ألمانيا تدرج مادة الإسلام في مدارسها لدمج الجالية ومحاربة التطرف

مسؤولون يدقون ناقوس الخطر بعد مقتل شابين ألمانيين التحقا بالمسلحين في سوريا

تيمور كوملو يدرس لتلاميذه المنحدرين من عائلات مسلمة مادة الدين الإسلامي في مدرسة هنري دينانت في فرانكفورت (نيويورك تايمز)
تيمور كوملو يدرس لتلاميذه المنحدرين من عائلات مسلمة مادة الدين الإسلامي في مدرسة هنري دينانت في فرانكفورت (نيويورك تايمز)
TT

ألمانيا تدرج مادة الإسلام في مدارسها لدمج الجالية ومحاربة التطرف

تيمور كوملو يدرس لتلاميذه المنحدرين من عائلات مسلمة مادة الدين الإسلامي في مدرسة هنري دينانت في فرانكفورت (نيويورك تايمز)
تيمور كوملو يدرس لتلاميذه المنحدرين من عائلات مسلمة مادة الدين الإسلامي في مدرسة هنري دينانت في فرانكفورت (نيويورك تايمز)

في سابقة من نوعها، سمحت المدارس العامة الحكومية بألمانيا بتدريس مادة الدين الإسلامي لطلاب المدارس الابتدائية من خلال معلمين أشرفت على تدريبهم الدولة وباستخدام كتب مدرسية أعدت خصيصا لهذا الغرض. وتأتي هذه الخطوة في إطار محاولات المسؤولين لمساعدة الجالية المسلمة المتزايدة على الاندماج بشكل أفضل ومواجهة التأثير المتزايد للتشدد الديني.
ويجري تدريس مادة الدين الإسلامي في ولاية هيسن في ضوء تزايد القناعة بضرورة منح السلطات الألمانية مزيدا من الاهتمام للسكان المسلمين وخدمتهم، بعد تجاهلها لهم على مدار عقود.
ويقول الكثيرون هنا في ألمانيا، إن «الحاجة إلى اتخاذ تلك الخطوة باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى». ووفقا لتصريحات مسؤولين أمنيين ألمان وتقارير متداولة في وسائل الإعلام الألمانية، قتل شابان ألمانيان، على الأقل، من ولاية هيسن – يعتقد أن أحدهما لا يزيد عمره على 16 عاما – في سوريا، خلال الفصل الدراسي الماضي، بعد تلبيتهما للدعوة إلى «الجهاد». وجرى على ما يبدو تجنيد هذين الشخصين من متشددين في فرانكفورت. ودقت حالتا الشابين ناقوس الخطر ليس بسبب الشعور المتزايد لدى بعض الشباب الألمان بالعزلة عن المجتمع وقابلية التعرض لعمليات التجنيد فحسب، بل بسبب الإحساس بأن حالة القتل ستنتقل إلى بلادهم في نهاية المطاف، ناهيك بتعلم المهارات الجديدة لاستخدام الأسلحة والمتفجرات التي اكتسبها الشباب في ساحات المعركة في المناطق البعيدة أيضا. وعلاوة على ذلك، تواجه الدول الأوروبية الأخرى التي ينتشر فيها المسلمون – بما فيها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والدول الإسكندنافية – تحديات مشابهة تتمثل في كيفية تحقيق الاندماج ومواجهة التطرف.
وعليه، تحول الاهتمام بشكل متزايد إلى التعليم وطرق التنشئة بهدف احتواء المسلمين، البالغ عددهم في ألمانيا نحو أربعة ملايين شخص، بشكل أكبر. ويذكر، أن هذا العدد يزيد بشكل مطرد منذ أن جلب القائمون على الصناعة الألمانية أول دفعة من الأتراك، كعمالة أجنبية، إلى ألمانيا في فترة الستينات من القرن الماضي. وفي هذا الصدد، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نحقق الاندماج للأقلية التي كانت لفترة طويلة مصدرا للتوتر في بلد يزيد عدد سكانه على 80 مليون نسمة، في حين أن هؤلاء السكان يكافحون – بل ويقاومون - عملية استيعاب المسيحيين والأوروبيين الغرباء ودمجهم داخل نسيج الحياة في ألمانيا؟
وتتمثل الإجابة الوحيدة لهذا السؤال – حسبما يأمل المسؤولون في هيسن - في تنفيذ تلك الخطوة من خلال تدريس مادة الدين الإسلامي للأطفال وتوجيههم من قبل المعلمين الذين دربتهم الدولة ووافقت على المناهج التي يستخدمونها لهذا الغرض.
في داخل أحد الفصول، طلب تيمور كوملو من كل واحد من تلاميذه، البالغ عددهم 19 في سن السادسة، أن يأخذ خيطا من بكرة صوف كبيرة. ثم طلب من الأطفال، الذين قدم آباؤهم من دول مسلمة مختلفة مثل أفغانستان وألبانيا والمغرب وتركيا، أن يفحصوا شكل الخيوط المنسوجة مع بعضها بعضا أيضا.
وكان ذلك الأمر بمثابة درس بسيط يهدف بث رسالة مليئة بالرمزية مع ربطها بالعقيدة الإسلامية للطلاب. ولتذكير الأطفال بحقيقة ولادتهم جميعا في ألمانيا، على الرغم من أن أولياء أمورهم جاءوا من أفغانستان أو ألبانيا، يقول كوملو مخاطبا تلاميذه «هكذا صرنا جميعا مربوطين برباط واحد الآن، مع أنكم جئتم من دول مختلفة، وكذلك أولياء أموركم».
وأصاب التلاميذ المهذبين، بشكل عام، بعض الارتباك، لكنهم أصغوا إلى كوملو بانتباه.
وبعد انتهاء الدرس، قال كوملو «لقد جاء هؤلاء التلاميذ إلى هنا ولديهم هذه الخلفيات الثقافية المختلفة. يجب علينا أن نعلمهم كيفية تطوير الشخصية باستخدام الأسس المشتركة في ألمانيا وفي الإسلام».
وجدير بالذكر أن الارتياب والشكوك بشأن التطرف الإسلامي زادت عندما تورطت خلية من العرب - كانت تتخذ من هامبورغ مقرا لها - في هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وعلاوة على ذلك، كان المواطنون الألمان متورطين فيما أطلق عليه خلية ساورلاند التي استهدفت الألمان في عام 2007، وكذلك المحاولة الفاشلة لزرع قنبلة في محطة قطار بون في ديسمبر (كانون الأول) 2012.
وفي المقابل، تؤكد الصراعات المستمرة، بخصوص إمكانية السماح للموظفات بالقطاع العام بارتداء الحجاب، مدى الفجوة المتواصلة بين الألمان غير المسلمين والمسلمين الذين يشكلون، على الرغم من ذلك، جزءا كبيرا من كل مظاهر الحياة. ويعد التدريس الشامل للإسلام - بالنسبة للكثير من المعلمين والمسؤولين الألمان، وعلى وجه الخصوص المسلمين في ألمانيا – محاولة متأخرة لمعالجة مشكلة الإقصاء السائدة منذ عقود. ويقول هؤلاء الأشخاص، إن «سنوات التهميش هذه كانت تعني الكثير بالنسبة للمسلمين الألمان الذي تعلموا عقيدتهم بطريقة تقليدية في المدارس أو من المفكرين المتشددين المنتشرين على الإنترنت أو في أفنية المساجد في المناطق المجاورة للمدن الرئيسة مثل هامبورغ أو برلين».
وتقول نيكولا بير «أعتقد أن من الواضح الآن أننا ارتكبنا خطأ اتباع الإجراءات العدائية للعزل بين أطياف الشعب على مدار سنوات كثيرة». ويذكر أن بير كانت، بوصفها وزيرة التعليم، واحدة من بين الكثير من السياسيين والأساتذة الجامعيين والمعلمين الذين يشجعون على تدريس التعاليم الإسلامية. وتقول بير، إن «الألمان يعترفون الآن أننا نعيش في هذا البلد معا ونعمل معا ونثقف ونعلم أطفالنا معا».
وبشكل أشمل، تعد المناهج الدراسية المتبعة في ولاية هيسن محاولة لمواجهة النغمة الحادة والعالية التي تقود وتوجه الكثير من النزعات الإسلامية المتشددة. وفي حين ينظر إلى تدريس مادة الدين الإسلامي كجزء من المساواة التي يرغبها الكثير من المسلمين في ألمانيا، فإن الأمر ليس مهمة بسيطة في ألمانيا الفيدرالية والمقيدة بالقانون.
فكل ولاية من الولايات الـ16، تحدد نظام التعليم الخاص بها وكيفية تدريس التعاليم الدينية – أو العرقية – غير الإجبارية. ويعد التعليم الإسلامي - بشكل ما - متاحا في جميع ولايات ألمانيا الغربية السابقة، مع عدم وجوده، على الرغم من ذلك، في ولايات ألمانيا الشرقية، حيث يعيش – وفقا للحقائق التاريخية - القليل من المهاجرين المسلمين. وما يجعل الأمر في هيسن وضعا خاصا هو أن هذه الولاية طورت برنامجا جامعيا وأخذت على عاتقها مهمة تدريب المعلمين.
ليس واضحا ما إذا كانت الولايات الألمانية الأخرى ستتجه نحو تدريس مادة الدين الإسلامي واتباع هذا المنهج الذي ابتكرته ولاية هسن أما لا؟ اضطر كوملو، مدرس الصف الأول والبالغ من العمر 31 عاما، إلى حضور 240 ساعة إضافية من التدريب في جامعة غيسن من أجل اجتياز اختبار القبول ليكون ضمن أول 18 مدرسا لمادة الدين الإسلامي في ولاية هيسن. وقال كوملو، إن «الدافع وراء ذلك كان عدم درايته بالإسلام الذي واجهه بالأفكار المسبقة ضده مع تقدمه في السن»، مشيرا إلى أنه يريد إزالة هذه الفكرة. وأوضح أن تلاميذه يشكلون الجيل الثالث إلى الخامس من الألمان، ويجب أن يكونوا على قدم المساواة مع التلاميذ الذين يدرسون الأديان الأخرى.
* خدمة «نيويورك تايمز»



شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وندعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وندعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».