ألمانيا تدرج مادة الإسلام في مدارسها لدمج الجالية ومحاربة التطرف

مسؤولون يدقون ناقوس الخطر بعد مقتل شابين ألمانيين التحقا بالمسلحين في سوريا

تيمور كوملو يدرس لتلاميذه المنحدرين من عائلات مسلمة مادة الدين الإسلامي في مدرسة هنري دينانت في فرانكفورت (نيويورك تايمز)
تيمور كوملو يدرس لتلاميذه المنحدرين من عائلات مسلمة مادة الدين الإسلامي في مدرسة هنري دينانت في فرانكفورت (نيويورك تايمز)
TT

ألمانيا تدرج مادة الإسلام في مدارسها لدمج الجالية ومحاربة التطرف

تيمور كوملو يدرس لتلاميذه المنحدرين من عائلات مسلمة مادة الدين الإسلامي في مدرسة هنري دينانت في فرانكفورت (نيويورك تايمز)
تيمور كوملو يدرس لتلاميذه المنحدرين من عائلات مسلمة مادة الدين الإسلامي في مدرسة هنري دينانت في فرانكفورت (نيويورك تايمز)

في سابقة من نوعها، سمحت المدارس العامة الحكومية بألمانيا بتدريس مادة الدين الإسلامي لطلاب المدارس الابتدائية من خلال معلمين أشرفت على تدريبهم الدولة وباستخدام كتب مدرسية أعدت خصيصا لهذا الغرض. وتأتي هذه الخطوة في إطار محاولات المسؤولين لمساعدة الجالية المسلمة المتزايدة على الاندماج بشكل أفضل ومواجهة التأثير المتزايد للتشدد الديني.
ويجري تدريس مادة الدين الإسلامي في ولاية هيسن في ضوء تزايد القناعة بضرورة منح السلطات الألمانية مزيدا من الاهتمام للسكان المسلمين وخدمتهم، بعد تجاهلها لهم على مدار عقود.
ويقول الكثيرون هنا في ألمانيا، إن «الحاجة إلى اتخاذ تلك الخطوة باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى». ووفقا لتصريحات مسؤولين أمنيين ألمان وتقارير متداولة في وسائل الإعلام الألمانية، قتل شابان ألمانيان، على الأقل، من ولاية هيسن – يعتقد أن أحدهما لا يزيد عمره على 16 عاما – في سوريا، خلال الفصل الدراسي الماضي، بعد تلبيتهما للدعوة إلى «الجهاد». وجرى على ما يبدو تجنيد هذين الشخصين من متشددين في فرانكفورت. ودقت حالتا الشابين ناقوس الخطر ليس بسبب الشعور المتزايد لدى بعض الشباب الألمان بالعزلة عن المجتمع وقابلية التعرض لعمليات التجنيد فحسب، بل بسبب الإحساس بأن حالة القتل ستنتقل إلى بلادهم في نهاية المطاف، ناهيك بتعلم المهارات الجديدة لاستخدام الأسلحة والمتفجرات التي اكتسبها الشباب في ساحات المعركة في المناطق البعيدة أيضا. وعلاوة على ذلك، تواجه الدول الأوروبية الأخرى التي ينتشر فيها المسلمون – بما فيها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والدول الإسكندنافية – تحديات مشابهة تتمثل في كيفية تحقيق الاندماج ومواجهة التطرف.
وعليه، تحول الاهتمام بشكل متزايد إلى التعليم وطرق التنشئة بهدف احتواء المسلمين، البالغ عددهم في ألمانيا نحو أربعة ملايين شخص، بشكل أكبر. ويذكر، أن هذا العدد يزيد بشكل مطرد منذ أن جلب القائمون على الصناعة الألمانية أول دفعة من الأتراك، كعمالة أجنبية، إلى ألمانيا في فترة الستينات من القرن الماضي. وفي هذا الصدد، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نحقق الاندماج للأقلية التي كانت لفترة طويلة مصدرا للتوتر في بلد يزيد عدد سكانه على 80 مليون نسمة، في حين أن هؤلاء السكان يكافحون – بل ويقاومون - عملية استيعاب المسيحيين والأوروبيين الغرباء ودمجهم داخل نسيج الحياة في ألمانيا؟
وتتمثل الإجابة الوحيدة لهذا السؤال – حسبما يأمل المسؤولون في هيسن - في تنفيذ تلك الخطوة من خلال تدريس مادة الدين الإسلامي للأطفال وتوجيههم من قبل المعلمين الذين دربتهم الدولة ووافقت على المناهج التي يستخدمونها لهذا الغرض.
في داخل أحد الفصول، طلب تيمور كوملو من كل واحد من تلاميذه، البالغ عددهم 19 في سن السادسة، أن يأخذ خيطا من بكرة صوف كبيرة. ثم طلب من الأطفال، الذين قدم آباؤهم من دول مسلمة مختلفة مثل أفغانستان وألبانيا والمغرب وتركيا، أن يفحصوا شكل الخيوط المنسوجة مع بعضها بعضا أيضا.
وكان ذلك الأمر بمثابة درس بسيط يهدف بث رسالة مليئة بالرمزية مع ربطها بالعقيدة الإسلامية للطلاب. ولتذكير الأطفال بحقيقة ولادتهم جميعا في ألمانيا، على الرغم من أن أولياء أمورهم جاءوا من أفغانستان أو ألبانيا، يقول كوملو مخاطبا تلاميذه «هكذا صرنا جميعا مربوطين برباط واحد الآن، مع أنكم جئتم من دول مختلفة، وكذلك أولياء أموركم».
وأصاب التلاميذ المهذبين، بشكل عام، بعض الارتباك، لكنهم أصغوا إلى كوملو بانتباه.
وبعد انتهاء الدرس، قال كوملو «لقد جاء هؤلاء التلاميذ إلى هنا ولديهم هذه الخلفيات الثقافية المختلفة. يجب علينا أن نعلمهم كيفية تطوير الشخصية باستخدام الأسس المشتركة في ألمانيا وفي الإسلام».
وجدير بالذكر أن الارتياب والشكوك بشأن التطرف الإسلامي زادت عندما تورطت خلية من العرب - كانت تتخذ من هامبورغ مقرا لها - في هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وعلاوة على ذلك، كان المواطنون الألمان متورطين فيما أطلق عليه خلية ساورلاند التي استهدفت الألمان في عام 2007، وكذلك المحاولة الفاشلة لزرع قنبلة في محطة قطار بون في ديسمبر (كانون الأول) 2012.
وفي المقابل، تؤكد الصراعات المستمرة، بخصوص إمكانية السماح للموظفات بالقطاع العام بارتداء الحجاب، مدى الفجوة المتواصلة بين الألمان غير المسلمين والمسلمين الذين يشكلون، على الرغم من ذلك، جزءا كبيرا من كل مظاهر الحياة. ويعد التدريس الشامل للإسلام - بالنسبة للكثير من المعلمين والمسؤولين الألمان، وعلى وجه الخصوص المسلمين في ألمانيا – محاولة متأخرة لمعالجة مشكلة الإقصاء السائدة منذ عقود. ويقول هؤلاء الأشخاص، إن «سنوات التهميش هذه كانت تعني الكثير بالنسبة للمسلمين الألمان الذي تعلموا عقيدتهم بطريقة تقليدية في المدارس أو من المفكرين المتشددين المنتشرين على الإنترنت أو في أفنية المساجد في المناطق المجاورة للمدن الرئيسة مثل هامبورغ أو برلين».
وتقول نيكولا بير «أعتقد أن من الواضح الآن أننا ارتكبنا خطأ اتباع الإجراءات العدائية للعزل بين أطياف الشعب على مدار سنوات كثيرة». ويذكر أن بير كانت، بوصفها وزيرة التعليم، واحدة من بين الكثير من السياسيين والأساتذة الجامعيين والمعلمين الذين يشجعون على تدريس التعاليم الإسلامية. وتقول بير، إن «الألمان يعترفون الآن أننا نعيش في هذا البلد معا ونعمل معا ونثقف ونعلم أطفالنا معا».
وبشكل أشمل، تعد المناهج الدراسية المتبعة في ولاية هيسن محاولة لمواجهة النغمة الحادة والعالية التي تقود وتوجه الكثير من النزعات الإسلامية المتشددة. وفي حين ينظر إلى تدريس مادة الدين الإسلامي كجزء من المساواة التي يرغبها الكثير من المسلمين في ألمانيا، فإن الأمر ليس مهمة بسيطة في ألمانيا الفيدرالية والمقيدة بالقانون.
فكل ولاية من الولايات الـ16، تحدد نظام التعليم الخاص بها وكيفية تدريس التعاليم الدينية – أو العرقية – غير الإجبارية. ويعد التعليم الإسلامي - بشكل ما - متاحا في جميع ولايات ألمانيا الغربية السابقة، مع عدم وجوده، على الرغم من ذلك، في ولايات ألمانيا الشرقية، حيث يعيش – وفقا للحقائق التاريخية - القليل من المهاجرين المسلمين. وما يجعل الأمر في هيسن وضعا خاصا هو أن هذه الولاية طورت برنامجا جامعيا وأخذت على عاتقها مهمة تدريب المعلمين.
ليس واضحا ما إذا كانت الولايات الألمانية الأخرى ستتجه نحو تدريس مادة الدين الإسلامي واتباع هذا المنهج الذي ابتكرته ولاية هسن أما لا؟ اضطر كوملو، مدرس الصف الأول والبالغ من العمر 31 عاما، إلى حضور 240 ساعة إضافية من التدريب في جامعة غيسن من أجل اجتياز اختبار القبول ليكون ضمن أول 18 مدرسا لمادة الدين الإسلامي في ولاية هيسن. وقال كوملو، إن «الدافع وراء ذلك كان عدم درايته بالإسلام الذي واجهه بالأفكار المسبقة ضده مع تقدمه في السن»، مشيرا إلى أنه يريد إزالة هذه الفكرة. وأوضح أن تلاميذه يشكلون الجيل الثالث إلى الخامس من الألمان، ويجب أن يكونوا على قدم المساواة مع التلاميذ الذين يدرسون الأديان الأخرى.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.