فتيات كرديات ينشطن في حملة واسعة لدعم البيشمركة

مسؤول: كان هناك احتقان بين الشباب الأكراد والعرب وقد أزلناه بحكمة قيادتنا

عنصر في قوات البيشمركة يرفع علم كردستان وهو جالس على عربة عسكرية خلال مواجهات في جلولاء أول من أمس (رويترز)
عنصر في قوات البيشمركة يرفع علم كردستان وهو جالس على عربة عسكرية خلال مواجهات في جلولاء أول من أمس (رويترز)
TT

فتيات كرديات ينشطن في حملة واسعة لدعم البيشمركة

عنصر في قوات البيشمركة يرفع علم كردستان وهو جالس على عربة عسكرية خلال مواجهات في جلولاء أول من أمس (رويترز)
عنصر في قوات البيشمركة يرفع علم كردستان وهو جالس على عربة عسكرية خلال مواجهات في جلولاء أول من أمس (رويترز)

الأكراد تجمعهم الأفراح، كما توحدهم المحن، فهم المعروفون بحبهم للفرح، ويجيدون التعبير عن أنفسهم بالغناء والموسيقى والدبكات الشعبية، وولعهم بالطبيعة، كذلك هم الأشهر بين مكونات الشعب العراقي بالقتال للدفاع عن أرضهم وحقوقهم، وهذا ما كلل قتالهم عبر عقود من الزمن بانتصار ثورتهم، التي قادها الملا مصطفى بارزاني، والحصول على حقوقهم وتأسيس إقليمهم شبه المستقل، كردستان العراق، كما وضعهم ذلك في مقدمة المشهد السياسي العراقي بفضل سياستهم المتوازنة وروح التسامح التي يتمتعون بها.
أحد أبرز مصادر فخر الكردي هم قواتهم «البيشمركة» التي قاتلت لعشرات السنين في الجبال. كما يفتخر مقاتل البيشمركة بانتمائه إلى هذه القوات، كما يفخر الشباب بأنهم أبناء جيل من مقاتلي البيشمركة العنيدين، لهذا نجد هنا في مدن إقليم كردستان فعاليات كثيرة لدعم هذه القوات، فعاليات تعبر عن انتماء جيل من الشباب للبيشمركة، كما يحدث اليوم في مدينة السليمانية حيث تطوعت 13 فتاة لتكوين فريق لجمع التبرعات للقتلى من قوات البيشمركة التي تقاتل ضد قوات «داعش».
وتقول هانا برزنجي (19 سنة) لـ«الشرق الأوسط» التي التقت بها مع فريقها قرب أحد المراكز التجارية وسط السليمانية: «قررنا أن لا نجلس ونراقب الأحداث دون أن نقدم شيئا لقوات البيشمركة التي تقاتل قوات (داعش) دفاعا عنا وعن الإقليم، لهذا شكلنا هذا الفريق لجمع التبرعات المادية وتقديمها لعوائل البيشمركة، واخترنا عوائل فقيرة جدا، وبحاجة إلى دعم مادي سريع»، مشيرة إلى أنه «ليست هناك أي جهة تدعمنا أو حزب أو منظمة نرتبط بها، بل إن الحملة شبابية ومستقلة تماما».
تضيف هذه الفتاة الطموحة قائلة إن «حملتنا المتواضعة هذه، التي بدأت منذ أسبوع، لا تعني أن الجهات المعنية هنا وحكومة الإقليم لا تهتم بعوائل شهداء البيشمركة، بل على العكس من ذلك، لكننا أردنا أن نفعل أي شيء يظهر انتماءنا للإقليم ولهذه القوات»، مشيدة بالدعم الكبير والتعاطف الحقيقي الذي أبداه الناس معنا، ونعتقد أننا جمعنا مبلغا كبيرا، وسنعرف غدا (اليوم) كم بلغ بعد أن نفتح الصناديق حيث تتوزع مجموعتنا على ثلاثة مراكز تجارية، ونقوم ببيع القمصان التي تحمل جملة «نحب البيشمركة»، كما أن واحدة من فريقنا تغني للوطن وللمحبة وللبيشمركة، ونرسم علم إقليم كردستان على وجوه الأطفال».
وقالت: «هذه أول مراحل حملتنا، ونفكر بتطويرها وتطوير برامجها، وقد ينضم إلينا شباب لنكون فريقا مختلطا، شابات وشباب».
الإعلام الكردي، المقروء والمسموع والمرئي، خصص مساحات نشره وبثه عن فعاليات القتال في الجبهات لنقل أخبار إنجازات البيشمركة، وقتالهم ضد «داعش»، إضافة إلى بث لقاءات وأحاديث حية مع قادة ومقاتلي البيشمركة، تتخللها أغانٍ وأناشيد وطنية تتغنى بحب كردستان وشحذ همم المقاتلين والناس.
وهنا لا مجال للحديث مع أي مواطن كردي، مهما كان انتماؤه السياسي دون الإشادة بانتصارات وجهود البيشمركة، التي أعلن المئات من الشباب، خاصة طلبة الجامعات والموظفين، عن تطوعهم للقتال ضد «داعش».
شيرين، طالبة في جامعة السليمانية، أبدت استغرابها من السياسيين العرب، خاصة أعضاء البرلمان العراقي وقادة الكتل السياسية الذين «تحصنوا بمواقعهم ببغداد، ولم يكلفوا أنفسهم زيارة جبهات القتال واللقاء بالبيشمركة أو زيارة مخيمات النازحين، مع أن غالبيتهم من العرب أو من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الاتحادية»، مشيرة إلى أن «غالبية هؤلاء السياسيين يأتون للإقليم، إما للحصول على دعم قيادته لهم في الحصول على مناصب حكومية، أو الوصول إلى البرلمان، مع أن الغالبية منهم يقيمون أما في أربيل، أو السليمانية، وعوائلهم تشعر بالأمان».
وقالت: «بعض هؤلاء المسؤولين، وتعني العرب، في البرلمان، أو الحكومة العراقية، نقل عائلته إلى عمان وبيروت عندما شعروا أن ثمة خطرا يحيق بالإقليم عندما اقتربت قوات (داعش) من حدودنا»، مطالبة «حكومة الإقليم بعدم السماح لهم بالعودة إلى الإقليم».
ولا يخفى على المتتبع للأمور هنا استياء بعض الشباب الكردي من الشباب العرب أو الحضور العربي، ويقول سالار، وهو سائق سيارة أجرة: «أنا متطوع مع قوات البيشمركة وأنتظر استدعائي في أي وقت، بينما الشباب العرب هنا، الذين نزحوا ومنذ سنوات إلى مدننا لم يبدوا أي تفاعل أو تعاطف معنا، هم يسهرون في النوادي الليلية، ويقضون أوقاتهم في المراكز التجارية وأبناؤنا يقاتلون (داعش)»، مشيرا إلى أن «العشائر العربية داخل حدود الإقليم وحوله هم من خاننا وناصر (داعش) ضدنا».
وفي هذا الموضوع، قال الدكتور فؤاد حسين رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان: «بالفعل، شعرنا بمخاطر اشتباكات بين الشباب الكردي والعربي، بل إننا لمسنا تحركا بهذا الاتجاه، مما دفعني وبتوجيه من قبل السيد مسعود بارزاني رئيس الإقليم للظهور على شاشات التلفزيونات الكردية لأنبه إلى أن العرب العراقيين هم ضيوفنا وضيوف مسعود بارزاني، وأن أي تحرك أو مشاعر معادية ضدهم سيكون موجها ضدنا وضد أسلوبنا في التسامح والتعايش، وبأن العراقيين هم إخوتنا في الوطن»، مشيرا إلى أن «هذا التوجه هدّأ كثيرا من الاحتقان، الذي نحن في غنى عنه، كما أن تصريح السيد رئيس الإقليم بأن العرب السنّة أهلي، ومن يتصرف ضدهم كأنما يتصرف ضدي» هدّأ الكثير، و«جعل الأمور طبيعية».
وكلما توغلنا في المناطق القريبة من محاور القتال، خاصة باتجاه الموصل من جهة محافظة دهوك، يتحول المشهد إلى اللون الكاكي والفعل العسكري، شاحنات تنقل المؤنة والأسلحة والعتاد العسكري إلى الخطوط الأولى من القتال، حافلات وسيارات تابعة لقوات البيشمركة تقل مقاتلين يتوجهون إلى الجبهة، وكلما مروا قرب تجمعات سكانية تلقوا التحيات وإشارات النصر، ويجري التلويح لهم بعلم إقليم كردستان».
قيادي كردي بارز، قال لـ«الشرق الأوسط»، مفضلا عدم ذكر اسمه: «لقد وحدت هذه المواجهات العسكرية بين مقاتلي البيشمركة وقوات (داعش) الإرهابية من وحدتنا الداخلية، وجعلتنا نؤمن أكثر، مواطنين ومسؤولين سياسيين، بقوة بأهمية إقليمنا، وأن نتعامل بالمزيد من الثقة مع أبناء شعبنا سواء كانوا مع الحكومة أو معارضين لها، لأننا اليوم في موقف واحد ومحنة واحدة ضد الإرهاب».
ومع كل هذه المشاهد، إلا أن الحياة تجري داخل المدن بشكل طبيعي والحياة تجري على وتيرتها؛ ففي السليمانية، المدينة الثانية في الإقليم، يبدو كل شيء طبيعيا، لكن هندرين حكمت موسيقي كردي، يقول: «ما تأثر كثيرا هو الوضع الاقتصادي بسبب معاقبة الحكومة المركزية ببغداد للإقليم بقطع الميزانية وحرمان الموظفين من رواتبهم»، مشيرا إلى أن ذلك «يكاد يشل الحركة الاقتصادية تماما»، وقال: «أما بقية فعاليات حياة الناس، فهي طبيعية تقريبا، رغم أن غالبية الشباب يقاتلون الآن في الجبهات لدرء خطر إرهاب (داعش) عن مدننا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.