محمد الفيتوري من الدفاع عن الضحايا إلى التماهي مع الجلاد

شاعر «السحر الأسود» الذي طالما حبس الأنفاس بحضوره المنبري

الفيتوري في شبابه
الفيتوري في شبابه
TT

محمد الفيتوري من الدفاع عن الضحايا إلى التماهي مع الجلاد

الفيتوري في شبابه
الفيتوري في شبابه

كنت بعدُ طالباً على مقاعد الدراسة حين دُعي محمد الفيتوري لإقامة أمسية شعرية في بيروت، في مطالع سبعينيات القرن الفائت. لم يكن اسم الفيتوري يومها جديداً على الجمهور اللبناني الذي كان قد تعرّف، قبلها بسنوات، وفي المكان إياه، إلى الشاعر السوداني الشاب وهو يقف جنباً إلى جنب مع فحول القصيدة العربية التقليدية، لينشد في رثاء الأخطل الصغير قصيدته الميمية التي يحفظ الكثيرون من أبياتها قول الشاعر «أنت في لبنان والشعر له/ في ربى لبنان عرشٌ ومقامُ/ أنت في لبنان والخلْد هنا/ والرجال العبقريون أقاموا/ حملوا الكون على أكتافهمْ/ ورعوا غربته وهو غلامُ. غرسوا الحب فلما أثمر الحب أهدوه إلى الناس وهاموا». على أن الحشد الذي ملأ «قاعة الأونيسكو» في الأمسية اللاحقة لم يكن مدفوعاً إلى الحضور بتأثير من المناسبة الأولى فحسب، بل بما تركته أعمال الشاعر المبكرة، التي اتخذت من المعاناة الأفريقية محوراً لها، من أثر عميق في نفوس قرائه ومتابعيه. وقد عملت أحزاب اليسار العربي، والشيوعيون بوجه خاص، على الترويج للفيتوري بوصفه شاعر القارة المقهورة، والمعبّر الأمثل عن سعيها إلى التحرر من ربقة الفقر والجهل والاستعباد. وإذا كانت قصائد الشاعر في تلك الأمسية قد دغدغت أسماع الحضور بأسماء قادة ثوريين من طراز لوممبا وعبد الناصر ونكروما وأحمد بن بيلا، فإن أكثر ما يتذكره الحضور من تلك الأمسية هو إلقاؤه المميز لقصائده، حيث استطاع أن يحبس الأنفاس بصوته الأجش الراعش، وبصره المسدد نحو نقطة ثابتة في سقف القاعة، وتلوينات أدائه المسرحي التي فعلت بصعودها وهبوطها المتعاقبين، فعل السحر في الحاضرين. حتى إذا فرغ الشاعر من قراءة قصيدته المؤثرة في رثاء المناضل السوداني عبد الخالق محجوب، الذي أعدمه النظام الحاكم آنذاك، انفجرت القاعة بالحماس الغاضب، وبدا للكثيرين أن عصر الشيوعية «السعيد» ليس بعيداً جداً، رغم تعاظم الخيبات ودموية الطغاة الجلادين.
قد تكون تجربة الفيتوري، على المستويين الشخصي والإبداعي، واحدة من أكثر التجارب الشعرية التي تفتح شهية النقاد والدارسين لتناولها بالكتابة والتحليل. ليس فقط لخصوصية موضوعاتها وعناصرها الأسلوبية، بل لأن المفارقات التي حكمت شخصية الشاعر وتحولات مسيرته الحياتية، لا تحصر دراسته في المستوى النقدي التقليدي، بل تترك لعلمي النفس والاجتماع أن يقولا الكثير في طبيعة هذه التجربة وتتبّع انعطافاتها الدراماتيكية ومآلاتها المتعارضة. والحقيقة أن أي تتبع عميق لمسيرة صاحب «معزوفة لدرويش متجول» لا بد أن يوصلنا إلى الاستنتاج بأننا أمام نسَخ ثلاث، على الأقل، من شخصية الفيتوري المركبة. وهي أولاً نسخة الشاعر الثوري الذي أمدّه فقره وسواد لونه وموقعه الهامشي، بمشاعر التمرد والنقمة والاحتجاج على الواقع. ونسخة الشاعر المتأمل الذي وجد في التجربة السودانية الصوفية، بما تمتلكه من ثراء ميتافيزيقي وروحي، ما يُخرجه من مأزقه. ونسخة الشاعر المتسلق الذي راهن على خلْعة السلطان وعطاءاته المجزية لكي يتخلص من إرث الماضي المثقل بالآلام والمكابدات وعقد النقص. وإذا كانت القيمة الفعلية لأي شاعر لا تحددها سلوكياته الشخصية أو مواقفه السياسية، بل تحددها معايير متعلقة بمنجزه الإبداعي وحده، فإن ذلك لا يحول دون إيجاد صلة أو نسب ما بين الحياة والكتابة، كما بين صدق التجربة ومصداقية التعبير عنها. وهو ما سنجد ترجمة له في المحطات المختلفة لمسيرة الفيتوري منذ بداياته المبكرة وحتى سنيه الأخيرة.
يؤكد محمد الفيتوري في تقديمه المسهب لأعماله الشعرية، التي صدرت في بيروت عام 1972، على أن بواكيره الموزعة بين نبرتي الحزن والرفض كانت تتغذى من المعاناة التاريخية القاسية لقارته السمراء، بقدر ما تتغذى من معاناة شخصية موازية تَسبب بها شعور عميق بالفقر والمهانة تبدو انعكاساته في غير قصيدة من قصائده. وقد تكون جرأة السياب، الذي سبقه في العمر والتجربة، على الاعتراف بدمامته التي جعلت نساء العراق يكتفين بالافتتان بشعره دون شخصه، هي واحدة من العوامل التي دفعت الفيتوري إلى القول «دميمٌ... فوجهٌ كأني به\ دخانٌ تكثّف ثم التحمْ\ وعينان فيه كأرجوحتينِ\ مثقلتين بريح الألم\ وأنفٌ تحدّر ثم ارتمى\ فبان كمقبرة لم تتمْ». لكن هذه النبرة المأساوية المهيضة سرعان ما تخلي مكانها لنبرة التمرد والغضب والحث على النهوض، حيث تتقاطع حركة الصحوة الأفريقية التي جسدها كلّ من ليوبولد سيدور سنغور وأوغستينو نيتو وآخرون، مع حركة الحداثة العربية ذات البعد النهضوي التموزي. وهو ما جسدته بشكل واضح مجموعات «أغاني أفريقيا» و«اذكريني يا أفريقيا» و«عاشق من أفريقيا». وكالكثير من مجايليه كان الفيتوري، الذي كرر في غير مناسبة إعجابه ببودلير، يعيش صراعاً داخلياً واضحاً بين ذهابه في مغامرة التجديد حتى نهاياتها، وبين وقوعه تحت وطأة الواقعية الاشتراكية التي ترى في الشعر وسيلة ناجعة لإثارة الجماهير وتحريضها على الثورة. وقد ظل الشاعر أبداً أسير ذلك الترنح المؤرق بين الخيارين. فهو يلعب حيناً على وتر الجرْس التطريبي والتجييش «الثوري» العاطفي: «زمني يا أختَ هواي عجب \ زمني جلاد لا يرحمْ\ زمني يا أخت هواي أصم\ يخنقني كي لا أتكلمْ\ وأنا إنسانٌ يتألمْ». فيما يؤثر أحياناً أخرى أن يتلمس الشعر عبر الصفيح الساخن الذي تنصهر فوقه نُذُر الثورة ووعود الأنوثة: «هذا مسار نجمهم\ أيتها الحبيبة الغريبة\ الحبيبة، الجمالُ والدمامة\ هذا مسار نجمهم\ يركض في الزاوية الكبرى قليلاً\ ثم ينهار رماداً\ راسماً في جبهة الشرق وعينيه علامة\ فابتسمي حتى تمرّ الخيل والبيارق المذهّبة\فالخيل ليست خيلَنا نحن ولا الصهيلْ\ واختبئي في مطر الضفائر المضطربة\ وكبرياء حقدك الجميلْ». أما الوجه الآخر للفيتوري فيتمثل في نزوعه الصوفي الذي تبدو تجلياته واضحة في دواوينه «معزوفة لدرويش متجول»، وبعض قصائد «سقوط دبشليم» و«البطل والثورة والمشنقة»، كما في أعمال وقصائد لاحقة. وهذا النزوع متأتّ بشكل أساسي من البيئة السودانية المحلية التي تعج بالطقوس الدينية والطرق الصوفية المختلفة. وهو بالتالي لا يقتصر على تجربة الفيتوري وحدها، بل يتعداها إلى تجارب أخرى للتيجاني يوسف بشير ومحمد المهدي المجذوب ومحمد عبد الحي وغيرهم. على أن من يمعن النظر في نتاج الشاعر وإصداراته أواخر ستينيات القرن المنصرم وأوائل سبعينياته، لا بد أن يلاحظ أن النقلة المهمة التي حققها الشاعر على مستويات الأسلوب واللغة والرؤية لم تتحقق بفعل الصدفة، بل كان لإقامته في بيروت وتفاعله مع حراكها الثقافي ومغامرتها الحداثية النشطة الدور الأبرز في تعميق تجربته وتوسيع مخيلته والتخفيف من نزوعه الخطابي والآيديولوجي المباشر. هكذا أتيح للفيتوري أن يكتب نصوصاً مختلفة من مثل: «لماذا تظلّ الوجوه المليئة بالصمت موغلة في الذهابْ؟\ أأقنعة أم وجوهٌ محدقة في مرايا العذابْ؟\ لماذا المقاعد مصفوفة والقناديل والزهرُ..\ حتى كأن ستار النهاية\ ستارُ البداية\ لماذا أنا أنتِ يا ويلتاه؟». أو نصوصاً مميزة أخرى حفظها آلاف القراء، من مثل «في حضرة مَن أهوى\ عبثتْ بي الأشواقْ\ حدّقتُ بلا وجهٍ\ ورقصتُ بلا ساقْ\ وزحمْتُ براياتي\ وطبولي الآفاقْ\ عشقي يُفني عشقي\ وفنائي استغراقْ\ مملوككَ لكني\ سلطان العشاقْ». وقد يكون الفيتوري قد وجد في المقاربة الصوفية للعالم ما يعفيه من كل شعور بالنقص، حيث معايير الرفعة والجمال تنبع من لآلئ الداخل الإنساني وكشوفه، لا من اللون والشكل والملامح الظاهرة.
لكن البوصلة التي رسمت لمحمد الفيتوري سبل الوصول إلى جوهر الشعر من جهة، وسبل تجاوز عقد نقصه الشخصية عبر نقلها إلى الخانة الأوسع المتصلة بالدفاع عن قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، من جهة أخرى، ما لبثت أن انقلبت على وجهتها الأساسية لتقوده إلى التماهي الكامل مع صورة الطاغية التي سبق أن صب عليها جام غضبه قبل ذلك. ومنذ أن وضع الشاعر نفسه في عهدة معمر القذافي وتصرّفه، منتقلاً من خانة الفقر والتهميش إلى خانة الوجاهة الاجتماعية والمناصب المرموقة والثراء الباذخ، حتى بدأت الشعلة المتوهجة بالضمور، ليتحول الشعر الخلاق إلى نظم احترافي لمعلقات المديح، وليتحول الانبثاق الروحي التلقائي إلى عرض استعادي للمهارات البلاغية الشكلية. والشاعر الذي سبق له أن هتف ذات يوم: «لماذا يظن الطغاة الصغار/ وتشحب ألوانهمْ/ أن موت المناضل موتُ القضية!»، هو نفسه الذي سيقول في مديح الحاكم الليبي، ونظير النميري في الطغيان: «ها أنت ذا فوق صخر الموت تزدهرُ\ تصحو، وتصحو المرايا فيك والصوَرُ\ كأنما جئتَ من كل العصور، وقد\ كنتَ النبوءة في أحلام من عبروا\ يا حامل الوحدة الكبرى إلى أفُقٍ\ راياتهُ النجمتان: المجدُ والظفَرُ». وإذا كنا سنلحظ في مجموعات الشاعر اللاحقة ارتفاعاً لمنسوب القصائد التي تحتفي بالهموم القومية وحركات المقاومة في شتى ديار العرب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازياً في منسوب الالتحام بقضايا الأمة ومعاناة شعوبها، بل هو نوع من «التبييض» الأخلاقي الرمزي لسواد التحالف مع الطغاة والانحياز إلى خانة الجلادين. ولن تستطيع الكتابة عن فلسطين وسواها في مجموعة «يأتي العاشقون إليك»، أو قول الفيتوري عن أطفال الحجارة «ليس طفلاً ذلك الخارج من قبعة الحاخامِ\ من قوس الهزائمْ\ إنه العدل الذي يكبر في صمت الجرائمْ\ إنه التاريخ مسقوفاً بأزهار الجماجمْ\ إنه روح فلسطين المقاومْ»، أن يحجب تسويغ الشاعر للعسف السلطوي، وللدماء البريئة التي أريقت، وما زالت تراق في ساحة عربية لم يأخذ جرحها بعد طريقه إلى الالتئام.
على أنه ليس من العدل بمكان أن نكتفي بقراءة شاعر متميز كمحمد الفيتوري من جانب سقوطه السياسي وحده، أو من الجانب المتعلق باستمرائه لمقتضيات الإنشاد المنبري والتحريضي، بل تجب قراءته أيضاً في تجلياته الروحية العميقة، وفي براعته الأسلوبية العالية. فالخيارات الخاطئة لصاحب «أقوال شاهد إثبات» لا ينبغي بالقطع أن تحجب وهجه الشعري عن الأعين. وما سيظل من الفيتوري ليست منظوماته الحماسية التقريرية، ولا تملقه المتكلف للحكام، بل بعض نصوصه العالية التي تنبثق من مكابدات النفس، ومن أكثر الأماكن صلة بالشغاف، من مثل قوله «شحبتْ روحي\ صارت شفقاً\ كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا\ أتوهج في بدني\ غيري أعمى\ مهما أصغى لن يبصرني\ فأنا جسدٌ حجرٌ\ شيءٌ عبَر الشارعْ\ جزُرٌ غرقى في قاع البحر أنا\ وحريقٌ في الجسد الضائعْ».



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.