الرواية العربية والخصوصية الثقافية

TT

الرواية العربية والخصوصية الثقافية

كل شعب من الشعوب له خصوصيته الثقافية التي تتمظهر عادة في إحياء الشعائر والطقوس وبعض الممارسات التي تتخذ عمقاً في التراث والفلكلور، ولم يكن الكاتب والمبدع عامة، والروائي بشكل خاص، بعيداً عن هذه الخصوصية، بل حاول توظيفها في نصوصه السردية. وحين نعود إلى الرواية العربية، فإن خصوصيتها الثقافية تكمن في تفاعل الكاتب مع مخزونه التراثي والثقافي، وكيفية حضوره في العمل الإبداعي، وهذا ما يجعلنا نحدد، أو على الأقل نعرف، العناصر التي هي فعلاً تمثل خصوصية هذا المكان أو ذاك، حيث الرواية العربية ليست خصوصيتها واحدة في كل الأقطار العربية، إذ هناك خصوصية ثقافية تمكن الكاتب من الحديث عنها وفيها، بحثاً وتحليلاً، وجعلها متكأً للنص، كالتراث العربي القديم والأعراف والعادات والتقاليد العربية، وكذلك بعض ملامح الثقافة غير العربية.
أما القضايا العامة التي نجدها في الرواية العربية بشكل عام، فتتمثل في العلاقة الأسرية - الحب والعاطفة - وضع المرأة - التعليم - الزواج - الطلاق، ثم طرحت بعض القضايا التي تتمثل في الحرية والديمقراطية والهوية، في سياقات مختلفة سياسية أو اجتماعية أو دينية، غير أن التطور الذي يطرأ على الكتابة وموضوعاتها ومادتها يؤكد ما نراه ونقرأه حالياً في كثير من الأعمال السردية التي نظرت إلى ما يتمظهر في المنطقة العربية من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية، فضلاً عن تلك الدعوات التي تنادي بها جماعات هنا وهناك، كالحرية والعدالة وتحقيق أحلام الناس، وغيرها من الأحلام الوردية التي كشف زيفها ما حدث للعالم العربي من تحديات وانتفاضات بدءاً من العام 2011.
هناك كثير من كتاب السرد يضعون في اعتبارهم وهم يفكرون بكتابة أعمالهم الروائية الذاكرة الاجتماعية، لما لها من أهمية بالنسبة إلى الكاتب نفسه، حيث تمكنه من الولوج إلى الفضاء الروائي، ولأهمية الذاكرة الاجتماعية الفردية أو الجماعية، فإنها كما يشير إدريس الكريوي في كتابه «بلاغة السرد في الرواية العربية»: «ملح الطعام، فتارة صفحة بكر، وتـارة مسوّدة، تتسـع صفحاتهـا لملايين الأحداث، أو تضيق حتى تكـاد تختنـق، ويتحكـم صاحبهـا فـي ضبطها وتوضيحها تارة، وتتمرد عنه أخرى، يمتلكها وتمتلكه، ويمتلكها غيره، هي جزء منه، يحس قبل بقية الأعضاء، ويظل يبحث عنه في الأغوار والخلجات النفسية، وفي التيه والضلال والأحلام». (ص17)
أما التعاطي مع البنى الثقافية، من مؤسسات وأفكار وأفراد وكتابات، فهي تدور في فلك الثقافة الإنسانية التي يشترك فيها جميع بني البشر، وإن كانت هناك خصوصية لكل مجتمع أو قوم أو أمة ذات ملامح ومرتكزات تتباين مع غيرها، فإن الثقافة في حد ذاتها لا تتعلق بالجنس أو اللون أو القومية، وكأنها ثقافة فطرية فطر الإنسان عليها منذ ولادته، بل هي ثقافة مكتسبة وغير متوارثة بين البشر، لما لها من علاقة بالأفكار والقيم وطرح الأسئلة الدائمة، وهذه الذاكرة لا تأتي كيفما اتفق، وكأنها جاهزة مستعدة إلى الظهور متى أراد صاحبها، إنما تحضر الذاكرة بحسب الحالة والفكرة والموضوع، وليس كل الذاكرة أيضاً، أي تأتي بحسب الموضوع والمثير الذي يراد منه فتح بوابة هذه الذاكرة التي تكون ذات فعل قوي كلما كانت ذاكرة جماعية، وليس ذاكرة فردية، وخصوصاً حين تكون هذه الذاكرة أحد العوامل التي تشكل الهوية والانتماء، بل تؤكد على طبيعة الترابط الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، حيث هناك كثير من القيم التي حفظها تاريخنا وموروثاتنا الثقافية والاجتماعية، وباتت تتمظهر بين الحين والآخر في سياق تفكيرنا حتى لو لم نفكر فيها.
وحين ترى موقفاً ما، تقع بين الرفض والقبول، أي قد نراه طبيعياً في هذا المكان، وغير طبيعي في مكان آخر. وهنا مباشرة تدخل في الذاكرة المتوازنة تلك السياقات الاجتماعية والثقافية لهذا المكان أو ذاك، مما يعطينا تأكيداً غير مباشر أن الذاكرة لها صلة بالخصوصية، ليست الاجتماعية فحسب وإنما بالخصوصية الثقافية والحضارية أيضاً، ويبقى السؤال: هل الانحياز الثقافي في الكتابة الإبداعية مثلاً يعتمد على السياق الاجتماعي؟ إننا نقول غير ذلك، إذ إن كل السياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية والتراثية وغيرها هي سياقات تدخل في دائرة المرجعيات التي يتكئ عليها أي مبدع كان، شاعراً أم سارداً.
عندما يكتب الروائي نصه السردي، هل يقف محصوراً بين الذاكرة الاجتماعية والذاكرة الثقافية، وبالأفكار التي جاءته معلبة محنطة، ومغلقة بنظرة أحادية تجاه الواقع المعيش والإنسان والحياة والمستقبل، أم أنه يسعى إلى تفتيت كل هذه العناصر ليقدم رؤية أخرى تتمكن من مناقشة القضايا المعيشة في سياق المقاربات والمقارنات، مع تحليل قضايا الماضي، وكيفية التبئير تجاه المستقبل، أم يسعى كما سعى روائيون آخرون إلى الارتباط بالسرد القديم؟
مما لا شك فيه أن البنية الثقافية في النص لا تنفصل عن البنيات الأخرى، وبالأخص البنية الاجتماعية التي تتمظهر بين الحين والآخر، لذلك أي عمل روائي يستند في تكوينه إلى الموضوع الذي يكون محور هذا التكوين السردي، من حيث نصية العمل، ولكن في الوقت ذاته هو (أي الموضوع) بحاجة إلى زمن وصياغة ورؤية من أجل تشكيل هذا النسيج النصي الروائي، وفي الوقت ذاته نرى أن كل شعب من الشعوب المنطقية في العالم العربي له خصوصية ثقافية منفردة عن غيره، تتمظهر عادة في بعض الشعائر والطقوس والممارسات التي تنحدر من عمق التراث والفلكلور، ولم يكن الكاتب والمبدع في هذا الخضم بعيداً عن هذه الخصوصية أو تلك، بل حاول توظيفها في نصوصه السردية.
وحين نعود إلى الرواية العربية، فإن خصوصيتها الثقافية تكمن في مدى تفاعل الكاتب مع مخزونه التراثي والثقافي، الذي يراه منجزاً ثقافياً خاصاً به وله، وكيفية حضوره في العمل الإبداعي. وهذا ما يجعلنا نحدد على الأقل تلك العناصر التي تمثل هذه الخصوصية لهذا المكان العربي أو ذاك، وهنا نرى أن بعض المناطق العربية تمثل خصوصيتها الثقافية النابعة من تراثها وأمكنتها وحضارتها ما يعطيها حق تمثل هذه الخصوصية من غيرها، فمصر مثلاً لديها خصوصية ثقافية وحضارية تتمثل في الحضارة الفرعونية، كما هي الخصوصية الثقافية في العراق التي تتمثل في الحضارة البابلية، لذلك الكاتب الخليجي مثلاً لن يستطع الولوج إلى عمق الخصوصية الثقافية الفرعونية، إذا أراد الكتابة عنها، وفي الوقت عينه الروائي المصري سيجد صعوبة كبيرة لو أراد أن يكتب عن منطقة الخليج التي لها خصوصيتها الثقافية.
ولنضرب مثالاً آخر، وهو حركة التصوف التي لها مساحة جغرافية واضحة في مصر والسودان والمغرب العربي، فلو طلبنا من روائي واحد من كل هذه الأقطار العربية أن يكتب عملاً روائياً يتناول التصوف، سنجد التباين واضحاً، ليس في بناء النص وجماليته ولغته، وإنما في تناول الموضوع ذاته، حيث ستكون الخصوصية الثقافية الخاصة بهذا المكان أو ذاك مسيطرة ومهيمنة على تفكير الكاتب لما لها من سطوة في ذاكرته الثقافية. وهنا، ربما سنجد الروائي المغربي مثلاً سيتناول الموضوع من زاوية فلسفية كلامية ثقافية فكرية، وقد يتناولها الروائي السوداني من زاوية الطقوس والممارسات والعتبات، وقد يكون العكس. وهذا ما يجعل الخصوصية الثقافية الدينية تتفاوت في توظيفها من مكان لآخر، حتى بعض المفاهيم والقيم الإنسانية نجد محتواها وهضم دلالتها ليس بالدرجة نفسها، فالحرية الفردية أو الحرية الجماعية أو الحضور النسائي في المجتمع خصوصية ثقافية ناتجة عن وعي ثقافي واجتماعي، بعد تراكم معرفي وتعليمي واحتكاك بالآخر، وحضور هذا الآخر في الثقافة، وهذا ما ينتج عنه خصوصيات ثقافية، وليس خصوصية ثقافية؛ الروائية في منطقة الخليج لا تزال تكتب عن حرية المرأة في اختيار شريك حياتها، وعن حقها في التعليم والسفر، في الوقت الذي تجاوزت الراوية في مصر والمغرب العربي مثلاً هذه الخصوصية، لتطرح قضايا المرأة في سياق التحديات العالمية وحضورها الفاعل.
وفي خضم الأحداث التي مرت بها بعض الأقطار العربية بعد سقوط النظام العراقي، ودخول الأميركان بغداد، تحولت المنطقة العربية تدريجياً إلى ساحة نزاع وطائفية، وأحزاب المصالح الفردية والعشائرية والدينية، وزاد هذا التراكم المأساوي بالحراك الذي حدث في العام 2011، ونتج عنه تصدع البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كان المنتفضون ينادون بإصلاحها، حيث الشعارات تغيرت وتبدلت وتحولت إلى مصالح ونفوذ، وبهذه الخصوصية تشكلت أيضاً خصوصية لدى الروائي العربي وآليات تفكير في تناول موضوعات أعماله، وهو ما حصل في العراق مثلاً، إذ انصب كثير من الأعمال الروائية في مناقشة تلك الخصوصية التي أفرزتها أحداث العراق منذ حرب الخليج الأولى، لذلك صدرت روايات تناولت هذه الخصوصية التي شكلت بعداً ثقافياً في الذاكرة العراقية.
- كاتب بحريني



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».