هدوء حذر في الفلوجة بعد اتفاق العشائر ورجال الدين

الحكيم يقترح «قوات دفاع ذاتي» للأنبار

عراقي يسير في سوق لبيع الخضار في الفلوجة
عراقي يسير في سوق لبيع الخضار في الفلوجة
TT

هدوء حذر في الفلوجة بعد اتفاق العشائر ورجال الدين

عراقي يسير في سوق لبيع الخضار في الفلوجة
عراقي يسير في سوق لبيع الخضار في الفلوجة

في الأيام العادية، تستغرق الرحلة من الفلوجة إلى بغداد أقل من ساعة. غير أن الرحلة التي قام بها أسامة العاني مع عائلته صباح الأحد الماضي استغرقت، حسب قوله، أكثر من 12 ساعة بسبب التوقف المستمر عند نقاط التفتيش حيث كانت السيارة، التي تضم سبعة أفراد من عائلته في طريقها إلى العاصمة بغداد، تخضع للتفتيش طوال الوقت.
خرج العاني وعائلته من الفلوجة المحاصرة التي تمتلئ مشرحتها بالموتى ويعاني سكانها من نقص الطعام والماء والوقود اللازم لتوليد الطاقة. ورغم أنه أُجبر على الفرار من البلدة من أجل الحفاظ على سلامة عائلته، فإن العاني بقي متعاطفا بشدة مع المسلحين أكثر من تعاطفه مع حكومة بلاده المركزية. وقد أقام المسلحون، الذين يتعاونون مع تنظيم «القاعدة»، كثيرا من نقاط التفتيش في طول الفلوجة وعرضها.
يقول العاني، الذي يقيم في الوقت الحالي مع أقارب له في منطقة العامرية: «لم يكن لدينا طعام أو كهرباء أو مياه، وكانت قذائف الهاون تتساقط حولنا في كل مكان. غير أن كثيرين منا يفضلون دعم (القاعدة) بدل الجيش الذي تسبب في تلك المذبحة».
وبعد سيطرتهم على الفلوجة الأسبوع الماضي، انخرط المسلحون في قتال خلال الأيام القليلة الماضية ضد الحكومة. وينتمي بعض أولئك المسلحين إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» التابع لتنظيم لـ«القاعدة»، كما يشترك معهم في القتال عناصر قبلية مسلحة على خلاف مع الحكومة. والثلاثاء، تجددت المصادمات الشرسة بين الطرفين، في الوقت الذي تنتظر فيه القوات الحكومية مدعومة بالدبابات والأسلحة، التي أحاطت بالفلوجة من جميع الجهات، أوامر رئيس الوزراء للانقضاض على البلدة.
أما في بغداد، فقد توقف المسؤولون عن دعوات شن عمل عسكري ضد البلدة بعد مناشدات من الزعماء المحليين في محافظة الأنبار الذين حذروا من أن سقوط مزيد من الجرحى في صفوف المدنيين سيقضي على دعم قبائل المحافظة الذي تعول عليه الحكومة كثيرا في سعيها للقضاء على تنظيم القاعدة.
وبينما تمنح الحكومة مزيدا من الوقت للمدنيين لمغادرة البلدة، ومزيدا من الوقت للقبائل لطرد مقاتلي «القاعدة» منها، تلقي التصريحات، التي أدلى بها العاني وكثير من سكان الفلوجة وزعماء القبائل خلال المقابلات التي أُجريت معهم أخيرا، مزيدا من الضوء على وضع الصراع المعقد في تلك البلدة. فهناك في الفلوجة، يقول كثيرون من أهلها إنهم يكرهون الحكومة أكثر من تنظيم القاعدة، وهو ما يوضح الصعوبات التي يواجهها رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يسعى للقضاء على التمرد المتصاعد في محافظة الأنبار من خلال شن هجوم عسكري شديد يقول هو ومستشاروه إنه من الممكن أن يبدأ في أي لحظة.
الصدامات بين المسلحين والحكومة تتركز في أكبر مدينتين في محافظة الأنبار: الفلوجة والرمادي. وقد حققت القوات الحكومية انتصارات كبيرة خلال الأيام الماضية في مدينة الرمادي، التي تعد كبرى مدن محافظة الأنبار من حيث المساحة وأقل إيواء للعناصر المتطرفة من الفلوجة. ويقول المسؤولون العراقيون إن قوات الأمن تقاتل جنبا إلى جنب مع الميليشيات القبلية بغية السيطرة على غالبية المدينة وطرد مقاتلي «القاعدة» منها.
أما الفلوجة فتبقى قصة مختلفة للغاية.. فعلى الرغم من قيام المالكي، بإيعاز من الولايات المتحدة، بطلب المساعدة من قبائلها وتوفير الأسلحة والأموال لهم، فإن تجاوب القبائل كان أقل بكثير مما أبدته قبائل الرمادي. وخلال حديث هاتفي، حذر الشيخ محمد البشاري، أحد زعماء القبائل في مدينة الفلوجة، الجيش من أنه سيلقى مقاومة شديدة من ميليشيات القبائل إذا ما سعى إلى اقتحام البلدة. ويقول البشاري: «تعتد قبائل الفلوجة أشد القبائل العراقية قوة، فنحن لدينا أشد الرجال. وكما أرينا الأميركيين المعدن الحقيقي لرجال قبائل الفلوجة، فنحن على استعداد لأن نري المالكي وجيشه أي نوع من الرجال نحن».
وقد المالكي وصف أي شكل من أشكال التعبير عن الشكوى من قبل السنة بأنه عمل إرهابي ويمت بصلة لتنظيم القاعدة، وهو الطرح الذي جعل من الصعب الحصول على دعم المواطنين وزعماء القبائل السنة المعتدلين.
ويقول سيف الجميلي، أحد سكان الفلوجة: «سنقاتل دفاعا عن بلدتنا». ولا يريد الجميلي أن يعيش تحت حكم «القاعدة»، غير أنه مستعد للقتال ضد الجيش العراقي إذا ما قرر استعادة السيطرة على الفلوجة.
وقد أدى القصف، الذي شنته الحكومة على الفلوجة خلال الأيام الماضية، فضلا عن ردها القاسي على اعتصامات الأنبار، إلى تفاقم مشاعر السخط في صفوف السنة ضد الحكومة المركزية. كما أحيا القصف الحكومي للبلدة ذكريات أهلها الأليمة عن الأيام الأولى للاحتلال الأميركي للعراق، عندما قاتلت قوات الولايات المتحدة في معركتين كبيرتين من أجل السيطرة على الفلوجة، وهو ما أوقع كما هائلا من الضحايا المدنيين.
ويقول محمد حميد (35 سنة)، أحد سكان البلدة: «لقد سئمنا وتعبنا من الحروب التي لا تتوقف في الفلوجة. ففي كل مرة يتجدد فيها القتال، نعتقد أنها ستكون آخر معركة نخوضها. نريد أن نحيا حياة طبيعية، فقد شهدنا ما يكفي من الحروب خلال الأعوام الماضية، كما شاهدنا (القاعدة) والأميركيين والجيش العراقي وهم يدمرون بلدتنا». ويضيف حميد: «إنني أجهش بالبكاء اليوم عند مغادرتي منزلي في الفلوجة. لقد رأيت أعلام (القاعدة) مرة أخرى، ورأيت المباني المدمرة. كما رأيت رجالا ملثمين يحملون السلاح. المشهد يبدو كما لو أنني أسير في الفلوجة في عام 2005. إنني أتذكر تلك الأيام السيئة وأسأل نفسي: ما السبب وراء القتال الذي دارت رحاه في ذلك الوقت؟ ولماذا مات هذا العدد الكبير من العراقيين والأميركيين من أجل هذه المدينة؟ إننا نرى الآن تكرارا لتلك المشاهد التي رأيناها في 2005».
وخلال الصراع الحالي في الفلوجة، ربما يفضل كثير من المواطنين العاديين أن يروا بلدتهم في قبضة ميليشيات ملثمة ترتدي ملابس مدنية - حتى لو لم يعرفوا لمن تدين تلك الميليشيات بالولاء - على أن يروا الفلوجة تحت سيطرة الجنود الموالين للحكومة الفيدرالية.
وقد أدت مشاهد العناصر الشيعية، التي يحمل بعض منها علم حزب الله اللبناني، وهم يصطفون في أحد مراكز التجنيد التابعة للجيش في بغداد طلبا للتطوع للقتال في محافظة الأنبار، إلى تفاقم الطابع الطائفي لشكاوى السنة ضد الحكومة. كما أدى العرض الإيراني بتوفير مساعدات عسكرية لرئيس الوزراء العراقي إلى زيادة التوترات الطائفية في محافظة الأنبار.
ويبدي شاكر نزال، أحد سكان الفلوجة، دهشته من قصف الفلوجة بقوله: «إنني أتساءل: لو أن واحدة من المدن الشيعية وقعت تحت سيطرة مسلحين، فهل سيعطي المالكي أوامره بقصف تلك المدينة، بغض النظر عن العائلات والنساء والأطفال الذين يعيشون فيها؟ إن المالكي وجيشه يتخذون من وجود المسلحين في الفلوجة ذريعة لاجتياح مدينتنا وإذلال شعبها».
ويقول بعض سكان الفلوجة، الذين يتذكرون أنماط السلوك القاسية والصارمة التي فرضها مقاتلو «القاعدة» الذين بثوا الرعب في مجتمعاتهم على مدار العقد الماضي، إن المقاتلين الحاليين الذين يسيطرون على بلدتهم يعاملونهم بلطف ويجلبون الوقود ويقومون بتشغيل المخابز ويوفرون لهم الخبز.
غير أن غالبية المواطنين العاديين في الفلوجة يقولون إنهم لا يعرفون على وجه الدقة من الذي يسيطر على البلدة. ويقول الحاج محمود (60 سنة)، أحد سكان الفلوجة: «كل شيء يبدو مربكا، فنحن نرى كثيرا من المسلحين في شوارع الفلوجة، لكننا لا نعرف ما إذا كانوا يحاولون حمايتنا أم يسعون لقتلنا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

رغم تصعيد الجماعة الحوثية في مختلف جبهات القتال، وتداعيات الحرب الاقتصادية، والمالية، قررت الحكومة اليمنية المضي في تنفيذ خطة واسعة لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة، في مسعى لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته، وتحسين قدرته على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات للسكان.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الدولة اليمنية ضغوطاً متراكمة فرضتها سنوات الحرب، بما في ذلك الاختلالات الإدارية، والمالية، وتضخم الهياكل التنظيمية، وتداخل الاختصاصات، إلى جانب تحديات التشريعات، والموارد البشرية، وآليات اتخاذ القرار.

وعقدت اللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي اجتماعها الأول في العاصمة المؤقتة عدن برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، وناقشت خطة عملها، وآليات الانتقال إلى التنفيذ، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً للبدء بالإصلاحات، وعدم انتظار تحسن الظروف العامة في البلاد.

الإصلاحات الحكومية في اليمن تحظى بدعم دولي واسع (إعلام حكومي)

وأكد الزنداني أن الإصلاح المؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة فاعلية الدولة، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة مواردها بكفاءة، وتحسين مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن سنوات الحرب راكمت اختلالات في الهياكل، والتشريعات، والموارد البشرية، والمالية، وآليات اتخاذ القرار.

وتستهدف الخطة في مرحلتها الأولى، طبقاً للمصادر الرسمية، عدداً من الوزارات، والمؤسسات الحكومية التي ستُختار وفق معايير واضحة، لتكون نماذج عملية يمكن تقييم نتائجها، والاستفادة منها قبل توسيع نطاق الإصلاح ليشمل بقية مؤسسات الدولة.

وتشمل عملية الإصلاح مراجعة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات، ومنع التداخل، والازدواجية، إلى جانب تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، واللوائح، والتحول الرقمي، وربط الإصلاح المؤسسي بالإصلاحين المالي، والإداري.

تحديات التنفيذ

تكتسب الخطوة أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة اليمنية في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الإصلاحات المؤسسية، وفق الرؤية الحكومية، أمراً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، أو تحسن الوضع الاقتصادي.

وتراهن الحكومة على أن تحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الرقابة والشفافية يمكن أن يساعد في التعامل مع جانب من التحديات الاقتصادية، والمالية، ويتيح للدولة استخدام مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.

وقال رئيس الوزراء إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الاختلالات إلى إصلاح جذورها، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية، وعلى أساس تقييم واقعي لأوضاع الوزارات، والمؤسسات.

تحديث منظومة التشريعات اليمنية سيتطلب انتظام عمل البرلمان (إعلام حكومي)

ولا تخفي الحكومة أن تنفيذ الخطة يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحديث عدد من القوانين، واللوائح، وهي إجراءات يتطلب بعضها موافقة مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه جلسات المجلس غير منتظمة.

لكن هذا التحدي لا يبدو عائقاً أمام بدء العملية، إذ يمكن للحكومة المضي في الجوانب التنفيذية التي تدخل ضمن صلاحياتها، وبالتوازي مع استكمال مشاريع القوانين والتشريعات اللازمة، وطرحها أمام السلطة التشريعية عند انعقاد جلساتها.

إعادة بناء الدولة

تنظر الحكومة اليمنية إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين قدرتها على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

وستعمل اللجنة الوزارية على الانتقال سريعاً من مرحلة التشخيص وإعداد التصورات إلى التنفيذ الفعلي، مع وضع مؤشرات لقياس النتائج، ورفع تقارير دورية بشأن مستوى الإنجاز، والتحديات، والمعالجات المطلوبة.

ومن شأن نجاح المرحلة الأولى أن يمنح الحكومة نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، وتوسيع الإصلاح تدريجياً إلى بقية مؤسسات الدولة.

وبذلك لا تقدم الحكومة اليمنية خطة الإصلاح باعتبارها مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، وإنما كجزء من الاستجابة للظروف الحالية، ومحاولة استعادة فاعلية مؤسسات الدولة من داخل الأزمة نفسها.

وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وأضعفت موارده، قد يمثل البدء بإصلاح الجهاز الحكومي، رغم صعوبة الظروف، خطوة باتجاه بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحويل الإصلاح من شعار مؤجل إلى مسار عملي يبدأ بما هو ممكن اليوم، ويتوسع تدريجياً في المستقبل.

وكانت آخر عملية للإصلاح المؤسسي نفذت في بداية الألفية الجديدة، ومن خلالها تمت إعادة توصيف الوظائف العامة، وإعادة هيكلة جزء منها، وترافقت مع إجراءات رفع الدعم الحكومي عن كثير من المواد الغذائية، والوقود.

وسبق للحكومات اليمنية المتعاقبة أن اتخذت إجراءات اقتصادية قاسية، منها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة، كما خفضت النفقات العامة، وأبرمت اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي التزمت من خلاله برفع الدعم عن قطاع الكهرباء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام.

كما تم دمج عدد من الوزارات، لكنها لم تستكمل إعادة الهيكلة، سواء للوزارات القائمة التي تعاني من تضخم هيكلي، أو الوزارات التي تم دمجها قبل أن تبدأ الحكومة الحالية هذه العملية.


الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وسّعت الجماعة الحوثية عمليات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس في محافظة عمران، شمال صنعاء، عبر إجراءات جديدة شملت توزيع استمارات ذات طابع عسكري على الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، في خطوة تعكس مساعيها لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، وفق مصادر تربوية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» و«هيئة التعبئة العامة» التابعتين للجماعة، وبالتنسيق مع مكتب التعليم الخاضع لسيطرتها في المحافظة، شرعتا منذ أيام في تسجيل الطلاب ضمن قوائم تحمل اسم «قوات التعبئة والاستنفار»؛ تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج تعبئة، قبل الدفع ببعضهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت المصادر أن مشرفين حوثيين كثَّفوا جولاتهم الميدانية إلى مدارس مدينة عمران، عاصمة المحافظة، وعدد من المديريات التابعة لها، حيث وزَّعوا استمارات على الطلاب لجمع بياناتهم وفتح قنوات مباشرة لاستقطابهم وإلحاقهم بأنشطة ودورات عسكرية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجماعة تحديات متزايدة في توفير القوى البشرية، بالتزامن مع استمرار الخسائر التي تلحق بعناصرها المشاركين في العمليات العسكرية؛ وهو ما يدفعها، حسب المصادر، إلى توسيع عمليات الاستقطاب لتشمل فئات عمرية أصغر.

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

وأثارت عملية إدخال الطلاب في مسارات التعبئة والاستقطاب مخاوف تربوية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة والتجنيد، وتعريض الأطفال والمراهقين لضغوط قد تدفعهم إلى الانخراط في أنشطة عسكرية أو مرتبطة بها.

ويرى تربويون أن إدخال إجراءات الاستقطاب والتجنيد إلى المدارس في عمران ومدن يمنية أخرى يمثل انتهاكاً لوظيفة المؤسسات التعليمية، ويعرّض الأطفال والقاصرين لخطر الاستغلال العسكري والفكري، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على مستقبلهم الدراسي والنفسي والاجتماعي.

وحذَّرت المصادر التربوية من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول المدارس بيئةً مفتوحة للتعبئة والاستقطاب، ويضع الطلاب تحت ضغوط تؤثر في مسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية، بدلاً من أن توفر لهم المؤسسات التعليمية بيئة آمنة للتعلم والنمو.

دعوة للحماية

في مواجهة هذه الممارسات، دعت نقابة المعلمين اليمنيين في عمران، العاملين في القطاع التربوي إلى التصدي لأي محاولات لاستغلال المدارس والمنابر التعليمية في نشر الأفكار الطائفية أو الترويج للتعبئة القتالية واستقطاب الطلاب.

وشددت النقابة، في بيان، على ضرورة الحفاظ على حيادية المؤسسات التعليمية وحماية حقوق الأطفال في الحصول على بيئة تعليمية آمنة، ومنع جرّهم إلى النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه وحماية مستقبل اليمن.

الحوثيون يلزمون المدارس في مناطق سيطرتهم ببرامج تعبوية والحشد للقتال (إكس)

وأكدت النقابة أهمية توفير بيئة تعليمية مستقلة وآمنة للطلاب، وتجنيب المؤسسات التعليمية في المحافظة مختلف أشكال التعبئة والاستقطاب العسكري، داعية المعلمين والتربويين في المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التمسك بالرسالة التعليمية القائمة على قيم التسامح والمواطنة.

كما دعت إلى حماية المدارس من التأثيرات التي تلحق الضرر بالعملية التعليمية، في ظل ما تصفه مصادر تربوية بتزايد محاولات الجماعة توظيف المؤسسات التعليمية في عمليات التعبئة الفكرية والعسكرية.

تجنيد واسع

كان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أشار في تقرير سابق إلى أن محافظة عمران تُعدّ من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلاً لحالات تجنيد الأطفال ومقتل المجندين منهم في صفوف الحوثيين.

ووفق التقرير، سُجلت نحو 2688 حالة تجنيد وقتل لأطفال في المحافظة خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) 2014 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021، مع الإشارة إلى استمرار الجماعة منذ ذلك الحين في تجنيد مزيد من الأطفال في مناطق نفوذها، واستخدام المدارس في عمليات التعبئة والاستقطاب.

الحوثيون مُستمرون في استقطاب الطلبة وتحويل المدارس مراكز للتدريب (إكس)

وفي السياق ذاته، وثَّقت «منظمة ميون لحقوق الإنسان» في وقت سابق استخدام وزارتي الدفاع والتعليم في حكومة الجماعة غير المعترف بها دولياً أكثر من 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكز لتجنيد الأطفال وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأكدت المنظمة أن الجماعة مستمرة في تجنيد الأطفال بصورة ممنهجة، وحرمانهم من حقهم في الحياة والتعليم، وتعريضهم لخطر الموت والإصابة، بما يهدّد مستقبلهم وينتهك، حسب المنظمة، القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.


لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟