«التذوّق السينمائي والتلفزيوني»... والتمييز بين الفن الجيد والرديء

مرجع مهم أثقلته الاستشهادات الكثيرة

«التذوّق السينمائي والتلفزيوني»... والتمييز بين الفن الجيد والرديء
TT

«التذوّق السينمائي والتلفزيوني»... والتمييز بين الفن الجيد والرديء

«التذوّق السينمائي والتلفزيوني»... والتمييز بين الفن الجيد والرديء

صدر عن «دار الفتح للطباعة والنشر» ببغداد كتاب «التذوّق السينمائي والتلفزيوني» للدكتور صالح الصحن، أستاذ مادة الإخراج التلفزيوني في كلية الفنون الجميلة، الذي سبق له أن أصدر كتابين مهمّين، وهما «حكايات ألف ليلة وليلة في السينما والتلفزيون عند الغرب»، و«الشخصية النموذجية في الدراما التلفزيونية»، وكما توحي به عناوين الكتب الثلاثة، فإنّ اهتمامه منصبٌّ على الفنون السينمائية والتلفزيونية، لكنّ ذلك التخصص الدقيق لا يمنعه من التوسّع في البحث، أو التعمّق في الكتابة النقدية والتنظيرية، تماماً كما فعل في كتابه الثالث، مَدار مراجعتنا النقدية.
إنّ مَنْ يقرأ هذا الكتاب سيكتشف منذ صفحاته الأولى أنّ العنوان لا يُغطّي متن الكتاب برمته، إذ أخذت السينما حصة الأسد، بينما اكتفى التلفزيون بالنِزر الضئيل من العناية والاهتمام مع أنّ الباحث والناقد صالح الصحن هو مخرج تلفزيوني ومتابع دؤوب للدراما التلفزيونية العراقية والعربية على حدٍ سواء.
لم يقسّم الباحث كتابه إلى فصول، وإنما استعاض عنها بـ39 موضوعاً ومادة بضمنها المقدمة التي كتبها المُخرج والناقد قيس الزبيدي ومصادر الكتاب الكثيرة التي بلغت 117 مصدراً، إذا ما أغفلنا تكرار الكثير منها لأكثر من مرة ضمن النسق السردي لهذا الكتاب الذي يفيد منه المتخصص والقارئ العادي، لكن الذي يُربك هذه القراءة هو الإسهاب في ذكر الأمثلة، ففي موضوع «ما الذي يثيرنا في الفيلم؟» أوردَ الباحث 23 فيلماً كأمثلة تطبيقية تبدأ بـ«مولد أمّة» لديفيد غريفيث، وتنتهي بـ«المكالمة» لبراد أندرسون، وهي كثيرة جداً، وكان بإمكانه اختصارها إلى 5 أمثلة تفي بالغرض، وتختصر من حجم الكتاب الكبير نسبياً، وسوف يتكرر هذا الإطناب في موضوعات أخرى تأخذ من وقت القارئ، ولا تضيف إليه جديداً، حيث أورد في موضوع «تسمية الأفلام» 41 مثالاً، وكان بإمكانه أن يختصرها إلى 5 أفلام تكشف عن أسباب التسمية، وتدلّل عليها، كي يتفادى هذا التطويل اللا مُبرّر الذي يجعل القارئ يراوح في منطقة واحدة يهيمن عليها التماثل والتكرار.
لم تكن غزارة الأمثلة هي السبب الوحيد في الإسهاب والتوسّع، وإنما هناك المرجعيات المعجمية في شرح المصطلحات الفنية والأدبية انطلاقاً من «التذوّق السينمائي والتلفزيوني»، وانتهاءً بـ«ما بعد الحداثة في السينما والتلفزيون» فقد ناقش الباحث 53 مصطلحاً، كما أشار الزبيدي في تقديمه للكتاب، علماً بأن غالبية هذه المصطلحات شائعة ومعروفة، وأن الوقوف عندها مُجدداً يبعث على الملل، كما هو الحال في رصد الفروقات الفنية «بين الوثائقي والتسجيلي» التي باتت معروفة، وأصبحت في حكم البديهيّات التي لا تقبل الجدل.
وإذا تأملنا الكتاب بعيداً عن الملاحظات النقدية آنفة الذكر لوجدناه مستوفياً لاشتراطاته البحثية التي تغطّي الموضوعات التي درسها، وتتبّعها بطريقة استقصائية رجع فيها إلى عيون الكتب والمصادر التي تناولت مفهوم التذوّق الفني، ورصدته في الأعمال السينمائية والتلفزيونية. ويشترط الباحث على المُشاهِد أن يكون ذوّاقاً بمعنى الكلمة، بحيث يمتلك القدرة على التمييز بين العمل الفني الناجح وبين نقضيه الفاشل تماماً مثلما يمتلك هذا المُشاهد القدرة الفسيولوجيّة على التمييز بين الطعام الشهي اللذيذ والرديء الفاسد.
ويتمنى الباحث أن يكون المتلقي مُلمّاً بعناصر الصورة، واللقطة، والمَشهد، والتكوين، وما إلى ذلك من خصائص كثيرة لها أثر كبير في معرفة المعنى وإدراكه، ولو أخذنا التكوين مثالاً لما يذهب إليه الباحث، فلا بد للمُشاهد أن يعرف عناصر التكوين مثل «تحديد المكان، وتوزيع الشخصيات، والكتل والموجودات داخل الصورة، وإدراك مستوى التوازن بينها، وفهم العلاقات القائمة بين الأشخاص».
لا بد من الاعتراف بأن هناك موضوعات شيّقة جداً في هذا الكتاب مثل «الفنون الجميلة»، و«الفن السابع»، و«قالوا في السينما» من دون أن نقلل من أهمية المحاور الأخرى التي وردت في متن الكتاب. ففي «الفنون الجميلة» يفرّق الباحث بينها وبين «الفنون التطبيقية»، مثل صناعة الفخار، وتصميم الأزياء، كما يميّز بين الفن والصنعة، فالأول خلقْ يجسّد المشاعر والعواطف والإلهام، أما الصنعة فهي استنساخ لتصوّر سبق أن نفّذه أحدهم ثم توالى الآخرون على تقليده، وهي تشبه استنساخ اللوحات والرسوم وصبّ القطع النحتية من جديد، ويُدرجه ضمن النشاط الصناعي والتجاري الخالي من الفن والإبداع.
يدنو الباحث في هذا المحور من فلسفة الجمال تحديداً، وهي الأقرب إلى التذوّق الفني منها لأي شيء آخر، خصوصاً حين يأخذنا إلى مقارنة إيمانويل كانت بين ثلاثة أصناف من الموضوعات التي تُحدث في أنفسنا بهجة لها علاقة بإرضاء المشاعر، وهي «الملائم والخير والجميل»، فالأول والثاني لهما علاقة بملَكة الرغبة، فالملائم (The Agreeable) يحقق بهجة مقرونة بالناحية الفسيولوجية كالطعام، أما الخير (The Good) فيفضي إلى البهجة المعنوية حين يكون موافقاً للصالح العام، فيما ينفرد الجميل (The Beautiful) بإحداثه بهجة خالصة بمنأى عن أي مصلحة أو دوافع باطنية أو خارجية. كما يورد الباحث مجموعة من التعريفات الدّالة للفن والفنان ننتقي منها تعريف الفن بأنه «مُنجَز بشري مُبتكر يحتمل الخيال كثيراً، ويكره الاستنساخ، وتقليد الأشياء بالتكرار»، أما «معجم أوكسفورد» فيعرّف الفنان بذلك «الشخص الذي يمارس عملاً لا غاية له سوى إثارة اللذة وانتزاع الإعجاب».
لعل أهم ما ورد في موضوع «الفن السابع» هو الإشارة إلى المُنظِّر السينمائي الإيطالي ريتشاتو كانودو الذي اعتبر السينما «فناً تشكيلياً متحرّكاً»، كما اعتقد أن هذا الفن الجديد يصالح بين إيقاعات المكان (الفنون التشكيلية) وإيقاعات الزمان (الموسيقى والشعر) في توليف للفنون الخمسة القديمة، وهي «العمارة، والنحت، والرسم، والموسيقى والشِعر» التي أضاف إليها لاحقاً «الرقص والسينما»، وقد وصف هذه الأخيرة بـ«الفن السابع»، وما يزال هذا التوصيف مُستعملاً حتى الوقت الحاضر. وقد قال عنه المنظّر الفرنسي هنري آجيل «إنّ كانودو كان متقدماً على جيله، ويرى الصدق الأسمى للسينما في التعبير عن داخل النفس، وليس في تقديم الوقائع».
لا شكّ في أنّ القراءات الواسعة والمعمقة للباحث السينمائي صالح الصحن هي التي هيأت له هذا الكمّ النوعي الكبير من مقولات منظّري السينما ونقّادها ومُخرجيها التي بلغت 41 مقولة مهمة تضرب في الصميم نختار بعضاً منها، إذ قال أندريه تاركوفسكي إنّ «السينما هي النحت في الزمن»، بينما أصرّ بازوليني أنها «خلق الواقع في الواقع»، فيما ذهب آبيل غانس إلى أنّ السينما «هي موسيقى الضوء».
قد لا نستغرب تركيز البعض على الفكرة أو السيناريو أو القصة السينمائية مثل جون هيوستن، وألفريد هتشكوك، وأنطونيوني في مقولاتهم العذبة المعبرة.
باختصار شديد إن السينما هي رواية قصص بالصوت والصورة، وربما ذهب هتشكوك أبعد من ذلك حين قال «إن الفيلم الجيد حتى لو حُذف منه شريط الصوت بكامله يظل المُشاهد مستمتعاً به»، وهو أقوى رهان على الصورة البصرية.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.