السياسيون الشباب تحدٍ يواجه هيمنة إردوغان على السلطة في تركيا

دميرطاش وإمام أوغلو بعثا الأمل في تبلور معارضة نابضة بالحياة

فوز إمام أوغلو المولود عام 1971 برئاسة بلدية إسطنبول أشار إلى أن تركيا في طريقها للحصول على الدم الجديد الذي تنتظره (إ.ب.أ)
فوز إمام أوغلو المولود عام 1971 برئاسة بلدية إسطنبول أشار إلى أن تركيا في طريقها للحصول على الدم الجديد الذي تنتظره (إ.ب.أ)
TT

السياسيون الشباب تحدٍ يواجه هيمنة إردوغان على السلطة في تركيا

فوز إمام أوغلو المولود عام 1971 برئاسة بلدية إسطنبول أشار إلى أن تركيا في طريقها للحصول على الدم الجديد الذي تنتظره (إ.ب.أ)
فوز إمام أوغلو المولود عام 1971 برئاسة بلدية إسطنبول أشار إلى أن تركيا في طريقها للحصول على الدم الجديد الذي تنتظره (إ.ب.أ)

باتت أكثر جملة تتردد في الشارع التركي حالياً، مع اشتداد الأزمة الاقتصادية، وعجز حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، وحالة الجمود السياسي، والملل من تكرار الخطاب ذاته، في اليوم أكثر من مرة هي: «تركيا أصبحت بحاجة إلى دم جديد». من جلسات المقاهي إلى المحال التجارية، وداخل وسائل المواصلات، وفي الأحاديث المسائية في المنازل، أصبح الجميع يكرر هذه الجملة مع شكوى من حالة الاستعلاء التي أصبح عليها من يحكمون تركيا، وكأنهم سيواصلون في مواقعهم إلى الأبد.
وليس بعيداً عن هذه الحالة من الجدل والنقاش المستمر، اللذين تصاعدا قبل وبعد الانتخابات المحلية التي شهدتها تركيا في 31 مارس (آذار) الماضي، ما عبر عنه بشكل كاشف رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، في بيان نشره أول من أمس، قام من خلاله بتشريح الحالة السياسية في البلاد، وتوجيه انتقادات وصفت بـ«شديدة الحدة» لحزبه الذي ينتمي إليه (حزب العدالة والتنمية الحاكم)، وتغير توجهاته تحت قيادة إردوغان من حزب مركزي يحتضن جميع أطياف الشعب إلى حزب يتحالف مع القوميين، ويمارس الاستعلاء والغطرسة، والإقصاء، حتى لقياداته التي خاضت جنباً إلى جنب مع إردوغان مرحلة كفاح شاق للوصول إلى ما وصل إليه الحزب في السنوات السابقة.
وفي ظل هيمنة كاملة فرضتها سلطة الرئيس رجب طيب إردوغان، لم تفتقد تركيا ظهور وجوه سياسية جديدة وشابة مثلت في عيون الأتراك أو قطاعات عريضة منهم أملاً، ليس فقط في تحجيم السلطة، وإنما في بعث المعارضة التي توجه إليها انتقادات بأنها أصبحت معارضة تيبست أطرافها، وشاخت قياداتها، ولم تعد قادرة على إيجاد المعادل القوي الذي يضغط على الحزب الحاكم من أجل ضبط سياساته.
وكان ظهور هذه الوجوه على الساحة السياسية في تركيا بمثابة بعث للأمل من جديد، بعد أن شهد عام 2015 أول صعود لافت للأحزاب الكردية التي بقيت بعيدة عن التمثيل في البرلمان كأحزاب بسبب عدم قدرتها على مدى تاريخ البرلمان التركي من تجاوز الحد النسبي لدخول البرلمان (الحصول على 10 في المائة من أصوات الناخبين). وتمكن «حزب الشعوب الديمقراطي» بفضل قيادته الشابة، ورئيسه المشارك صلاح الدين دميرطاش، من أن يصنع ثورة وانقلاباً على الموروث المسلم به بشأن عجز الأحزاب الكردية عن تجاوز هذا الحد، ليحصل على أكثر من 13 في المائة من أصوات الناخبين، ويدخل في الترتيب الثالث بين الأحزاب الممثلة في البرلمان بعد حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الشعب الجمهوري»، ومتفوقاً على حزب «الحركة القومية»، الذي جاء في المرتبة الرابعة في الانتخابات البرلمانية في 7 يونيو (حزيران) من عام 2015، ثم حافظ على المرتبة نفسها بفوزه بأكثر من 10 في المائة من الأصوات في الانتخابات المبكرة في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام، وذلك بعد أن قدم نفسه للشعب من خلال منافسة إردوغان على منصب رئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2014، وحل في المرتبة الثالثة بعد إردوغان والمرشح التوافقي للمعارضة أكمل الدين إحسان أوغلو.
اختار الإعلام الموالي لإردوغان وحزب «العدالة والتنمية»، أن يطلق على دميرطاش لقباً ساخراً استهدف التقليل من شأنه وهو «الصبي الجميل»، لكنه أثبت أنه رقم صعب في المعادلة السياسية في تركيا.
دميرطاش، المولود في 10 أبريل (نيسان) 1973 في إلازغ شرق تركيا، هو سياسي وحقوقي تركي من أصول كردية انتخب في البرلمان التركي لثلاث فترات متتالية. وكان رئيساً مشاركاً لحزب «السلام والديمقراطية»، ثم أصبح رئيساً مشاركاً لحزب «الشعوب الديمقراطي» مناصفة مع فيجان يوكسك داغ، وحقق مفاجأة كبرى بالحصول على نحو 80 مقعداً في البرلمان في انتخابات يونيو (حزيران) 2015.
وتخرج دميرطاش في كلية الحقوق بجامعة أنقرة، وترأس فرع جمعية حقوق الإنسان بديار بكر، كما شغل عضوية فرع منظمة العفو الدولية بتركيا، واشتهر بدعوته المستمرة إلى «عصيان لغوي وثقافي» يرتكز على فرض اللغة والثقافة الكردية في المجالات المهنية والاقتصادية، كما حث الفنانين الأكراد على الغناء باللغة الكردية، وطالب المعلمين والأطباء باستخدام الكردية في مجالات عملهم، ودعا الطلبة إلى شن حملات لإجبار الحكومة على السماح بتدريس مناهج باللغة الكردية.
وحسب ما قال دميرطاش، في مقابلات صحافية، فإنه سمع بوجود عرق اسمه «الأكراد» في مرحلة الدراسة الثانوية للمرة الأولى. وكان لاغتيال رئيس حزب «العمل الشعبي» الكردي وداد آيدن، في جريمة قيدت ضد مجهول عام 1991، فعل الشرارة التي أشعلت رغبته في الانخراط بالحركة السياسية الكردية، حيث عمل محامياً في قضايا حقوق الإنسان بمنطقة ديار بكر، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي في 2007، عندما انتخب نائباً مستقلاً عن ديار بكر (كبرى مدن جنوب شرقي تركيا ذات الأغلبية الكردية)، وانضم إلى «الحزب الديمقراطي الاجتماعي».
التحق دميرطاش بحزب «السلام والديمقراطية»، الذي حل محل «الحزب الديمقراطي الاجتماعي»، الذي أغلق عام 2009 بقرار من المحكمة الدستورية التركية بدعوى ارتباطه بالإرهاب، وخلال المؤتمر الأول للحزب في فبراير (شباط) 2010 اختير رئيساً للحزب مع جولتان كيشناك، وفي العام نفسه، صدر حكم قضائي ضده بالسجن 10 أشهر بسبب خطاب ألقاه عام 2006، دعا فيه إلى «تثمين دور الزعيم الكردي عبد الله أوجلان في حل المسألة الكردية». واعتبر هذا الموقف دعاية لمنظمة إرهابية، في إشارة إلى «حزب العمال الكردستاني» (المحظور). لكن الحكم خُفف ليتحول إلى إطلاق سراحه وبقائه تحت المراقبة 5 سنوات.
أعيد انتخابه عام 2011 في البرلمان بعدما ترشح ضمن لائحة مشتركة بين حزبه و18 هيئة سياسية، ومهد هذا التحالف لإنشاء «حزب الشعوب الديمقراطي»، برئاسة مشتركة بين دميرطاش والسياسية الكردية فيجان يوكسيك داغ عام 2014، وهي السنة نفسها التي ترشح فيها لانتخابات الرئاسة في مواجهة كل من رجب طيب إردوغان وأكمل الدين إحسان أوغلو، وحل ثالثاً بنسبة لم تتجاوز 9.8 في المائة من الأصوات. ثم كانت انتخابات البرلمان في يونيو 2015 منعطفاً تاريخياً لحزبه وللحركة السياسية الكردية في تركيا.
واصل دميرطاش معارضته القوية لإردوغان في الفترة التي بدأ فيها الأخير الكشف عن خطته لتحويل النظام في البلاد من البرلماني إلى الرئاسي، الذي يكفل له صلاحيات مطلقة، ويلغي عمل الحكومة، ويعيده إلى رئاسة حزب «العدالة والتنمية» مرة أخرى، وشكلت عبارة «إردوغان... لن نجعلك رئيساً تنفيذياً»، التي رفعها في كل خطاباته قبل التوجه إلى الانتخابات المبكرة في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، الوسم الأول على شبكات التواصل الاجتماعي في تركيا. وأصبح هذا الشعار نقطة تحول جوهري في الرؤية السياسية للحزب، أنهى به دميرطاش جميع الأحاديث المتداولة في الإعلام التركي حول وجود اتفاق ضمني بين «العدالة والتنمية» و«الشعوب الديمقراطي»، قضى بترشح الأخير على قائمة حزبية تمهيداً لخسارته وحيازة «العدالة والتنمية» على أغلبية برلمانية كافية، تسمح بالتحول إلى نظام رئاسي مقابل إعطاء صلاحيات واسعة للولايات، بما قد يشكل التفافاً على المعارضة القومية العالية لفكرة الإدارة الذاتية التي يطالب بها «حزب العمال الكردستاني».
لم يطل الأمر طويلاً، حتى ألقي القبض على دميرطاش وشريكته في رئاسة الحزب فيجان يوكسداغ في نوفمبر 2016 عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) من العام نفسه، بتهم تتعلق بدعم الإرهاب، حيث يواجه السجن لمدة 143 عاماً في حال إدانته.
لم ييأس دميرطاش، الذي بات يلقب بـ«أوباما تركيا»، بعد دخوله السجن، وترشح مجدداً للرئاسة التركية في انتخابات 24 يونيو المبكرة في مواجهة إردوغان، كما حافظ حزبه للمرة الثالثة على دخول البرلمان بأكثر من 10 في المائة من الأصوات، كما نجح في توجيه الناخبين الأكراد في الانتخابات المحلية الأخيرة من داخل محبسه لدعم «تحالف الأمة» المعارض، المؤلف من حزبي «الشعب الجمهوري» و«الجيد»، في المدن الكبرى ما تسبب في خسارة كبيرة لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم بقيادة إردوغان في المدن الكبرى إسطنبول وأنقرة وإزمير وغيرها.
الانتخابات المحلية نفسها أظهرت وجهاً سياسياً شاباً جديداً هو مرشح المعارضة لرئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي تمكن من الإطاحة بمرشح «العدالة والتنمية» رئيس الوزراء والبرلمان السابق بن علي يلدريم، على الرغم من عدم وجود الدعم الإعلامي له، إلا أنه نجح على خطى دميرطاش في الوصول إلى قطاعات عريضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
جدد فوز إمام أوغلو، المولود عام 1971، برئاسة بلدية إسطنبول، الشعور بأن تركيا في طريقها للحصول على الدم الجديد الذي تنتظره، بالاستناد إلى القاعدة التي أرساها إردوغان عبر مقولته المحفورة في الأذهان أن من يفوز ببلدية إسطنبول يفوز بتركيا.
ويتوقع الكثير من المراقبين أنه في حال نجاح أكرم أوغلو في التخلص من اعتراضات الحزب الحاكم على فوزه في الانتخابات، وفي المضي في رئاسة البلدية بأداء يؤكد للمواطنين قدرته على القيادة، فإنه ليس من المستبعد أن يصعد إلى رئاسة «حزب الشعوب الجمهوري»، وأن يترشح أيضاً في انتخابات الرئاسة بعد أقل من 5 سنوات، لتتبلور محاولة جديدة من جيل السياسيين الشباب في تركيا لتحدي وهز سلطة إردوغان، الذي كان قد ظهر ورفاقه في حزب «العدالة والتنمية» كمجموعة من الشباب الذين نجحوا في الوصول إلى الحكم، وسط ظروف ربما تكون أصعب من الظروف الراهنة في تركيا.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».