مخاوف من مؤامرة لضم الضفة الغربية بعد تصريحات غير مسبوقة لنتنياهو

هجوم فلسطيني واسع على رئيس الحكومة الإسرائيلي وترمب و«حماس» بسبب تهديد «وحدة الأراضي الفلسطينية»

-	الجدار الإسرائيلي العازل عند بلدة العيزرية في الضفة الغربية (أ. ف. ب)
- الجدار الإسرائيلي العازل عند بلدة العيزرية في الضفة الغربية (أ. ف. ب)
TT

مخاوف من مؤامرة لضم الضفة الغربية بعد تصريحات غير مسبوقة لنتنياهو

-	الجدار الإسرائيلي العازل عند بلدة العيزرية في الضفة الغربية (أ. ف. ب)
- الجدار الإسرائيلي العازل عند بلدة العيزرية في الضفة الغربية (أ. ف. ب)

أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول رفضه عودة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلى قطاع غزة، والتي عبّر فيها عن رضا إسرائيل عن وجود كيانين فلسطينيين منفصلين في الضفة الغربية وغزة، عاصفة فلسطينية وغضباً واستنكاراً واسعين، فضلاً عن اتهامات للولايات المتحدة وإسرائيل بتهديد وحدة الأراضي الفلسطينية وتصفية القضية. وقالت الرئاسة الفلسطينية إنها تستغرب وتستنكر بشدة وترفض بشكل كامل التصريحات غير المسؤولة التي أدلى بها نتنياهو، والتي قال فيها «إنه لن يسمح بعودة الرئيس محمود عباس إلى قطاع غزة، وسعادته بوجود كيانين منفصلين في غزة والضفة الغربية، وأن الاستيطان سيستمر ويتصاعد».
وقال نبيل أبو ردينة الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية: «إن هذه التصريحات مرفوضة وغير مقبولة وتعبّر عن الاستراتيجية الإسرائيلية الساعية إلى إدامة الانقسام، وتمهيداً لدويلة غزة التي يتم فيها التنازل عن القدس ومقدساتها».
وأضاف: «إن موقف الرئيس والقيادة الفلسطينية أن الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، هي أراضي دولة فلسطين حسب قرارات الشرعية الدولية، وآخرها قرار 2334 الذي أكد وحدة الأرض الفلسطينية وعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان، وكذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 - 11 - 2012 الذي اعترف بفلسطين دولة مراقب على حدود 1967 بما فيها القدس الشرقية».
وتابع أبو ردينة أن «هذه التصريحات تكشف عن الاستراتيجية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية والمدعومة بشكل أعمى من قبل الإدارة الأميركية، والهادفة إلى تقسيم فلسطين ومن ثم تقسيم الوطن العربي»، محملاً الإدارة الأميركية كامل المسؤولية عن التوتر القائم في فلسطين والمنطقة، من خلال دعمها لهذه السياسة الاستعمارية.
وقال أبو ردينة: «تنكشف اليوم مرة أخرى فصول جديدة لمؤامرة القرن التي تهدد وحدة الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي لن يقبل به الشعب الفلسطيني ولا الأمة العربية»، محذراً من السياسة الإسرائيلية وكل من يتماشى معها بما في ذلك «حماس» التي تسعى إلى إبقاء غزة منفصلة عن الضفة، مما يهدد وحدة الأرض ومستقبل القدس ومقدساتها. وأضاف أن «موقفنا الدائم هو إقامة السلام العادل والشامل القائم على قرارات الشرعية الدولية، وأنه من دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على كامل التراب الفلسطيني لن يتحقق الأمن والاستقرار، وأن القدس ليست للبيع أو الشراء، وأن الاستيطان جميعه غير شرعي». وحذّر أبو ردينة أيَّ جهة داخلية أو إقليمية أو دولية من أن تتناغم مع هذه السياسة الاستعمارية التي يرفضها الشعب الفلسطيني والأمة العربية.
وكان نتنياهو قد أعلن في حوار مع صحيفة «يسرائيل هيوم» أن «غزة والضفة الغربية كيانان منفصلان، وأعتقد أنه على المدى الطويل هذا ليس بالأمر السيئ بالنسبة إلى إسرائيل». وأردف أن «عباس تعمّد خفض تدفق أموال السلطة الفلسطينية إلى غزة لاعتقاده أنه من خلال القيام بذلك يمكنه إشعال القطاع، وأننا سندفع ثمن احتلال غزة بخسارة فادحة في الأرواح، وعلى ظهر إسرائيل سيحصل عباس على غزة على طبق من فضة، لكنّ هذا لن يحدث». وأضاف: «إذا ظنّ أحد أنه ستكون هناك دولة فلسطينية تحيط بنا من كلا الجانبين، فإن هذا لن يحدث». وأكد نتنياهو أنه «ليس مستعداً لترحيل يهودي واحد من الضفة، فسيبقون هنا تحت السيادة الإسرائيلية، وسنبقي مسؤولين عن أمنهم».
وأكد نتنياهو في مقابلة ثانية مع التلفزيون الإسرائيلي أنه أوضح للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه غير مستعد لإجلاء «شخص واحد» من أي مستوطنات في الضفة الغربية.
وعندما سئُل نتنياهو عما إذا كان يعرف تفاصيل «صفقة القرن»، قال إنه يعرف ما طلب هو من ترمب تضمينه في الصفقة، قائلاً: «أعرف ما قلته أنا: قلت إنه لا تمكن إزالة حتى مستوطنة واحدة، وأن إسرائيل تصر على سيطرتنا المستمرة على جميع الأراضي الواقعة غرب الأردن». ورداً على استفسار حول ما إذا كان يتوقع من الإدارة الأميركية أن تعترف بالسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، مثل اعترافها بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان الشهر الماضي، قال نتنياهو «انتظروا حتى الولاية التالية»، في إشارة إلى الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، بعد غدٍ (الثلاثاء).
وفوراً شن مسؤولون فلسطينيون هجوماً على ترمب ونتنياهو وكذلك على حركة «حماس» التي تسيطر على قطاع غزة. وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أحمد مجدلاني، إنه تجب مواجهة صفقة القرن التصفوية بكل قوة، متهماً ترمب بمحاولة تصفية القضية الفلسطينية من خلال الصفقة. كما هاجم الناطق باسم حركة «فتح» عضو المجلس الثوري أسامه القواسمي، «مؤامرة صفقة العار الصهيونية الأميركية»، قائلاً إنها «أصبحت أكثر وضوحاً خصوصاً للذين لم يثقوا بكلامنا منذ سنوات عدة ونحن نتحدث عن المخطط الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية من خلال إقامة إمارة في غزة». وأضاف القواسمي: «لا يوجد شيء في السياسة صدفة، ويجب تسمية الأمور كما هي، وإن الذي انقلب وقسّم الوطن ويصرّ على الانقسام إنما ينفذ المخطط الأميركي الإسرائيلي بشكل مباشر». وطالب القواسمي جميع الفصائل والكتاب وأصحاب الرأي والمثقفين وشرائح المجتمع كافة من نقابات مهنية وعمالية وإعلاميين، برفع الصوت عالياً تلبيةً لنداء الوطن والقدس، مضيفاً: «فاليوم هو يوم الاصطفاف الوطني، والصمت والحياد في موضوع الوطن والقدس تقاعُس وتخاذُل». ودعا القواسمي قيادة «حماس» إلى تلبية النداء «ورفض ونبذ صفقة العار عملياً وليس خطابياً وإعلامياً، وذلك من خلال الإعلان الفوري عن إنهاء الانقسام وعودة غزة إلى الوطن، وأن المصير واحد وأن القدس هي البوصلة».
أما فهمي الزعارير، عضو المجلس المركزي، فقال إن تصريحات نتنياهو التي فضح فيها استراتيجية الاحتلال الراعية للانقسام الفلسطيني، يجب أن تحرك الغيرة الوطنية والقومية لدى حركة «حماس» والقوى الإقليمية الداعمة لها لاستدامة حكمها على قطاع غزة، كي تنهيه عاجلاً. وأوضح الزعارير أن الحركة الوطنية الفلسطينية وكل المتابعين للشأن السياسي والداخلي الفلسطيني يعلمون أن الانقسام ما كان ليحصل لولا دفع الاحتلال ودعمه لوقوعه وتسهيل استمراره. وأضاف: «إن تصريحات نتنياهو جاءت على قاعدة استخدامه الذخائر الاستراتيجية في معركته الانتخابية، لكنها لم تفاجئنا وليست معلومة جديدة بالنسبة إلينا، بيد أنها وللمفارقة تزامنت مع تصريحات السيد هنية الذي وصف حكومة أشتية بأنها بلا غطاء وطني، متجاهلاً أن غطاءً إسرائيلياً يستر عورة حكم (حماس) الانقلابي في غزة». وتابع: «إن الاعتراف بحقيقة رعاية الاحتلال للانقسام باعتباره مصلحة إسرائيلية، يجب أن يدفع الوطنيين في (حماس) إلى العودة إلى مربع الوطنية الفلسطينية بإنهاء حكم القطاع والانخراط في مؤسسات النظام السياسي، توافقاً أو انتخاباً على أساس اتفاقيات المصالحة الموقّعة».
كما أدانت وزارة الخارجية والمغتربين ما وصفته بـ«التغول الأميركي الإسرائيلي على شعبنا وحقوقه وقضيته»، محذرةً مجدداً من مخاطر السياسة الأميركية الخارجية القائمة على الهيمنة واستبدال شريعة الغاب بالقانون الدولي، ليس فقط على القضية الفلسطينية والصراع في الشرق الوسط وإنما أيضاً على النظام العالمي برمّته. وأضافت الوزارة في بيان «أن ترمب ونتنياهو حوّلا الحديث عن السلام إلى مسرحية هزلية». وأكدت الخارجية أن تصريحات نتنياهو الأخيرة أغلقت الباب أمام المناورات السياسية والمواقف الوسطية والمترددة، وعليه يجب اتخاذ موقف دولي واضح وقادر على وضع حد للاستفراد الأميركي الإسرائيلي العنيف بالشعب الفلسطيني وحقوقه ومقدساته وفي مقدمتها المسجد الأقصى.
وتابع البيان: «شعبنا بصموده ورباطه وبدعم من الأشقاء والأصدقاء في العالم وبالتفافه حول قيادته الشرعية قادر على إسقاط هذه المؤامرة الكبرى كما أسقط سابقاتها».
وأردف البيان: «تحت ضغط التنافس الانتخابي كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلته مع الإعلام العبري عن حقيقة التآمر الأميركي الإسرائيلي الهادف لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً وإزاحتها عن سلم الاهتمامات الدولية، بحيث أغلق نتنياهو وبصريح العبارة باب الاجتهادات والتأويلات والتفسيرات لتلك الحقيقة، وأعلنها صراحةً أن ما تسمى صفقة القرن ما هي إلا محاولة مستميتة لدفن القضية الفلسطينية والتنكر التام لوجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، ملمحاً بوضوح إلى إمكانية إقدام ترمب على استكمال فصول اعترافاته الكارثية المشؤومة باعترافه المنتظر بالسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وبالمعنى العملي فإن ما قامت به حكومات نتنياهو المتعاقبة منذ عام 2009 خصوصاً ما يتعلق بعمليات تعميق الاستيطان وتهويد القدس وتكريس الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة والتنكيل بشعبنا والتحريض على قيادته ومحاصرتها والعمل على تجفيف مصادرها المالية، وغيرها من التدابير الاستعمارية، تعكس أيضاً هذا المخطط التوسعي وتترجمه، كما أن معاداة إدارة ترمب واليمين الحاكم في إسرائيل للأمم المتحدة وقراراتها وشرعيتها ولجانها الملتزمة بالقانون الدولي يوضح حجم تلك المؤامرة الصهيونية الأميركية».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.