قوى التغيير السودانية تلوح بعصيان مدني شامل للمطالبة بحكم مدني

القضاة على خط الاحتجاجات... والقائم بالأعمال الأميركي يقترح مرحلة انتقالية بين 12 إلى 18 شهراً

قادة «تحالف الحرية والتغيير» خلال مؤتمر صحافي عقدوه أمس (إ.ب.أ)
قادة «تحالف الحرية والتغيير» خلال مؤتمر صحافي عقدوه أمس (إ.ب.أ)
TT

قوى التغيير السودانية تلوح بعصيان مدني شامل للمطالبة بحكم مدني

قادة «تحالف الحرية والتغيير» خلال مؤتمر صحافي عقدوه أمس (إ.ب.أ)
قادة «تحالف الحرية والتغيير» خلال مؤتمر صحافي عقدوه أمس (إ.ب.أ)

توعد تحالف «قوى الحرية والتغيير» السوداني المعارض، بخطوات تصعيدية، وتسيير مسيرات مليونية اعتبارا من اليوم، تتصاعد لتبلغ مرحلة العصيان المدني الشامل: «حال استمر تعنت المجلس العسكري الانتقالي»، ورفضت قبول توصية الاتحاد الأفريقي بإمهال المجلس العسكري الانتقالي ثلاثة أشهر لتسليم السلطة للمدنيين. ودخل القضاة في السودان لأول مرة على خط الاحتجاجات بإعلان انضمامهم للمعتصمين أمام مقر الجيش.
وفي مؤتمر صحافي عقد أمس، أقر قادة تحالف قوى التغيير، أن اللجنة السياسية التابعة للمجلس العسكري الانتقالي، باتت عقبة أمام التغيير، وأداة من أدوات الالتفاف على الثورة، وتوعدوا بتسيير مسيرات مليونية، وتنظيم عصيان مدني شامل لممارسة المزيد من الضغوط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.
وأعلنوا رفضهم لما سمي الوصاية على الشعب، وتوصية الاتحاد الأفريقي الموضوعة أمام مجلس السلم والأمن الأفريقي، بإمهال المجلس العسكري ثلاثة أشهر لتسليم السلطة لحكومة مدنية، بعد أن كان قد هدد في وقت سابق بإمهاله 15 يوماً، يعلق بعدها عضويته في الاتحاد.
وجددت قوى الحرية والتغيير تمسكها بقرارها الخاص بتعليق التفاوض مع المجلس العسكري، لعدم جديته في التعامل معها باعتبارها ممثلاً للثورة والجماهير، لكنها عادت وأعلنت في وقت سابق موافقتها على الحوار، وتم عقد اجتماع ليلة أمس، مع قادة المجلس العسكري.
وقطع عضو الحرية والتغيير الفاتح حسين محمد علي، بأن التحالف المعارض لا يرغب في التعامل مع اللجنة السياسية مستقبلا، وأن الاجتماع السابق معها لم يكن «مثمراً»، وأنه أصدر قرار تعليق الحوار بقصد إصلاح الأوضاع.
وشدد الفاتح على أهمية: «تسليم السلطة للمدنيين وتحقيق مزاعم المجلس بزهده في السلطة وعزمه على نقلها للمدنيين، والاعتراف بقوى التغيير ممثلا للثوار، وتملك الحق في تشكيل السلطة خلال الفترة الانتقالية».
وقال رئيس حزب المؤتمر السوداني، عضو قوى إعلان الحرية والتغيير عمر الدقير، إنهم يؤكدون على وحدة قوى التغيير، بما فيها القوات المسلحة، ونفى المزاعم بأن المعارضة دعت الجيش لتسليم السلطة، بل دعته للانحياز للشعب.
وأوضح صديق فاروق الشيخ، وهو أحد قادة «الحرية والتغيير» للصحافيين، أن قوى الحرية والتغيير متفقة على الحد الأدنى في ترتيبات الفترة الانتقالية، دون أن يمنع ذلك أن تكون لها رؤاها الخاصة كقوى اجتماعية. ودعا تحالف «إعلان قوى الحرية والتغيير» إلى ما أطلق عليه موكب «مليونية السلطة المدنية»، الذي ينتظر تتحرك مجموعاته لتلتئم أمام القيادة العامة للجيش صباح اليوم.
وردا على سؤال عن الخطوات التي سيتخذها قادة الاحتجاجات في حال لم يسلم المجلس العسكري السلطة لإدارة مدنية، قال صديق فاروق الشيخ: «لدينا خطوات تصعيدية. سنسيّر مواكب مليونية كما أننا نحضر لإضراب شامل». من ناحيته ذكر أحمد الربيع القيادي البارز في التجمع «نحن ندعو إلى مسيرة مليونية الخميس».
وبعيد المؤتمر الصحافي بقليل، وجه المجلس العسكري الانتقالي، الدعوة لقوى «إعلان الحرية والتغيير» إلى اجتماع عاجل في القصر الجمهوري، على الرغم من إعلانها تعليق التفاوض معه.
وبحسب بيان صادر عن الإعلام العسكري، فإن «أبواب التواصل مفتوحة لبحث رؤية قوى الحرية والتغيير التي قدمتها إلى المجلس»، وتعهد المجلس بالسعي لتحقيق طموحات الشعب والشباب وتحقيق مطالب الثورة.
وعلقت قوى الحرية والتغيير، وهي القوة الرئيسية التي تولت قيادة وتنظيم الاحتجاجات التي أدت لإطاحة الرئيس السابق عمر البشير، الحوار مع المجلس العسكري، بسبب دعوته لقوى سياسية كانت ضمن حكومة المنحلة حتى سقوطها.
من جهة أخرى، أعلن قضاة السودان انضمامهم للمعتصمين أمام مقر الجيش، وبحسب بيان فإن القضاة سيتوجهون في موكب ينطلق من أمام المحكمة الدستورية عصر اليوم، إلى القيادة العامة لدعم عملية التغيير لسيادة حكم القانون واستقلال القضاء.
وتواصلت وفود المعتصمين القادمين من مدن الولايات إلى مقر الاعتصام قبالة القيادة العامة للجيش، ودخل الميدان آلاف المحتجين القادمين من مدينة «ود مدني» وسط البلاد للمشاركة في الاعتصام ودعم المليونية، وذلك بعد يوم واحد من وصول «قطار النيل» الذي حمل آلاف المحتجين القادمين من مدينة عطبرة التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات، وأعلنوا البقاء في الميدان مع معتصمي الخرطوم حتى تحقيق مطالب الثوار.
وذلك لممارسة المزيد من الضغوط على المجلس العسكري الانتقالي لقبول مطالب قوى التغيير في مجلس سيادة مدني بتمثيل عسكري، ومجلس وزراء مدني من كفاءات بكامل الصلاحيات، ومجلس تشريعي انتقالي متوافق عليه.
وانطلقت المظاهرات والاحتجاجات في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 ضد الزيادات الضخمة في أسعار الخبز، بيد أنها تطورت سريعاً لتطالب بتنحي البشير وحكومته، وانتقلت من عطبرة وبورتسودان شمال وشرق البلاد، إلى عدد من المدن بما فيها العاصمة الخرطوم.
وتواصلت الاحتجاجات حتى تحولت لاعتصام شارك فيه مئات الآلاف أمام قيادة الجيش ابتداء من 6 أبريل (نيسان)، ما اضطر الجيش لعزل البشير وتكوين مجلس عسكري انتقالي في الحادي عشر من الشهر الجاري.
بيد أن المعتصمين رفضوا تعيين وزير الدفاع الأسبق عوض بن عوف رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، واعتبروا وجوده استمراراً للنظام القديم، فاضطر الجيش لإجباره على الاستقالة بعد ساعات من تنحية البشير، وتسمية الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً للمجلس الانتقالي.
ويرفض المعتصمون أمام قيادة الجيش السوداني مغادرة مكان الاعتصام، قبل أن تحقق مطالبهم بتصفية النظام القديم ورموزه وتسليم السلطة لحكومة مدنية بكامل الصلاحيات.
من جهته ناشد القائم بالأعمال الأميركي في الخرطوم، ستيفن كوتسيس، قوى «الحرية والتغيير» تقصير المرحلة الانتقالية إلى فترة تتراوح بين شهراً، داعياً عدم تعليق المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقال، حسب ما نقل عنه وزير الخارجية الأسبق والقيادي حالياً في قوى «الحرية والتغيير»، إبراهيم طه أيوب.
وقال أيوب لـ«الشرق الأوسط»، إن المبعوثة الأميركية للسودان، ماكيلا جيمس، اجتمعت مع ممثلي الحراك الشعبي مساء أول من أمس في مقر السفارة الأميركية بالخرطوم عقب لقائها في صباح اليوم نفسه برئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان.
وأضاف أيوب أن «القائم بالأعمال الأميركي كوتسيس، ونائبه ألين ثوربورن، اقترحا علينا تقصير المرحلة الانتقالية إلى ما بين 12 إلى 18 شهراً، بحجة أن العالم ينتظر أن يرى حكومة منتخبة ديمقراطياً لكي يساند السودان بشكل كامل».
من جهته قال عصام عبد الماجد، عضو لجنة العلاقات الخارجية في «قوى الحرية والتغيير» الذي حضر اللقاء مع المسؤولين الأميركيين، إن المبعوثة الأميركية ماكيلا جيمس، وهي نائبة رئيس إدارة شرق أفريقيا في وزارة الخارجية: «أبلغتنا أنها التقت المجلس العسكري في وقت سابق من نفس اليوم، ووجدت تفهماً لمطلب القوى المدنية، وحثتنا على التفاهم مع المجلس العسكري وانتهاز الفرصة لتشكيل حكومة مدنية». وأضاف عبد الماجد أن «جيمس، أيدت مقترح القائم بالأعمال ونائبه بشأن مدة المرحلة الانتقالية، التي في رأيها أكثر كافية لعملية الانتقال إلى حكم ديمقراطي».
وعبرت واشنطن أول من أمس، عن تأييدها «المطالب الشرعية» للمتظاهرين السودانيين. وقالت ماكيلا جيمس: «نحن نؤيد المطلب الشرعي للشعب السوداني بحكومة يقودها مدنيون، نحن هنا لتشجيع الطرفين على العمل معا لدفع هذا المشروع قدما في أسرع وقت ممكن». وجيمس غادرت الخرطوم أمس، في طريقها إلى جوبا عاصمة جنوب السودان في إطار جولتها الأفريقية حاليا.
وتابعت المسؤولة الأميركية: «لقد عبر الشعب السوداني بشكل واضح عما يريده». وأضافت: «نريد أن ندعمه على هذا المستوى، وهي أفضل طريقة للتقدم نحو مجتمع يحترم الحقوق الإنسانية، ودولة القانون، ويكون قادرا على معالجة المشاكل الخطيرة التي تواجهها البلاد».
في سياق ثان، قال المجلس العسكري الانتقالي في السودان، في بيان، إنه علق عقدا مع الشركة العالمية لموانئ الحاويات الفلبينية المتخصصة في إدارة الموانئ لحين استكمال إجراءات إلغاء العقد. وكان عمال في مرفأ الحاويات الجنوبي بميناء بورسودان دخلوا في إضراب في فبراير (شباط) احتجاجا على امتياز مدته 20 عاما جرى توقيعه في يناير (كانون الثاني) مع وحدة تابعة للشركة الفلبينية لتشغيل وإدارة وتطوير مرفأ الحاويات الجنوبي في بورسودان.
وقال البيان: «أصدر المجلس العسكري الانتقالي في اجتماعه قرارا بتعليق عقد الشركة الفلبينية العاملة بميناء بورسودان الجنوبي لحين استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإلغاء العقد». ولم يذكر البيان المزيد من التفاصيل.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.