ملتقى الرواية العربية... حالة من الارتباك ودراسات نمطية

250 كاتباً وناقداً يبحثون «النص التفاعلي» وتداخل الأنواع الأدبية

جانب من من جلسات الملتقى
جانب من من جلسات الملتقى
TT

ملتقى الرواية العربية... حالة من الارتباك ودراسات نمطية

جانب من من جلسات الملتقى
جانب من من جلسات الملتقى

حالة من الارتباك طغت على جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي، الذي تم افتتاحه 20 أبريل (نيسان) الحالي، ويستمر على مدار 5 أيام. المؤتمر الذي يحمل اسم الكاتب السوداني الراحل الطيب صالح، والذي ينعقد بمشاركة 250 من الكتاب والنقاد المصريين والعرب، عانى الكثير من المتابعين لفعالياته في الحصول على أوراقه البحثية.
كما أدى توزع الجلسات بشكل كثيف، وفي أوقات متزامنة بين قاعات المجلس الأعلى للثقافة المنظم للمؤتمر، وعدم وجود دليل مطبوع يحدد محاوره، ويساعد في التعرف عليها، إلى إهدار فرصة متابعة الكثير من اللقاءات التي تمحورت حول تداخل الأنواع، وروايات الخيال العلمي والفانتازيا، والرواية المعلوماتية والنص التفاعلي، وعلاقتهما بوسائل التواصل الاجتماعي، تم خلالها عرض دراسات وأبحاث وشهادات اتسم بعضها بالنمطية، ولم تكن على المستوى اللائق بالملتقى، وهو ما ظهر واضحا في تعقيب الدكتور فيصل دراج على ورقة إحدى الباحثات، ووصفها بأنها اجتهدت لتوصيل شيء، لم يصل له هو شخصيا سوى نصفه، هذا المستوى الذي وصلت له الأبحاث من خفة وتواضع ربما يكون سببه ذلك الحشد الضخم المشارك من المبدعين والكتاب والنقاد.
في الجلسة التي تمحورت حول التجريب في الرواية العربية، قدم الكاتب السوري نبيل سليمان دراسة بعنوان «برازخ في التجريب الروائي العربي» قال خلالها إنه تراءى له عبر اشتغاله بنشأة الرواية العربية أنها ولدت بالتجريب، «فإذا عدنا حتى إلى رواية خليل الخوري، «إذن لست بإفرنجي»، التي نشرها عام 1958. أو فرانسيس المراش، وروايته «در الصدف في غرائب الصدف» 1872. وميخائيل الصقال في كتابه «لطائف السمر في سكان الزهرة والقمر» 1907. نجد بكل أعمال هؤلاء الرواد محاولة جادة للدخول في عالم الرواية، بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن من محاولات متواضعة أو أكثر تواضعا، أو متقدمة قليلا، وتجارب أجيال من 1858 إلى ولادة نجيب محفوظ، جاءت السلسلة من المراحل المتتالية في التجريب الذي جعلت للرواية العربية تاريخها الحالي».
ويظل التجريب، حسب رأي سليمان، رافعة كبرى لتطوير فن الرواية، بما يعنيه من نقض البناء التقليدي لها، وتكسير العمود السردي أو السبك اللغوي، لكن هناك معوقات تبدو مسيطرة مثل الاستسهال، والمجانية، وهو ما يجعل الزبد يكاد يطغى.
من جهته، وصف الدكتور فيصل دراج ما أسماه البعض بزمن الرواية العربية بأنه أقرب إلى ما يمكن وصفه بالورم الروائي، قائلا: «إن من يتابع ما يصدر من روايات عربية كل عام إذا كان صادقا ونزيها سوف يشعر بالبهجة إذا عثر على عشر روايات جديرة فعلا بالقراءة»، وأشار إلى أننا نعاني نوعا من التضخم الروائي، بسبب الإعلان والجوائز، كما أن تعددية الأصوات، بحثا عن رواية جديدة، جاءت في معظمها محاكاة فقيرة كالتي رأيناها في الرواية الوجودية والنفسية، وهناك بالطبع المحاكاة المبدعة التي لا تحتاج إلى استيراد نماذج، وإنما تنطلق من السياق مثلما فعل إميل حبيبي في روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، وفعله جبرا إبراهيم جبرا في روايته «البحث عن وليد مسعود»، من هنا يمكن القول، كما أضاف أن «التجريب ليس عملا فرديا فنتازيا، إنما هو محصلة لتراكم ثقافي وروائي ونقدي، بدونه لا مجال للتجريب، إلا إذا كان نوعا من الاستعراض الفارغ».
وفي دراستها حول ملامح التجريب في رواية «سيدة الزمالك» لأشرف العشماوي، لفتت الناقدة المصرية الدكتورة نانسي إبراهيم إلى أن الروائي ابتعد عن تقليدية النمط السردي، معتمدا على تعدد مستوياته، وانفتاحه الدلالي، والتماس الحي مع واقع متغير، وحاضر مستمر يتشكل في نمط روائي، ويتصل به ويتصارع معه. وأشارت نانسي إبراهيم إلى أن الكاتب رسم شخوصا تبتعد عن النمط المثالي المتوقع، والمألوف، واعتمد على تصوير الأبعاد النفسية، لها في ظل منظومة آيديولوجية متغيرة تربط النفسي بالوصفي والسياسي.
الأديب السعودي يحيى امقاسم، الذي أصدر عددا من الأعمال الروائية آخرها «رجل الشتاء»، فقدم ورقة حول «الرواية العربية وصناعة حدود التجريب»، ذكر خلالها أنه لا توجد مخاوف من مواقع التواصل الاجتماعي على الرواية، وأنها سوف تظل قوية، ولا يمكن أن تحل أوعية عصر المعلومات محلها، أو تكون بديلا عن الكتاب.
وأشار امقاسم إلى التراكم في مسألة التجريب متسائلا: «هل تصنع الرواية العربية انطلاقا من داخلها وتاريخها وتجربتها حدودا للتجريب فيها، ولفت إلى أن إقحام التقنية المتسارعة على الرواية هو إضعاف في ذات الوقت سينبذه تاريخها، فالتجريب في السرد العربي لا يأتي من خارج تاريخه.
وفي حديثه عن جدل البصري والجمالي في الرواية العربية أشار الناقد المصري الدكتور يسري عبد الله إلى أن الرواية تنفتح على جملة من الاقتراحات السردية المختلفة لا تبقيها في خانة واحدة، ولا تطرح صيغة أحادية لها، بل إنها تبرز بوصفها تجلى لعشرات التصورات عن العالم، والصيغ الجمالية، والبنائية المتعددة، فالرواية هي ابنة التنوع والاختلاف وهي ترميز دال على منطق ديمقراطية الكتابة.
وذكر عبد الله أن العلاقة بين الرواية والواقع ذات طابع جدلي، من هنا «تبدو في تجل من تجلياتها إدراكا جماليا للواقع بوصفه مادة خاما تحمل من الاتساع والتنوع ما في الواقع ذاته من خصوبة واختلاف، ولأنه متغير بطبيعته ومنفتح على جملة من التحولات السياسية والثقافية فإنه يستلزم تحولا في آليات التعبير الجمالي عنه».
ومن بين فعاليات الملتقى التي لم تقف عند حدود الجلسات والأبحاث، كانت هناك جملة من الشهادات التي قدمها روائيون مصريون وعرب، من بينهم الروائي حمدي أبو جليل، الذي تحدث عن حاضر الرواية المصرية، مشيرا إلى أنها «عملت ثورتها مبكرا، ففي بداية القرن الواحد والعشرين، انتقلت من رواية الأمة إلى رواية الفرد، من رواية القضية إلى رواية الوجود، وهي رواية ناقصة غير مكتملة، وقد صاحب ذلك أشياء لا خلاف عليها، منها أنها أعادت القارئ إلى الاهتمام بها بكثافة، وهي تطمح إلى قراء بالآلاف». ولفت أبو جليل إلى أن الشيء الآخر يبدو في جانب الترجمة، وسعى المترجمون للاهتمام بها، لكن عادت إلى موقعها بفعل الجوائز العربية، حيث قامت بالقضاء على الطابع المحلي للروايات، وردتها إلى مرحلة الستينات وما كانت تهتم به من قضايا كبرى.
وذكرت الكاتبة السورية لينا هويان الحسن في شهادتها أنها رأت البدو من منظور مخالف للمعتاد، فكتبت عنهم في رواياتها «بنات نعش»، و«رجال وقبائل»، و«سلطانات الرمل»، ما اعتقدت أنه «غريب وسحري ولافت. وقالت إن الحنين يجعل الكاتب يؤوب إلى أرض الذاكرة».
وأشار الكاتب محمد جبريل في شهادته إلى أن معظم ما كتبه يستمد أحداثه وشخصياته من حياة عاشها وبشر عرفهم، وهو ما يعني أن سيرته الذاتية موجودة في كتاباته، وتناثرت ملامحها وقسماتها في أعماله الروائية المختلفة، لكنه مع ذلك يرفض فهم السيرة الذاتية من خلال العمل الإبداعي.
وقال جبريل بأنه وجد في الواقعية الروحية تعبيرا متماهيا وموازيا للواقعية السحرية التي شاعت لوصف أدب أميركا اللاتينية، ووجد في الأولى «معنى أشد عمقا للإبداعات التي تستند للموروث الشعبي، بداية بالميتافيزيقا وانتهاء بالممارسات التي تنسب للصوفية. وذكر أن «توظيف الفن للبعد الصوفي ليس فقط لمجرد ما يحمله من خوارق ومعجزات، لكن أيضا لأنه يصدر عن فلسفة حياة تشمل الميتافيزيقا وعلم الجمال والهموم الآنية المختلفة.
وسيعلن الملتقى في ختام جلساته مساء اليوم (الأربعاء) اسم الفائز بجائزة هذه الدورة، ومن المتوقع أن تذهب الجائزة إلى كاتب عربي، خاصة بعد أن ذهبت في دورتها السادسة السابقة إلى الروائي المصري بهاء طاهر.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.