محمد بنيس: أكتب بسلوك الناسكين.. وكنت دائما حريصا على البعد عن السلطة

صاحب «المكان الوثني» يفوز بجائزة ماكس جاكوب الفرنسية للشعر

محمد بنيس: أكتب بسلوك الناسكين.. وكنت دائما حريصا على البعد عن السلطة
TT

محمد بنيس: أكتب بسلوك الناسكين.. وكنت دائما حريصا على البعد عن السلطة

محمد بنيس: أكتب بسلوك الناسكين.. وكنت دائما حريصا على البعد عن السلطة

منحت جمعية الشاعر الفرنسي ماكس جاكوب جائزتها الشعرية السنوية للشاعر المغربي محمد بنيس عن ديوانه «المكان الوثني»، الذي ترجمه إلى الفرنسية برنار نويل بالتعاون مع الشاعر. وبنيس واحد من أهم الشعراء العرب المعاصرين. وقد ترجمت أعماله إلى الكثير من اللغات؛ من بينها: الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والألمانية، والإسبانية، والبرتغالية، واليابانية، والروسية، والسويدية، والمقدونية، والتركية، بالإضافة إلى ممارسته النقد. وهو حاصل على دكتوراه الدولة في كلية الآداب بالرباط سنة 1988، في موضوع «الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها»، ويعمل أستاذا للشعر العربي بجامعة الرباط. ويحسب له أنه صاحب الفضل في تخصيص يوم عالمي للشعر عندما استجابت «اليونيسكو» لطلبه أثناء توليه رئاسة بيت الشعر بالمغرب.
هنا لقاء معه عن تجربته الشعرية، والمشهد الثقافي العربي عموما:

* تجاوزت مبكرا حدودك المغربية، فعرفت على نطاق واسع في الغرب.. في فرنسا بالتحديد. كيف جرى ذلك؟
- كنت على اتصال بالغرب منذ 1968، حين توجهت أول مرة إلى باريس. ومنذ تلك السنة، لم تتوقف أسفاري إلى الغرب. ثم جاءت ترجمة قصائد لي إلى الفرنسية على أثر صدور ديواني الأول «ما قبل الكلام» سنة 1969. وبعدها، صدرت ترجمة قصائد إلى السويدية. وفي 1975، نشرت لي جريدة «لوموند» الباريسية قصيدة مترجمة إلى الفرنسية، وصدرت في الفترة ذاتها ترجمة قصائد إلى الإسبانية. أما انطلاقتي نحو اللقاء الشعري والثقافي والمشاركة في مهرجانات، فيرجع إلى 1985، عندما دعيت إلى تظاهرة كبرى أقامها متحف الفنون الحديثة في مدينة غرونوبل الفرنسية للثقافة المغربية. هذه المشاركة فتحت لي أبواب المشاركات اللاحقة في مهرجانات ولقاءات، بين أوروبا وأميركا وأميركا اللاتينية.
* وصفك برنار نويل، مترجمك إلى الفرنسية، بالصبر على البحث عن الأصالة داخل اللغة العربية. إلى أين قادك مثل هذا البحث؟
- برنار نويل شاعر فرنسي كبير، وله معرفة واسعة بالشعر العالمي، وقريب جدا من الشعر العربي المعاصر، من خلال أبرز أسمائه، خاصة الذين ترجمت بعض أعمالهم إلى الفرنسية. حصل التعارف بيننا في أواسط الثمانينات، وابتداء من تلك الفترة ترسخت العلاقة بيننا. وعندما تعاونت معه على إنجاز ترجمة لبعض قصائدي، ثم ديوان «هبة الفراغ»، استطاع أن يذهب أبعد في قراءة شعري وإدراك قيمته. لا شك في أن لرأيه اعتبارا، لأنه متحرر من العقلية الفرانكفونية وبعيد عن القيم السائدة في العالم العربي. ونستخلص من ذلك، أن الكتابة بالعربية مثل الكتابة بغيرها. فالشاعر (أو الكاتب) هو نفسه الذي يعطي البعد الأعلى للغة. لقد كنت واعيا منذ البدء بأن الكتابة بالعربية إما أن تكون حديثة وإما لا. كما كان واضحا لدي أن الانخراط في الحركة الشعرية الحديثة لا بد أن يكون ذا بعد كوني. كل ذلك يتطلب ثقافة واعية بتراثها اللغوي والشعري، وعلى صلة عميقة ومباشرة بالثقافة الإنسانية.
* هل يعني انخراطك في الحركة الشعرية الحديثة هو الذي قاد إلى حضورك شعريا في المشهد الشعري العالمي، أكثر مما لو كنت من الشعراء الكلاسيكيين؟
- طبعا، هذا أمر بدهي. إن لقاءنا العالم الحديث يصعب أن يتحقق من خلال رؤية تقليدية للشعر وللحياة في آن. فالشعر العربي التقليدي، كما نعرفه لدى أحمد شوقي أو من سواه، ليس له أي حضور في الوسط الشعري الغربي، بخلاف الشعر العربي الحديث. بل إن شعرنا القديم ذو مكانة أقوى من التقليدي، تتسع شيئا فشيئا إمكانية ترجمته وتداوله بين الشعراء والفلاسفة الغربيين، وليس فقط بين المستشرقين، كما تعودنا من قبل.
* بماذا ترد على من ينتقصون من قيمة شعر الحداثة في العالم العربي؟
- أتأسف لكوننا لم نقطع المسافة الضرورية، بكل جرأة وشجاعة، لتصبح الثقافة العربية الحديثة مندمجة في نظامنا التعليمي وفي حياتنا العامة، ولم نتجرأ بعد على كسر الطوق المضروب حول اعتقاداتنا السائدة. هناك أدب عربي حديث تراكم عبر أجيال، في كل من المشرق والمغرب، وهو يوما بعد يوم يرفع العربية وثقافتها إلى مستوى الوعي النقدي والجمالي بالذات وبالعالم. ومن ينقصون من قيمة شعر الحداثة يعيشون خارج الزمن الحديث وخارج المغامرة الكبرى لتحديث الشعر واللغة العربية على السواء. إنهم مضادون لحياة العربية، كما أنهم مضادون لحياة مبدعة ومتجددة.
* ترأست «بيت الشعر في المغرب» من 1996 إلى 2003. ونجحت في تحقيق طلبك من «اليونيسكو» بتخصيص يوم عالمي للشعر. فهل تعتقد أن الشعر ما زال يحتل مكانته أم أنه تراجع؟
- هناك بالتأكيد تراجع في حضور الشعر بالوسط الثقافي إجمالا، في المكتبات وفي المعارض، كما في مكانة الشعر ضمن الأنشطة الثقافية. هذه وضعية عالمية، ولأجل مواجهتها كنت قدمت طلبي إلى «اليونيسكو». وتعني هذه الوضعية، قبل كل شيء، سيطرة الأدب الإعلامي، الذي تمثله، في أجلى حالاته، الرواية التي تكتب اليوم. لا بد أن نكون واعين بهذا الذي يحدث. وأول من يجب أن يستوعب الانحسار الذي يعيشه الشعر هم الشعراء. عليهم ألا يتراجعوا عن الشعر وألا يتنكروا له أو يندموا على ما كتبوه. التاريخ لم ينته بعد، وأفق الشعر لا يعد أصحابه بغير إبداع لغة متفردة، هي السبيل كي تبقى اللغة موجودة على الأرض.
* لم تكتف بكتابة الشعر، بل شاركت بقوة في حركة النقد والتنظير للشعر.. كيف توفق بين الاثنتين؟ ألا تجد أن هناك تناقضا بين كتابة الشعر وممارسة النقد؟
- عملي عن الشعر المغربي الحديث، ثم العربي، جاء ضمن تهيئي لشهادات جامعية. وقد اتبعت فيهما الطريق النظري، أي الشعرية، في أحدث توجهاتها. وهي تختلف تماما عن النقد. ولكني لم أتخل قط عن الشعر. ويبقى أن كتابة القصيدة أصعب لأنها إبداع، وكل إبداع يتطلب تثقيفا متواصلا وعملا لا يعرف التعب أو الملل. كتابة القصيدة تنـتمي إلى المجهول، وتجربة كتابتها مختلفة ومتفردة.
* منعت السلطات المغربية مجلة «الثقافة الجديدة» عام 1984. فما طبيعة علاقتك الآن بالسلطة؟ وما طبيعة العلاقة التي يجب أن تكون بين المثقف والسلطة؟
- سلطة الدولة اليوم في المغرب تحترم أكثر حرية التعبير. على أنني كنت دائما حريصا على البعد عن السلطة. فالمثقف له مسؤولية النقد، التي تفرض عليه حماية محيطه الحيوي من أي تدخل في حريته أو فرض تبعيته لأي جهة سياسية. هذا الاختيار صعب، لأننا لم نتعلم بعد قبول ممارسة الحرية المطلوبة للثقافة، كما أننا لم نفهم بعد أن المثقف يقوم بعمل لا يمكن أن يكون ذا معنى إن هو كان خاضعا لمن يمنع عنه حرية الكلام والتعبير والتفكير. وقد كنت على الدوام أقاوم ما يمنع عني حريتي، سواء من جانب سلطة الدولة أو سلطة الأحزاب والمؤسسات السياسية أو حتى الثقافية التابعة للأحزاب.
* في ظل الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية، هل ترى أن المثقف العربي فشل في القيام بدوره في هذه الأحداث؟
- لا يمكن الحديث عن المثقفين بالجمع. عندما تفاجأ المثقفون مثلما تفاجأ السياسيون بالربيع العربي، أعلن قسم منهم انحيازهم إلى حركة الشبان ووقفوا إلى جانبها بالكتابة والمشاركة في النقاشات. لكن هناك آخرين تبرؤوا منها. والثقافة اليوم في وضع صعب، بل إن الثقافة تكاد تغيب عن الساحة في أغلب البلاد العربية. ما نعيشه قلب كامل لمشروع تاريخي، وتغيير لمساره، بينما الثقافة ليست مهيأة بما يكفي لتبصر ما نعيش والانتقال إلى أفق مفتوح. يبدو لي هذا الاختيار شبه مستحيل في الفترة الراهنة. وما يمكن أن يقوم به كل من يشترط في عمله الحرية هو أن يعمل بشكل فردي، خارج أي ضغط كيفما كان.
* كيف تقيم تجربتك في «كتاب الحب» مع التشكيلي ضياء العزاوي؟ وما الذي أضافته إليك كشاعر؟
- تجربة «كتاب الحب»، التي هي كتابة تتقاطع مع كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم، كانت مفيدة جدا. فضياء العزاوي يتميز بتجربته الطويلة والرائعة مع الشعر العربي، قديمه وحديثه. وهو خبير بالحوار الذي أقامه مع أعمال شعرية وأدبية. وما أضافته لي هو أنها دفعتني لكتابة عمل لم يكن إنجازه في الحسبان. ويكمن نجاح عملنا المشترك في أن كل واحد منا اشتغل بحرية كاملة.
* كتبت سيرة ذاتية عام 1996 «شطحات لمنتصف النهار». فهل تنوى استكمالها؟
- تراودني أحيانا فكرة كتابة ما بعد «شطحات لمنتصف النهار». لكن، لدي الآن أعمال أخرى تنتظر الإنجاز، وأتمنى أن أنجح ذات يوم في استئـناف ما كنت كتبته. ولا أظن أن ذلك سيسير على نفس شاكلة الكتاب الأول. فأنا أؤمن بأن كل كتاب يجب أن يكون تجربة مستقلة بذاتها. مع ذلك، سنرى.
* ما جديدك في العام الجديد؟ وهل تشهد الفترة المقبلة انخراطا أكثر في الكتابة والدراسة النقدية أم عودة للشعر؟
- أشتغل على ديواني الجديد، الذي أخذ مني وقتا، وأنا منتبه لما يفرضه علي من مراقبة ومعرفة وقدرة على اختراق ما سبقت لي كتابته. أكتب بسلوك الناسكين. ثم إني أعمل على إعادة نشر أعمال لي في طبعات جديدة. لقد كان الشعر كلمتي الأولى وكذلك ستبقى، في الكتابة والحياة.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.