محمد الفيتوري من الدفاع عن الضحايا إلى التماهي مع الجلاد

شاعر «السحر الأسود» الذي طالما حبس الأنفاس بحضوره المنبري

الفيتوري في شبابه
الفيتوري في شبابه
TT

محمد الفيتوري من الدفاع عن الضحايا إلى التماهي مع الجلاد

الفيتوري في شبابه
الفيتوري في شبابه

كنت بعدُ طالباً على مقاعد الدراسة حين دُعي محمد الفيتوري لإقامة أمسية شعرية في بيروت، في مطالع سبعينيات القرن الفائت. لم يكن اسم الفيتوري يومها جديداً على الجمهور اللبناني الذي كان قد تعرّف، قبلها بسنوات، وفي المكان إياه، إلى الشاعر السوداني الشاب وهو يقف جنباً إلى جنب مع فحول القصيدة العربية التقليدية، لينشد في رثاء الأخطل الصغير قصيدته الميمية التي يحفظ الكثيرون من أبياتها قول الشاعر «أنت في لبنان والشعر له/ في ربى لبنان عرشٌ ومقامُ/ أنت في لبنان والخلْد هنا/ والرجال العبقريون أقاموا/ حملوا الكون على أكتافهمْ/ ورعوا غربته وهو غلامُ. غرسوا الحب فلما أثمر الحب أهدوه إلى الناس وهاموا». على أن الحشد الذي ملأ «قاعة الأونيسكو» في الأمسية اللاحقة لم يكن مدفوعاً إلى الحضور بتأثير من المناسبة الأولى فحسب، بل بما تركته أعمال الشاعر المبكرة، التي اتخذت من المعاناة الأفريقية محوراً لها، من أثر عميق في نفوس قرائه ومتابعيه. وقد عملت أحزاب اليسار العربي، والشيوعيون بوجه خاص، على الترويج للفيتوري بوصفه شاعر القارة المقهورة، والمعبّر الأمثل عن سعيها إلى التحرر من ربقة الفقر والجهل والاستعباد. وإذا كانت قصائد الشاعر في تلك الأمسية قد دغدغت أسماع الحضور بأسماء قادة ثوريين من طراز لوممبا وعبد الناصر ونكروما وأحمد بن بيلا، فإن أكثر ما يتذكره الحضور من تلك الأمسية هو إلقاؤه المميز لقصائده، حيث استطاع أن يحبس الأنفاس بصوته الأجش الراعش، وبصره المسدد نحو نقطة ثابتة في سقف القاعة، وتلوينات أدائه المسرحي التي فعلت بصعودها وهبوطها المتعاقبين، فعل السحر في الحاضرين. حتى إذا فرغ الشاعر من قراءة قصيدته المؤثرة في رثاء المناضل السوداني عبد الخالق محجوب، الذي أعدمه النظام الحاكم آنذاك، انفجرت القاعة بالحماس الغاضب، وبدا للكثيرين أن عصر الشيوعية «السعيد» ليس بعيداً جداً، رغم تعاظم الخيبات ودموية الطغاة الجلادين.
قد تكون تجربة الفيتوري، على المستويين الشخصي والإبداعي، واحدة من أكثر التجارب الشعرية التي تفتح شهية النقاد والدارسين لتناولها بالكتابة والتحليل. ليس فقط لخصوصية موضوعاتها وعناصرها الأسلوبية، بل لأن المفارقات التي حكمت شخصية الشاعر وتحولات مسيرته الحياتية، لا تحصر دراسته في المستوى النقدي التقليدي، بل تترك لعلمي النفس والاجتماع أن يقولا الكثير في طبيعة هذه التجربة وتتبّع انعطافاتها الدراماتيكية ومآلاتها المتعارضة. والحقيقة أن أي تتبع عميق لمسيرة صاحب «معزوفة لدرويش متجول» لا بد أن يوصلنا إلى الاستنتاج بأننا أمام نسَخ ثلاث، على الأقل، من شخصية الفيتوري المركبة. وهي أولاً نسخة الشاعر الثوري الذي أمدّه فقره وسواد لونه وموقعه الهامشي، بمشاعر التمرد والنقمة والاحتجاج على الواقع. ونسخة الشاعر المتأمل الذي وجد في التجربة السودانية الصوفية، بما تمتلكه من ثراء ميتافيزيقي وروحي، ما يُخرجه من مأزقه. ونسخة الشاعر المتسلق الذي راهن على خلْعة السلطان وعطاءاته المجزية لكي يتخلص من إرث الماضي المثقل بالآلام والمكابدات وعقد النقص. وإذا كانت القيمة الفعلية لأي شاعر لا تحددها سلوكياته الشخصية أو مواقفه السياسية، بل تحددها معايير متعلقة بمنجزه الإبداعي وحده، فإن ذلك لا يحول دون إيجاد صلة أو نسب ما بين الحياة والكتابة، كما بين صدق التجربة ومصداقية التعبير عنها. وهو ما سنجد ترجمة له في المحطات المختلفة لمسيرة الفيتوري منذ بداياته المبكرة وحتى سنيه الأخيرة.
يؤكد محمد الفيتوري في تقديمه المسهب لأعماله الشعرية، التي صدرت في بيروت عام 1972، على أن بواكيره الموزعة بين نبرتي الحزن والرفض كانت تتغذى من المعاناة التاريخية القاسية لقارته السمراء، بقدر ما تتغذى من معاناة شخصية موازية تَسبب بها شعور عميق بالفقر والمهانة تبدو انعكاساته في غير قصيدة من قصائده. وقد تكون جرأة السياب، الذي سبقه في العمر والتجربة، على الاعتراف بدمامته التي جعلت نساء العراق يكتفين بالافتتان بشعره دون شخصه، هي واحدة من العوامل التي دفعت الفيتوري إلى القول «دميمٌ... فوجهٌ كأني به\ دخانٌ تكثّف ثم التحمْ\ وعينان فيه كأرجوحتينِ\ مثقلتين بريح الألم\ وأنفٌ تحدّر ثم ارتمى\ فبان كمقبرة لم تتمْ». لكن هذه النبرة المأساوية المهيضة سرعان ما تخلي مكانها لنبرة التمرد والغضب والحث على النهوض، حيث تتقاطع حركة الصحوة الأفريقية التي جسدها كلّ من ليوبولد سيدور سنغور وأوغستينو نيتو وآخرون، مع حركة الحداثة العربية ذات البعد النهضوي التموزي. وهو ما جسدته بشكل واضح مجموعات «أغاني أفريقيا» و«اذكريني يا أفريقيا» و«عاشق من أفريقيا». وكالكثير من مجايليه كان الفيتوري، الذي كرر في غير مناسبة إعجابه ببودلير، يعيش صراعاً داخلياً واضحاً بين ذهابه في مغامرة التجديد حتى نهاياتها، وبين وقوعه تحت وطأة الواقعية الاشتراكية التي ترى في الشعر وسيلة ناجعة لإثارة الجماهير وتحريضها على الثورة. وقد ظل الشاعر أبداً أسير ذلك الترنح المؤرق بين الخيارين. فهو يلعب حيناً على وتر الجرْس التطريبي والتجييش «الثوري» العاطفي: «زمني يا أختَ هواي عجب \ زمني جلاد لا يرحمْ\ زمني يا أخت هواي أصم\ يخنقني كي لا أتكلمْ\ وأنا إنسانٌ يتألمْ». فيما يؤثر أحياناً أخرى أن يتلمس الشعر عبر الصفيح الساخن الذي تنصهر فوقه نُذُر الثورة ووعود الأنوثة: «هذا مسار نجمهم\ أيتها الحبيبة الغريبة\ الحبيبة، الجمالُ والدمامة\ هذا مسار نجمهم\ يركض في الزاوية الكبرى قليلاً\ ثم ينهار رماداً\ راسماً في جبهة الشرق وعينيه علامة\ فابتسمي حتى تمرّ الخيل والبيارق المذهّبة\فالخيل ليست خيلَنا نحن ولا الصهيلْ\ واختبئي في مطر الضفائر المضطربة\ وكبرياء حقدك الجميلْ». أما الوجه الآخر للفيتوري فيتمثل في نزوعه الصوفي الذي تبدو تجلياته واضحة في دواوينه «معزوفة لدرويش متجول»، وبعض قصائد «سقوط دبشليم» و«البطل والثورة والمشنقة»، كما في أعمال وقصائد لاحقة. وهذا النزوع متأتّ بشكل أساسي من البيئة السودانية المحلية التي تعج بالطقوس الدينية والطرق الصوفية المختلفة. وهو بالتالي لا يقتصر على تجربة الفيتوري وحدها، بل يتعداها إلى تجارب أخرى للتيجاني يوسف بشير ومحمد المهدي المجذوب ومحمد عبد الحي وغيرهم. على أن من يمعن النظر في نتاج الشاعر وإصداراته أواخر ستينيات القرن المنصرم وأوائل سبعينياته، لا بد أن يلاحظ أن النقلة المهمة التي حققها الشاعر على مستويات الأسلوب واللغة والرؤية لم تتحقق بفعل الصدفة، بل كان لإقامته في بيروت وتفاعله مع حراكها الثقافي ومغامرتها الحداثية النشطة الدور الأبرز في تعميق تجربته وتوسيع مخيلته والتخفيف من نزوعه الخطابي والآيديولوجي المباشر. هكذا أتيح للفيتوري أن يكتب نصوصاً مختلفة من مثل: «لماذا تظلّ الوجوه المليئة بالصمت موغلة في الذهابْ؟\ أأقنعة أم وجوهٌ محدقة في مرايا العذابْ؟\ لماذا المقاعد مصفوفة والقناديل والزهرُ..\ حتى كأن ستار النهاية\ ستارُ البداية\ لماذا أنا أنتِ يا ويلتاه؟». أو نصوصاً مميزة أخرى حفظها آلاف القراء، من مثل «في حضرة مَن أهوى\ عبثتْ بي الأشواقْ\ حدّقتُ بلا وجهٍ\ ورقصتُ بلا ساقْ\ وزحمْتُ براياتي\ وطبولي الآفاقْ\ عشقي يُفني عشقي\ وفنائي استغراقْ\ مملوككَ لكني\ سلطان العشاقْ». وقد يكون الفيتوري قد وجد في المقاربة الصوفية للعالم ما يعفيه من كل شعور بالنقص، حيث معايير الرفعة والجمال تنبع من لآلئ الداخل الإنساني وكشوفه، لا من اللون والشكل والملامح الظاهرة.
لكن البوصلة التي رسمت لمحمد الفيتوري سبل الوصول إلى جوهر الشعر من جهة، وسبل تجاوز عقد نقصه الشخصية عبر نقلها إلى الخانة الأوسع المتصلة بالدفاع عن قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، من جهة أخرى، ما لبثت أن انقلبت على وجهتها الأساسية لتقوده إلى التماهي الكامل مع صورة الطاغية التي سبق أن صب عليها جام غضبه قبل ذلك. ومنذ أن وضع الشاعر نفسه في عهدة معمر القذافي وتصرّفه، منتقلاً من خانة الفقر والتهميش إلى خانة الوجاهة الاجتماعية والمناصب المرموقة والثراء الباذخ، حتى بدأت الشعلة المتوهجة بالضمور، ليتحول الشعر الخلاق إلى نظم احترافي لمعلقات المديح، وليتحول الانبثاق الروحي التلقائي إلى عرض استعادي للمهارات البلاغية الشكلية. والشاعر الذي سبق له أن هتف ذات يوم: «لماذا يظن الطغاة الصغار/ وتشحب ألوانهمْ/ أن موت المناضل موتُ القضية!»، هو نفسه الذي سيقول في مديح الحاكم الليبي، ونظير النميري في الطغيان: «ها أنت ذا فوق صخر الموت تزدهرُ\ تصحو، وتصحو المرايا فيك والصوَرُ\ كأنما جئتَ من كل العصور، وقد\ كنتَ النبوءة في أحلام من عبروا\ يا حامل الوحدة الكبرى إلى أفُقٍ\ راياتهُ النجمتان: المجدُ والظفَرُ». وإذا كنا سنلحظ في مجموعات الشاعر اللاحقة ارتفاعاً لمنسوب القصائد التي تحتفي بالهموم القومية وحركات المقاومة في شتى ديار العرب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازياً في منسوب الالتحام بقضايا الأمة ومعاناة شعوبها، بل هو نوع من «التبييض» الأخلاقي الرمزي لسواد التحالف مع الطغاة والانحياز إلى خانة الجلادين. ولن تستطيع الكتابة عن فلسطين وسواها في مجموعة «يأتي العاشقون إليك»، أو قول الفيتوري عن أطفال الحجارة «ليس طفلاً ذلك الخارج من قبعة الحاخامِ\ من قوس الهزائمْ\ إنه العدل الذي يكبر في صمت الجرائمْ\ إنه التاريخ مسقوفاً بأزهار الجماجمْ\ إنه روح فلسطين المقاومْ»، أن يحجب تسويغ الشاعر للعسف السلطوي، وللدماء البريئة التي أريقت، وما زالت تراق في ساحة عربية لم يأخذ جرحها بعد طريقه إلى الالتئام.
على أنه ليس من العدل بمكان أن نكتفي بقراءة شاعر متميز كمحمد الفيتوري من جانب سقوطه السياسي وحده، أو من الجانب المتعلق باستمرائه لمقتضيات الإنشاد المنبري والتحريضي، بل تجب قراءته أيضاً في تجلياته الروحية العميقة، وفي براعته الأسلوبية العالية. فالخيارات الخاطئة لصاحب «أقوال شاهد إثبات» لا ينبغي بالقطع أن تحجب وهجه الشعري عن الأعين. وما سيظل من الفيتوري ليست منظوماته الحماسية التقريرية، ولا تملقه المتكلف للحكام، بل بعض نصوصه العالية التي تنبثق من مكابدات النفس، ومن أكثر الأماكن صلة بالشغاف، من مثل قوله «شحبتْ روحي\ صارت شفقاً\ كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا\ أتوهج في بدني\ غيري أعمى\ مهما أصغى لن يبصرني\ فأنا جسدٌ حجرٌ\ شيءٌ عبَر الشارعْ\ جزُرٌ غرقى في قاع البحر أنا\ وحريقٌ في الجسد الضائعْ».



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».