ردود الأفعال العراقية حيال مجزرة المسجد تظهر عمق الهوة الطائفية في البلاد

الكثيرون لا يتوقعون إلا القليل من العملية السياسية.. لكنها تبقى الأمل الوحيد

جنود ومتطوعون ينتشرون الجمعة الماضية في قرية بمحافظة ديالى التي شهدت مجزرة في مسجد قضى فيها عشرات المصلين على أيدي مسلحين ورد أنهم من ميليشيا شيعية (رويترز)
جنود ومتطوعون ينتشرون الجمعة الماضية في قرية بمحافظة ديالى التي شهدت مجزرة في مسجد قضى فيها عشرات المصلين على أيدي مسلحين ورد أنهم من ميليشيا شيعية (رويترز)
TT

ردود الأفعال العراقية حيال مجزرة المسجد تظهر عمق الهوة الطائفية في البلاد

جنود ومتطوعون ينتشرون الجمعة الماضية في قرية بمحافظة ديالى التي شهدت مجزرة في مسجد قضى فيها عشرات المصلين على أيدي مسلحين ورد أنهم من ميليشيا شيعية (رويترز)
جنود ومتطوعون ينتشرون الجمعة الماضية في قرية بمحافظة ديالى التي شهدت مجزرة في مسجد قضى فيها عشرات المصلين على أيدي مسلحين ورد أنهم من ميليشيا شيعية (رويترز)

كان السياسيون العراقيون يجتهدون للوفاء بالمهلة الدستورية من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، عندما دخل رجلان ملثمان إلى مسجد سني في قرية بعيدة وفتحا النار الجمعة الماضية، مما أسفر عن مقتل العشرات من المصلين.
وخلال ساعات، أعلن زعماء السنة انسحابهم من المفاوضات، وتجمدت العملية السياسية مرة أخرى وعلى نحو مفاجئ إثر ذات الانقسامات الطائفية التي أفسدت هذا البلد من قبل.
ويعد تشكيل حكومة جديدة وجامعة يمكنها أن تحظى ببعض الدعم من السنة والشيعة على حد سواء من الخطوات الحيوية والضرورية لمواجهة مسلحي تنظيم «داعش» الذين اكتسحوا العراق، واستولوا على الأراضي وسيطروا على المدن الكبرى في الشمال والغرب. وقد أشاد الرئيس باراك أوباما بتعيين رئيس الوزراء الجديد، حيدر العبادي، ويأمل العديد من المراقبين أن يعمل العبادي على إبطال سياسات خلفه، نوري المالكي، الذي وجهت له اتهامات بتهميش الأقلية السنية وفتح الطريق، فعليا، أمام تقدم الجماعات المتشددة.
لكن لا يمكن إبطال تلك السياسات، التي تضمنت تنشيط الميليشيات الشيعية واعتقال العديد من السنة وتوجيه ضربات عسكرية ضد المناطق السنية تحصد أرواح المدنيين، إلا من خلال حكومة جديدة. وتكمن المشكلة هنا الآن، والتي أبرزتها تداعيات الهجوم الأخير على المسجد، في أن الاستقطاب الطائفي ازداد عمقا، مما يجعل من العسير تشكيل مثل تلك الحكومة المنشودة.
ويميل السنة والشيعة إلى مشاهدة العديد من القضايا الداخلية الأكثر إلحاحا من زوايا متباينة بصورة كبيرة، مما يجعل من فرضية الحل الوسط أمرا عسيرا. إذ يتكلم الزعماء الشيعة عن تنظيم «داعش» بوصفه تنظيما إرهابيا تتعين مقاتلته بكل الوسائل المتاحة. وقد اتهم بعضهم الزعماء السنة بتوفير الغطاء السياسي لأولئك المتشددين.
وقال قيس الخزعلي، وهو قائد ميليشيا «عصائب أهل الحق» الشيعية التي يراها السنة الأكثر رعبا «يتحمل السياسيون المسؤولية عن انهيار الأمن في بعض المحافظات. لا يزالون في مرحلة الموالاة لأحزابهم، وليس للعراق».
وبينما يدين زعماء السنة تنظيم «داعش» فإنهم يقولون إن الجماعة قد استغلت حالة الفراغ التي أحدثتها الحكومة عن طريق تهميش مناطقهم وإساءة معاملة السكان. ويقول أحمد الدليمي، محافظ الأنبار، التي يسيطر تنظيم «داعش» على مساحات واسعة منها، إن «الوسيلة الوحيدة لمحاربة تنظيم (داعش) هي عن طريق دعم المواطنين الذين فقدوا كرامتهم وحقوقهم في ظل الحكومة القديمة».
وبدت الخلافات المماثلة بينة وجلية أول من أمس في استجابة الزعماء السياسيين للهجوم الذي خلف عشرات القتلى من المصلين السنة في مسجدهم بمحافظة ديالى. فقد دعا سالم الجبوري، الرئيس السني للبرلمان العراقي، إلى الوحدة السياسية، وقال إن ذلك الهجوم يهدف إلى «إحباط كل الجهود التي بذلت لتشكيل الحكومة الجديدة».
وقد اختفى المسلحان الملثمان اللذان نفذا الهجوم داخل الريف بعد ذلك، ولم تتضح هويتهما. لكن الجبوري وغيره يبدو أنهم يعتقدون أن القاتلين ينتميان للميليشيات الشيعية. وقال الجبوري إنه تم إيفاد لجنة للتحقيق في الهجوم، ومن المفترض أن ترفع تقريرها خلال يومين. وأضاف «في الوقت الذي ندين فيه ما يفعله تنظيم (داعش) فإنه يتحتم علينا كذلك إدانة ما تقوم به الميليشيات».
على النقيض من ذلك، اتهم الزعماء الشيعة تنظيم «داعش» بالتسبب في الهجوم على المسجد. وقال رجل الدين مقتدى الصدر إن الحادثة تعتبر «تصعيدا طائفيا واضحا، وتحمل لمسات تنظيم داعش».
كانت المفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة يشوبها الكثير من المشاكل بالفعل قبل وقوع الهجوم، حيث دفع السياسيون السنة بمطالب يعتبرونها ضرورية لكنها لا تتمتع بفرصة كبيرة من حيث القبول ومن بينها: إيقاف القصف والغارات الجوية الحكومية على المناطق السنية التي ينتشر فيها تنظيم «داعش»، وانسحاب الميليشيات الشيعية من المدن ذات الغالبية السكانية السنية، وإطلاق سراح المعتقلين من السنة الذين لم يدانوا بارتكاب أي جرائم، وإسقاط التهم الجنائية عن عدد من السياسيين السنة التي يصفونها بالجرائم ذات الدوافع السياسية، وإلغاء القانون الذي يحظر على الأعضاء السابقين في نظام صدام حسين تولي مناصب حكومية.
وأعرب دبلوماسيون في بغداد عن قلقهم من أن تلك المطالب قد تحول دون التوصل إلى اتفاق، وحثوا الزعماء السنة على التحلي بقدر أكبر من المرونة. وقال زيد العلي، وهو مستشار قانوني سابق لدى منظمة الأمم المتحدة في العراق وصاحب كتاب حول مستقبل العراق، إن الإصرار الأميركي على السياسة العراقية الجامعة أمر مضلل، مشيرا إلى أن الحكومات العراقية الأخيرة ضمت ممثلين من كل الأطياف الرئيسة في البلاد. وأضاف « لكن هذا ليس حلا.. إذ لم يترجم إلى واقع يحس الجميع بمزاياه بخلاف ما كان يفترض».
ويقر المسؤولون الغربيون في بغداد بأن الحكومة الجديدة لن تكون سوى خطوة أولى ومتواضعة على طريق طويل من عملية إصلاح ضرورية. ومع تسليط الضوء على حالة عدم الثقة المتبادل، فإن العديد من السنة ألقوا بلائمة الاتهام بشأن هجوم المسجد على الميليشيات الشيعية. وقال أحد السكان السنة الذي يعيش بالقرب من المسجد، والذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه خوفا من الانتقام «ما حدث ليس إلا إعداما جماعيا بدم بارد. وكانت رسالة إلينا بأن وقتنا على هذه الأرض قد انتهى».
ويقول عبد السلام هاشم (55 عاما)، وهو سني من أصحاب المتاجر في بغداد «إنني أؤيد أي نوع من أنواع الانتقام ضد تلك الجريمة الجبانة. هذا ما تركه المالكي للعراق، ولن ينتهي ذلك بسهولة».
وكانت الميليشيات الشيعية، التي شكلت في الأساس لقتال القوات الأميركية، تحظى بدعم السيد المالكي. وقد استدعيت مرة أخرى للخدمة لمحاربة «داعش». غير أن السنة لا يعتبرونهم أكثر من عصابات مسلحة تعمل خارج القانون، وقد اتهمتهم جماعات حقوق الإنسان بقتل واعتقال المواطنين المدنيين من السنة.
لكن هذه الميليشيات تعتبر جزءا لا يتجزأ من الواقع السياسي الحالي، حتى إن وزير النقل الحالي، هادي العامري، يرأس بنفسه ميليشيا شيعية قوية.
الشيخ عبد الصمد الزركوشي، وهو زعيم إحدى الميليشيات الشيعية المحلية في منطقة تقع بالقرب من المسجد الذي تعرض للهجوم، اصطدم بأولئك الذين يرغبون في تفكيك جماعته، ويرى أن وجودها ضروري لمحاربة «داعش». وتساءل «كيف يجرؤ السياسيون على إبلاغنا بما نفعل وما لا نفعل، في الوقت الذي لا يعرفون فيه ما يجري في منطقتنا؟ إذا انسحبت قواتي من المنطقة، فسيكون ذلك بمثابة الوداع للجميع هنا. سيستولي عليها (داعش) في سويعات قليلة».
ورغم أن الكثيرين من العراقيين لا يتوقعون سوى القليل للغاية من العملية السياسية الجارية حاليا، إلا أنهم مع ذلك يعتبرونها السبيل الوحيد لإصلاح البلاد. وفي هذا السياق، يشبه حامد المطلك، وهو عضو سني في البرلمان العراقي عن محافظة الأنبار، السياسيين بغريق يتعلق بقطعة من الخشب. ويقول «قد لا تنقذه قطعة الخشب تلك، لكنه يحاول إنقاذ نفسه. هذا ما نقوم بفعله الآن».
* خدمة « نيويورك تايمز»



شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
TT

شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)

وقعت شركة «Antaris»، الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للفضاء، وشركة «SARsatX™»، المتخصصة في الفضاء التجارية السعودية، على هامش معرض الرياض الدولي للدفاع، مذكرة اتفاقية، تستهدف تعزيز تطوير وتنفيذ وتسليم مجموعة الأقمار الاصطناعية ذات الفتحة الاصطناعية «(SAR) EO»، للمملكة.

وبموجب الاتفاقية، ستتعاون كل من «SARsatX»، التي تطوّر حمولة رادار ذات فتحة اصطناعية (SAR) متقدمة ومملوكة لها، و«Antaris»، التي توفر أحدث منصات الأقمار الاصطناعية والقطاع الأرضي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وتشمل المنصات الرقمية، كلاً من «TrueTwin™» الرقمي التوأم وقدرات «Full Mission Virtualization™» معاً لدعم النشر الموثوق، وفي الوقت المناسب لكوكبة أقمار «SAR» الاصطناعية لتحقيق أهداف التنمية السعودية.

ومن المتوقع أيضاً أن تتيح الشراكة زيادة توطين المنتجات والخدمات الفضائية، فضلاً عن تطوير الخبرة الفنية ورأس المال البشري داخل الدولة لإدارة وتشغيل الأبراج المعقدة متعددة الأقمار الاصطناعية.

ويتوقع الطرفان تسليم القمر الاصطناعي الأول في غضون 12 شهراً، تليها الأقمار الاصطناعية المتبقية وفقاً لجدول زمني مرحلي، مع هدف طويل المدى يتمثل في إنشاء قدرات تصنيع محلية، بوصفها جزءاً من برنامج كوكبة الأقمار الاصطناعية المخطط له.

وقال توم بارتون، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»، توضح الشراكة مع «SARsatX» في هذه الكوكبة كيف يمكن لمنصة «Antaris Intelligence™» تسريع الوقت للحصول على ذكاء قابل للتنفيذ من خلال دعم العملاء أثناء قيامهم بتوسيع قدراتهم التصنيعية والتشغيلية.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن رؤيتنا في «Antaris» تتمثل في جعل المهام الفضائية أسرع وأبسط وأكثر فاعلية من حيث التكلفة.

من ناحيته، قال الدكتور عمرو العمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «SARsatX»: «تلتزم (SARsatX) ببناء القدرات الوطنية في مجال تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، وتتيح لنا الشراكة مع (Antaris) تسريع خريطة طريقنا».

وتابع العمودي: «ستعمل الشراكة على تطوير المواهب المحلية، وإظهار النجاح المبكر مع إطلاقنا الأول، وإرساء الأساس للتصنيع المستقبلي في المملكة العربية السعودية، بما يتماشى مع خطتنا الأوسع لإنشاء ونشر قدرات متعددة الوسائط في السنوات المقبلة».

من جهته، قال كارثيك جوفينداسامي، المدير التنفيذي للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»: «تُظهر هذه المهمة قدرة منصة (Antaris Intelligence™) على تقليل الوقت اللازم للوصول إلى المدار ووقت الرؤية بشكل كبير».

وتابع: «من خلال نمذجة القطاع الفضائي والأرضي بالكامل ضمن (Antaris Intelligence™)، يمكن لـ(SarsatX) إزالة مخاطر البرنامج، وخفض التكاليف، وتسريع تقديم رؤى قابلة للتنفيذ للعملاء».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» في السياق نفسه، قال عبد الله زيد المليحي، رئيس مجلس إدارة «الشركة السعودية للتميز»، الوسيط المسهل للاتفاقية والشراكة: «إن الدعم الذي توفره القيادة السعودية يعزز نشاط المبادرات القوية لتنمية قطاع الفضاء».

وأضاف المليحي: «من خلال شراكتنا مع (Antaris) و(SarsatX) نستهدف العمل معاً لدفع الابتكار والتنمية الاقتصادية وتعظيم المنافع المجتمعية، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل أيضاً لصالح الشركات الأميركية والعالمية العاملة في المنطقة. كما سنعمل على توفير وظائف عالية المهارات في المملكة وتنفيذ مشروعات تكنولوجية متقدمة تُسهم في خلق فرص عمل جديدة ومجزية».


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.