«داعش» تجد موطئ قدم لها في شرق الكونغو

أموال نقلت عبر وسيط كيني لدعم المسلحين في الدولة الأفريقية

جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من تنزانيا يبحثون عن متمردي القوات الديمقراطية المتحالفة في الكونغو العام الماضي (غيتي)
جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من تنزانيا يبحثون عن متمردي القوات الديمقراطية المتحالفة في الكونغو العام الماضي (غيتي)
TT

«داعش» تجد موطئ قدم لها في شرق الكونغو

جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من تنزانيا يبحثون عن متمردي القوات الديمقراطية المتحالفة في الكونغو العام الماضي (غيتي)
جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من تنزانيا يبحثون عن متمردي القوات الديمقراطية المتحالفة في الكونغو العام الماضي (غيتي)

عثرت القوات الكونغولية منذ أكثر من عام على كتاب باللغة العربية فوق جثة أحد المقاتلين، ذلك الكتاب صادر عن «إدارة الأبحاث والدراسات» التابع لتنظيم «داعش» الإرهابي قبل أن يتفكك التنظيم في سوريا والعراق. كان الهدف من إنشاء هذه الإدارة الدفاع عن عقيدة التنظيم الوحشية والترويج لها عالمياً. وكان الكشف عن هذا الكتاب في ربيع عام 2018 بمثابة دليل يضاف إلى غيره من البراهين على أن تنظيم «داعش» الإرهابي سعى للوجود في غابات شرق الكونغو البعيدة عن نفوذ الدولة.
الخميس الماضي، أعلنت وكالة أنباء تتبع تنظيم «داعش» عن شن أول هجوم لها في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وقالت إن مقاتليها هاجموا ثكنات عسكرية بمنطقة «بيني» وقتلوا ثمانية جنود.
جرى الاعتداء بمنطقة لطالما شهدت أحداث عنف لوقوعها خارج نطاق سيطرة الحكومة الكونغولية نظرها لتضاريسها الجغرافية، مما أوجد بيئة خصبة لوجود مقاتلي «داعش». وفي حال نجح التنظيم في رفع علمه بتلك المنطقة، فإنه لن يكتفي ببسط نفوذه في جزء جديد من القارة، بل سيتمدد بعيداً عن قبضة القوات الدولية.
وكشف مسؤولون كونغوليون أن اعتداءً وقع قبل ذلك بأيام استهدف قوة أقل حجماً نفذته عناصر تابعة لـ«تحالف القوات الديمقراطية» المتمردة - ظهرت أولاً في أوغندا القريبة - المتهمة بقتل المئات خلال الثلاث سنوات الماضية.
ورغم أن «تحالف القوات الديمقراطية» ظهر في المنطقة كجماعة متمردة منذ نحو عشر سنوات، فإن الوثائق التي تحصلت عليها «مجموعة الكونغو البحثية» - مؤسسة غير ربحية يديرها باحث بارز - كشفت أن المسلحين لا يعتنقون عقيدة الجهاد المسلح فحسب، بل يتلقون دعماً مادياً من تنظيم «داعش» الإرهابي.
وأفاد لارين بول، مؤسس مشارك بـ«مجموعة الكونغو البحثية»، بأن المقابلات التي جرت مع منشقين عن «تحالف القوات الديمقراطية» أظهرت أن المتمردين تلقوا تحويلات مالية من شخص كيني يدعى وليد أحمد زين يتولى تنسيق التحويلات المالية صنفته وزارة الخزانة الأميركية على أنه وسيط مالي لتنظيم «داعش».
وفي هذا الصدد، قال بول: «استطعنا تعقب الأموال حتى وصولها إلى الحسابات المصرفية وتوصلنا إلى الحوالات التي تظهر حركة الأموال من بريطانيا إلى جنوب أفريقيا ثم سوريا من خلال زين ثم أوغندا، ومنه إلى يد تحالف القوات الديمقراطية الأوغندية»، مضيفاً أن «العلاقة بين تلك الجهات كانت معقدة».
وصرح الرائد كارل ويست، المتحدث باسم القوات الأميركية في أفريقيا، بأن الجماعة المتمردة في الكونغو «على صلة وثيقة بتنظيم (داعش)». ومن ضمن الدلائل على وجود تلك الصلة بث 35 مقطعاً مصوراً قام به أحد عناصر «تحالف القوات الديمقراطية» عبر الإنترنت بدءاً من عام 2016.
استطرد بول بقوله إن المقاطع المصورة تظهر علم «داعش»، وذكر المنشقون بأن العلم يرفع في المعسكرات التي يديرها المقاتلون شرق الكونغو. ويظهر أحد المقاطع رجلاً يبين أن الجماعة تعتزم تأسيس فرع لـ«داعش» في الكونغو ودعوة غيرها إلى الانضمام إليه.
أضاف بول، أن الرسالة بدا وكأنها قد آتت ثمارها وراقت للمتطرفين في المنطقة والذين لم يكن بإمكانهم شراء تذكرة طائرة للسفر إلى منطقة الشرق الأوسط، وكان البديل هو الكونغو مقابل تذكرة حافلة بقيمة 20 دولاراً أميركياً.
«العام الماضي استجوبنا عناصر من جنوب أفريقيا، وتنزانيا، وكينيا، ورواندا، وبورندي، وبريطاني، وسوداني جنوبي، وهو ما شكل مصدر قلق كبيراً في منطقة معروفة بالعنف».
ورغم أن الأدلة تشير إلى صلة وثيقة بتنظيم داعش، فإن ذلك لا يعني أن التنظيم الإرهابي العالمي قد أوجد فرعا له في الكونغو، إذ لا يزال مدى الصلة وقوتها بين «تحالف القوات الديمقراطية» و«داعش» غير واضحة المعالم وما إذا كانت تلك الجماعة تغازل جماعات إرهابية أخرى مثل «القاعدة»، وإن كانت الدلائل تشير إلى وجود تلك الصلة بالفعل.
في العديد من المناطق التي نجح فيها تنظيم داعش في إيجاد فروع له - بدءاً من الساحل الليبي إلى صحراء سيناء المصرية وصولاً إلى المنازل الآمنة في بنغلاديش، فقد بدا أن التنظيم قد نجح في ضمان مكان له بين الجماعات المسلحة الموجودة هناك بالفعل.
وفي السياق ذاته، قال بول إن «(داعش) قد اختار جماعة في الكونغو عرفت بارتكابها فظائع ضد المدنيين لفترة من الزمن».
ومن بين الدلائل التي تشير إلى وجود صلة بين تنظيم «داعش» بشرق الكونغو تلك المزاعم بأن الاعتداء الأخير قد جرى تحت راية «ولاية وسط أفريقيا». وبحسب أدبيات «داعش» فإن الإمبراطورية الدينية التي تدعو لها تحت اسم «دولة الخلافة» تتكون من 35 ولاية أو منطقة، 16 ولاية منها خارج العراق وسوريا.
ورغم أن الاعتداء الأخير هو الأول الذي تعلن الجماعة الإرهابية مسؤوليتها عنه في هذه المنطقة، فإنها ليست المرة الأولى التي يرد فيها ذكر اسم هذه المنطقة بشرق الكونغو. ففي أحد التسجيلات الصوتية التي بثت عام 2018. أشار زعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي بطريقة عابرة إلى منطقة وسط أفريقيا، مما يعني أن تلك المنطقة من العالم تشغل ذهن التنظيم الإرهابي منذ العام الماضي.
يأتي العثور على ذلك الكتاب الصادر عن التنظيم بغرض الترويج لعقيدة التنظيم في تلك المنطقة من العالم ليضيف إلى الأدلة العديدة الأخرى. ومن الجدير بالذكر أن فريقاً من مراسلي صحيفة «تايمز» البريطانية كان قد عثر على نسخة من نفس الكتاب بمدينة الموصل العراقية، تحديداً في مبنى كان محتلاً من قبل عدد من مسلحي «داعش» الانتحاريين.
وبحسب كول بونزيل، الباحث في القانون والحضارة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة ييل، الأميركية، صدرت أول نسخة من الكتاب عام 2014 لتعرض أسلوب إدارة «داعش»، فيما بدا دليلاً إرشادياً للساعين إلى تأسيس مناطق جديدة تحت راية «داعش».
وفي السياق ذاته، قال كاليب ويس، باحث سياسي كتب عن توسع تنظيم «داعش» ووصوله إلى الكونغو بمجلة «لونغ وور جورنال» الصادرة عن مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطية» الأميركية، «لا ندري إذا ما كانت الجماعة المتمردة بشرق الكونغو هي من طبعت الكتاب أم أنه أُحضر إلى هناك مروراً بعدة دول».


مقالات ذات صلة

سوريا: مقتل عنصر أمني في هجوم لـ«داعش» على حاجز بمدينة الرقة

العالم العربي قوة تابعة للسلطات السورية بمحافظة الرقة (أ.ب)

سوريا: مقتل عنصر أمني في هجوم لـ«داعش» على حاجز بمدينة الرقة

قُتل عنصرٌ من الأمن الداخلي في سوريا وأصيب آخر بهجوم مسلح نفذه تنظيم «داعش» على حاجز السباهية في المدخل الغربي لمدينة الرقة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لـ«داعش».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
تحليل إخباري روكسان محمد 37 عاماً (يسار) المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة تنتظر برفقة مقاتلات من قوات الأمن الداخلي حاملةً رشاشها بالقرب من مطار القامشلي في 8 فبراير (أ.ف.ب)

تحليل إخباري حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي تلاشى بعد الاتفاق مع الشرع

في قاعدة عسكرية في شمال سوريا، تروي روكسان محمّد ورشاشها على كتفها كيف قاتلت تنظيم «داعش» في صفوف «وحدات حماية المرأة الكردية» التابعة لقوات «قسد»

«الشرق الأوسط» ( الحسكة (سوريا))
المشرق العربي عنصران من الشرطة في سوريا (الشرق الأوسط)

مقتل عنصر أمن وإصابة آخر في هجوم لتنظيم «داعش» بشرق سوريا

أعلن تنظيم «داعش» اليوم الخميس مسؤوليته عن هجوم أسفر عن مقتل عنصر أمن في الحكومة السورية ​وإصابة آخر في شرق سوريا، في تصعيد لهجمات التنظيم ضد القيادة

«الشرق الأوسط» (دمشق)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended