم الناس بعدها مباشرة إلى صناديق الاقتراع؛ لكن بعض القوى السياسية ترى أنه ليست لديها جاهزية كافية الآن؛ بل تحتاج إلى مدة أطول... ومن هنا تأتي صعوبة تحقيق التوافق».

تعيين بن عوف... وإبعاده
لقد كان تعيين الفريق عوض بن عوف، وزير الدفاع ونائب الرئيس، على رأس المجلس العسكري الانتقالي عقب عزل البشير، قد أثار غضباً واسع النطاق في صفوف المحتجين، بسبب الصلة الوثيقة التي كانت تربطه بالبشير. لكن بن عوف لم يتحمّل الضغط سوى 24 ساعة، تنحى بعدها عن موقعه. وفي اليوم التالي استقال أيضاً الفريق أول صلاح عبد الله محمد صالح - المعروف باسم صلاح قوش - من منصب مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني. وكان قوش يُعدّ منذ فترة طويلة ثاني أقوى رجل في البلاد بعد البشير، وكان من القيادات الرئيسية التي استهدفها المحتجون.
حالياً، يجلس الفريق عبد الفتاح البرهان، على رأس المجلس العسكري. وكان البرهان ثالث أرفع القيادات في الجيش السوداني، فهو قائد القوات البرية، ويحظى بدعم عربي ودولي واسع.
ومنتصف الأسبوع الماضي، اجتمع قادة في الاتحاد الأفريقي في القاهرة، برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وناقشوا الوضع في السودان، وطالبوا في نهاية القمة المجلس العسكري السوداني بتسليم السلطة للمدنيين، خلال مهلة ثلاثة أشهر، تحت طائلة تعليق عضوية السودان في الاتحاد. وأكد المشاركون في القمة - وهم رؤساء مصر وتشاد وجيبوتي والكونغو ورواندا والصومال وجنوب أفريقيا، فضلاً عن نائب رئيس وزراء إثيوبيا (رئيس «إيجاد»)، ووزراء خارجية كلٍ من أوغندا وكينيا، والسكرتير الدائم لوزارة خارجية نيجيريا، إلى جانب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي - التزامهم بوحدة السودان وسيادته وسلامته وتماسكه وسلامة أراضيه. وأعربوا عن مساندة جهود السودان لتجاوز التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يواجهها.

المواقف العربية
عربياً، أكدت عدة دول، على رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ترحيبها بتعيين الفريق البرهان رئيساً للمجلس العسكري، وأعلنت أنها سترسل مساعدات للشعب السوداني. كذلك أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعم بلاده الكامل لاستقرار السودان. وفي المقابل، صرّح ضابط عسكري سوداني رفيع لوكالة «رويترز» بأن «نفوذ قطر وتركيا اللتين كانت صلات قوية تربطهما بالبشير سيصبح محدوداً».
وحول الجو الإقليمي، يعلق الدكتور محمود، الأستاذ بجامعة الخرطوم بالقول، إن «الدول المحيطة يهمها استقرار السودان، وهناك دعم عربي واضح لاستعادة الأمن واستتباب الأمور... كما أن هناك تفهماً مصرياً قوياً جداً للأوضاع، والأمن المصري بالطبع مرتبط بالأمن السوداني».

صراع أجيال
في هذه الأثناء، يصف الدكتور حامد التجاني، أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأميركية في القاهرة - وهو سوداني الجنسية - الوضع الحالي في السودان بأنه «صراع أجيال»، موضحاً: «هناك جيل جديد من الشباب شعر بأن مستقبله يضيع، في ظل صراع بين القوى القديمة في البلاد، بشكله التقليدي المنقسم إلى شمال وجنوب وشرق وغرب... وهناك نخب استأثرت بالسلطة منذ استقلال السودان، ومارست اضطهاداً على كل أقاليم السودان، واستحوذت على السلطة والثورة». ووفقاً للتجاني، فإن «ظهور جيل من المجتمع الرقمي ارتبط بقضايا العولمة والحرية والديمقراطية، بدأ في الصعود متأثراً بثورات الربيع العربي، وبعدما رأى كيف تقدمت دول أخرى، قرّر أن ينتفض على هذه الحالة البائسة، وعلى نظام ديكتاتوري استبدادي، لم يرَ منه الشعب سوى القتل والدمار وارتكاب مجازر وتشريد الشعب على مدى 30 سنة».
ويضيف الأكاديمي السوداني أن «متتبع الوضع في السودان يرى أن جزءاً (من الشعب) يعيش في الملاجئ ومعسكرات اللجوء، وجزءاً ينزح داخل وطنه، ولذلك انتفض الشعب وتجاوز كل العقد، وتجاوز التقسيمات الإثنية والجهوية، تحت شعار واحد هو الخلاص من الاستبداد لمستقبل مشرق». ويبرّر الدكتور التجاني قلة ثقة المتظاهرين في استمرار المجلس العسكري وإدارته المرحلة الانتقالية، بـ«التراكمات السلبية لوجود العسكر في الحياة السياسية السودانية»، ويوضح أن «السودان، منذ الاستقلال، حكمه العسكر نحو 50 سنة، فما وجد السودان غير الحروب وتقسيماً إثنياً وجغرافياً أدى لانفصال الجنوب... الكل متفق أنه لكي نبدأ الانتقال فلا بد من التحول إلى حياة مدنية بنظام مدني يحكم السودان، وأن تدير العملية السياسية عناصر كفاءات، ويقتصر دور الجيش على حفظ الأمن فقط».
ويتابع الأستاذ بالجامعة الأميركية: «لا يمكن أن يكون (الجيش) هو الجسم السيادي الذي يرأس، وعليه فلا بد من تقليص حجم وجود الجيش في الحياة السياسية، وأن يكون للمجتمع المدني قيادة، بما يحقق مولد سودان جديد بمفاهيم الديمقراطية، بعيداً عن الاستبداد الذي أضاع السودان»، مختتماً: «أعتقد أن الانتقال وفق هذا التصوّر سيكون صعباً وعصيباً».

مصير البشير
عقب عزل البشير، أعلن الجيش السوداني أن الرئيس السابق قيد الإقامة الجبرية. ولكن مع تواصل الضغوط الشعبية التي تطالب بمحاكمته، قرّر المجلس العسكري ترحيل البشير من «بيت الضيافة في القيادة العامة للجيش»، إلى زنزانة انفرادية داخل سجن كوبر بالخرطوم، محاطاً بإجراءات أمنية مشددة. كذلك ذكر المجلس العسكري أنه «لن يسلّمه؛ لكنه قد يحاكمه في السودان، في ظل اتهامات بقيامه بغسل أموال، وحيازة مبالغ ضخمة من العملات الأجنبية دون سند قانوني».
هذا، وكشفت مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط» عن أن «صحة البشير متدهورة على الصعيد النفسي، إذ أصيب بصدمة، وشعر ببعض الخيانة من المقرّبين منه». بيد أن مصادر إعلامية أشارت إلى «تحسن حالته خلال اليومين الماضيين، وانتظامه في تناول الوجبات بصورة طبيعية».
وللعلم، بالإضافة للبشير، أودع المجلس الانتقالي في سجن كوبر أيضاً عدداً من رموز النظام السابق ومسؤولي حزب «المؤتمر الوطني»، من بينهم زوج شقيقة البشير، وكل من النائب الأسبق حسبو محمد عبد الرحمن، والنائب السابق محمد عثمان كبر، وكذلك شقيقا الرئيس البشير عبد الله والعباس، ورجل الأعمال عبد الباسط حمزة، ووزير الصحة السابق مأمون حميدة، فضلاً عن قيادات أخرى.



«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».