صحافيو معارك «داعش»... تغطيات تحت «مطر» الشظايا

حملوا عتادهم وتنقلوا في صحراء مترامية الأطراف لرواية فظائع التنظيم

الصحافية ناز السيد مراسلة قناة «الغد» العربية أثناء تغطيتها في جبهة الباغوز
الصحافية ناز السيد مراسلة قناة «الغد» العربية أثناء تغطيتها في جبهة الباغوز
TT

صحافيو معارك «داعش»... تغطيات تحت «مطر» الشظايا

الصحافية ناز السيد مراسلة قناة «الغد» العربية أثناء تغطيتها في جبهة الباغوز
الصحافية ناز السيد مراسلة قناة «الغد» العربية أثناء تغطيتها في جبهة الباغوز

صحافيون وصحافيات يقطعون مئات الكيلومترات، حاملين عتادهم من كاميرات وعدسات تصوير وأدوات الحماية الشّخصية. من مكان إلى آخر يتنقلون وسط صحراء مترامية الأطراف، سالكين طُرقاً وعرة وأماكن خطرة. من قلب الأرض المحفوفة بالمخاطر، حيث موت المئات من الأبرياء في كل لحظة، يروي لنا هؤلاء الصّحافيون تجربتهم الشّخصية لدى تغطيتهم المعارك ضدّ تنظيم «داعش» في شمال شرقي سوريا. هناك حيث تستعرّ المعارك صوّروا للعالم أحداث وروايات أشخاص عايشت الحرب، وكتبوا قصصاً وتقارير عن الفظائع والجرائم التي ارتكبها التنظيم المتطرف.
أجروا المقابلات مع أخطر المقاتلين في العالم، وشاهدوا كيف يستسلمون ويعلنون خسارتهم العسكرية، وتعرفوا عبر تسجيلاتهم على المتطرفين القادمين من جميع أنحاء العالم. فقبل سنوات عمدوا إلى نشر الرّعب والهلع بمشاهد قطع الرؤوس، وحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، ونحر أبناء عشيرة الشعيطات السورية. واليوم قد جاء ليشهد هؤلاء الصّحافيون نهاية التنظيم في أكثر بقع الشرق الأوسط سخونة منذ ثمان سنوات.
- هشام وتحدي نقل الحقائق
هشام عرفات المتحدر من مدينة رأس العين أو (سري كانيه)، كما يسميها سكانها الأكراد، وتقع أقصى شمال سوريا، صحافي كردي سوري، غطى المعارك ضد «داعش» في كل من مدينة الموصل في العراق، ومدن وبلدات منبج والرّقة ودير الزور في سوريا أخيراً. يكتب باللغة العربية والإنجليزية منذ عام 2006 في صحف محلية وعالمية. عمل محرّراً للأخبار ومعدّاً للبرامج في «تلفزيون الشارقة» بالإمارات، من ثمّ مراسلاً لجريدة «الإندبندنت» البريطانية في إقليم كردستان العراق، أثناء تغطية المعارك ضد «داعش» المتطرف، ويعمل حالياً كاتباً في القسم الإنجليزي لموقع فضائية «كردستان 24».
خلال تغطيته معركة الباغوز، وقبلها معركة هجين في ريف دير الزور الشمالي، نشر عرفات، العشرات من التقارير الإخبارية باللغة الإنجليزية، وقد كان يسلّط الضوء على المجرى الرئيس للأحداث، خلافاً لباقي الصّحف والمواقع الأجنبية التي كانت تنشر قصصاً ومواضيع معينة. وعن تجربته يقول إنّ «معظم المواضيع التي ركّزت عليها كانت عن المناطق التي حُرّرت حديثاً من قبضة التنظيم. أتناول التفاصيل والمواضيع التي تكشف حكم عناصر (داعش) ووسائل دفاعه وهجماته».
يرى عرفات أنّ الصحافي مطالب بالمزيد من الدّقة والموضوعية في توضيح مجرى الحدث، خصوصاً إشكالية التقدم والتحرير لكل طرف عسكري والحرص في نقل صورة المدنيين، وتجنبهم من القتال في الوقت ذاته، كما أجرى الكثير من اللقاءات مع عناصر التنظيم الإرهابي أثناء خروجهم من الباغوز واستسلامهم، وفي السجون.
وكان التنظيم قد أعلن في يناير (كانون الثاني) 2014، سيطرته على مساحات واسعة، خصوصاً في ذروة قوته، أي منتصف عام 2015، ليعود بعدها ويشهد خسائر ميدانية كبرى خلال العامين الأخيرين، على وقع هجمات شنتها أطراف عدة، أبرزها «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ومشاركة 79 دولة غربية وعربية.
يتحدث عرفات عن أبرز التحديات والعقبات التي كانت تواجه عملهم أثناء هذه التغطية قائلاً: «بدءاً بنيران المعارك، ومروراً بخطر القناصين والألغام والصّواريخ الحرارية التي كان يطلقها التنظيم، وانتهاءً بشظايا طائرات التحالف». يذكر أنه في معركة الباغوز منتصف شهر فبراير (شباط) الماضي، كادوا يُصابون بشظية كبيرة من نيران طائرات التحالف، وأضاف: «كنا موجودين في نقطة متقدمة نحو 400 متر فقط من عناصر التنظيم. كان بالإمكان رصد حركتهم بوضوح خلال هدنة مؤقتة، وعند القصف تطايرت الشّظايا بالقرب منّا. حقيقة، المشهد كان مرعباً».
وأعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية، بدء مرحلة جديدة في محاربة «داعش» في سوريا، عبر كلمة ألقاها القائد العام مظلوم عبدي في مراسيم إعلان القضاء على التنظيم الإرهابي في 23 مارس (آذار) الماضي، حين قال: «نعلن عن بدء مرحلة جديدة في محاربة (داعش)، وذلك من خلال الاستمرار بحملات عسكرية وأمنية دقيقة بالتنسيق مع قوات التحالف الدُّولي بهدف القضاء الكامل على الوجود العسكري والسّري للتنظيم»، مشيراً إلى خطورة خلاياه النائمة «التي لا تزال تشكل خطراً كبيراً على منطقتنا والعالم بأسره».
- ناز في مواجهة غسل الأدمغة
ناز السيد، مراسلة قناة «الغد» العربية. تتحدّر من مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا. كانت من بين أول المراسلين الذين أعلنوا خبر القضاء على تنظيم «داعش» في 23 مارس من العام الحالي، وانتهاء «خلافته» المزعومة. وأعربت السّيد عن مشاعرها قائلة: «هذا يجعلك تنسى كل ما عانيناه خلال الشهور الطّويلة التي قضيناها في الصّحراء القاحلة وسط معارك عنيفة ونيران الصّواريخ وأصوات لم تهدأ». وتضيف: «لا أحد سوى زملائي الصّحافيين يستطيع مشاهدة الحدث من زاويتنا». وتقول: «لن أنسى هذه اللحظات طوال حياتي».
وبعد إعلان تحرير بلدة الباغوز، دخلت إلى المخيم؛ البقعة الجغرافية الأخيرة حيث يتحصّن عناصر «داعش». وقالت السيد: «استهدفنا من قبل القناصة الموجودين في أحد جحور التلال المطلّة على البلدة. أيقنت حينها، أنّهم بالفعل متمسكون بأفكار التنظيم المتطرف وعقيدته. وتبادر إلى ذهني أسئلة كثيرة، من هو هذا المقاتل؟ ومن يكون؟ وما الذي يجعله متمسكاً بهذه العقيدة على الرّغم من سقوط خلافته المزعومة».
وتروي المشاهد الأولى من المخيم الذي وصفته السّيد، بأنّه كومة خردة من سيارات مكسّرة وخيم مهترئة، ووجود شبكة أنفاق محفورة تحت الأرض وسواتر ترابية، وتزيد: «تدلّ هذه المناظر على أنّ مقاتلي التنظيم وعائلاتهم كانوا مقتنعين بعقيدته، كما ثقتهم بزعيمهم البغدادي، وبأنّه سيبقى كما العقيدة». وتضيف: «الحرب لم تنته والمرحلة المقبلة هي الأصعب، في محاربة خلاياه النائمة».
وعملت ناز السيد مراسلة حربية غطت معركة عفرين في ريف حلب الشمالي، وقبلها معركة الرقة وسقوط «داعش» و«خلافته» المزعومة هناك، إلى جانب تغطيتها معركة منبج منتصف 2016، وبعدها جبهة الطبقة، وتضيف: «كانت معركة الباغوز الأصعب، نظراً لوعورة المنطقة الصحراوية، وجغرافيتها مترامية الأطراف». وتابعت «أنّ أصعب ما عايشته، مشاهدة أشخاص لا يزالون يحملون فكر التنظيم على الرّغم من القضاء عليه عسكرياً. والمعركة الأهم هنا، هي كيف نستطيع توعيتهم، وتأهيلهم وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية، لا سيما الأطفال منهم».
معركة الباغوز لم تكن تشبه أي معركة أخرى، فقد كانت حاسمة. فيها أصيب صحافي إيطالي بجروح بليغة، جراء تغطيته لها. وتابعت ناز قائلة: «بعد إصابته، انتابتني مشاعر مشوشة، هل أستمر في تغطية المعركة؟ التحديات كانت كبيرة بالفعل».
وتُخبر ناز: «واجهتني مواقف صعبة، فعندما كنت أوّجه أسئلة إلى أسر التنظيم وعائلاته، تعرضت لكلمات وشتائم وصراخ. مشهد سأبقى أتذكره مهما حييت. فالنساء كن يصرخن: إنّها باقية وتتمدد (أي «داعش»)، والأطفال يرفعون الإبهام ويرددون شعارات متطرّفة تعلموها من التنظيم».
- قاطرات «مركونة» بذاكرة رامان
بالنسبة لرامان عيسى، مدير مكتب شبكة «أورنينا»، السوري من الحسكة، لم تكن هذه أول تجربة في تغطية المعارك، لكن معركة دحر الإرهاب في ريف دير الزور الشّمالي كانت من أقوى المعارك، حسب رأيه، وقال إنّ «اختلاف الجغرافيا وتقلبات المعركة كانت تخلق مناخاً من الخوف والهلع بالنسبة للمصور والصحافي، خصوصاً أثناء الوجود في نقاط الاشتباك»، وأضاف: «بكل تأكيد أشعر بالفرح لهزيمة التنظيم. وأعتبرها لحظة الانتهاء من حقبة سوداء عاشها الكثير من أبناء منطقة شرق الفرات. نعم كانت حقبة من الظلام والإرهاب».
وأشار إلى أنّ أكثر الصّور التي تتوارد على ذهنه، هي مشاهد الناقلات والقاطرات التي كانت تحمل عوائل وأسر من يشتبه بانتمائهم للتنظيم إلى المناطق المحررة، وأضاف عيسى: «أنّه بعد الهزيمة، كان الأطفال يلوحون رافعين أيديهم الصغيرة راسمين بأصابعهم شارة النّصر، يلقون التحية على الصحافيين أثناء عبورهم من الممر الإنساني. والفرحة على وجوههم واضحة بعد خلاصهم من ظلم التنظيم».
من ناحيته، استعبد رامان عيسى القضاء على التنظيم جغرافياً، كما زواله عسكرياً عن الأرض. بمعنى انتهاء حقبة «داعش» بشكل كامل، نظراً لانتشار خلاياه النائمة في أغلب المناطق، خصوصاً في ريف دير الزور وبادية الشّام. وقال: «كنا نسمع أحاديث من المدنيين كيف يخرجون في الليل، أو عند اشتداد العواصف والأمطار، ويرعبون الناس وينشرون الخوف باغتيال شخص ما أو بعملية انتحارية».
- عندما صلب شقيق رضوان أمامه
من قناة «كردستان 24»، يقول مراسلها رضوان بيزار المتحدر من مدينة تل أبيض التابعة لريف الرقة الشّمالي، إنّه تعرض وعائلته للتهجير على يد فصائل وجهات «إسلامية متشددة» منتصف 2013، ولجأوا إلى مدينة أورفا التركية المجاورة لسوريا. وبسبب أنشطته وتغطياته الإعلامية، نشر عناصر تنظيم «داعش»، اسمه وأسماء عدد من زملائه، ولصقوا القائمة على جدران تل أبيض التي كانت خاضعة لسيطرتهم آنذاك، قبل طردهم صيف 2015، وذلك للتحذير من التعامل معهم. بعد طرد «داعش» من مدينته، عاد بيزار إليها واستأنف عمله في الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة. يروي أنّ أول المشاهدات التي لاحظها في مدينته، كانت قفصاً حديدياً موضوعاً في مركز تل أبيض، وهو عبارة عن مكان لمعاقبة المخالفين لقوانين التنظيم، يتذكر صوت الرجل الذي قال له إنّ عناصر «داعش» صلبوا أخاه أمام ناظريه، وتُرك ثلاثة أيّام من دون السماح بدفن جثته.
وقال رضوان: «أثناء تغطيتي لمعركة طرد التنظيم من الطبقة، اجتزنا نهر الفرات بقوارب صغيرة تسمّى محلياً بـ(البرك)، يومذاك حلّقت طائرة مسيرة عائدة للتّنظيم فوقنا وأطلقت قنبلة، ولكن لم يصب أحد منّا بأذى». وتعرض رضوان لحادث آخر أثناء تغطية معركة الرقة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، حيث استهدف من قبل عناصر «داعش» بقنبلة فراغية عبر طيارة من دون طيار، فأصيب بجروح طفيفة مع اثنين من زملائه. كما يخبرنا بأنّه تعرض لحادث كاد أن يودي بحياته: «عندما فجّر اثنان من الانتحاريين من (داعش) نفسهما بسيارة مفخخة في حي المشلب شرق الرقة، أصبت مع زميلي علاء سعدون بجروح بليغة، وعلى الفور أسعفنا إلى المستشفى وبعد أيام تماثلنا للشفاء».


مقالات ذات صلة

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.


اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
TT

اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)

لاحقت اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية شركة «بيت دانس» الصينية، مالكة منصة «تيك توك»، ما دفع الشركة لإعلان عزمها اتخاذ خطوات لتعزيز الحماية في هذا الصدد. وتوقّع خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» أن تسهم مثل هذه الاتهامات «في تغيير طريقة التعامل مع المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي»، مطالبين بوضع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج المحتوى الأصلي.

شركة «بيت دانس» كانت قد طوَّرت، أخيراً، نموذجاً للذكاء الاصطناعي حمل اسم «سيدانس 2.0»، وأنتج النموذج عدداً من مقاطع الفيديو التي تحاكي في تفاصيلها مشاهد من أفلام هوليوود، حصدت ملايين المشاهدات على الإنترنت. وهو ما دفع الشركات المُنتَجة للمشاهد الأصلية لاتهام «بيت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهم. ولقد ذكرت «جمعية صناعة الأفلام الأميركية»، التي تمثّل شركات عدة منها «ديزني»، و«يونيفرسال»، و«وارنر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيراً، أن «نموذج سيدانس يستخدم على نطاق واسع أعمالاً محمية بحقوق الطبع والنشر الأميركية». وأضافت: «نموذج الذكاء الاصطناعي لبيت دانس يعمل من دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فوراً».

بدورها، أقرَّت «بايت دانس» بما عدّتها «مخاوف بشأن برنامج سيدانس 2.0»، معلنة اعتزامها «اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية، ومنع الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور من قبل المستخدمين»، وفق بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا، ويتوافر نموذج «سيدانس 2.0» حالياً بوصفه نسخةً تجريبيةً محدودةً في الصين فقط. وأفادت شركة الاستشارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بأنه «أكثر نماذج توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تطوراً»، إذ يتفوَّق على نماذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الاتهامات الموجّهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشأن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية لن تتوقف. وتابع أن «نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على المحتوى المنشور (المقروء أو المرئي)، ما يجعلها بالتبعية تنتهك حقوق المنتج الأصلي عند توليد أي نوع من المحتوى». وأردف إكو: «إن التطورات المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي تحتم ضرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق المنتج الأصلي، وهي قواعد تتضمَّن التفرقة بين معايير الاستخدام التجاري وغير التجاري، والإشارة بوضوح... إلى أن هذا المُنتَج مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، والإشارة للعمل الأصلي الذي استُعين به في توليد هذا المحتوى».

من جهة ثانية، سبق أن أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي جدلاً بشأن اعتدائها على حقوق الملكية الفكرية؛ ففي عام 2024 نُشرت مقالات على مدوّنة قديمة متخصصة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبل» تحمل اسم «تي يو إيه دبليو (TUAW)»، مع أنها مغلقة منذ عام 2011، وتبيَّن أن «المقالات الجديدة أنتِجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونُشرت بأسماء كتاب وصحافيي المدونة السابقين، بعد استيلاء مالك جديد على المدوّنة المغلقة». وهو ما أثار تساؤلات في حينه عن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية لمنتجي المحتوى الأصليين.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، صرَّح الصحافي المصري محمد فتحي، المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، بأن «اتهامات الشركات لبايت دانس وتيك توك بانتهاك حقوق الملكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قواعد إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُشكِّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لحقوق المبدعين، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن».

ثم أضاف: «القوانين الحالية حول حقوق النشر لم تُصمَّم للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد الحاجة لإطار جديد... وهذا الإطار يشمل تحديد معنى الاستفادة المشروعة للبيانات، وأنواع البيانات، التي يمكن استعمالها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعويض حقوق للمصادر الأصلية، مع وضع معايير واضحة للاستعمال التجاري، ومعايير يجري على أساسها تصنيف الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ليكون مستقلاً عن الأصل، أو متضمناً حقوقاً للمبدعين الأصليين».

ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القوانين لتشمل الذكاء الاصطناعي، ووضع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلزام الشركات باشتراطات شفافة حول مصادر البيانات، ووضع أنظمة ترخيص مرنة وعادلة». ودعا إلى «وجود اتفاقات تسمح باستخدام المحتوى مقابل تعويض، واستحداث تراخيص تشمل نظام مكافآت واضح للمطوّرين... إلى جانب وضع أنظمة تتبُّع وتحرّي محتوى الفيديو لحماية أصحاب الحقوق الأصلية، ووضع علامات مائية ذكية يمكن تمييزها حتى بعد إعادة استعمال المادة المُصوَّرة».

واختتم بالتأكيد على «أهمية تعزيز وعي المبدعين، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مع وضع إرشادات حول حقوق الترخيص واستخداماتهم في الذكاء الاصطناعي».


قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟