«القرصنة البيولوجية»... بدعة تزداد شعبية

تهدف إلى تعزيز سيطرة الإنسان على صحته عند شعوره بالتعب من العالم الخارجي

«القرصنة البيولوجية»... بدعة تزداد شعبية
TT

«القرصنة البيولوجية»... بدعة تزداد شعبية

«القرصنة البيولوجية»... بدعة تزداد شعبية

يومياً ولمدّة 45 دقيقة، يقصد لاعب الهوكي الأميركي المخضرم دانكن كيث، ما يسمّيه «مختبره» حيث يقوم بالاستفادة من «مجموعة من الأشياء اللازمة له للحفاظ على صحّته»، كما يقول. ومن بين هذه الأشياء، حسب مقابلة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، غسل نفسه بالأشعة دون الحمراء، والتمدّد لثماني دقائق على فراش يبثّ «تيارات كهرومغناطيسية»، وتناول مكمّلات غذائية كالـ«غلوتاثيون glutathione» وفيتامين سي، والسوائل العشبية مثل الـ«آشواغاندا ashwagandha».
ويضيف كيث في مقابلته مع الصحيفة: «أحياناً، أنام ليلاً وأنا متصل بجهاز لاستنشاق الهيدروجين... أنا قرصان بيولوجي، ولاعب هوكي بدوام جزئي. الحياة تصبح أفضل بكثير بمساعدة العلم».

القرصان البيولوجي
مصطلح «القرصنة البيولوجيةbiohacking »، وتابعه «القرصان البيولوجيbiohacker »، يشير إلى العلاقة الوطيدة مع ثقافة القراصنة الإلكترونيين، إلا أنه يُستخدم هنا كنزعة للبحث عن وسائل جديدة وذكية لتنفيذ أعمال من قبيل «الأعمال البيولوجية التي ينفّذها الإنسان بنفسه». وحقّق المصطلح انتشاراً واسعاً حتى اليوم.
وقد راكم مبدأ القرصنة البيولوجية رصيداً كبيراً في الثقافة الشعبية خلال العقد الماضي، بطرح منطلقات جديّة لتطبيق جوهر القرصنة التقنية في مجال علوم الأحياء.
وتطورت هذه المنطلقات على يد مجموعة صغيرة من الرجال الأصحاء والميسورين الذين يستطيعون إيجاد اختصارات لكلّ شيء، حتى أنفسهم! ومنذ ذلك الحين، تجاوزت هذه المنطلقات مرحلة التجارب الشخصية العادية وتحوّلت إلى منتجات تستخدم في روتين حياتنا اليومية مثلما نستخدم القهوة.

بدعة تجارية
تختلف القرصنات البيولوجية باختلاف المنصّات الإلكترونية التي تتابعونها، ويمكن أن تتراوح بين استجلاب «المياه الخام غير المكررة»، والتدلّي رأساً على عقب بهدف «قرصنة الدماغ» عبر زيادة تدفّق الدمّ (بحجة أنّ عدم تلقّي دماغكم للكمية الكافية من الدمّ قد يشير إلى تعرّضكم لجلطة دماغية)، إلى رصد كلّ ما يدخل ويخرج من جسمكم بشكل هوسي، يمكن اعتباره هوساً مَرضياً. وكما هو الحال مع المصطلحات الشعبية، تحوّلت القرصنات البيولوجية إلى مشاريع تجارية، كالترويج لشراب «سويلنت Soylent» على أنه «بديل للوجبة الغذائية»، وكذلك بوليصة التأمين «إنشور فور ميلينيالز Ensure for Millennials» على أنّها قرصنات بيولوجية.
كما تحوّلت هذه الأخيرة إلى عالم ترويجي صاخب يُستخدم لبيع «مكمّلات غذائية» غير خاضعة لشروط قانونية ولإعادة تعليب منتجات قديمة كالقهوة مع الزبدة. وإن كان المستهلكون قد أخذوا منذ زمن بعيد بإضافة الحليب إلى القهوة، فإن النسخة الجديدة من هذه الإضافة أغلى ثمناً ومهمتها قرصنة دماغكم.
وكأي موضة عابرة تسعى إلى بيع اختصاراتها لعالم الأحياء، أو أي منطلقات حياتية تدّعي قدرتها على اختصار عمل صعب، يحاول القراصنة البيولوجيون اليوم بيع نصائح صحية غير مجرّبة (أو على مبدأ «لقد نفعتْني أنا») في محاولة منهم لتحويلها إلى علم قائم. ولكن غالباً ما تكون النتيجة النهائية هدراً للأموال والوقت دون مكاسب.

نصائح طبيعية صحية
في المقابل، لا ينفي هذا الاستغلال التجاري أهمية مبدأ القرصنة البيولوجية لجهة سيطرة الإنسان على صحّته في الأوقات التي يشعر فيها بالتعب من العالم الخارجي. لذا، للحصول على هذه الفوائد الصحية إلى جانب فوائد بيولوجية حقيقية، إليكم أهمّ القرصنات البيولوجية، والتي تعد طبيعية بالكامل، على عكس القرصنات التجارية التي يروَّج لها اليوم. لا تأتي هذه القرصنات بترتيب محدّد لأنّ جميعها يتمتّع بقوّة مؤثرة.
> النوم: يسهم النوم (الذي يقال إنه يسهم في «تنظيف الدماغ») في إطالة عمر الإنسان ويساعد في الوقاية من أمراض كثيرة، خصوصاً أن قلّة النوم تضعف جهازكم المناعي... هذا دون أن ننسى أنّ النوم لا يتطلّب منكم أي جهود أو أموال.
للحصول على نوم صحي، خصِّصوا الساعة الأخيرة من يومكم للأمور غير المرتبطة بالعمل لتهدئة دماغكم. أنا يمكن أن أسميها «الساعة المذهلة».
> تمضية الوقت في الطبيعة: لا تزال قرصنة الطبيعة لعقول البشر مفتوحة على أسئلة كثيرة، ولكنّ تأثيرها واضح ومنطقي جداً. إذ تَبيّن أنّ إمضاء الوقت في الطبيعة يقلّل الاكتئاب ويزيد نسبة الشفاء بعد العمليات الجراحية إلى جانب مكاسب كثيرة أخرى.
> النشاط البدني: اختاروا الأفضل بالنسبة إليكم؛ ما الأمور التي تستمتعون بها ويمكنكم الاستمرار بممارستها ضمن وضعكم الجسدي وجدول أعمالكم؟ إنّ المحافظة على النشاط البدني المستمر تعني أنّكم تسيرون بالاتجاه الصحيح. يجب أن تحافظوا على نشاطكم قدر الإمكان.
> تناوُل طعام جيّد: يتألف الطعام الجيّد من مزيج من الطعم اللذيذ، والثقافة، والتمثيل الغذائي الفردي. من وجهة النظر الغذائية، يحصل البشر على غذائهم من مجموعة متنوعة من الأشياء القابلة للأكل. ويبدو أنّ الأشخاص الذين يستهلكون كمية أقلّ من الأطعمة الصناعية ويكثرون من الوجبات النباتية يعيشون لمدّة أطول ويتنعّمون بحياة صحية أكثر.
يمكنكم أيضاً الاستفادة من بعض النصائح في هذا المجال كتناول الطعام مع المجموعة، وتخصيص وقت للطهي والأكل برويّة، ودراسة العامل البيئي عند استهلاك الغذاء.

تحقيق السعادة
- الشعور بالهدف: إنّ السعي لتحقيق السعادة ليس بقرصنة بيولوجية، ولكنّ السعي خلف تحقيق الهدف كذلك.
قد يكون الفارق في هذه الحالة طفيفاً لأنّ البشر الذين يملكون هدفاً في حياتهم يميلون غالباً إلى الشعور بالسعادة. ولكنّ النيات الأساسية هي العنصر الأهمّ. ففي حال سعيتم إلى تحقيق السعادة نفسها، سيقودكم الجزء المنفعي من دماغكم الأوسط إلى الطريق الأمثل للحصول على أقوى جرعة من «الدوبامين». يحصل المستهلكون غالباً على هذه الجرعة من المواد الكحولية والمخدرة، ومن شاشات الأجهزة الإلكترونية، مما قد يؤدي إلى الإدمان، فيبطل تأثيرها بعد مدّة محدّدة من الزمن. ولكنّ السعي وراء تحقيق هدف ما يقلب هذا المفهوم. إذ عندما تسعون خلف أمر لا يزوّدكم بمنفعة مباشرة ويعدكم بمكاسب لاحقة، تنتظر الناقلات العصبية بدورها هذه المكاسب.
> معايشة الناس وربّما الحيوانات الأليفة: أحببتم هذا الأمر أم لم تحبّوه، يبني البشر علاقات تملأ الوقت الذي يمضونه على هذا الكوكب. وفي حال كانت هذه العلاقات لا تربطهم بمخلوقات لها قلوب تنبض، ستربطهم بأشياء مادية كالمواد المخدرة والشاشات. فقد اتضح أنّه وعلى الرغم من أن العلاقات مع البشر والحيوانات تتطلّب عملاً شاقاً، فإنها قادرة على قرصنة النظام الجسدي البشري بشكل مفيد للصحة والاستمرار. من ناحية أخرى، تبيّن أنّ العزلة الاجتماعية قد تؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب والتهاب المفاصل والسكري من النوع الثاني والخرف والانتحار.
> البحبوحة: تعد البحبوحة أو الرفاه المادي من أهمّ القرصنات البيولوجية. فقد تبيّن أن الأشخاص الميسورين يعيشون لفترة أطول من الأشخاص الذين لا يملكون ما يكفي من المال لتأمين الغذاء الصحي ويشعرون بالتوتر المستمرّ حول أمور شائعة كتسديد الإيجار أو خسارة أجرة يوم عمل. على مرّ التاريخ، اعتُبرت الثروة أحد أهمّ عوامل التنبؤ بالأوضاع الصحية عالمياً.

- «ذا أتلانتيك»،
خدمات «تريبيون ميديا»



الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة
TT

الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

في وقت يسعى فيه ملايين الأشخاص لإبطاء آثار التقدم في العمر، تكشف دراسة دولية حديثة أن الإجابة لا تكمن فقط في نمط الحياة الصحي، بل أيضاً في تركيبتنا الجينية. فالعلاقة بين ما نأكله وكيف نعيش ومدى احتفاظنا بصحتنا مع التقدم في العمر تبدو أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً.

تأثير العوامل اليومية

الدراسة التي قادها أزميراو أماري من كلية الطب والصحة في جامعة أديلايد بأستراليا ونُشرت في دورية «The Journals of Gerontology» في 23 فبراير (شباط) 2026 تقدم دليلاً جديداً على أن تأثير العوامل اليومية -مثل النظام الغذائي، والنشاط البدني، والنوم، والتدخين- لا يكون متساوياً لدى الجميع، بل يختلف بحسب الاستعداد الجيني لكل فرد.

«قدرات الإنسان الجوهرية»

في سعي العلماء لفك لغز الشيخوخة ظهر مفهوم جديد يُعرف بـ«القدرة الجوهرية» Intrinsic Capacity، وهو مقياس يجمع بين القدرات الجسدية والعقلية التي يحتاجها الإنسان للحفاظ على استقلاليته، وجودة حياته. هذه القدرة تشمل الحركة، والتفكير، والتواصل، وأداء الأنشطة اليومية. وفي دراسة مكثفة اعتمدت على بيانات أكثر من 13 ألف مشارك ضمن الدراسة الكندية الطولية حول الشيخوخة (CLSA) Canadian Longitudinal Study on Aging وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى أعلى من هذه القدرة يعيشون حياة أكثر نشاطاً وصحة، بينما يعاني آخرون من تراجع وظيفي أسرع مع التقدم في العمر.

نمط الحياة «لا يعمل وحده»

وأظهرت النتائج أن العوامل الصحية المعروفة -مثل ممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والمشاركة الاجتماعية، والتعليم الجيد- ترتبط جميعها بشيخوخة أكثر صحة. في المقابل ارتبط التدخين وسوء النوم بانخفاض القدرة الجسدية والعقلية مع التقدم في العمر. لكن المفاجأة كانت أن هذه التأثيرات لا تنطبق بنفس القوة على الجميع. فالجينات تلعب دوراً كبيراً في تحديد مدى استفادة الشخص من هذه العوامل، أو تأثره بها.

البعض يمتلك «أفضلية جينية»

ووفقاً للدراسة، يمتلك بعض الأفراد «أفضلية جينية» تجعلهم أقل عرضة للتأثر السلبي بعوامل مثل قلة النوم، بينما قد يكون آخرون أكثر حساسية لهذه العوامل، مما يؤدي إلى تدهور أسرع في صحتهم.

النوم مثالاً... ليس دائماً بسيطاً

من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن النوم -سواء كان قليلاً أو مفرطاً- يرتبط سلباً بالشيخوخة الصحية. لكن التأثير يختلف حسب الجينات. فالأشخاص الذين ينامون لفترات قصيرة قد لا يتأثرون بنفس الدرجة إذا كانوا يمتلكون استعداداً جينياً إيجابياً، بينما أظهر النوم الطويل نتائج أكثر سلبية لدى فئة منتصف العمر حتى من لديهم ميزة جينية. وتشير هذه النتائج إلى أن النصائح الصحية العامة قد تحتاج إلى تخصيص أكبر مستقبلاً بدلاً من تطبيقها بشكل موحد على الجميع.

التعليم والنظام الغذائي... تأثير مستمر

في المقابل برزت بعض العوامل كعناصر قوية لتعزيز الشيخوخة الصحية بغض النظر عن الخلفية الجينية. فقد أظهرت الدراسة أن اتباع نظام غذائي شبيه بنظام البحر المتوسط، إلى جانب التعليم الجيد، يرتبطان بنتائج إيجابية طويلة الأمد حتى لدى الأفراد الذين لا يملكون أفضلية جينية واضحة. وهذا يعزز فكرة أن الجينات ليست قدراً محتوماً، وأن الخيارات اليومية لا تزال تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار الحياة الصحية.

منتصف العمر نقطة التحول

تشير الدراسة أيضاً إلى أن تأثير الجينات يكون أكثر وضوحاً في منتصف العمر، بينما تصبح العوامل البيئية والتراكمية -مثل نمط الحياة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية- أكثر تأثيراً مع التقدم في السن. بمعنى آخر قد تبدأ حياتنا بتأثير جيني قوي، لكن مع مرور الوقت تزداد أهمية القرارات اليومية والتجارب الحياتية في تشكيل صحتنا.

ماذا تعني هذه النتائج؟

بالنسبة للخبراء تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق للعلاقة بين الطبيعة (الجينات) والتربية (نمط الحياة). وهي تفتح الباب أمام تطوير استراتيجيات صحية أكثر دقة تأخذ في الاعتبار الفروق الفردية بين الناس. كما تحمل رسالة إيجابية هي أنه رغم تأثير الجينات، فلا يزال بإمكان الأفراد تحسين فرصهم في الشيخوخة الصحية من خلال خيارات بسيطة، مثل الحركة اليومية، والتغذية المتوازنة، والنوم الجيد، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية.

نحو طب أكثر تخصيصاً

يأمل الباحثون أن تسهم هذه النتائج في تطوير برامج وقائية وعلاجية موجهة تستند إلى فهم أعمق للتفاعل بين الجينات ونمط الحياة. فبدلاً من انتظار ظهور الأمراض يمكن التركيز على الحفاظ على القدرة الوظيفية والاستقلالية مع تقدم العمر. في النهاية يبدو أن الشيخوخة ليست مجرد رحلة بيولوجية محددة سلفاً، بل هي مسار يتشكل من تفاعل معقد بين ما نحمله في جيناتنا... وما نختاره في حياتنا اليومية.


العين «مرآة الدماغ الصامتة» تكشف عن الأمراض مبكراً

حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
TT

العين «مرآة الدماغ الصامتة» تكشف عن الأمراض مبكراً

حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم
حين يصبح التشخيص رفيقك الدائم

في الطب القديم، لم يكن السؤال هو البداية بل النظرة الأولى. كان المطبّبون يتأملون العين قبل أن يستمعوا إلى الشكوى، لا بوصفها أداة للإبصار فقط، بل نافذة دقيقة تعكس ما يجري في أعماق الجسد. لم تكن تلك الملاحظة ضرباً من الحدس وحده، بل ممارسة تشخيصية قائمة على خبرة تراكمت عبر قرون.

اليوم، وبعد مسار طويل من التقدم العلمي، يعود هذا المفهوم بصيغة جديدة أدق وأكثر تعقيداً. لكن هذه المرة، لا يقوم به حدس الطبيب وحده، بل خوارزميات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل صور العين واستخراج أنماط خفية تتجاوز قدرة النظر البشري.

بين حدس الطبيب وعيون الخوارزمية

لم تعد الإشارات مقتصرة على ملامح الوجه أو نبرة الصوت، بل تمتد إلى أعماق العين نفسها.

فهل يمكن حقاً أن تكشف العين عن أمراض لم تظهر أعراضها بعد؟

وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يرى في شبكية العين ما لا نستطيع نحن إدراكه؟

مرآة الدماغ الصامتة

تُعد شبكية العين امتداداً مباشراً للجهاز العصبي المركزي، وهي الجزء الوحيد من الدماغ الذي يمكن رؤيته بشكل غير جراحي. لهذا السبب، فإن أي تغيير دقيق في الأوعية الدموية داخل العين قد يعكس اضطرابات أعمق في الدماغ، أو القلب، أو التمثيل الغذائي.

خلال السنوات الأخيرة، أظهرت دراسات متقدمة أن تحليل صور قاع العين يمكن أن يكشف مؤشرات مبكرة لأمراض مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب. ومن أبرز هذه الجهود، أبحاث طورتها شركة «ديب مايند» بالتعاون مع مستشفى «مورفيلدز للعيون» في لندن، حيث أُنتج نموذج قادر على تحليل صور الشبكية بدقة تضاهي كفاءة كبار أطباء العيون، بل وتتجاوزها في حالات معينة.

وفي دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، قاد الباحث جوزيف لِدسام (Joseph Ledsam) من شركة ديب هيلث (Deep Health) – لندن، المملكة المتحدة – فريقاً طوّر نموذجاً ذكياً لتحليل صور الشبكية بهدف التنبؤ بالمخاطر القلبية الوعائية. ولم تقتصر النتائج على تحسين الدقة التشخيصية، بل أظهرت قدرة النظام على تقدير العمر البيولوجي، ومستويات ضغط الدم، وحتى خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، اعتماداً على تفاصيل دقيقة في شكل الأوعية الدموية يعجز الإنسان عن تفسيرها بسهولة.

كما أظهرت أبحاث أخرى من جامعة ستانفورد الأميركية أن الدمج بين الصور الطبية والبيانات الحيوية يفتح الباب أمام تشخيص الأمراض المزمنة قبل ظهور أعراضها بسنوات.

هنا لا تتحدث الخوارزمية بلغة التشخيص التقليدي، وإنما بلغة الأنماط الخفية، أنماط لا نبحث عنها عادة، لكنها كانت موجودة طوال الوقت.

العين التي تقرأ الجسد قبل أن ينطق المرض

من العيادة إلى الهاتف

لم تعد هذه التقنيات حبيسة المختبرات أو المراكز المتخصصة. فقد بدأت أدوات تحليل صور العين تنتقل إلى أجهزة أبسط، بل وحتى إلى الهواتف الذكية. في هذا النموذج الجديد، قد يتحول فحص العين من إجراء يُجرى خلال زيارة طبية إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، ترصد التغيرات الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان.

وهنا يتغير مفهوم التشخيص ذاته. لم يعد حدثاً مرتبطاً بموعد، بل عملية ديناميكية تراقب الإشارات الصامتة للجسد بصورة متواصلة.

في العالم العربي، حيث ترتفع معدلات السكري وأمراض القلب بشكل ملحوظ، قد تمثل هذه التقنيات فرصة حقيقية لإعادة تعريف الوقاية قبل أن تتحول إلى علاج.

ورغم هذا التقدم، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل يمكن الوثوق بما «تراه» الخوارزميات؟ فالذكاء الاصطناعي لا يرى الإنسان بوصفه كائناً متكاملاً، بل يرى بيانات. وهذه البيانات قد تكون ناقصة، أو متحيزة، أو غير ممثلة لجميع الفئات. كما أن كثيراً من هذه الأنظمة، رغم دقتها العالية، تفتقر إلى القدرة على تفسير قراراتها، فتخبرنا بما قد يحدث، دون أن تشرح لماذا.

هنا تظهر فجوة جديدة في الطب الحديث: فجوة بين الرؤية والفهم، بين الدقة والمعنى.

ربما لم يكن الأطباء القدماء مخطئين حين جعلوا العين مدخلاً أساسياً للتشخيص، لكنهم كانوا يعتمدون على الخبرة والحدس والارتباط المباشر بالمريض. أما اليوم، فيقدم الذكاء الاصطناعي دقة أعلى، لكنه يظل محدود الفهم خارج إطار البيانات.

وفي هذا التوازن الدقيق، لا يصبح دور الطبيب قراءة الصورة فحسب، بل تفسير ما وراء الصورة، وربط النتائج بسياق إنساني لا تستطيع الخوارزميات إدراكه. فالخطر ليس أن ترى الآلة أكثر منا، بل أن نثق بما تراه دون أن نفهمه.

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد العين مجرد وسيلة للرؤية، بل أصبحت مصدراً غنياً بالبيانات قد يكشف المستقبل الصحي للإنسان.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فيما يمكن رؤيته، بل في ما قد لا ننتبه إليه؛ في الإشارات التي تلتقطها الأنظمة دون أن نفهم معناها الكامل.

ولهذا، لم يعد السؤال: هل نرى المرض؟ بل أصبح: ما الذي تراه الخوارزميات فينا... ولم نتعلم بعد كيف نراه نحن؟


العالم يجاهد لمواكبة تطور الذكاء الاصطناعي

مؤشرات على تحسّن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي رغم توقعات البعض بأن تطوره قد يصل إلى طريق مسدود (رويترز)
مؤشرات على تحسّن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي رغم توقعات البعض بأن تطوره قد يصل إلى طريق مسدود (رويترز)
TT

العالم يجاهد لمواكبة تطور الذكاء الاصطناعي

مؤشرات على تحسّن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي رغم توقعات البعض بأن تطوره قد يصل إلى طريق مسدود (رويترز)
مؤشرات على تحسّن أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي رغم توقعات البعض بأن تطوره قد يصل إلى طريق مسدود (رويترز)

في ظروف الوضع العام المحيط بالذكاء الاصطناعي، الأشبه بحمى البحث عن الذهب أو فقاعة، صدر حديثاً، مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 من The 2026 AI Index «معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان»، التابع لجامعة ستانفورد. وهو التقرير السنوي للذكاء الاصطناعي، الذي جاء ليقضي على بعض من هذا الضجيج المحيط بتطويراته وآفاقه.

تحسن مطرد

رغم توقعات البعض بأن تطور الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى طريق مسدود، يُشير التقرير إلى أن أفضل النماذج مستمرة في التحسن. فاليوم يتبنى الناس الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من تبنيهم للحاسوب الشخصي أو الإنترنت. وتجني شركات الذكاء الاصطناعي إيرادات أسرع من الشركات في أي طفرة تكنولوجية سابقة. غير أنها في الوقت ذاته تُنفق مئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية.

وفي المقابل، تكافح المعايير المصممة لقياس الذكاء الاصطناعي، والسياسات المنظمة له، وسوق العمل لمواكبة هذا التطور. ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق بسرعة فائقة، ونحن نحاول جاهدين التكيف معه. وبطبيعة الحال، لكل هذه السرعة ثمن، ففي الوقت الحاضر، تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حول العالم 29.6 غيغاواط من الطاقة، أي قدرة تكفي لتزويد ولاية نيويورك بأكملها بالكهرباء في أوقات الذروة. وقد يتجاوز استهلاك المياه السنوي لتشغيل نموذج GPT-40 من «أوبن إيه آي» وحده، احتياجات 12 مليون شخص من مياه الشرب. في الوقت نفسه، تتسم سلسلة توريد الرقائق الإلكترونية بهشاشة مثيرة للقلق.

وبينما تستضيف الولايات المتحدة معظم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم، تصنع شركة «تي إس إم سي» التايوانية جميع رقائق الذكاء الاصطناعي الرائدة تقريباً.

تنافس أميركي ـــ صينيوتكشف البيانات عن تكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرتنا على مواكبتها. وإليكم نظرة على بعض النقاط الرئيسة الواردة بالتقرير الصادر هذا العام.

في خضم سباق طويل ومحتدم يحمل بطياته رهانات جيوسياسية هائلة، تتنافس الولايات المتحدة والصين بشدة على صعيد أداء نماذج الذكاء الاصطناعي، بحسب منصة «أرينا»، منصة تصنيف مجتمعية تتيح للمستخدمين مقارنة مخرجات نماذج اللغة الكبيرة، بناءً على نصوص متطابقة.

* أداء النماذج. أوائل عام 2023، كانت «أوبن إيه آي» متقدمةً بفضل «تشات جي بي تي»، لكن هذه الفجوة تقلصت عام 2024 مع إطلاق «غوغل» و«أنثروبيك» نماذجهما الخاصة.

وفي فبراير (شباط) 2025، قدم «آر وان»، نموذج ذكاء اصطناعي طوره مختبر «ديب سيك» الصيني، لفترة وجيزة، أداءً مماثلاً لأفضل نموذج أميركي، وهو «تشات جي بي تي». وبحلول مارس (آذار) 2026، تصدرت «أنثروبيك» القائمة، تليها «إكس إيه آي» و«غوغل» و«أوبن إيه آي» بفارق ضئيل. أما النماذج الصينية، مثل «ديب سيك» و«علي بابا»، فكانت متأخرة بعض الشيء.

* التكلفة ورؤوس الأموال والأبحاث. ومع تقارب أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي في التصنيفات، أصبح التنافس متركزاً الآن حول التكلفة والموثوقية والجدوى العملية.

وكشف المؤشر أن الولايات المتحدة والصين تتمتعان بمزايا مختلفة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ ففي الوقت الذي تمتلك الولايات المتحدة نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، ورأس مال أكبر، وما يُقدّر بنحو 5427 مركز بيانات (أكثر من عشرة أضعاف ما لدى أي دولة أخرى)، تتصدر الصين بمجال منشورات أبحاث الذكاء الاصطناعي، وبراءات الاختراع، والروبوتات.

ومع اشتداد المنافسة، بدأت شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» بالامتناع عن الإفصاح عن شفرة التدريب، أو عدد المعاملات في نماذجها، أو أحجام مجموعات البيانات. في هذا الصدد، نقلت مجلة «تكنولوجي ريفيو» عن يولاندا جيل، عالمة الحاسوب في جامعة جنوب كاليفورنيا، التي شاركت في تأليف التقرير: «لا نعرف الكثير عن التنبؤ بسلوكيات النماذج»، مضيفة أن هذا النقص في الشفافية يُصعّب على الباحثين المستقلين دراسة كيفية جعل نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً.

خريطة عالمية تظهر توزيع مراكز البيانات لعام 2025

تطور فائق السرعة

* أداء عال و«ذكاء متذبذب». ورغم التوقعات بأن تطور الذكاء الاصطناعي سيتوقف عند حد معين، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي ماضية في التحسن. وبحسب بعض المقاييس، فإنها الآن تُضاهي أو تتجاوز أداء الخبراء البشريين في الاختبارات الهادفة إلى قياس مستوى فهم العلوم والرياضيات رواللغة عند مستوى الدكتوراه. شهد اختبار SWE-bench Verified، معيار هندسي لهندسة البرمجيات خاص بنماذج الذكاء الاصطناعي، قفزة نوعية في أعلى الدرجات، من نحو 60 في المائة عام 2024 إلى ما يقارب 100 في المائة عام 2025، أنتج نظام ذكاء اصطناعي توقعات جوية بشكل مستقل

وعبرت جيل عن اندهاشها من «استمرار تطور هذه التكنولوجيا، فهي لا تتوقف عند حد معين» بيد أن هذا لا يعني بأي حال أن الذكاء الاصطناعي، لم يعد يواجه صعوبات على كثير من الأصعدة الأخرى. ونظراً لأن النماذج تتعلم من خلال معالجة كميات هائلة من النصوص والصور، بدلاً من تجربة العالم المادي، فإن الذكاء الاصطناعي يُظهر «ذكاءً غير منتظم» (متذبذب).

* نجاح الروبوتات. اليوم، لا تزال الروبوتات في مراحلها الأولى، ولا تنجح إلا في 12 في المائة فقط من المهام المنزلية. أما السيارات ذاتية القيادة، فقد قطعت شوطاً أطول: تجوب سيارات «وايمو» الآن خمس مدن أميركية، وتنقل مركبات «أبولو غو»، التابعة لشركة «بايدو»، الركاب في أنحاء الصين. كما يتوسع الذكاء الاصطناعي ليضم مجالات مهنية مثل القانون والتمويل، لكن لا يوجد نموذج يهيمن بهذه المجالات حتى الآن.

اختبارات الذكاء الاصطناعي وتأثيراته* طرق اختبار الذكاء الاصطناعي. ينبغي التعامل بحذر مع التقارير التي تتحدث عن إحراز تقدم بمجال الذكاء الاصطناعي؛ فالمعايير المصممة لتتبع مستوى تقدم الذكاء الاصطناعي، تكافح لمواكبة تطور النماذج، التي تتجاوز حدودها بسرعة، حسبما ورد بتقرير جامعة ستانفورد.

والملاحظ أن بعضاً من نماذج الاختبار هذه مصمم بشكل رديء، فقد ظهر أحد المعايير الشائعة التي تختبر القدرات الرياضية للنموذج لديه معدل خطأ يبلغ 42 في المائة. كما يمكن التلاعب ببعضها الآخر: فعندما يجري تدريب النماذج على بيانات اختبار معيارية، على سبيل المثال، يمكنها أن تتعلم تحقيق نتائج جيدة، دون أن تصبح أكثر ذكاءً.

ونظراً لأن الذكاء الاصطناعي نادراً ما يُستخدم بنفس طريقة اختباره، فإن الأداء المتميز في الاختبارات المعيارية لا يُترجم دوماً إلى أداء فعلي في العالم الحقيقي. وفيما يخص التقنيات التفاعلية المعقدة، مثل وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات، فإن المعايير المرجعية تكاد تكون معدومة.

علاوة على ذلك، تشارك شركات الذكاء الاصطناعي معلومات أقل حول كيفية تدريب نماذجها، وفي بعض الأحيان تكشف الاختبارات المستقلة نتائج مختلفة عما تُعلنه. وعن ذلك، قالت جيل: «لا تُفصح الكثير من الشركات عن أداء نماذجها فيما يخص معايير مرجعية معينة، خاصة معايير الذكاء الاصطناعي المسؤول».

* تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف. في غضون ثلاث سنوات من انتشاره على نطاق واسع، أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم الآن من جانب أكثر من نصف سكان العالم، بمعدل انتشار أسرع من الحاسوب الشخصي أو الإنترنت. وتشير التقديرات إلى أن 88 في المائة من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بالوقت الراهن، ويستخدمه أربعة من كل خمسة طلاب جامعيين.

لا يزال تطبيق الذكاء الاصطناعي في مراحله الأولى، ويصعب قياس تأثيره على الوظائف. ومع ذلك، تُشير بعض الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُؤثر بالفعل على العاملين الشباب في بعض المهن. وبحسب دراسة أجراها اقتصاديون من جامعة ستانفورد عام 2025، انحسرت فرص العمل لمطوري البرمجيات، الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، بنسبة تقارب 20 في المائة منذ عام 2022. غير أنه ينبغي الانتباه إلى أن هذا التراجع قد لا يعزى إلى الذكاء الاصطناعي وحده، إذ قد تكون الظروف الاقتصادية الكلية الأوسع نطاقاً السبب الرئيس، لكن يبدو أن للذكاء الاصطناعي دوراً في ذلك.من جهتهم، يرى أصحاب العمل إن التوظيف قد يستمر في الانكماش. وبحسب استطلاع أجرته شركة «ماكينزي» عام 2025، يتوقع ثلث المؤسسات أن يُقلّص الذكاء الاصطناعي عدد موظفيها العام المقبل، خاصة في عمليات الخدمات وسلاسل التوريد وهندسة البرمجيات.

* تعزيز الإنتاجية. يُعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية بنسبة 14 في المائة في خدمة العملاء، و26 في المائة في تطوير البرمجيات، تبعاً لبحث استشهد به المؤشر. غير أن هذه المكاسب لا تُلاحظ في المهام التي تتطلب قدراً أكبر من التقييم وبوجه عام، لا يزال من المبكر للغاية فهم حقيقة التأثير الاقتصادي الأوسع للذكاء الاصطناعي.

مشاعر متضاربة... وأمية الإشراف التنظيمي* الذكاء الاصطناعي يثير مشاعر متضاربة. في مختلف أرجاء العالم، ينتاب الناس مزيج من مشاعر التفاؤل والقلق في آنٍ واحد حيال الذكاء الاصطناعي: إذ يعتقد 59 في المائة منهم أن فوائده ستفوق أضراره، بينما اعترف 52 في المائة إنه يثير قلقهم، طبقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «إيبسوس» ورد ذكره في المؤشر.

ومن اللافت للنظر أن ثمة اختلافاً كبيراً بين نظرة الخبراء وعامة الناس تجاه مستقبل الذكاء الاصطناعي، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «بيو». وتكمن الفجوة الأكبر في مستقبل العمل: في الوقت الذي يعتقد 73 في المائة من الخبراء أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير إيجابي على كيفية أداء الناس لوظائفهم، بينما لا يشاركهم هذا الاعتقاد سوى 23 في المائة من عامة الشعب الأميركي.

كما يبدي الخبراء تفاؤلاً أكبر من الجمهور الناس بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم والرعاية الصحية، لكنهم يتفقون على أن الذكاء الاصطناعي سيضر بعملية الانتخابات والعلاقات الشخصية.

ومن بين جميع الدول التي شملها الاستطلاع، يثق الأميركيون بحكومتهم أقل من غيرها في تنظيم الذكاء الاصطناعي بشكل مناسب، وذلك وفقاً لاستطلاع آخر أجرته مؤسسة «إيبسوس». ويساور القلق عدد أكبر من الأميركيين، من أن التنظيم الفيدرالي للذكاء الاصطناعي لن يكون كافياً، مقارنةً بمن يشعرون بالقلق من أنه سيكون تنظيماً مفرطاً.

* صعوبة تنظيم الحكومات الذكاء الاصطناعي. تجابه الحكومات حول العالم صعوبة في تنظيم الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، شهد العام الماضي بعض النجاحات الطفيفة؛ فقد دخلت حيز التنفيذ أولى بنود قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، التي تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في أعمال الشرطة التنبؤية، والتعرف على المشاعر. كما أصدرت اليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا قوانين وطنية خاصة بالذكاء الاصطناعي. في الوقت نفسه، اتجهت الحكومة الفيدرالية الأميركية نحو تخفيف القيود، مع إصدار الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يهدف إلى تقييد صلاحيات الولايات في تنظيم الذكاء الاصطناعي.

ورغم هذا الإجراء الفيدرالي، أقرت المجالس التشريعية للولايات في الولايات المتحدة رقماً قياسياً بلغ 150 مشروع قانون على صلة بالذكاء الاصطناعي. من ناحيتها، سنّت كاليفورنيا تشريعات تاريخية، بينها مشروع قانون مجلس الشيوخ رقم 53، الذي يُلزم مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن معلومات السلامة، وتوفير الحماية للمبلغين عن المخالفات. كما أقرَّت نيويورك قانون RAISE، الذي يُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بنشر بروتوكولات السلامة، والإبلاغ عن حوادث السلامة الحرجة.

رغم كل هذا النشاط التشريعي، قالت جيل إن التنظيم لا يزال متأخراً عن التكنولوجيا، لأننا لا نفهم حقاً كيفية عملها. وأوضحت أنه: «تتوخى الحكومات الحذر في تنظيم الذكاء الاصطناعي، لأننا لا نفهم الكثير من الأمور على نحو كامل»، مضيفة: «ليس لدينا سيطرة جيدة على هذه الأنظمة».