محمد الفيتوري من الدفاع عن الضحايا إلى التماهي مع الجلاد

شاعر «السحر الأسود» الذي طالما حبس الأنفاس بحضوره المنبري

الفيتوري في شبابه
الفيتوري في شبابه
TT

محمد الفيتوري من الدفاع عن الضحايا إلى التماهي مع الجلاد

الفيتوري في شبابه
الفيتوري في شبابه

كنت بعدُ طالباً على مقاعد الدراسة حين دُعي محمد الفيتوري لإقامة أمسية شعرية في بيروت، في مطالع سبعينيات القرن الفائت. لم يكن اسم الفيتوري يومها جديداً على الجمهور اللبناني الذي كان قد تعرّف، قبلها بسنوات، وفي المكان إياه، إلى الشاعر السوداني الشاب وهو يقف جنباً إلى جنب مع فحول القصيدة العربية التقليدية، لينشد في رثاء الأخطل الصغير قصيدته الميمية التي يحفظ الكثيرون من أبياتها قول الشاعر «أنت في لبنان والشعر له/ في ربى لبنان عرشٌ ومقامُ/ أنت في لبنان والخلْد هنا/ والرجال العبقريون أقاموا/ حملوا الكون على أكتافهمْ/ ورعوا غربته وهو غلامُ. غرسوا الحب فلما أثمر الحب أهدوه إلى الناس وهاموا». على أن الحشد الذي ملأ «قاعة الأونيسكو» في الأمسية اللاحقة لم يكن مدفوعاً إلى الحضور بتأثير من المناسبة الأولى فحسب، بل بما تركته أعمال الشاعر المبكرة، التي اتخذت من المعاناة الأفريقية محوراً لها، من أثر عميق في نفوس قرائه ومتابعيه. وقد عملت أحزاب اليسار العربي، والشيوعيون بوجه خاص، على الترويج للفيتوري بوصفه شاعر القارة المقهورة، والمعبّر الأمثل عن سعيها إلى التحرر من ربقة الفقر والجهل والاستعباد. وإذا كانت قصائد الشاعر في تلك الأمسية قد دغدغت أسماع الحضور بأسماء قادة ثوريين من طراز لوممبا وعبد الناصر ونكروما وأحمد بن بيلا، فإن أكثر ما يتذكره الحضور من تلك الأمسية هو إلقاؤه المميز لقصائده، حيث استطاع أن يحبس الأنفاس بصوته الأجش الراعش، وبصره المسدد نحو نقطة ثابتة في سقف القاعة، وتلوينات أدائه المسرحي التي فعلت بصعودها وهبوطها المتعاقبين، فعل السحر في الحاضرين. حتى إذا فرغ الشاعر من قراءة قصيدته المؤثرة في رثاء المناضل السوداني عبد الخالق محجوب، الذي أعدمه النظام الحاكم آنذاك، انفجرت القاعة بالحماس الغاضب، وبدا للكثيرين أن عصر الشيوعية «السعيد» ليس بعيداً جداً، رغم تعاظم الخيبات ودموية الطغاة الجلادين.
قد تكون تجربة الفيتوري، على المستويين الشخصي والإبداعي، واحدة من أكثر التجارب الشعرية التي تفتح شهية النقاد والدارسين لتناولها بالكتابة والتحليل. ليس فقط لخصوصية موضوعاتها وعناصرها الأسلوبية، بل لأن المفارقات التي حكمت شخصية الشاعر وتحولات مسيرته الحياتية، لا تحصر دراسته في المستوى النقدي التقليدي، بل تترك لعلمي النفس والاجتماع أن يقولا الكثير في طبيعة هذه التجربة وتتبّع انعطافاتها الدراماتيكية ومآلاتها المتعارضة. والحقيقة أن أي تتبع عميق لمسيرة صاحب «معزوفة لدرويش متجول» لا بد أن يوصلنا إلى الاستنتاج بأننا أمام نسَخ ثلاث، على الأقل، من شخصية الفيتوري المركبة. وهي أولاً نسخة الشاعر الثوري الذي أمدّه فقره وسواد لونه وموقعه الهامشي، بمشاعر التمرد والنقمة والاحتجاج على الواقع. ونسخة الشاعر المتأمل الذي وجد في التجربة السودانية الصوفية، بما تمتلكه من ثراء ميتافيزيقي وروحي، ما يُخرجه من مأزقه. ونسخة الشاعر المتسلق الذي راهن على خلْعة السلطان وعطاءاته المجزية لكي يتخلص من إرث الماضي المثقل بالآلام والمكابدات وعقد النقص. وإذا كانت القيمة الفعلية لأي شاعر لا تحددها سلوكياته الشخصية أو مواقفه السياسية، بل تحددها معايير متعلقة بمنجزه الإبداعي وحده، فإن ذلك لا يحول دون إيجاد صلة أو نسب ما بين الحياة والكتابة، كما بين صدق التجربة ومصداقية التعبير عنها. وهو ما سنجد ترجمة له في المحطات المختلفة لمسيرة الفيتوري منذ بداياته المبكرة وحتى سنيه الأخيرة.
يؤكد محمد الفيتوري في تقديمه المسهب لأعماله الشعرية، التي صدرت في بيروت عام 1972، على أن بواكيره الموزعة بين نبرتي الحزن والرفض كانت تتغذى من المعاناة التاريخية القاسية لقارته السمراء، بقدر ما تتغذى من معاناة شخصية موازية تَسبب بها شعور عميق بالفقر والمهانة تبدو انعكاساته في غير قصيدة من قصائده. وقد تكون جرأة السياب، الذي سبقه في العمر والتجربة، على الاعتراف بدمامته التي جعلت نساء العراق يكتفين بالافتتان بشعره دون شخصه، هي واحدة من العوامل التي دفعت الفيتوري إلى القول «دميمٌ... فوجهٌ كأني به\ دخانٌ تكثّف ثم التحمْ\ وعينان فيه كأرجوحتينِ\ مثقلتين بريح الألم\ وأنفٌ تحدّر ثم ارتمى\ فبان كمقبرة لم تتمْ». لكن هذه النبرة المأساوية المهيضة سرعان ما تخلي مكانها لنبرة التمرد والغضب والحث على النهوض، حيث تتقاطع حركة الصحوة الأفريقية التي جسدها كلّ من ليوبولد سيدور سنغور وأوغستينو نيتو وآخرون، مع حركة الحداثة العربية ذات البعد النهضوي التموزي. وهو ما جسدته بشكل واضح مجموعات «أغاني أفريقيا» و«اذكريني يا أفريقيا» و«عاشق من أفريقيا». وكالكثير من مجايليه كان الفيتوري، الذي كرر في غير مناسبة إعجابه ببودلير، يعيش صراعاً داخلياً واضحاً بين ذهابه في مغامرة التجديد حتى نهاياتها، وبين وقوعه تحت وطأة الواقعية الاشتراكية التي ترى في الشعر وسيلة ناجعة لإثارة الجماهير وتحريضها على الثورة. وقد ظل الشاعر أبداً أسير ذلك الترنح المؤرق بين الخيارين. فهو يلعب حيناً على وتر الجرْس التطريبي والتجييش «الثوري» العاطفي: «زمني يا أختَ هواي عجب \ زمني جلاد لا يرحمْ\ زمني يا أخت هواي أصم\ يخنقني كي لا أتكلمْ\ وأنا إنسانٌ يتألمْ». فيما يؤثر أحياناً أخرى أن يتلمس الشعر عبر الصفيح الساخن الذي تنصهر فوقه نُذُر الثورة ووعود الأنوثة: «هذا مسار نجمهم\ أيتها الحبيبة الغريبة\ الحبيبة، الجمالُ والدمامة\ هذا مسار نجمهم\ يركض في الزاوية الكبرى قليلاً\ ثم ينهار رماداً\ راسماً في جبهة الشرق وعينيه علامة\ فابتسمي حتى تمرّ الخيل والبيارق المذهّبة\فالخيل ليست خيلَنا نحن ولا الصهيلْ\ واختبئي في مطر الضفائر المضطربة\ وكبرياء حقدك الجميلْ». أما الوجه الآخر للفيتوري فيتمثل في نزوعه الصوفي الذي تبدو تجلياته واضحة في دواوينه «معزوفة لدرويش متجول»، وبعض قصائد «سقوط دبشليم» و«البطل والثورة والمشنقة»، كما في أعمال وقصائد لاحقة. وهذا النزوع متأتّ بشكل أساسي من البيئة السودانية المحلية التي تعج بالطقوس الدينية والطرق الصوفية المختلفة. وهو بالتالي لا يقتصر على تجربة الفيتوري وحدها، بل يتعداها إلى تجارب أخرى للتيجاني يوسف بشير ومحمد المهدي المجذوب ومحمد عبد الحي وغيرهم. على أن من يمعن النظر في نتاج الشاعر وإصداراته أواخر ستينيات القرن المنصرم وأوائل سبعينياته، لا بد أن يلاحظ أن النقلة المهمة التي حققها الشاعر على مستويات الأسلوب واللغة والرؤية لم تتحقق بفعل الصدفة، بل كان لإقامته في بيروت وتفاعله مع حراكها الثقافي ومغامرتها الحداثية النشطة الدور الأبرز في تعميق تجربته وتوسيع مخيلته والتخفيف من نزوعه الخطابي والآيديولوجي المباشر. هكذا أتيح للفيتوري أن يكتب نصوصاً مختلفة من مثل: «لماذا تظلّ الوجوه المليئة بالصمت موغلة في الذهابْ؟\ أأقنعة أم وجوهٌ محدقة في مرايا العذابْ؟\ لماذا المقاعد مصفوفة والقناديل والزهرُ..\ حتى كأن ستار النهاية\ ستارُ البداية\ لماذا أنا أنتِ يا ويلتاه؟». أو نصوصاً مميزة أخرى حفظها آلاف القراء، من مثل «في حضرة مَن أهوى\ عبثتْ بي الأشواقْ\ حدّقتُ بلا وجهٍ\ ورقصتُ بلا ساقْ\ وزحمْتُ براياتي\ وطبولي الآفاقْ\ عشقي يُفني عشقي\ وفنائي استغراقْ\ مملوككَ لكني\ سلطان العشاقْ». وقد يكون الفيتوري قد وجد في المقاربة الصوفية للعالم ما يعفيه من كل شعور بالنقص، حيث معايير الرفعة والجمال تنبع من لآلئ الداخل الإنساني وكشوفه، لا من اللون والشكل والملامح الظاهرة.
لكن البوصلة التي رسمت لمحمد الفيتوري سبل الوصول إلى جوهر الشعر من جهة، وسبل تجاوز عقد نقصه الشخصية عبر نقلها إلى الخانة الأوسع المتصلة بالدفاع عن قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، من جهة أخرى، ما لبثت أن انقلبت على وجهتها الأساسية لتقوده إلى التماهي الكامل مع صورة الطاغية التي سبق أن صب عليها جام غضبه قبل ذلك. ومنذ أن وضع الشاعر نفسه في عهدة معمر القذافي وتصرّفه، منتقلاً من خانة الفقر والتهميش إلى خانة الوجاهة الاجتماعية والمناصب المرموقة والثراء الباذخ، حتى بدأت الشعلة المتوهجة بالضمور، ليتحول الشعر الخلاق إلى نظم احترافي لمعلقات المديح، وليتحول الانبثاق الروحي التلقائي إلى عرض استعادي للمهارات البلاغية الشكلية. والشاعر الذي سبق له أن هتف ذات يوم: «لماذا يظن الطغاة الصغار/ وتشحب ألوانهمْ/ أن موت المناضل موتُ القضية!»، هو نفسه الذي سيقول في مديح الحاكم الليبي، ونظير النميري في الطغيان: «ها أنت ذا فوق صخر الموت تزدهرُ\ تصحو، وتصحو المرايا فيك والصوَرُ\ كأنما جئتَ من كل العصور، وقد\ كنتَ النبوءة في أحلام من عبروا\ يا حامل الوحدة الكبرى إلى أفُقٍ\ راياتهُ النجمتان: المجدُ والظفَرُ». وإذا كنا سنلحظ في مجموعات الشاعر اللاحقة ارتفاعاً لمنسوب القصائد التي تحتفي بالهموم القومية وحركات المقاومة في شتى ديار العرب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازياً في منسوب الالتحام بقضايا الأمة ومعاناة شعوبها، بل هو نوع من «التبييض» الأخلاقي الرمزي لسواد التحالف مع الطغاة والانحياز إلى خانة الجلادين. ولن تستطيع الكتابة عن فلسطين وسواها في مجموعة «يأتي العاشقون إليك»، أو قول الفيتوري عن أطفال الحجارة «ليس طفلاً ذلك الخارج من قبعة الحاخامِ\ من قوس الهزائمْ\ إنه العدل الذي يكبر في صمت الجرائمْ\ إنه التاريخ مسقوفاً بأزهار الجماجمْ\ إنه روح فلسطين المقاومْ»، أن يحجب تسويغ الشاعر للعسف السلطوي، وللدماء البريئة التي أريقت، وما زالت تراق في ساحة عربية لم يأخذ جرحها بعد طريقه إلى الالتئام.
على أنه ليس من العدل بمكان أن نكتفي بقراءة شاعر متميز كمحمد الفيتوري من جانب سقوطه السياسي وحده، أو من الجانب المتعلق باستمرائه لمقتضيات الإنشاد المنبري والتحريضي، بل تجب قراءته أيضاً في تجلياته الروحية العميقة، وفي براعته الأسلوبية العالية. فالخيارات الخاطئة لصاحب «أقوال شاهد إثبات» لا ينبغي بالقطع أن تحجب وهجه الشعري عن الأعين. وما سيظل من الفيتوري ليست منظوماته الحماسية التقريرية، ولا تملقه المتكلف للحكام، بل بعض نصوصه العالية التي تنبثق من مكابدات النفس، ومن أكثر الأماكن صلة بالشغاف، من مثل قوله «شحبتْ روحي\ صارت شفقاً\ كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا\ أتوهج في بدني\ غيري أعمى\ مهما أصغى لن يبصرني\ فأنا جسدٌ حجرٌ\ شيءٌ عبَر الشارعْ\ جزُرٌ غرقى في قاع البحر أنا\ وحريقٌ في الجسد الضائعْ».



لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
TT

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشدُّ حزناً من سواه؛ فقد فقدت مؤرختها المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي «1939 - 2026»، ومما يزيد من فجيعة المدينة المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يوم «المؤنث العالمي» للمرأة، والمدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً.

للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فقد أسهمت الكاتبة الراحلة في رسم مسارات هذه الثقافة؛ إذ «أسست كل طيَّة من فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طويلة منحتها «معلومات تاريخية موثوقة»، ولغة «ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، فوَّاحة بالعطور، منغَّمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى». ولا عجب أن نجد شاعراً أو كاتباً من جيل آخر، ممن ولد بعد عقود من ترسُّخ اسم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الشاعر عمر السراي اللسان الناطق «باسم هموم المجتمع من ستينيات القرن العشرين بأدبها الرصين وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها».

غلاف "عشاق وفوتوغراف وأزمنة"

«المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية

وبرغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار، كما تقول الناقدة إشراق سامي، وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية للمنتجين في حقول الإبداع والأدب». وهذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الشؤون الثقافية العامة، حيث عملت هناك صحافية ومحررة، ثم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة التي كانت تطردها للهامش كانت هي ذاتها من أعلت من شأنها، بعد أن أثبتت حضورها المتفرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قصة، ورواية، وهي مترجمة، وناقدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز متفرد. كانت حقاً، والكلام للساعدي «رقماً صعباً في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مساراً عجز عن خطه مبدعون كبار».

ومما له صلة عميقة بأصول رفضها لإدراج نصوصها في خانة «الأدب النسوي»، تعلُّق نصوصها الأساسية بما يسميه الناقد عقيل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الوطنية في الرواية العربية» المعبرة عن «تطلع الكتّاب إلى دولة وطنية تحكمها قيم الحرية والعدل»، فلما انتهت تلك الإليغوريا الوطنية إلى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة للإنسان والبيئة»، نجد أن الكاتبة لطفية الدليمي، تحديداً في روايتها الأخيرة «مشروع أوما»، تسعى، كما يضيف عبد الحسين، إلى «استبدال بالإليغوريا العالمية الإليغوريا الوطنية، تلك التي توحِّد العالم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغيرها، ويخلص للإنسان، ولما ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته في العيش والإحساس، ويحرره من نير التصنيفات التقليدية: مذكر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجنبي». ولا بد أن التحوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها.

ذاكرة أخرى للأدب والحياة

وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة، أو تكاد؛ فقصصها القصيرة ورواياتها صارت بمثابة «ذاكرة حية للحياة العراقية والعربية حيث سجَّلت من خلال قصصها القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهم العتبات التاريخية والسياسية والثقافية وتحولاتها الحادة عراقياً وعربياً. إنها نموذج للمبدعة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بحراجة الراهن وأهميته». وقد يكون علينا، في سياق الكتابة عن الذاكرة الإبداعية كما تقدِّمها روايات وقصص، وحتى مقالات وترجمات الكاتبة الراحلة، أن نلاحقها على المستوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمن عراقي عاصف، اختلطت فيه الرومانسية بالآيديولوجيا، الرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، إذ كانت فيه لطفية الدليمي الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى».

غلاف «إذا كنت تحب»

وقد لا يبتعد كثيراً الحديث عن الذاكرة الخصبة للكاتبة الراحلة على صعيدي النصوص الأدبية أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه من تأثير كبير مارسته الكاتبة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي العوالم العجائبية نجده، ابتداءً، في نصوص الكاتبة الأولى؛ فهي الكاتبة الستينية التي «تغامر» و«تصدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تحب»، وهو عنوان «رومانسي»، كما يقول الكاتب عبد الستار البيضاني، وقد حملت القصص غلافاً مفارقاً لما كان سائداً في كتب تلك الحقبة، فقد اختارت الكاتبة «لمجموعتها صورة فوتوغرافية لحقل تداعب الريح زرعه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة القص». سوى أن الإحساس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبية» إلى ملتقى لأبناء ذلك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لقاءاتنا». فهي الأم الرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهو من جيل أدبي لاحق، أو هي الأم الكونية مثلما يحلو لها أن تسمِّي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أيَّ كتاب من كتبها: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة، ومؤلفها الجميل عن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية».

وفيما كتبته الناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فرحات تعليقاً على رحيل الكاتبة المحزن مصداق للتأثير الكبير الذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بغداد فحسب، إنما تلمسه الناقدة الأردنية على مدينة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطناً بديلاً بعد أن ضاقت بها السبل؛ فصارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حزينة بفقد قامة إبداعية عظيمة ومؤثرة».

وعندي، أنا المولود بعد عقود من القصة الأولى، والكتاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سياق متَّصل وآخذ بالاتساع والدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكتب اليوم عن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكان لي أن أكتب مقالة أولى، كما أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّا»، وقد نشرته «الشرق الأوسط» الغراء. لكني أستعيد، هنا، رغبتي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بنشر نصوصي في المجلة الأدبية التي كانت تحرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تلك الرغبة، ذلك الشغف الجارف بأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الكريمتين، ولكن... هيهات؛ فقد ظل حلماً جميلاً.

 برغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»


أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».