«ربيع السودان» بانتظار الإجابة عن سؤال «الانتقال الديمقراطي»

«تغيير الوجوه» ما زال غير مُرضٍ للمُحتجين

«ربيع السودان» بانتظار الإجابة عن سؤال «الانتقال الديمقراطي»
TT

«ربيع السودان» بانتظار الإجابة عن سؤال «الانتقال الديمقراطي»

«ربيع السودان» بانتظار الإجابة عن سؤال «الانتقال الديمقراطي»

بعد أكثر من أسبوعين على سقوط الرئيس السوداني عمر البشير، يترقب ملايين السودانيين الإجابة عن سؤال كيفية الوصول لانتقال ديمقراطي، يتجنب به عثرات الربيع العربي المشهودة، وكذلك تكرار تجارب الماضي المريرة. فالسودان منذ استقلاله رسمياً عن بريطانيا والانفصال عن مصر، عام 1956، تاريخه حافل بالثورات والانتفاضات التي عادة ما حادت عن تحقيق أهدافها، متحوّلة لانقلاب عسكري.
لقد أطاح الجيش السوداني بالبشير يوم 11 أبريل (نيسان) الجاري، بعدما أمضى ثلاثة عقود في الحكم، في أعقاب احتجاجات شعبية حاشدة استمرت نحو 4 أشهر. وعلى الأثر أُعلن تشكيل مجلس عسكري لإدارة شؤون الدولة لفترة انتقالية، وتعطيل الدستور، وإعلان حالة الطوارئ 3 شهور، وحلّ «المجلس الوطني» ومجالس الولايات ومؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء، وإقالة كثير من القيادات التنفيذية.
إلا أن هذه الإجراءات، ما زالت غير كافية للمعتصمين الذين تزداد أعدادهم قرب مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في العاصمة الخرطوم. فهؤلاء يرفضون مبدئياً تحديد المجلس العسكري «فترة انتقالية لمدة سنتين»، ويطالبون بدلاً من ذلك بسرعة تسليم السلطة للمدنيين، وسط تساؤلات حول الخطوات التي على المجلس اتخاذها لتفكيك كامل لأركان النظام السابق، وأسباب تأخره في ذلك.

تقود قوى «إعلان الحرية والتغيير» في السودان الاحتجاجات الشعبية منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتضم هذه القوى بالأساس «تجمع المهنيين»، وعدداً من الأحزاب والمنظمات المدنية، منها «نداء السودان»، في حين يُتحفظ على مشاركة أحزاب أخرى، التي ينظر إليها البعض على أنها جزء من النظام السابق.
عثمان باونين، رئيس حزب «مؤتمر البجا» المعارض، ورئيس «تحالف الخلاص الوطني القومي» المنضوي ضمن قوى «الحرية والتغيير»، يقول إن «ترحيب المتظاهرين بانحياز الجيش للثورة، ودوره في إسقاط البشير، لا يعني القبول بتسلّمه السلطة... فالشعب السوداني فرح بالانتصار في خطوة، وهي إزاحة رأس النظام؛ لكنه بالطبع لن يقبل بالوضع الراهن».
وتابع باونين في حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن الغالبية لا تمانع في تشكيل مجلس رئاسي يمزج بين الشخصيات المدنية والعسكرية البعيدة عن الانتماء للنظام السابق، لإدارة المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى (حكومة تكنوقراط) حتى إجراء انتخابات».
ثم أضاف: «علينا الاستفادة من التجارب السابقة وحماية الثورة من السرقة، حتى لا ننزلق في منحنى آخر. فالشعب يرى ضرورة تغيير جذري شامل للنظام وأذرعه وسياساته، وليس فقط تغيير الوجوه الرئيسية في المشهد، وهو مطلب يتنافى مع معلومات تشير إلى اتصالات بين المجلس العسكري ورموز النظام السابق من قيادات المؤتمر».

إزاحة «الحركة الإسلامية»
من ناحية أخرى، طرح القيادي السوداني المعارض، مخاوف الشعب السوداني من عودة الحركة الإسلامية للسلطة، مرة أخرى: «من الشباك... بعد طردهم من الباب» على حد وصفه. وأكد: «هناك تخوفٌ حقيقي من أن يسعى النظام إلى تكرار سيناريو عام 1989. وتصعيد مماثل للبشير الذي راوغ لإخفاء حقيقته الإخوانية... وهو سيناريو مرفوض».
واستطرد: «أحد أهداف الثورة حالياً هو تفكيك دولة (الإخوان) العميقة، وعودة ممتلكات وأموال الشعب السوداني التي استولى عليها النظام السابق، ومحاكمة رموزه بشكل كامل، وحل أي ميليشيات عسكرية خارج منظومة القوات المسلحة أو الشرطة، ونزع أسلحتهم وتسريحهم فوراً».
وبشأن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني، قال باونين: «حال تشكيل حكومة وطنية تحظى بتوافق شعبي، فإنها مطالبة بالتأكيد بوضع خطة تنفيذية لعودة النازحين وإعادة توطينهم ومعالجة احتياجاتهم، وتقديم رؤية لإنعاش الاقتصاد، وإيجاد حلول تنفيذية شاملة تعالج التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وتوفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين، وتحسين أوضاعهم المعيشية».

انضمام القضاة
وبدا أن المتظاهرين يكسبون كل يوم أراضي جديدة. فللمرة الأولى انضم إلى الاعتصام يوم الخميس الماضي، قضاة سودانيون، لـ«دعم التغيير، ولسيادة حكم القانون، ومن أجل استقلال القضاء»، على حد تعبيرهم.
وبعد تهديد المتظاهرين بتعليق الحوار، تراجع المجلس العسكري، المؤلف من عشرة ضباط، خطوة مهمة في محاولة منه لتجنب مزيد من التصعيد. واستبق المجلس مظاهرة مليونية دعت إليها قوى الاحتجاج الرئيسية للضغط على المجلس لنقل السلطة إلى إدارة مدنية، يوم الخميس الماضي، بالإعلان عن استقالة ثلاثة من أعضائه، والاتفاق مع «قوى الحرية والتغيير» على تشكيل «لجنة مشتركة لترتيبات الانتقال»، دون مزيد من الإيضاحات.

خطوات تصعيدية
مع هذا، يخشى البعض من أن يواجه السودان «انقلاباً مضاداً» ما لم يتوصل المجلس العسكري والمعارضة إلى اتفاق بشأن تسليم السلطة، إذ يهدد المحتجون في السودان بإعلان إضراب عام، ما لم يتم الاتفاق على تسليم السلطة. وهنا يقول صديق فاروق الشيخ، القيادي في الحراك: «لدينا خطوات تصعيدية... سنسيّر مواكب مليونية»، مضيفاً: «كما أننا نحضر لإضراب شامل».
ومن جهة ثانية، يحذّر الدكتور عصمت محمود، الأستاذ بجامعة الخرطوم، من تعنّت جميع الأطراف، و«تعلية» سقف مطالب المتظاهرين، معلّقاً لـ«الشرق الأوسط» بأن «الوضع في السودان سيئ جداً، والأمور معقدة... نتمنى أن يدرك الجميع ذلك».
وفي حين يواجه القائمون على الحراك الشعبي تهماً من بعض الأوساط بأنهم غير متفقين على مرشحين لتمثيلهم، يقول محمود: «حسابات القوى غير متوافقة حتى الآن، بينما الوضع في السودان لا يتحمل مزيداً من الانزلاق والتشرذم، أو أي اتجاه للفوضى... البنية العامة للسودان لا تتحمّل. نحن في دولة ليست راسخة أمنياً واقتصادياً».
ومن هذا المنطلق يحثّ محمود كلاً من المتظاهرين والمجلس العسكري على «تقديم تنازلات بهدف الوصول إلى حل توافقي»، معيباً على القوى التي تقود الاحتجاجات محاولتهم «إقصاء كثير من القوى». ومن ثم يتابع: «باستثناء حزب (المؤتمر الوطني)، باعتباره الحزب الحاكم لآخر لحظة، من غير المقبول من قوى (الحرية والتغيير) إقصاء الآخرين، فهذه ثورة شعب، وليس لأحد أن يقول: هي لنا وحدنا». ويضيف: «بعضهم يحتكرون القرار، ويحاولون فرض أسماء بعينها واستبعاد البقية».
أيضاً، أكد الدكتور محمود على «ضرورة الوصول إلى توافق بين جميع القوى السياسية على حكومة تكنوقراط، تتكوّن من كفاءات وطنية تتولى الأمر لمدة سنتين، بالتعاون مع المجلس العسكري، بما يحقق أمن البلاد»، مشيراً إلى أن الحديث الآن هو عن 3 مستويات (مجلس سيادي، وحكومة تنفيذية، ومجلس تشريعي).
محمود يعتبر أن «مطلب مناصفة المدنيين للعسكريين في المجلس السيادي الانتقالي، أمر يصعب على تجمّع المهنيين أن يقدم فيه بعض التنازلات»، ويوضح: «يمكن فقط تطعيمه بمدني أو اثنين؛ لكن التقاسم مطلب بعيد المنال». ثم يرى أن «وجود رئيس وزراء مدني يمارس ضغوطاً على المجلس العسكري لتحقيق أهداف الثورة أمر جيّد، ويحقق في النهاية الأهداف الرئيسية».
وحول مطلب المتظاهرين تطهير البلاد من رموز النظام السابق، يعتبر الأكاديمي السوداني أنه «أمر تقوم به الحكومة المدنية، وليس المجلس العسكري. بالطبع ما قام به من إقالات أمر غير كافٍ؛ لكن ليس منوطاً به بالكلية. أولاً يجب وضع إطار قانوني للتطهير... إن تقصير الفترة الانتقالية أفضل حل لمصلحة البلاد تجنباً للفوضى، على أن يحتكم الناس بعدها مباشرة إلى صناديق الاقتراع؛ لكن بعض القوى السياسية ترى أنه ليست لديها جاهزية كافية الآن؛ بل تحتاج إلى مدة أطول... ومن هنا تأتي صعوبة تحقيق التوافق».

تعيين بن عوف... وإبعاده
لقد كان تعيين الفريق عوض بن عوف، وزير الدفاع ونائب الرئيس، على رأس المجلس العسكري الانتقالي عقب عزل البشير، قد أثار غضباً واسع النطاق في صفوف المحتجين، بسبب الصلة الوثيقة التي كانت تربطه بالبشير. لكن بن عوف لم يتحمّل الضغط سوى 24 ساعة، تنحى بعدها عن موقعه. وفي اليوم التالي استقال أيضاً الفريق أول صلاح عبد الله محمد صالح - المعروف باسم صلاح قوش - من منصب مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني. وكان قوش يُعدّ منذ فترة طويلة ثاني أقوى رجل في البلاد بعد البشير، وكان من القيادات الرئيسية التي استهدفها المحتجون.
حالياً، يجلس الفريق عبد الفتاح البرهان، على رأس المجلس العسكري. وكان البرهان ثالث أرفع القيادات في الجيش السوداني، فهو قائد القوات البرية، ويحظى بدعم عربي ودولي واسع.
ومنتصف الأسبوع الماضي، اجتمع قادة في الاتحاد الأفريقي في القاهرة، برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وناقشوا الوضع في السودان، وطالبوا في نهاية القمة المجلس العسكري السوداني بتسليم السلطة للمدنيين، خلال مهلة ثلاثة أشهر، تحت طائلة تعليق عضوية السودان في الاتحاد. وأكد المشاركون في القمة - وهم رؤساء مصر وتشاد وجيبوتي والكونغو ورواندا والصومال وجنوب أفريقيا، فضلاً عن نائب رئيس وزراء إثيوبيا (رئيس «إيجاد»)، ووزراء خارجية كلٍ من أوغندا وكينيا، والسكرتير الدائم لوزارة خارجية نيجيريا، إلى جانب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي - التزامهم بوحدة السودان وسيادته وسلامته وتماسكه وسلامة أراضيه. وأعربوا عن مساندة جهود السودان لتجاوز التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يواجهها.

المواقف العربية
عربياً، أكدت عدة دول، على رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ترحيبها بتعيين الفريق البرهان رئيساً للمجلس العسكري، وأعلنت أنها سترسل مساعدات للشعب السوداني. كذلك أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعم بلاده الكامل لاستقرار السودان. وفي المقابل، صرّح ضابط عسكري سوداني رفيع لوكالة «رويترز» بأن «نفوذ قطر وتركيا اللتين كانت صلات قوية تربطهما بالبشير سيصبح محدوداً».
وحول الجو الإقليمي، يعلق الدكتور محمود، الأستاذ بجامعة الخرطوم بالقول، إن «الدول المحيطة يهمها استقرار السودان، وهناك دعم عربي واضح لاستعادة الأمن واستتباب الأمور... كما أن هناك تفهماً مصرياً قوياً جداً للأوضاع، والأمن المصري بالطبع مرتبط بالأمن السوداني».

صراع أجيال
في هذه الأثناء، يصف الدكتور حامد التجاني، أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأميركية في القاهرة - وهو سوداني الجنسية - الوضع الحالي في السودان بأنه «صراع أجيال»، موضحاً: «هناك جيل جديد من الشباب شعر بأن مستقبله يضيع، في ظل صراع بين القوى القديمة في البلاد، بشكله التقليدي المنقسم إلى شمال وجنوب وشرق وغرب... وهناك نخب استأثرت بالسلطة منذ استقلال السودان، ومارست اضطهاداً على كل أقاليم السودان، واستحوذت على السلطة والثورة». ووفقاً للتجاني، فإن «ظهور جيل من المجتمع الرقمي ارتبط بقضايا العولمة والحرية والديمقراطية، بدأ في الصعود متأثراً بثورات الربيع العربي، وبعدما رأى كيف تقدمت دول أخرى، قرّر أن ينتفض على هذه الحالة البائسة، وعلى نظام ديكتاتوري استبدادي، لم يرَ منه الشعب سوى القتل والدمار وارتكاب مجازر وتشريد الشعب على مدى 30 سنة».
ويضيف الأكاديمي السوداني أن «متتبع الوضع في السودان يرى أن جزءاً (من الشعب) يعيش في الملاجئ ومعسكرات اللجوء، وجزءاً ينزح داخل وطنه، ولذلك انتفض الشعب وتجاوز كل العقد، وتجاوز التقسيمات الإثنية والجهوية، تحت شعار واحد هو الخلاص من الاستبداد لمستقبل مشرق». ويبرّر الدكتور التجاني قلة ثقة المتظاهرين في استمرار المجلس العسكري وإدارته المرحلة الانتقالية، بـ«التراكمات السلبية لوجود العسكر في الحياة السياسية السودانية»، ويوضح أن «السودان، منذ الاستقلال، حكمه العسكر نحو 50 سنة، فما وجد السودان غير الحروب وتقسيماً إثنياً وجغرافياً أدى لانفصال الجنوب... الكل متفق أنه لكي نبدأ الانتقال فلا بد من التحول إلى حياة مدنية بنظام مدني يحكم السودان، وأن تدير العملية السياسية عناصر كفاءات، ويقتصر دور الجيش على حفظ الأمن فقط».
ويتابع الأستاذ بالجامعة الأميركية: «لا يمكن أن يكون (الجيش) هو الجسم السيادي الذي يرأس، وعليه فلا بد من تقليص حجم وجود الجيش في الحياة السياسية، وأن يكون للمجتمع المدني قيادة، بما يحقق مولد سودان جديد بمفاهيم الديمقراطية، بعيداً عن الاستبداد الذي أضاع السودان»، مختتماً: «أعتقد أن الانتقال وفق هذا التصوّر سيكون صعباً وعصيباً».

مصير البشير
عقب عزل البشير، أعلن الجيش السوداني أن الرئيس السابق قيد الإقامة الجبرية. ولكن مع تواصل الضغوط الشعبية التي تطالب بمحاكمته، قرّر المجلس العسكري ترحيل البشير من «بيت الضيافة في القيادة العامة للجيش»، إلى زنزانة انفرادية داخل سجن كوبر بالخرطوم، محاطاً بإجراءات أمنية مشددة. كذلك ذكر المجلس العسكري أنه «لن يسلّمه؛ لكنه قد يحاكمه في السودان، في ظل اتهامات بقيامه بغسل أموال، وحيازة مبالغ ضخمة من العملات الأجنبية دون سند قانوني».
هذا، وكشفت مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط» عن أن «صحة البشير متدهورة على الصعيد النفسي، إذ أصيب بصدمة، وشعر ببعض الخيانة من المقرّبين منه». بيد أن مصادر إعلامية أشارت إلى «تحسن حالته خلال اليومين الماضيين، وانتظامه في تناول الوجبات بصورة طبيعية».
وللعلم، بالإضافة للبشير، أودع المجلس الانتقالي في سجن كوبر أيضاً عدداً من رموز النظام السابق ومسؤولي حزب «المؤتمر الوطني»، من بينهم زوج شقيقة البشير، وكل من النائب الأسبق حسبو محمد عبد الرحمن، والنائب السابق محمد عثمان كبر، وكذلك شقيقا الرئيس البشير عبد الله والعباس، ورجل الأعمال عبد الباسط حمزة، ووزير الصحة السابق مأمون حميدة، فضلاً عن قيادات أخرى.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.