سودانيون عائدون بعد سنوات في المنفى: «اشتقنا لتراب البلد»

معارضون يروون قصص عودتهم بعد عزل البشير

متظاهر في الخرطوم يلوح بعلم البلاد (أ.ف.ب)
متظاهر في الخرطوم يلوح بعلم البلاد (أ.ف.ب)
TT

سودانيون عائدون بعد سنوات في المنفى: «اشتقنا لتراب البلد»

متظاهر في الخرطوم يلوح بعلم البلاد (أ.ف.ب)
متظاهر في الخرطوم يلوح بعلم البلاد (أ.ف.ب)

بعد 10 سنوات من النفي والتشريد، قضاها علي محمود حسنين (معارض سوداني - 80 عاماً) متنقلاً بين العواصم الأوروبية، إثر منعه من دخول البلاد، من جانب الرئيس السوداني السابق عمر البشير؛ عاد «حسنين» إلى الخرطوم، الأسبوع الماضي، بذاكرة تحمل سنوات الشتات والنضال ضد نظام البشير.
قال حسنين، وهو مؤسس «الجبهة الوطنية العريضة»، وهو كيان سياسي نشطت أدواره في معارضة البشير من الخارج، بعد وصوله الخرطوم، لـ«الشرق الأوسط»: «ستكون العودة الأخيرة إلى الوطن؛ لن أخرج منه مرة أخرى».
عقب وصول طائرته القادمة من العاصمة البريطانية إلى مطار الخرطوم، كان أول ما فعله حسنين هو تقبيل الأرض؛ التي غُيب عنها قسرياً عقداً من الزمن، قبل أن ينتقل بعد ذلك لساحة الاعتصام، الواقعة أمام قيادة الجيش السوداني، برفقة حشد من أنصاره، كانوا في استقباله، من أجل تحية المحتجين على صمودهم أمام «نظام إرهابي دموي عميل للذي يدفع»، على حد وصفه.
يصف حسنين مشاعر قدومه الأول: «دخلت السودان كفاتح منتصر، كُنت أشتاق للبلد، أموت شوقاً للخرطوم ولأهلي الغائب عنهم».
توقع المعارض السوداني الإطاحة بنظام البشير، بثورة شعبية، في ظل اشتداد الأزمات الاقتصادية، واتساع دائرة القمع السياسي، ويوضح: «كُنت فاعلاً ومُحرضاً ومنتظراً للثورة انتظاراً».
في عام 2009، سجلت ذاكرة حسنين، آنذاك، أول رحلة شتات له من بلده، إثر تلقيه تهديدات بالقتل من جانب نظام «البشير»؛ بعدما نشطت أدواره في معارضة سياسات النظام آنذاك، وتأييده لمُحاكمة البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ ليصدر بحقه قراراً بسجنه 3 سنوات كاملة داخل زنزانة انفرادية، مع منع الزيارات عنه.
مضت حياة المعارض، قبل هذا الخروج، متأرجحة بين الاستقرار بعض الوقت، والتضييق المُستمر على عمله، بدأت بعزله من منصبه قاضياً، وانتهت بتهديده بالقتل؛ لينتقل عقب خروجه من السجن إلى مصر، عبر الحدود البرية، مستفيداً من سهولة السفر بين البلدين، آنذاك، ببطاقة الهوية فقط، ودون الحاجة إلى تأشيرة سفر مسبقة، كمحطة انتقالية للعاصمة البريطانية؛ التي صارت موطناً بديلاً له يتابع منها أحوال بلاده.
لم تغب قضية السودان عن حسنين، وهو من أوائل خريجي كُلية القانون جامعة الخرطوم، على مدار سنوات بقائه في المنفى، إذ أسس كياناً معارضاً يضم آلاف السودانيين الموجودين في الخارج، وتنقل بين العواصم الأوروبية، والبرلمانات الدولية، للدفاع عن قضية بلاده.
ويرسم المعارض العائد صورة لمستقبل بلاده كما يأمل أن يراها: «أحلم أن تُصبح السودان دولة عظمى، ويحكمُنا نظام مدني مستقر. ثبت أننا شعب قوي، والمرأة السودانية من أقوى نساء الدنيا، لنا مياه كافية، وأرض خصبة، وثروات طبيعية تجعلنا في مصاف الدول المتقدمة».
يسكت برهة، ثم يعود بصوت متَهدج من الغضب: «هؤلاء المجرمون الذين حكمونا، جعلونا شعباً يتسول، لا يجد البترول، رغيف الخبز... لا يجد أي شيء».
يُكمل: «نظام البشير تاجر بالدين من أجل تحقيق مكاسب شخصية له»، ويتساءل: «كيف ارتضينا أفعال البشير لثلاثة عقود، من نهب للبترول، وسرقة أموال شعبه، وقتل لكل معارض له؟»
ويغيب أي إحصاء رسمي لعدد السودانيين المنفيين في الخارج لأسباب سياسية، بينما تُشير إحصائية صادرة في أغسطس (آب) العام قبل الماضي، عن جهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج، وهو مؤسسة حكومية، أن العدد الإجمالي للمهاجرين السودانيين في الخارج يصل لنحو 5 ملايين مواطن.

دموع العودة

و«حسنين» ليس استثناء من بين آلاف السودانيين، ممن عادوا لبلادهم عقب الإطاحة بالبشير من الحُكم، ورفع حظر السفر عن جميع المعارضين السياسيين، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في أنحاء البلاد. إذ انتقل عادل التيجاني (45 عاماً) هو الآخر، من منفاه الاختياري بباريس، إلى الخرطوم، قبل أيام معدودة، لزيارة عائلته، والانضمام للمحتجين بعد 5 سنوات قضاها في الخارج.
غلبت عادل الدموع في اللحظات الأولى لوصوله مطار الخرطوم، بعدما غادرها مضطراً إثر ملاحقات قضائية له بسبب كتاباته المنتقدة لسياسات النظام الحاكم، ويقول: «هو التجلي الحقيقي للانتصار في الحياة؛ عشنا خيبات كثيرة جعلتنا مهزومين، أطاحت بأحلامنا؛ وحان وقت الاستفاقة».
خرج التيجاني من بلاده بشكل شرعي، عبر مطار الخرطوم، تفادياً للتضييق المستمر على رزقه، بعدما نشطت أدواره في أحزاب سياسية معارضة، لينتقل مع عائلته إلى العاصمة الفرنسية، باحثاً عن وطن بديل، يعيش فيه في مأمن من عواقب السلطة «غير المأمونة» التي ظلت تطارده في منفاه الاختياري.
وسبق للسفارة السودانية في باريس بعث رسائل تحذير للتيجاني وغيره من السودانيين المُقيمين في المدن الفرنسية، من مزاولة أي نشاط سياسي مناهض لنظام الحُكم أو حضور مؤتمرات دولية تندد بجرائمه في حرب دارفور، حسب التيجاني، الذي يوضح أن الوقت قد حان للتخلص من كل آثار حُكم البشير «الدموي»، وتحديداً «الخوف» الذي زرعه داخل كُل سوداني، سواء أكان مُقيماً داخل البلاد أم خارجها.
وكان الزعيم السوداني المعارض الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي، أول القادمين لبلاده، في ذروة الاحتجاجات التي شهدتها بلاده، في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، بعد قضائه نحو عام في المنفى، متنقلاً خلالها بين مصر وبريطانيا، بعدما اتهمه النظام الحاكم بالتآمر للإطاحة بالبشير بعد لقاء في باريس للمعارض السوداني مع أحد زعماء المتمردين.
وارتفعت أعداد السودانيين المنتقلين خارج بلادهم، لأسباب سياسية، خلال الأيام الأولى للاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في ديسمبر (كانون الأول)، وبلغت ذروتها في 11 أبريل (نيسان) الحالي، تفادياً لحملات الاعتقال الواسعة التي نفذتها قوات الأمن تجاه كل معارض.

الفرار من البطش

من بين هؤلاء الفارين من بطش النظام الأمني السوداني في الشهور الأخيرة «التقيّ عثمان الدين» البالغ من العمر 47 عاماً، الذي يعمل مديراً لتحرير صحيفة «البعث» السودانية، وهي مطبوعة ورقية معارضة؛ إذ انتقل في 17 مارس (آذار) إلى مصر عبر الحدود البرية، بعدما أدرجت السلطات اسمه في قضية تتهمه فيها «بالإخلال بالسلامة العامة، ومحاولة تقويض النظام الدستوري».
وتعود وقائع تلك القضية إلى شهر ديسمبر، حين شارك «التقيّ» في مسيرة احتجاجية نظمها «تجمع المهنيين السودانيين» إلى القصر الجمهوري، للمُطالبة بتنحية النظام الحاكم؛ لتعتقله قوات الأمن، ويظل مُحتجزاً ليوم كامل، قبل أن يتم ترحيله رفقة آخرين لأقسام الشرطة التي أخلت سبيلهم، على ذمة قضية بدأت أولى جلساتها في 31 مارس؛ قبل أن يتم إغلاقها من جانب المجلس العسكري السوداني، ضمن سلسلة قرارات شملت إلغاء جميع الأحكام القضائية الصادر بحق المحتجين، عقب سقوط البشير.
ومنع جهاز الأمن والاستخبارات صحيفة «البعث»، التي يعمل فيها «التقي» من الصدور للمرة التاسعة، في فبراير (شباط) الماضي، فيما صدر بيان عن الهيئة التحريرية للصحيفة أكد فيه أن الصحيفة لن «تحيد عن خطها التحريري المهني، أو تتجاهل خروج المظاهرات وسقوط الشهداء».
يقول «التقي» من مقر إقامته في العاصمة المصرية لـ«الشرق الأوسط»: «سأعود إلى البلاد الأسابيع المُقبلة». لكنه يستدرك: «أخشى أن تكون هناك خدعة ما للإيقاع بجميع معارضي النظام؛ خصوصاً أن نظام البشير ما زال يحكم إلى الآن».



رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
TT

رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن معركة استعادة كامل سلطة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس، وأن اليمنيين يقفون اليوم في وجه المشروع الحوثي المدعوم إيرانياً، ويخوضون معركة دفاع عن الجمهورية والسيادة ومستقبل البلاد.

وشدد الزنداني، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ نت»، على أن الدولة والحكومة ستواصلان العمل لإعادة بناء القوة والقدرة على استعادة زمام المبادرة، وصولاً إلى إنهاء الانقلاب واستعادة سلطة الدولة ومؤسساتها في محافظة الحديدة وكامل التراب الوطني.

وعَدّ رئيس الوزراء ما يجري في الساحل الغربي بأنه تكرار لنمط ميليشيا الحوثي في إخضاع المجتمعات المحلية بالقتل والقمع والتهجير ومصادرة الممتلكات، مؤكداً أن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم، والحكومة ستحتفظ بكل ما يوثق هذه الانتهاكات تمهيداً لمحاسبة مرتكبيها.

واطلع الزنداني خلال استقباله الحسن طاهر محافظ الحديدة، في العاصمة المؤقتة عدن، على آخر التطورات والمستجدات في المحافظة عقب التصعيد العسكري الواسع للحوثيين، وما ترتب عليه من تطورات ميدانية خطيرة وتداعيات إنسانية واسعة على المدنيين.

كما استمع لإحاطة حول الأوضاع الميدانية والإنسانية في المحافظة، وحركة النزوح المتزايدة من مناطق اجتاحها الحوثيون وانتهاكاتهم بقتل واختطاف المدنيين، وأوضاع الأسر التي اضطرت لترك منازلها وممتلكاتها تحت وطأة القصف والاعتداءات والملاحقات، والاحتياجات العاجلة للنازحين، وجهود السلطة المحلية بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الإقليميين والدوليين.

ووجَّه رئيس الوزراء اليمني بمضاعفة الجهود لاستقبال النازحين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، مثمناً مساعي السلطات المحلية في المحافظات والمناطق المستقبلة لهم، ومؤكداً ضرورة التعامل مع موجات النزوح باعتبارها مهمة وطنية تستوجب استجابة حكومية وإنسانية واسعة، ودعماً دولياً عاجلاً، وعدم ترك المجتمعات المضيفة والنازحين وحدهم أمام تداعيات التصعيد.


العليمي يدعو للتماسك بعد صدمة التمدد الحوثي في غرب اليمن

امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
TT

العليمي يدعو للتماسك بعد صدمة التمدد الحوثي في غرب اليمن

امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)

تسعى القيادة اليمنية إلى إعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية بعد الانتكاسة الكبيرة التي مُنيت بها القوات الحكومية في الساحل الغربي، مع سيطرة جماعة الحوثيين على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وصولاً إلى مناطق باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر، في تطور أحدث صدمة واسعة داخل معسكر الحكومة المعترف بها دولياً.

وفي محاولة لإعادة ضبط المشهد، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الأحد، سلسلة اتصالات بأعضاء المجلس ورئيس الحكومة وقيادات عسكرية ومحافظين، لمتابعة التطورات الميدانية والأمنية والإنسانية، ومستوى جاهزية القوات، والاستجابة الحكومية لتداعيات التصعيد الحوثي.

وتزامنت هذه التحركات السياسية مع إجراءات عسكرية وتنظيمية في أكثر من جبهة، بينها زيارة عضو مجلس القيادة عثمان مجلي، لمواقع عسكرية في محافظة صعدة، وإصدار نائب رئيس مجلس القيادة وقائد المقاومة الوطنية طارق صالح، قراراً بتشكيل قوة مستقلة للمقاومة التهامية، في مؤشر على سعي الحكومة إلى إعادة توزيع أدوار التشكيلات العسكرية بعد التراجع في الساحل الغربي.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وأكد العليمي، خلال اتصالاته، أن التغيرات الميدانية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حكماً نهائياً على مسار الحرب، وقال إن المعارك الكبرى لا يحددها «تغير عارض» في أحد خطوط المواجهة أو مكسب في جبهة دون أخرى، وإنما القدرة على التعلم من التحديات واستعادة المبادرة.

ويكتسب هذا الخطاب أهمية خاصة في أعقاب الخسائر التي تعرضت لها القوات الحكومية في الساحل الغربي، حيث انتقلت مناطق واسعة كانت تمثل أحد أهم خطوط الدفاع عن مدينة تعز والممرات البحرية إلى سيطرة الحوثيين، وفق المعطيات التي عرضتها القيادة اليمنية.

وقال العليمي إن بوصلة الدولة ستبقى موجهة نحو استعادة مؤسساتها وبسط سيادتها على الأراضي اليمنية، مؤكداً أن التطورات الميدانية لن تغير هذا الهدف.

وفي الوقت نفسه، ركز رئيس مجلس القيادة على ضرورة عدم حصر التعامل مع التصعيد في الجانب العسكري، مشدداً على استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها، وتأمين الخدمات والرواتب والاحتياجات الأساسية، ورفع مستوى الاستجابة الإنسانية للنازحين والمتضررين.

وتشير هذه الأولويات إلى حجم التداعيات التي خلّفها التصعيد الأخير، بعدما دفعت المعارك في الساحل الغربي أعداداً كبيرة من المدنيين إلى الفرار من مناطقهم، فيما تواجه السلطات المحلية ضغوطاً متزايدة لاستيعاب النازحين وتأمين الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية.

عشرات الآلاف من اليمنيين هربوا من مناطقهم غرب البلاد جراء الهجمات الحوثية (رويترز)

وأشاد العليمي بدور القوات الجوية والطيران المسيّر في إسناد القوات البرية واستهداف القدرات العسكرية للحوثيين، كما أثنى على العمليات الجارية في مأرب والجوف وتعز والبيضاء والضالع، في محاولة لإبراز تعدد محاور المواجهة وعدم حصر الحرب في جبهة الساحل الغربي التي شهدت التحول الميداني الأبرز خلال الأيام الأخيرة.

تحرك في صعدة

في صعدة، المعقل الرئيسي لجماعة الحوثيين شمال اليمن، تفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي، مواقع الفرقة الثانية طوارئ ومحوري آزال وحرب واحد في مديرية باقم، واطلع على مستوى الجاهزية والقدرات البشرية والتدريبية والعملياتية للقوات المنتشرة هناك.

وحمل مجلي رسالة من رئيس وأعضاء مجلس القيادة إلى القوات المرابطة في الجبهات، داعياً إلى الحفاظ على الروح المعنوية وتطوير القدرات العسكرية، في وقت قال فيه إن الحرب تتغير فيها موازين القوى من جبهة إلى أخرى.

وقال مجلي للجنود إن ما يجري يمثل «معركة واحدة»، داعياً إلى الحفاظ على القوات وتطويرها، في إشارة إلى الحاجة إلى منع الخسائر الأخيرة في الساحل من إضعاف بقية خطوط المواجهة.

كما استمع إلى عرض عن الخريطة العملياتية والقوة البشرية والنقاط القتالية، إلى جانب أعمال الطيران المسيّر والتصنيع والصيانة والتدريب.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات في صعدة (إعلام حكومي)

وأبرز مجلي، خلال الزيارة، الدعم السعودي للقوات اليمنية، مشيراً إلى المساندة التي تقدمها المملكة وقيادة القوات المشتركة، بوصفها عاملاً رئيسياً في دعم القوات الحكومية خلال المرحلة الحالية.

وتأتي زيارة صعدة في وقت تحاول فيه الحكومة إظهار أن خطوط المواجهة الأخرى لم تتأثر بالانتكاسة الساحلية، خصوصاً أن المحافظة تمثل مركز الثقل التاريخي للحوثيين، بينما شهدت جبهات مأرب والجوف وتعز والبيضاء والضالع خلال الأيام الماضية تحركات عسكرية متزامنة.

قوة تهامية مستقلة

في خطوة أكثر ارتباطاً مباشرة بخسارة الساحل الغربي، أصدر طارق صالح قراراً بتشكيل «قوة المقاومة التهامية» كقوة مستقلة، وتعيين اللواء زايد منصر قائداً لها.

وحسب القرار، تتكون القوة الجديدة من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، وتتمتع باستقلالية مالية وإدارية وعملياتية، على أن يحدد نطاق عملها وتتبع العمليات المشتركة للتحالف العربي بصورة مباشرة.

جندي تابع للحكومة اليمنية في تعز يمسك رشاشاً على عربة عسكرية (أ.ف.ب)

يأتي القرار في وقت أصبحت فيه مناطق واسعة من الساحل الغربي تحت سيطرة الحوثيين، بعد تقدم الجماعة في حيس والخوخة والمخا ومناطق باتجاه باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر.

ويمثل إنشاء القوة التهامية محاولة لإعادة تنظيم المكون العسكري المحلي المرتبط بالساحل، في ظل الحاجة إلى التعامل مع واقع ميداني جديد فرضه انهيار خطوط الدفاع الحكومية هناك.

كما يكشف القرار عن اتجاه نحو منح التشكيلات العسكرية المرتبطة بالمقاومة الوطنية أدواراً أكثر تحديداً واستقلالية، مع إبقاء التنسيق العملياتي ضمن منظومة التحالف الداعم للشرعية.


المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
TT

المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

حذّر مسؤول يمني وخبيران في الشؤون الأمنية والعسكرية من أن التوسع الحوثي في الساحل الغربي والجزر المحيطة بباب المندب قد يتجاوز تغيير موازين المعركة داخل اليمن، ليمنح الجماعة مواقع إضافية لتهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، بما يعزز، وفق تقديراتهم، قدرة إيران على الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

ورأى المتحدثون أن تداعيات التصعيد تجمع بين المخاطر العسكرية والأمنية والاقتصادية، إذ يمكن أن تتحول السواحل والجزر إلى نقاط للإمداد والتخزين، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف التجارة وتفاقم الأعباء المعيشية على اليمنيين.

وتعمل القيادة اليمنية على إعادة ترتيب أولوياتها بعد خسارة القوات الحكومية مواقع واسعة في الساحل الغربي لمصلحة جماعة الحوثيين، التي تمكنت خلال هجوم استمر بين 3 و11 سبتمبر (أيلول) من السيطرة على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وصولاً إلى باب المندب وجزيرة ميون وبقية الجزر اليمنية جنوب البحر الأحمر.

ممرات للإمداد والتهريب

قال السفير مروان علي نعمان، المستشار السياسي لوزيرة الخارجية اليمنية، إن التصعيد الحوثي يستهدف السيطرة على المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر «خدمة للأجندة الإيرانية»، ومنح الجماعة قدرة أكبر على توسيع شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات واستقبال الإمدادات العسكرية والمكونات المتطورة من إيران.

ولفت نعمان في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السيطرة على هذه المواقع ستسهّل، حسب تقديره، نقل الإمدادات إلى مناطق نفوذ الحوثيين وإلى جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، وتوسيع قنوات تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر عبر خليج عدن والبحر الأحمر.

وأضاف: «يهدف هذا التصعيد للميليشيات الحوثية إلى تهديد الملاحة الدولية بصورة مباشرة، من خلال استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية، وابتزاز حركة السفن في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية».

ويرى المستشار السياسي لوزيرة الخارجية أن «توسيع قنوات الاتصال والحركة بين الحوثيين والجماعات الإرهابية في اليمن والقرن الأفريقي، لا سيما عبر خليج عدن والبحر الأحمر، يسهل تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر، ويزيد من مخاطر تشكل شبكة مترابطة من الإرهاب والتهريب والقرصنة على جانبي البحر الأحمر».

وحذر السفير مروان نعمان من أن «كل هذه العناصر تشكل تهديداً خطيراً ليس لليمن فحسب وإنما للمنطقة والعالم». مؤكداً على استمرار «الحكومة اليمنية في جهودها لمواجهة وردع هذا التصعيد وحماية سيادة وسلامة الأراضي اليمنية ومياهها الإقليمية، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي؛ وفقاً لما يكفله لها الدستور اليمني والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

من جهته، وصف محمد الولص بحيبح، رئيس «مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية» بمأرب، السيطرة الحوثية على الجزر بأنها تحول استراتيجي، موضحاً أن موقع جزيرة ميون وسط باب المندب يتيح مراقبة حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن، فيما تمنح جزر حنيش وزقر نقاط ارتكاز إضافية على الطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس.

ورأى بحيبح أن توسيع النفوذ الساحلي قد يوفر حماية أكبر للشحنات المهربة ويقلّص الاعتماد على المسارات البرية، عبر إتاحة مواقع جديدة للإمداد والتخزين.

تهديد الملاحة

وحذّر نعمان من أن الجماعة قد تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية لتهديد السفن وابتزاز حركة الملاحة في أحد أهم الممرات العالمية.

وقال إن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وإطالة مسارات التجارة وزيادة مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن انعكاساته على الأسعار والأوضاع الاقتصادية داخل اليمن.

قائد محور طور الباحة يتفقد جبهات غرب الحجرية ويشيد بالجاهزية القتالية (القوات المسلحة اليمنية)

واتفق بحيبح مع هذا التقدير، عادّاً أن التقدم نحو المواقع المشرفة على المضيق يزيد قدرة الحوثيين على تعطيل التجارة، وشكّك في تطمينات الجماعة بشأن سلامة الملاحة، ورأى أن امتلاك أدوات التهديد يتيح استخدامها لاحقاً للضغط السياسي والاقتصادي.

وأضاف أن التصعيد يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة بين مواجهة الخطر البحري، وتجنب توسيع المواجهة العسكرية، في ظل انشغالها بالصراع مع إيران.

شبكات عابرة للبحر الأحمر

وفي البعد الأمني، قال بحيبح إن التعاون بين الحوثيين وحركة «الشباب» الصومالية يثير مخاوف من اتساع شبكات التهريب وتبادل الخبرات، عادّاً أن السيطرة على مزيد من السواحل والجزر تمنح هذه الشبكات عمقاً بحرياً إضافياً.

بدوره، أشار العميد محمد الكميم، الخبير العسكري اليمني، إلى تقارير أممية تناولت شبكات تهريب بين ضفتي البحر الأحمر، وقال إن المصالح المشتركة واقتصاد الحرب يفسّران التعاون بين جماعات متباينة آيديولوجياً.

الشيخ عثمان مجلي عضو مجلس القيادة الرئاسي خلال زيارته قوات الفرقة الثانية طوارئ بمديرية باقم (سبأ)

وحذّر الكميم من أن اتساع هذه الأنشطة يهدد المجتمعات في اليمن والقرن الأفريقي، خصوصاً مع ارتباط التهريب بتمويل الجماعات المسلحة وتجارة المخدرات.

ورأى أن إيران تسعى إلى توظيف باب المندب ورقة ضغط موازية لمضيق هرمز، لكنه استبعد استمرار السيطرة الحوثية عليه، من دون تحديد إطار زمني لذلك.

ولفت الكميم إلى أن «الجماعة الحوثية صنعت خصيصاً منذ نحو عقدين للسيطرة على مضيق باب المندب الحيوي، ووفرت إيران للحوثيين الإمكانات كافة، ودفعتهم للاستعجال بالسيطرة عليه لتخفيف الضغط الذي تواجه في مضيق هرمز»؛ على حد تعبيره.