المال والإعلام والأمن رداً على المأزق السياسي

أزمة مؤسسات العمل العربي المشترك

المال والإعلام والأمن رداً على المأزق السياسي
TT

المال والإعلام والأمن رداً على المأزق السياسي

المال والإعلام والأمن رداً على المأزق السياسي

ألقى الواقع العربي والإسلامي والدولي المتأزم سياسياً وأمنياً واجتماعياً، ومبادرات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن القدس ومرتفعات الجولان السورية، بظلاله على القمة العربية في دورتها الـ30 في العاصمة التونسية تونس، ومقرراتها ذات الصبغة السياسية والاقتصادية والأمنية. وكان على رأس الأسئلة المطروحة أمام الجميع: هل يمكن للدول العربية اليوم تجاوز تعثر الجانب السياسي في العمل العربي المشترك الذي شهد منعرجاً منذ حرب الخليج عام 1991 والتصدع الذي استفحل بعد الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003، واندلاع سلسلة من الحروب والأزمات بعد ثورات «الربيع العربي» عام 2011؟ وهل ينجح أكثر من 6 آلاف خبير ومسؤول عربي شاركوا في «قمة تونس»، والتظاهرات الموازية لها، في إعادة ثقة المواطن العربي في وحدة مصير العرب ومؤسسات العمل العربي المشترك، على الأقل، في قطاعات التنمية والأمن والثقافة والإعلام؟ وهل ستجد جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة، مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، حلاً لمعضلات تمويلها وديونها؟
يلاحظ أن تصريحات أغلب الرسميين والمثقفين والإعلاميين والحقوقيين العرب قبل «قمة تونس» الأخيرة، وبعدها، كشفت عن ارتفاع منسوب التفاؤل بإعادة الثقة في العمل العربي المشترك، مع دعوات إلى الاستعاضة عن الشعارات السياسية بمنطق تقاطع المصالح والشراكة الاقتصادية، وترفيع مستوى التنسيق والتعاون في قطاعات الأمن والقضاء والتربية والثقافة والإعلام. ولقد تضمن البيان الختامي للقمة 17 نقطة، بينها قرارات مهمة حول هذه القطاعات، بما فيها ملف الوقاية من التطرّف والإرهاب عبر التنمية البشرية والاقتصادية. ونوّه أحمد أبو الغيط، أمين عام جامعة الدول العربية، وعدد من وزراء الخارجية والاقتصاد والتجارة العرب بتلك القرارات. واعتبر السفير محمود الخميري، المدير العام للشؤون العربية والإسلامية في الخارجية التونسية والناطق الرسمي باسم القمة العربية، أن القادة العرب أخذوا بعين الاعتبار التوصيات الطموحة التمهيدية التي أعدها الخبراء، ثم مؤتمر وزراء الداخلية والعدل والشؤون الاقتصادية العرب.

التنمية أو التطرف والإرهاب
لقد أكد القرار الخامس عشر الصادر عن القمة على العلاقة بين ملفات الأمن والقضاء ودعم التنمية الشاملة في النهوض بأوضاع المنطقة. ونص على «تحصين المجتمعات العربية ضدّ آفات التطرف والإرهاب، وتقليص مظاهر الإقصاء والتهميش»، وأوصى بتطوير الاستثمار في قدرات الإنسان العربي وتأهيله علمياً ومعرفياً وقيَمياً. كذلك، شدّد البيان الختامي للقمة على «تحسين مؤشرات التنمية البشرية في البلدان العربية، وتوسيع مجالات مشاركة الشباب في الشأن العام وآليات اتخاذ القرار، ودعم دوره في تحقيق التنمية الاقتصادية والنهضة الاجتماعية، إلى جانب تعزيز دور المرأة ومشاركتها في مختلف مناحي الحياة العامّة، ومزيد من توفير أسباب تمكينها اقتصادياً واجتماعياً»، مع قرار بـ«تركيز الجهود على دعم خطط التربية والتعليم والبحث العلمي، وتمكين الشباب العربي من الأخذ بناصية العلوم والتكنولوجيات الحديثة».
واعترف بيان «قمة تونس»، أيضاً، بأهمية البعدين الاقتصادي والتنموي في العمل العربي المشترك، وبالحاجة الملحة إلى مضاعفة الجهود المشتركة من أجل دفع التعاون الاقتصادي وتفعيله. وأكدت القرارات على ضرورة تكثيف الجهود من أجل رفع حجم التبادل التجاري وإقامة المشاريع الاستثمارية، بما يمكنّ من بناء «تكتل اقتصادي عربي»، يكون قادراً على الانخراط الإيجابي في المنظومة الاقتصادية العالمية، والإسهام في دفع مسارات التنمية في البلدان العربية وتوفير فرص العمل للشباب العربي.

مناخ الأعمال... والشفافية
الخبير الاقتصادي التونسي رضا الشكندالي رحّب بالقرارات الاقتصادية والتنموية للقمة، واعتبر أنها يمكن أن تحقّق تقدماً نوعياً نحو إزالة القيود الجمركية عند التبادل التجاري المنتجات العربية. بيد أن الشكندالي اعتبر أن الإجراءات التجارية «غير قادرة وحدها على إعطاء ديناميكية للتجارة البينية للدول العربية». واشترط تحسين مناخ الأعمال لكثير الدول العربية التي تتبوأ مراتب متأخرة في ترتيب مناخ الأعمال إقليمياً ودولياً؛ ما يفسّر ضعف الاستثمارات البينية بين الدول العربية مقارنة بما تستثمره هذه الدول خارجها. واعتبر إلياس فخفاخ، وزير المالية التونسي السابق ورئيس المجلس الوطني لحزب التكتل التونسي، أن الدول العربية «مطالبة بفتح ملفات الشفافية والحوكمة الرشيدة وبيئة الأعمال في الدول العربية، وما يتبع ذلك من أولويات، مثل التحرّر من آفات الرشوة والبيروقراطية الإدارية والتعقيدات السياسية والجبائية وغيرها» من الآفات التي تعرقل دفع الاستثمارات البينية العربية.

فجوة عميقة
إلا أن المتابع لتوزيع الثروة في البلدان العربية يلاحظ الفجوة العميقة جداً بين منطقة المغرب العربي، التي تستوعب ربع سكان الوطن العربي، لكنها لا تمتلك إلا نحو 13 في المائة من الناتج الاقتصادي للوطن العربي، ودول مجلس التعاون الخليجي التي توفر أكثر من نصف الناتج العربي، بينما لا يمثل سكانها إلا 13 في المائة من السكان. ومن ثم، فإن الفجوة عميقة جداً بين متوسط الدخل السنوي في دول الخليج العربية وفي الدول المغاربية مثلاً، وهو في الدول الخليجية أكبر بحدود 8 أضعاف دخل المواطن في دول المغرب العربي، رغم وجود دولتين نفطيتين مغاربيتين، هما الجزائر وليبيا. ويبدأ الحل، حسب وزير التجارة التونسي السابق محسن حسن، في دعم التجارة البينية للدول العربية، التي وصفها حسن بأنها «الأضعف حالياً في التكتلات الإقليمية الدولية؛ إذ لا تمثل الواردات البينية إلا نحو 13 في المائة من الواردات الإجمالية للدول العربية و12 في المائة من صادراتها. وحقاً، تعتبر منطقة المغرب العربي الأقل تعاملاً مع الدول العربية؛ إذ لا تتجاوز قيمة صادراتها ووارداتها معها الـ7 في المائة تقريباً، خلافاً للدول الخليجية التي تربطها مبادلات بينية كبيرة. وأفاد حمادي الكعلي، رئيس مجلس الأعمال التونسي السعودي، بأن «الشهر الحالي سيشهد اجتماعين مهمين في جدة والرياض بين مستثمرين سعوديين وتونسيين ووزراء اقتصاد وتجارة من البلدين لمحاولة تدارك هذه الفجوة».

تقاطع المصالح
في السياق ذاته، دعا الحبيب بن يحيى، الأمين العام السابق للاتحاد المغاربي ووزير خارجية تونس سابقاً، إلى «تطبيع شامل للعلاقات العربية - العربية»، وإلى توظيف مقررات «قمة تونس» لتحسين فرص التنمية الاقتصادية والبشرية، والتفاعل مع مشاغل الشباب والجيل الجديد، وإعطاء فرصة «لتقاطع المصالح» ثنائياً وعربياً، وإطفاء الفتن والحرائق التي تؤرق الشعوب والحكومات العربية مشرقاً ومغرباً. في حين اعتبر وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، أن من بين ما يدفع للتفاؤل تأكيد بيان «قمة تونس» على كون «ما يجمع البلدان والشعوب العربية أكثر بكثير مما يفرّقها، وأنّ استمرار الخلافات والصراعات في المنطقة، ساهم في استنزاف الكثير من الطاقات والإمكانات العربية، وتسبب في إضعاف التضامن العربي وأثّر في الأمن القومي العربي، كما أتاح التدخل في شؤون المنطقة».

وزراء الداخلية العرب
من ناحية ثانية، دعا بعض الخبراء والإعلاميين، مثل زياد كريشان، رئيس تحرير صحيفة «المغرب» التونسية، الدول العربية إلى «التواضع» ووقف رفع شعارات سياسية طموحة تتجاوز قدراتها. واقترح كريشان «إعطاء الأولوية للتنسيق الاقتصادي والأمني، وتفعيل دور الأمانة العامة لوزراء الداخلية العرب في مجالات مكافحة الجريمة المنظمة والمخدّرات والتطرّف والإرهاب، إلى جانب تشجيع بقية هيئات العمل المشترك ذات الصبغة التنموية، مثل الهيئة العربية للطاقة الذرية، ومنظمة الأسرة العربية، واتحاد إذاعات الدول العربية. وأورد عبد اللطيف عبيد، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، ومحمد بن علي كومان، الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، أن التنسيق الأمني والقضائي بين الدول العربية يكاد يكون أهم إنجاز ملموس يحظى بالإجماع عربياً. ولقد ساهم خلال السنوات الـ30 الماضية في مكافحة انتشار المخدّرات والإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية والتهريب والهجرة غير القانونية؛ ما انعكس إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية والتنموية العربية.

الأمن والتعليم والإعلام والثقافة
جدير بالذكر، أنه على بعد أمتار قليلة من مقر انعقاد القمة العربية الـ30 ناقش مئات الخبراء والمسؤولين عن قطاعات الاقتصاد والأمن والتعليم والإعلام والثقافة في جامعة الدول العربية والدول الأعضاء مشاريع بالجملة، تتصل بدعم سياسات «تقاطع المصالح» الثنائية والجماعية على «الشعارات السياسية الوحدوية الطموحة التي تبدو غير واقعية في مرحلة إعادة بناء النظامين الإقليمي والدولي»، على حد تعبير الخبير العراقي الأممي دار البصام، ووزير المالية التونسي السابق حكيم حمودة. وبحث المؤتمر، الذي شارك فيه رسميون كبار من تونس ودول عربية وإسلامية عدة، طوال 3 أيام مواضيع تنمية عربية ذات أبعاد مصيرية، من بينها: التعليم واحتياجات سوق العمل العربية، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، والإعلام الحديث والاقتصاد الرقمي، والزراعة الذكية، والاستثمار والتنمية والاستقرار الأمني والتنمية الشاملة، ودور مؤسسات العمل العربي المشترك في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية. كذلك، نظم جلسة حول التجارب والممارسات الناجحة لبعض مؤسسات العمل العربي المشترك في قطاعات الإعلام والثقافة والتربية والعلوم والتكنولوجيا والطاقة الذرية والأمن.
ولعل من أبرز نقاط القوة في هذا المؤتمر الذي عُقد على هامش القمة، أنه أصدر توصيات عملية أكدت على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، واعتبارها «قاطرة للتنمية» وآلية ناجعة لمواجهة الكثير من التحديات، وبخاصة البطالة والفقر والتهميش في صفوف الشباب. وصدرت عن المؤتمر توصيات الملاءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل في المنطقة العربية، مع التأكيد على توظيف التقنيات الحديثة في الزراعة لتوفير الأمن الغذائي والأمن العربي، وفي الإعلام والتربية والتعليم.

التمويل الذاتي... قصة نجاح
وفي ظل الأزمات المالية والإدارية التي تتخبط فيها مؤسسات العمل العربي المشترك، تبدو «قصة النجاح الوحيدة» هي اتحاد إذاعات الدول العربية؛ لأنه اعتمد منذ أزمة 1990 - وتحديداً، منذ 1996 - استراتيجية شاملة وناجعة للتمويل الذاتي، حسب مديره العام المهندس عبد الرحيم سليمان. وتابع سليمان موضحاً أنه بخلاف منظمات العمل العربي المشترك التي تعتمد على الهبات أو مساهمات الدول الأعضاء، فإن اتحاد إذاعات الدول العربية اعتمد كلياً على التمويل الذاتي، وعلى مردود الخدمات الإعلامية والاتصالية التي يقدمها للدول ولمؤسسات القنوات الإذاعية والتلفزيونية ومشاهديها. وجرى تطوير نظام التمويل الذاتي، بضبط صيغة جديدة لتمويل الموازنة السنوية للاتحاد اعتباراً من عام 2017، وأعيد النظر في كيفية استثمار أموال الاتحاد لدى البنوك بصفة جذريّة. وأدى هذا الخيار إلى نتائج إيجابية جداً، واعتماد الاتحاد على موارده الذاتية في بناء مقره الجديد ومؤسسة دولية للتدريب، كما شرع في بناء فندق خاص به وضيوفه.

السير بين الألغام
في المقابل، يعتقد بعض المثقفين العرب، مثل الخبير الفلسطيني سيف الدرين، أن مقررات مؤتمرات القادة العرب، وكذلك توصيات مؤتمرات وزراء العدل والداخلية والتجارة والاقتصاد والمالية والخارجية العرب، «قد تحال على الأرشيف ولا تجد طريقها إلى التنفيذ» إذا لم ينجح صنّاع القرار في العواصم العربية في «السير بين الألغام» واحتواء الأزمات والصراعات المدمّرة التي تشهدها المنطقة، وبالذات، في فلسطين، وليبيا، وسوريا، واليمن، والخليج.
وبحكم تعقد الأوضاع السياسية والاقتصادية الاجتماعية الداخلية في عدد من الدول العربية، وتراكم الصعوبات الاقتصادية في الدول الأوروبية – التي هي الشريك الاقتصادي الأول لكثرة منها -، دعا سياسيون تونسيون، مثل رضا بالطيب، وزير الاقتصاد والاستثمار الدولي التونسي السابق، إلى تفعيل مقترحات قديمة سبق أن قدمها بعض الخبراء الاقتصاديين العرب، مثل اعتماد برنامج «مارشال عربي»... تخصّص من خلاله مبالغ مالية رمزية لدعم اقتصاديات الدول العربية غير النفطية التي تواجه صعوبات كبيرة، مثل تونس، والأردن، وموريتانيا، وسوريا، والسودان.

مخاوف وحذر
في الأثناء، عُبّر في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية التونسية والعربية عن مخاوف بالجملة من الحكومات العربية في تنفيذ توصيات الخبراء والوزراء وقرارات الملوك والرؤساء العرب، وأيضاً في التفاعل مع مطالب ممثلي المجتمع المدني والشعوب العربية، وعلى رأسها الحق في التنمية والديمقراطية والإصلاح السياسي. ولقد رحب وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي بما وصفه «وجهة نظر المجتمع المدني» ومقترحاته للقادة، لكن «شرط التعبير عنها في سياق احترام القانون ومصالح البلاد وثوابتها». ويذكر أن القمة العربية التي كانت قد عقدت في تونس عام 2004 تزامنت بدورها مع تنظيم قمة موازية من قِبل نشطاء في المجتمع المدني التونسي والعربي، بمشاركة عدد كبير من الحقوقيين والإعلاميين والمثقفين. وقد تأتي الأسابيع والأشهر المقبلة بالجديد، وستكشف ما إذا كانت العواصم العربية ستنفذ مقررات القمة على الأقل في أبعادها الاقتصادية والتنموية والأمنية، أم يحصل العكس.
لكن التطورات في مجالات الشراكة الاقتصادية ورفع مستوى التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب والمخدرات، أمور تبقى رهينة المتغيرات الداخلية في الدول العربية، وبخاصة تلك التي تمر بمرحلة مخاض سياسي اجتماعي، كالجزائر، وتونس، والسودان، والأردن. كذلك ستكون رهينة تطورات الأوضاع الاستثنائية في البلدان التي تعاني منذ 7 سنوات من الحروب، مثل اليمن، وسوريا، وليبيا.
هذه الأوضاع الاستثنائية تؤكد الحاجة إلى «خطة بديلة» للعمل العربي المشترك، تعطى فيه الأولوية للملفات التي يوجد حولها قدر من التوافق والإجماع، مثل التنسيق الأمني، والشراكة الاقتصادية، والثقافية، والتربوية، والإعلامية.

العرب والتكامل الاقتصادي: أرقام وحقائق
> منذ أربعينات القرن الـ20، أسست الدول العربية «بروتوكول الإسكندرية» عام 1944، وأقرّت «ميثاق الجامعة العربية» عام 1945.
> خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، وُقّع على «ميثاق العمل الاقتصادي القومي» عام 1980، و«اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية» عام 1981.
> عام 1997، جرى إقرار «قواعد المنشأ العربية لتسهيل التبادل التجاري بين الدول العربية».
> عام 1988، أُعلن عن «منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى».
> أسست الدول العربية 7 اتحادات عربية في مجالات عدة تغطي النقل البري والبحري، والصناعات الهندسية، والصناعة، والزراعة، والصيد البحري، والتأمين، هي: الاتحاد العربي للنقل البري، واتحاد الموانئ البحرية العربية، والاتحاد العربي لغرف الملاحة البحرية، والاتحاد العربي للصناعات الهندسيـة، والاتحاد لغرف التجارة والصناعة والزراعة، والاتحاد العام العربي للتأمين، والاتحاد العربي لمنتجي الأسماك.
> أسست الدول العربية 9 منظمات عربية تنموية متخصّصة، هي: مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، والمنظمة العربية للتنمية الإدارية، والمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، ومنظمة العمل العربية، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، والمؤسسة العربية للاتصالات الفضائية، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار.
> تمثل الدول العربية مجتمعة نحو 400 مليون نسمة بناتج محلي إجمالي يناهز 354 2 مليار دولار أميركي، نصفه تقريباً من إجمالي السلع الإنتاجية والنصف الآخر من الخدمات الإنتاجية (26 في المائة) والخدمات الاجتماعية (28 في المائة).
> تمثل الصناعات الاستخراجية 41 في المائة من مجموع الإنتاج السلعي، بينما لا تمثل الزراعة والصيد البحري سوى 6 في المائة.
> تنتج دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي للدول العربية مجتمعة (59 في المائة)، وبخاصة المملكة العربية السعودية (27 في المائة) ودولة الإمارات العربية المتحدة (16 في المائة) تليهما مصر (11 في المائة)، بينما لا تمثل دول المغرب العربي إلا 14 في المائة من مجموع إنتاج الدول العربية، رغم إنتاج الجزائر وليبيا للنفط والغاز.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».