أفغانستان: مواجهات في عدد من الولايات تسفر عن سقوط عشرات القتلى

جنود أميركيون في حالة تأهب أثناء اجتماع للجنرال سكوت ميلر قائد الناتو والقائد الأميركي في أفغانستان مع مسؤولين أفغان لمناقشة القضايا الأمنية في أفغانستان أمس (إ.ب.أ)
جنود أميركيون في حالة تأهب أثناء اجتماع للجنرال سكوت ميلر قائد الناتو والقائد الأميركي في أفغانستان مع مسؤولين أفغان لمناقشة القضايا الأمنية في أفغانستان أمس (إ.ب.أ)
TT

أفغانستان: مواجهات في عدد من الولايات تسفر عن سقوط عشرات القتلى

جنود أميركيون في حالة تأهب أثناء اجتماع للجنرال سكوت ميلر قائد الناتو والقائد الأميركي في أفغانستان مع مسؤولين أفغان لمناقشة القضايا الأمنية في أفغانستان أمس (إ.ب.أ)
جنود أميركيون في حالة تأهب أثناء اجتماع للجنرال سكوت ميلر قائد الناتو والقائد الأميركي في أفغانستان مع مسؤولين أفغان لمناقشة القضايا الأمنية في أفغانستان أمس (إ.ب.أ)

تواصلت المعارك والاشتباكات بين القوات الحكومية وقوات «طالبان» في ولاية فارياب، بعد الهجمات المتواصلة لقوات «طالبان» على مديرية دولت آباد في ولاية فارياب الشمالية بهدف السيطرة عليها. وقالت القوات الحكومية: إن سبعة عشر على الأقل من قوات «طالبان» لقوا مصرعهم في الاشتباكات في حين جرح سبعة آخرون. وحسب بيان القوات الحكومية، فإن الاشتباكات وقعت في مديريتي قيصار ودولت آباد ليلة أول من أمس، وإن القوات الحكومية في صوفي قلعة وناوداري اشتبكت مع قوات «طالبان» في قيصار. وأشار البيان إلى مقتل أربعة من قوات الحكومية وجرح اثنين آخرين. وفي حادث آخر، قالت القوات الحكومية: إن ثلاثة على الأقل من قوات «طالبان» قتلوا وجرح اثنان آخران في اشتباكات بين قوات «طالبان» والقوات الحكومية في دولت آباد، كما أصيب مدنيان منهما امرأة بجراح جراء الاشتباكات.
وحسب بيان القوات الحكومية، فإنها تمكنت من الضغط على قوات «طالبان» وإجبارها على التراجع عن محيط دولت آباد وقيصار.
وفي بيان آخر للقوات الأفغانية، قالت: إن ثلاثة من قوات «طالبان» قُتلوا في تفجيرات في ولاية تاخار شمال شرقي أفغانستان. وحسب مصادر وزارة الدفاع في كابل، فإن ثلاثة من مقاتلي «طالبان» كان بحوزتهم أحزمة ناسفة وكانوا يستعدون لتفجيرها، بعد أن لجأوا إلى أحد المساجد في المنطقة، لكن أحزمتهم الناسفة انفجرت بهم أثناء محاولتهم ضبطها قبل خروجهم لعمليات تفجير. وحسب بيان الداخلية، فإن الحادثة وقعت في قرية أي خانم في مديرية دشتي قلعت في ولاية تاخار.
ونقلت وكالة «باجهواك» الأفغانية عن مسؤولين في ولاية بكتيكا شرق أفغانستان قولهم: إن مسلحين مجهولين أطلقوا النار على حاكم مديرية سروبي في الولاية وأصابوه بجراح. ولم تعلن أي جهة المسؤولية عن إطلاق النار.
وكانت القوات الخاصة الأفغانية أعلنت أنها قتلت 24 من قوات «طالبان» في عمليات قامت بها في مناطق مختلفة في ولايات أفغانستان. ونقلت وكالة «خاما برس» عن مصادر عسكرية مطلعة قولها: إن أحد أفراد قوات «طالبان» قُتل وجرح ثلاثة آخرون في عملية للقوات الخاصة في منطقة نهر سراج في ولاية هلمند. كما أشارت إلى قيام القوات الخاصة بعملية في ولاية أروزجان أدت إلى تدمير خمسة ألغام حديثة، وأجهزة أخرى متصلة بها.
وقالت القوات الخاصة الأفغانية إنها تمكنت من قتل خمسة من قوات «طالبان» في ولاية غزني جنوب شرقي أفغانستان بعد عمليات قامت بها في المنطقة، كما قامت القوات الخاصة بعمليات وهجمات في ولاية بروان شمال شرقي العاصمة كابل، وتمكنت من مصادرة عدد من قطع الأسلحة.
وذكرت القوات الخاصة الأفغانية، أنها واصلت ما أسمته عمليات تمشيط في ولاية فراه غرب أفغانستان؛ مما أسفر عن اعتقال ثمانية من قوات «طالبان»، في حين واصلت الطائرات الحربية الإغارة على مواقع «طالبان» موقِعة عشرة قتلى في صفوف قوات الحركة، حسب بيان القوات الخاصة الأفغانية. وشهدت ولاية بلخ عمليات للقوات الخاصة أدت إلى اعتقال اثنين من مقاتلي «طالبان»، حسب البيان المذكور.
في غضون ذلك، مُنيت آمال السلام في أفغانستان بخيبة عظيمة بعد الإعلان عن تأجيل الجولة الأولى من الحوار بين وفد المكتب السياسي لحركة «طالبان» وشخصيات سياسية واجتماعية من أفغانستان، بمن فيهم مسؤولون في الحكومة الأفغانية.
وقال سلطان بركات، مدير مركز «قدر» للدراسات الإنسانية وحل النزاعات الذي يتبنى عقد المؤتمر في الدوحة، إنه تم تأجيل الاجتماعات إلى أجل غير مسمى بهدف الوصول إلى إجماع حول من سيشارك في اللقاءات. وكان مقرراً بدء الحوار يوم الجمعة فيما وصف بأنه خطوة مهمة على طريق حل الصراع الأفغاني بشكل سلمي.
وأضاف بركات: «هذا التأجيل المؤسف ضروري لبناء إجماع أكثر حول من يجب أن يشارك في المؤتمر». وتابع: «من الواضح أن الوقت الملائم لم يأتِ بعد» لإجراء مثل هذا اللقاء رغم «الجهود الكثيفة والنوايا الحسنة» من قِبل الطرفين.
وجاء الإعلان عن تأجيل الاجتماعات بعد رفض الرئيس الأفغاني قائمة أعدها منظمو المؤتمر للمشاركين فيه، وتشمل 243 شخصية أفغانية، وهي قائمة تختلف عن قائمة أخرى أعدها القصر الرئاسي الأفغاني وتشمل أسماء أكثر من 250 شخصية أفغانية، بينها العشرات من النساء الأفغانيات من داخل أفغانستان وخارجها.
وفي حين غاب أي رد فعل من جانب «طالبان» حول تأجيل اللقاءات، فإن الحركة انتقدت ضخامة العدد الذي رشحته الحكومة الأفغانية للمشاركة في جلسات الحوار. وسخر ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم «طالبان»، من الحكومة بالقول: «اللقاءات في قطر هي اجتماعات لمناقشة مسائل سياسية، وليست دعوة لحضور حفل زفاف أو وليمة في فندق».
وتعاني الحكومة الأفغانية والأحزاب السياسية والشخصيات البارزة في كابل من خلافات حادة فيما بينها، ووصف محرر موقع «الحرب الطويلة»، بيل روجيو، قائمة الحكومة الأفغانية بأنها تعبر عن العجز عن إيجاد توافق سياسي بين الأحزاب الأفغانية وتشكيل فريق مناسب يتحدث بصوت واحد، مضيفاً: «هناك الكثير من عدم الثقة بين الأحزاب الأفغانية والجماعات العاملة في أفغانستان، وبخاصة بعد لقاء موسكو مع (طالبان) دون السماح للحكومة الأفغانية حضور ذلك اللقاء».
وحمّلت الحكومة الأفغانية قطر مسؤولية فشل الجهود لعقد اللقاءات في قطر، وقال بيان حكومي أفغاني: إن الاجتماع في الدوحة تم إلغاؤه؛ لأن المنظمين فشلوا في تلبية مطالب الحكومة الأفغانية فيما يتعلق بإعداد قائمة المشاركين.
وفي بيان، أعلن القصر الرئاسي الأفغاني، أن قطر رفضت اللائحة الطويلة من الموفدين واقترحت لائحة أقصر؛ ما يعتبر «أمراً غير مقبول».
وأضاف البيان أنه «بعد الانتهاء من جميع الاستعدادات لمغادرة الوفد الحكومي، تم إرسال قائمة جديدة من المشاركين إلى الحكومة من قطر، والتي كانت تتعارض مع إرادة وتصميم شعب أفغانستان». وكانت إدارة الرئيس الأفغاني أشرف غني، قد أعلنت الثلاثاء عن قائمة بـ250 شخصاً يمثلون كل القطاعات في أفغانستان، وبينهم شخصيات حكومية، للمشاركة في الحوار الأفغاني الداخلي، الذي يبدأ السبت في الدوحة.
من جانبها، سخرت حركة «طالبان» من هذه القائمة الطويلة ووصفتها بأنها غير «طبيعية»، وقالت: إن لا «خطط لديها» للقاء هذا الكم من الأشخاص. وكانت «طالبان» التي تعتبر غني وحكومته مطية أميركية، قد أصرت أيضاً على عدم قبولها التفاوض مع كابل مباشرة في المؤتمر. وأعرب المبعوث الأميركي إلى أفغانستان، زلماي خليل زاد، عن «خيبة أمله لتأخير الحوار الأفغاني الداخلي».
وقال المحلل مايكل كوغلمان، من مركز «ويلسون» في واشنطن: إن تأجيل المحادثات يدل على الطريق الصعبة أمام السلام. وأوضح لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «الفوضى بشأن المؤتمر وعدم التمكن من عقده يدلان إلى أي حد الطريق صعبة وطويلة من أجل تحقيق عملية المصالحة». وأضاف: «إذا كان حدث قدِم على أنه لقاء غير رسمي من أجل كسر الجليد بين الطرفين سبب هذا القدر من المشاكل، تصوروا ما يمكن أن يحصل حيث يأتي الوقت لتنظيم أمر يرتدي طابعاً رسمياً أكبر».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...