هدوء حذر في الفلوجة بعد اتفاق العشائر ورجال الدين

الحكيم يقترح «قوات دفاع ذاتي» للأنبار

عراقي يسير في سوق لبيع الخضار في الفلوجة
عراقي يسير في سوق لبيع الخضار في الفلوجة
TT

هدوء حذر في الفلوجة بعد اتفاق العشائر ورجال الدين

عراقي يسير في سوق لبيع الخضار في الفلوجة
عراقي يسير في سوق لبيع الخضار في الفلوجة

في الأيام العادية، تستغرق الرحلة من الفلوجة إلى بغداد أقل من ساعة. غير أن الرحلة التي قام بها أسامة العاني مع عائلته صباح الأحد الماضي استغرقت، حسب قوله، أكثر من 12 ساعة بسبب التوقف المستمر عند نقاط التفتيش حيث كانت السيارة، التي تضم سبعة أفراد من عائلته في طريقها إلى العاصمة بغداد، تخضع للتفتيش طوال الوقت.
خرج العاني وعائلته من الفلوجة المحاصرة التي تمتلئ مشرحتها بالموتى ويعاني سكانها من نقص الطعام والماء والوقود اللازم لتوليد الطاقة. ورغم أنه أُجبر على الفرار من البلدة من أجل الحفاظ على سلامة عائلته، فإن العاني بقي متعاطفا بشدة مع المسلحين أكثر من تعاطفه مع حكومة بلاده المركزية. وقد أقام المسلحون، الذين يتعاونون مع تنظيم «القاعدة»، كثيرا من نقاط التفتيش في طول الفلوجة وعرضها.
يقول العاني، الذي يقيم في الوقت الحالي مع أقارب له في منطقة العامرية: «لم يكن لدينا طعام أو كهرباء أو مياه، وكانت قذائف الهاون تتساقط حولنا في كل مكان. غير أن كثيرين منا يفضلون دعم (القاعدة) بدل الجيش الذي تسبب في تلك المذبحة».
وبعد سيطرتهم على الفلوجة الأسبوع الماضي، انخرط المسلحون في قتال خلال الأيام القليلة الماضية ضد الحكومة. وينتمي بعض أولئك المسلحين إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» التابع لتنظيم لـ«القاعدة»، كما يشترك معهم في القتال عناصر قبلية مسلحة على خلاف مع الحكومة. والثلاثاء، تجددت المصادمات الشرسة بين الطرفين، في الوقت الذي تنتظر فيه القوات الحكومية مدعومة بالدبابات والأسلحة، التي أحاطت بالفلوجة من جميع الجهات، أوامر رئيس الوزراء للانقضاض على البلدة.
أما في بغداد، فقد توقف المسؤولون عن دعوات شن عمل عسكري ضد البلدة بعد مناشدات من الزعماء المحليين في محافظة الأنبار الذين حذروا من أن سقوط مزيد من الجرحى في صفوف المدنيين سيقضي على دعم قبائل المحافظة الذي تعول عليه الحكومة كثيرا في سعيها للقضاء على تنظيم القاعدة.
وبينما تمنح الحكومة مزيدا من الوقت للمدنيين لمغادرة البلدة، ومزيدا من الوقت للقبائل لطرد مقاتلي «القاعدة» منها، تلقي التصريحات، التي أدلى بها العاني وكثير من سكان الفلوجة وزعماء القبائل خلال المقابلات التي أُجريت معهم أخيرا، مزيدا من الضوء على وضع الصراع المعقد في تلك البلدة. فهناك في الفلوجة، يقول كثيرون من أهلها إنهم يكرهون الحكومة أكثر من تنظيم القاعدة، وهو ما يوضح الصعوبات التي يواجهها رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يسعى للقضاء على التمرد المتصاعد في محافظة الأنبار من خلال شن هجوم عسكري شديد يقول هو ومستشاروه إنه من الممكن أن يبدأ في أي لحظة.
الصدامات بين المسلحين والحكومة تتركز في أكبر مدينتين في محافظة الأنبار: الفلوجة والرمادي. وقد حققت القوات الحكومية انتصارات كبيرة خلال الأيام الماضية في مدينة الرمادي، التي تعد كبرى مدن محافظة الأنبار من حيث المساحة وأقل إيواء للعناصر المتطرفة من الفلوجة. ويقول المسؤولون العراقيون إن قوات الأمن تقاتل جنبا إلى جنب مع الميليشيات القبلية بغية السيطرة على غالبية المدينة وطرد مقاتلي «القاعدة» منها.
أما الفلوجة فتبقى قصة مختلفة للغاية.. فعلى الرغم من قيام المالكي، بإيعاز من الولايات المتحدة، بطلب المساعدة من قبائلها وتوفير الأسلحة والأموال لهم، فإن تجاوب القبائل كان أقل بكثير مما أبدته قبائل الرمادي. وخلال حديث هاتفي، حذر الشيخ محمد البشاري، أحد زعماء القبائل في مدينة الفلوجة، الجيش من أنه سيلقى مقاومة شديدة من ميليشيات القبائل إذا ما سعى إلى اقتحام البلدة. ويقول البشاري: «تعتد قبائل الفلوجة أشد القبائل العراقية قوة، فنحن لدينا أشد الرجال. وكما أرينا الأميركيين المعدن الحقيقي لرجال قبائل الفلوجة، فنحن على استعداد لأن نري المالكي وجيشه أي نوع من الرجال نحن».
وقد المالكي وصف أي شكل من أشكال التعبير عن الشكوى من قبل السنة بأنه عمل إرهابي ويمت بصلة لتنظيم القاعدة، وهو الطرح الذي جعل من الصعب الحصول على دعم المواطنين وزعماء القبائل السنة المعتدلين.
ويقول سيف الجميلي، أحد سكان الفلوجة: «سنقاتل دفاعا عن بلدتنا». ولا يريد الجميلي أن يعيش تحت حكم «القاعدة»، غير أنه مستعد للقتال ضد الجيش العراقي إذا ما قرر استعادة السيطرة على الفلوجة.
وقد أدى القصف، الذي شنته الحكومة على الفلوجة خلال الأيام الماضية، فضلا عن ردها القاسي على اعتصامات الأنبار، إلى تفاقم مشاعر السخط في صفوف السنة ضد الحكومة المركزية. كما أحيا القصف الحكومي للبلدة ذكريات أهلها الأليمة عن الأيام الأولى للاحتلال الأميركي للعراق، عندما قاتلت قوات الولايات المتحدة في معركتين كبيرتين من أجل السيطرة على الفلوجة، وهو ما أوقع كما هائلا من الضحايا المدنيين.
ويقول محمد حميد (35 سنة)، أحد سكان البلدة: «لقد سئمنا وتعبنا من الحروب التي لا تتوقف في الفلوجة. ففي كل مرة يتجدد فيها القتال، نعتقد أنها ستكون آخر معركة نخوضها. نريد أن نحيا حياة طبيعية، فقد شهدنا ما يكفي من الحروب خلال الأعوام الماضية، كما شاهدنا (القاعدة) والأميركيين والجيش العراقي وهم يدمرون بلدتنا». ويضيف حميد: «إنني أجهش بالبكاء اليوم عند مغادرتي منزلي في الفلوجة. لقد رأيت أعلام (القاعدة) مرة أخرى، ورأيت المباني المدمرة. كما رأيت رجالا ملثمين يحملون السلاح. المشهد يبدو كما لو أنني أسير في الفلوجة في عام 2005. إنني أتذكر تلك الأيام السيئة وأسأل نفسي: ما السبب وراء القتال الذي دارت رحاه في ذلك الوقت؟ ولماذا مات هذا العدد الكبير من العراقيين والأميركيين من أجل هذه المدينة؟ إننا نرى الآن تكرارا لتلك المشاهد التي رأيناها في 2005».
وخلال الصراع الحالي في الفلوجة، ربما يفضل كثير من المواطنين العاديين أن يروا بلدتهم في قبضة ميليشيات ملثمة ترتدي ملابس مدنية - حتى لو لم يعرفوا لمن تدين تلك الميليشيات بالولاء - على أن يروا الفلوجة تحت سيطرة الجنود الموالين للحكومة الفيدرالية.
وقد أدت مشاهد العناصر الشيعية، التي يحمل بعض منها علم حزب الله اللبناني، وهم يصطفون في أحد مراكز التجنيد التابعة للجيش في بغداد طلبا للتطوع للقتال في محافظة الأنبار، إلى تفاقم الطابع الطائفي لشكاوى السنة ضد الحكومة. كما أدى العرض الإيراني بتوفير مساعدات عسكرية لرئيس الوزراء العراقي إلى زيادة التوترات الطائفية في محافظة الأنبار.
ويبدي شاكر نزال، أحد سكان الفلوجة، دهشته من قصف الفلوجة بقوله: «إنني أتساءل: لو أن واحدة من المدن الشيعية وقعت تحت سيطرة مسلحين، فهل سيعطي المالكي أوامره بقصف تلك المدينة، بغض النظر عن العائلات والنساء والأطفال الذين يعيشون فيها؟ إن المالكي وجيشه يتخذون من وجود المسلحين في الفلوجة ذريعة لاجتياح مدينتنا وإذلال شعبها».
ويقول بعض سكان الفلوجة، الذين يتذكرون أنماط السلوك القاسية والصارمة التي فرضها مقاتلو «القاعدة» الذين بثوا الرعب في مجتمعاتهم على مدار العقد الماضي، إن المقاتلين الحاليين الذين يسيطرون على بلدتهم يعاملونهم بلطف ويجلبون الوقود ويقومون بتشغيل المخابز ويوفرون لهم الخبز.
غير أن غالبية المواطنين العاديين في الفلوجة يقولون إنهم لا يعرفون على وجه الدقة من الذي يسيطر على البلدة. ويقول الحاج محمود (60 سنة)، أحد سكان الفلوجة: «كل شيء يبدو مربكا، فنحن نرى كثيرا من المسلحين في شوارع الفلوجة، لكننا لا نعرف ما إذا كانوا يحاولون حمايتنا أم يسعون لقتلنا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.