أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

محللون يمنيون: مشكلة بلادنا مع الحوثيين ممتدة منذ 2004

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي
TT

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

«هل تعلم أن السعودية تدفع جميع مصاريف مستشفى السلام في صعدة من أدوية ورواتب ورسوم تشغيل كامل؟ ليس غريبا... ولكن هل تعلم أن المستشفى يقع في منطقة تحت سيطرة الحوثيين؟ وهل تعلم أن نحو 800 ألف حالة تم علاجها ولا يمكن للمملكة أن تحرم أولئك القابعين تحت احتلال وسيطرة الحوثيين من العلاج؟». «حسنا، هل تعلم أن الحوثيين لا يستطيعون التعرض لشاحنات سعودية تحمل مستلزمات طبية ذاهبة إلى ذلك المستشفى لأنهم يعلمون تماما أن أي عطب في خدمات المستشفى سيجعل المواطنين يثورون ضدهم؟».
كان ذلك جزءا من تصريحات أدلى بها عبد الله كدسة مدير الإعلام والاتصال الاستراتيجي بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، في سياق قراءة «الشرق الأوسط» لأفق الأزمة اليمنية ومتطلباتها، إذ استمزجت مسؤولين يمنيين وأمميين ومحللين للحديث عن تداعيات الأزمة وما قبلها وما بعدها، وأبرز متطلبات نجاح الحل السياسي لها، فضلا عن الجهود الإنسانية التي دأبت على تنفيذ دول تحالف دعم الشرعية في اليمن.
ماذا لو تأخر التحالف عن التدخل في اليمن؟ وماذا يحتاج الحل السياسي لكي ينجح؟ وهل عرف العالم حقيقة ما يحصل في البلد الذي بدأت أزمته بانقلاب في عام 2014، وبدأت عملية استعادة الشرعية فيه منذ مارس (آذار) 2015، لتعود جل الأراضي إلى سلطة الحكومة اليمنية؟

بداية يقول تيم ليندركينغ في حديث خاص مع «الشرق الأوسط» سينشر لاحقا، إن هناك إرادة سياسية قوية سواء على المستوى الإدارة الأميركية وقوى المجتمع الدولي وقوى إقليمية ودولية مثل السعودية والإمارات والمملكة المتحدة لدعم الحل السياسي في اليمن، وإن عدنا إلى عام 2016 فإن المشاورات في الكويت كانت جديدة لكنها للأسف لم تنجح. استوكهولم كانت الفرصة التالية لجمع الطرفين، الحكومة اليمنية والحوثيين معا، وكانت هناك روح إيجابية حاضرة في السويد. وكنت هناك مع السفير ممثلا للولايات المتحدة ومجموعة الخمس - الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن - فإن كل طرف لعب دورا إيجابيا للمضي قدما في الحل السياسي، ولذلك كانت النتائج إيجابية. لكن منذ ذلك الحين، كانت هناك بعض الصعوبات في تفعيل ما تم الاتفاق عليه وبصراحة كان هناك تقصير من الطرفين. لكن السؤال النهائي يتعلق بمدى التزام الحوثيين بالعملية السياسية وإن كان لديهم الإرادة السياسية لدعم هذه العملية للوصول إلى نتيجة منطقية، وليس فقط لوقف إطلاق النار فقط بل عودة الحكومة ومؤسساتها والقدرة على معالجة الكوارث الإنسانية في البلد.
ورغم التحديات التي تواجه الحكومة في مناطقها، فإنها في أسوأ الأحوال تعيش مناخا أمنيا واقتصاديا وتنمويا متقدما عن تلك المناطق التي ما زالت تحت سيطرة الميليشيات.
وهرع التحالف الذي ضم ما يربو على 10 دول، إلى إنقاذ البلاد من التسلط الإيراني الذي ضرب مثالا نموذجيا في التخريب بسوريا والعراق، وأمثلة أخرى في بسط هيمنة الزعزعة في دول أخرى مثل لبنان.
سيطر الحوثيون الذين بدأت حروبهم على اليمن وشعبه منذ عام 2004 على مفاصل الدولة عبر اتفاق «غريب» مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ومكنهم الحلف الذي يستطيع مضغه كلا الطرفين من العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014.
لم يفق صالح من «غيبوبة» الانكفاء تحت لواء الحوثيين، حتى حاربوه، وضيقوا الخناق على حزبه «المؤتمر الشعبي العام»، وانتهى الأمر باغتياله، ولا بأس من خسارة مئات المقاتلين بالنسبة لميليشيات لم تقم وزنا للإنسان بل تفرض على الكل خدمة «السيد» القابع في مكان مجهول.
وبدأت العمليات العسكرية والإنسانية بالوقت نفسه. حرر التحالف عدن وجل مناطق الجنوب، ليس من الحوثيين وحسب، بل طرد حتى الجماعات التي استغلت غياب الدولة بانقلاب الحوثيين وأخذت تتمدد في محافظات كحضرموت وأبين والضالع وشبوة، صحيح أنها لم تتمكن منها بوصفها محافظات لكنها أوجدت لنفسها مكانا في كل منها، لتقضي قوات التحالف التي ساندت القوات اليمنية الأمنية المحلية في طردهم منها.
وبالاتجاه شمالا، حرر التحالف مدينة مأرب، وأجزاء محيطة بمركز المحافظة النفطية المهمة، ومن ثم اتجهت العمليات لتحرير المخا والساحل الغربي ووصلت القوات إلى أسوار ميناء الحديدة.
وبالتوازي مع العمل العسكري، دأبت قوات التحالف مع الحكومة اليمنية على إعطاء المساحة الإنسانية حقها، وإغاثة المنكوبين اليمنيين من بطش الميليشيات، وتم دفع ما يربو على 13.8 مليار دولار فقط من السعودية وحدها، فضلا عن مبالغ كبيرة أخرى قدمتها دول الإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة والكويت.
سياسيا، أجمع محللون على أن الحوثيين كانوا أبرز معرقل للسلام. كانت مشاورات المائة يوم في الكويت خير برهان على ذلك، فالحكومية اليمنية قدمت تنازلات واسعة حرصا منها على إحلال السلام، لكن إيران لم تعط الضوء الأخضر للعملية بأن تنتهي بتلك الشاكلة. وفسر السفير الأميركي ماثيو تولر في حوار سابق مع «الشرق الأوسط» بأن الطرفين توقعا أنهما يستطيعان الخروج بمكاسب أكبر على الأرض.
وفي استوكهولم، وبعد توقف الحوار عامين ونصف العام بين الفريقين، برزت بادرة أمل لحل الأزمة، ورغم أن الحوثيين صدموا المجتمع الدولي بمسرحية تسليم الميناء من الحوثيين إلى أنفسهم بشكل رفضته الأمم المتحدة، فإن المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن يرى أن الأطراف ما زالت لديها الرغبة في الانخراط بشكل إيجابي لتنفيذ الاتفاق الذي عقد في السويد وسمي «اتفاقية استوكهولم» وذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2018.

- ما قبل «العاصفة»
«حروب ميليشيات الحوثي الإرهابية على الشعب اليمني بدأت منذ عام 2004، ووصلت الحروب التوسعية منذ ذلك التاريخ حتى وصلوا إلى صنعاء في سبتمبر 2014». يعيد السفير اليمني السابق لدى سوريا عبد الوهاب طواف الذاكرة إلى أولى الحروب الحوثية في سياق حديثه عن مرحلة بداية الانقلاب والأشهر التي سبقت أولى عمليات التحالف. ويعلق في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» قائلا: «تمت دعوة الأطراف اليمنية إلى الرياض والحوثيون رفضوا ذلك، وحاولوا تنظيم مناورة عسكرية على الحدود السعودية وهددوا بأنهم سيأتون للحج ببنادقهم، وبالتالي واصلوا انتهاكاتهم ضد الشعب اليمني، وحبسوا رئيس الجمهورية وحبسوا الحكومة وحلوا الدستور ومجلس النواب، وهذا كله قبل عاصفة الحزم، لم نصل إلى 25 مارس (آذار) 2015 إلا وقد ارتكبت ميليشيات الحوثي الإرهابية من الممارسات والعبث بالشعب اليمني ما لم يفعله تنظيم (داعش) الإرهابي في العراق أو سوريا. كان الخيار الأقرب والأوحد لإنقاذ ما تبقى من مكتسبات الشعب اليمني هو الاتجاه للسعودية، وبالفعل جاء طلب رسمي من رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي لإنقاذ الشعب اليمني، وبالتالي تدخلت السعودية بقرار حازم وحاسم وجريء لإنقاذ ما تبقى من اليمن».
«هذا القرار أوقف التغول الإيراني في اليمن بعدما كان مسؤولو النظام الإيراني يحتفلون ويفرحون بوجود رابع عاصمة عربية تحت سيطرتهم»، يضيف السفير: «اليوم اليمن يعاني من حرب مدمرة وجوع ودماء، ولكن لو لم يتدخل التحالف في ذلك الحين، لكان الوضع أسوأ مما هو عليه اليوم».
مانع المطري المحلل السياسي اليمني يقول في اتصال مع «الشرق الأوسط»: «هناك كثير من المحطات التي مر بها الملف اليمني منذ الانقلاب الحوثي وجزء من هذه المحطات مرتبط بما قبل الانقلاب وبالفترة التي ارتبطت بتشكيل الميليشيا الحوثية وتدريبها وبداية الإرساليات الإيرانية التدريبية لعناصر الحركة مرورا بمرحلة الحروب الست التي سبقت 2011، ومن المحطات التي تلت الانقلاب والتغيرات المرتبطة بها تفرد الحوثي بالانقلاب وتحمله مسؤولية الحرب بعد قضائه على حليفه وشريكة في الانقلاب المتمثل في الرئيس السابق علي عبد الله صالح، حيث انتصرت الميليشيا الحوثية عليه عسكرياً لكنها بالمقابل خسرت الغطاء السياسي الذي كان يوفره لها هذا التحالف».
«عند إعلان الانقلاب واجتياح الميليشيا للمدن اليمنية بعد سيطرتها على صنعاء ورغم الرفض الشعبي الذي عبر عنه الشعب من خلال المظاهرات التي قمعتها الميليشيا بوحشية»، يقول المطري: «لكن وجود الحكومة الشرعية كان وجودا قانونيا حينها وليس وجودا فعليا بحكم أن السيطرة على الأرض كانت للميليشيا بعد انهيار المنظومة العسكرية وانجرار جزء كبير منها لموالاة الحوثيين والقتال إلى جانبهم، فحدث المتغير الجوهري بإعلان عاصفة الحزم دفاعا عن خيارات الشعب اليمني ودفاعا عن مؤسساته الشرعية ودفاعاً عن الأمن القومي العربي ضد التدخلات الإيرانية الرامية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة والتأثير على الممرات البحرية التي تطل عليها اليمن، لتصبح المنطقة العربية خاضعه بشكل حيوي للنفوذ الإيراني، إلا أن عاصفة الحزم بددت كل ذلك وأوقفت المطامع الإيرانية التي كانت تعتقد أن الأمر قد حسم في اليمن لصالحها وتحولت الحكومة خلال الفترة من وجود قانوني ودستوري واعتراف دولي إلى وجود فعلي على الأرض بعد السيطرة على 80 في المائة من الأرض أعاد ترتيب صفوف القوة العسكرية».
ويعود السفير طواف إلى القول إن «الحرب جاءت نتيجة لممارسات الحوثي وعبثه بالشعب اليمني ومكتسباته. والدليل على أن الحرب عادلة لاستعادة اليمن، فإنني أستطيع القول إن كل القوى السياسية اليمنية تدعم الحكومة والتحالف، ولا يوجد فصيل أو حزب سياسي إلا وهو ضد هذه الميليشيات».
«ولكن إذا كانوا جميعا ضد الحوثيين فمن الذي يدعمهم ويمدهم بالمقاتلين إذن؟»، سألت «الشرق الأوسط» السفير طواف فأجاب: «الحوثي استولى على إمكانيات الجمهورية اليمنية العسكرية، وهي ليست بالقليلة. واستخدمت الميليشيات أدوات التجويع والإكراه في تطويع كثير من المقاتلين والبسطاء، وجعلت النافذة الوحيدة للرزق والإنقاذ من الموت جوعا هو الذهاب إلى المعسكرات، وبالتالي استطاعت تجييش الكثير».

- جهود غريفيث
تعتقد حنان البدوي مديرة الاتصال والإعلام في مكتب المبعوث الخاص للأمين للأمم المتحدة إلى اليمن، أن هناك قناعة بين الأطراف اليمنية بأنه لا حل يمكن الوصول إليه في ساحة الحرب.
وتقول البدوي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «نستطيع القول، إنه قبيل مشاورات السويد أصبح هناك توافق دولي غير مسبوق على ضرورة التوصل لحل سلمي للنزاع في اليمن. إذن، هناك إرادة سياسية من الأطراف اليمنية ودعم دولي غير مسبوق وتوافق نادر في مجلس الأمن حول ضرورة إنهاء النزاع في اليمن بشكل سلمي، لكن في الوقت نفسه، هناك حالة من التشكك، أو غياب الثقة بين الطرفين اليمنيين، وهذا مفهوم، والحل بالنسبة لموقف مثل ذلك هو استمرار العمل، ولا خيار سوى استمرار العمل».
وعند سؤالها عن طول الفترة التي مضت على مشاورات السويد أجابت البدوي بالقول: «صحيح أن ثلاثة أشهر قد مضت على اتفاق السويد، لكن لنتذكر أيضا أننا خرجنا للتو من سنتين ونصف خاوية من أي نوع من التشاور بين الطرفين. مفهوم أننا نحتاج للعمل لبناء الثقة، وينبغي أن يكون لدى الطرفين ثقة بأن ضمان النجاح هو البدء الفوري في تنفيذ الاتفاق وهذا ما نعمل عليه في الوقت الحالي. يجب أن نتذكر أيضا أننا لدينا للمرة الأولى منذ بدء الحرب آلية مشتركة هي لجنة تنسيق إعادة الانتشار التي يعمل الطرفان معا من خلالها وبرئاسة الأمم المتحدة لتنفيذ الاتفاق. ما نأمله هو أن تدرك الأطراف أن البديل عن الاتفاق سيكون كارثيا، ولا طاقة للمواطنين اليمنيين به. ونثق في أن الأطراف لديها من الإرادة السياسية ومن الحكمة ما سيمكننا من تجاوز الصعوبات».
وحرصت على التأكيد على مسألة توفر الإرادة السياسية والالتزام بمسألة الحديدة، إذ قالت: «نأمل بتنفيذ إعادة الانتشار فورا، وأن يفتح ذلك بابا جديدا للتقدم نحو الحل الشامل للنزاع في اليمن».
وذكّرت البدوي بأن المبعوث ومكتبه «على تواصل دائم مع مختلف مكونات الشعب اليمني، وكما يقول مارتن دائما، إنهاء الحرب ليس هو نفسه بناء السلام، وبناء السلام لا يتم فقط بواسطة من بيدهم إنهاء الحرب، بناء السلام أكثر صعوبة من إنهاء الحرب، ويحتاج إلى جهود جميع أبناء اليمن... وهذه عملية يجب أن تستمر وهي مستمرة، حتى على المستوى المحلي داخل اليمن، هناك جهود يشارك فيها أبناء الشعب اليمني بطرق مختلفة». وزادت: «مارتن يحث دائما على زيادة نسبة تمثيل المرأة في المشاورات المقبلة، ومخرجات الحوار الوطني اليمني تنص على تمثيل المرأة بنسبة 30 في المائة والمبعوث يحث الطرفين دائما على الالتزام بذلك».
وعرجت مديرة الاتصال بمكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن على مسائل اقتصادية، واعتبرت مشكلة دفع الرواتب تشهد بعض التقدم: «وهذا موضوع مهم لتحسين الحياة لليمنيين، ومكتب المبعوث الخاص مستمر في التعامل مع الملف الاقتصادي، ورأينا تقدما فيما يخص موضوع دفع الرواتب طبقا لتوجيهات الرئيس عبد ربه منصور هادي، وهو تقدم مهم. ونسعى لحل أكثر شمولا في الملف الاقتصادي بما يضمن استقرار الاقتصاد اليمني ويسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية للشعب اليمني».

- كيف سينجح الحل؟
يجيب الدكتور محمد عسكر وزير حقوق الإنسان اليمني على السؤال بالقول: «ممارسة ضغوط قوية من مجلس الأمن على الميليشيات وحليفتها إيران لقبول السلام والتعاطي الإيجابي مع الجهود الأممية لمارتن غريفيث».
ويرى مانع المطري «أن هناك عوامل متعلقة بالحكومة الشرعية والقوى المؤيدة لها وعوامل أخرى مرتبطة بالمجتمع الدولي وبالميليشيات».
فيما يتعلق بالجانب الحكومي «أعتقد أننا بعد أربع سنوات من الحرب ضد الانقلاب بحاجة لوقفة تقييم للأداء وتلافي جوانب القصور ووضع تصورات لاكتمال أداء المؤسسات الدستورية وضرورة تحقيق فاعليتها، فاكتمال عمل المؤسسات الدستورية من العاصمة المؤقتة عدن أمر في غاية الأهمية يعطي ثقة للمواطن في الحكومة ويعطي أيضا انطباعا إيجابيا لدى المجتمع الدولي بهذه المؤسسات كشريك في حفظ الاستقرار وأيضا ضرورة اجتماع القوى السياسية اليمنية على برنامج عمل مشترك يركز على قضايا استعادة الدولة وترشيد الأداء الحكومي ومواجهة الانقلاب والترفع عن المناكفات والتسابق على اغتنام الدولة التي ما زال جزء كبير من مؤسساتها مغتصبا لدى الميليشيا، وأيضا استيعاب المتغيرات في خريطة القوى السياسية الرافضة للانقلاب والتي أفرزتها الحرب، وتعزيز الشراكة مع التحالف العربي نحو تحقيق الأهداف والمصالح المشتركة في ظل المعركة الواحدة».
أما بالنسبة للمجتمع الدولي - والحديث للمطري - فمن الخطأ أن يستمر تعامل بعض القوى الدولية مع اليمن من زاوية أنها أزمة إنسانية بعكس ما تؤكده القرارات الدولية التي تصنف الحالة الانقلابية باليمن أنها تهديد للأمن والسلم العالميين والإقليميين، ويجب بذل جهد حقيقي في مساعدة اليمنيين من أجل إنهاء الحالة الانقلابية التي تعمل على توليد واستمرار الأزمة الإنسانية التي ما كانت لتحصل لولاء اغتصاب مؤسسات الدولة من قبل الميليشيا وتعطيل عملها والعبث بهياكل المؤسسات بما يمكن المعادلة الإيرانية من النفاذ للداخل اليماني، والمعادلة تقوم على أساس استبدال الجماعة الطائفية بمؤسسات الدولة والميليشيا بالجيوش، وهي معادلة مدمرة لفكرة الدولة الوطنية.
بالنسبة لجماعة الحوثي يقول المطري إن «الأحداث تثبت يوما بعد آخر بأنها ليست مؤهلة لأن تكون شريكا حقيقيا قادرا على اتخاذ قرارات حقيقية تصنع السلام الدائم في اليمن الذي يعيد لها الاستقرار؛ لأن فكرة التنشئة والتكوين تقوم على قاعدة تعطيل الدولة وإبقائها في حالة الشلل لتبقى بؤرة لزعزعة الاستقرار بما يخدم المشاريع الإيرانية التوسعية».
المحلل السياسي اليمني همدان العليي لديه رأي أكثر تشاؤما فيما يتعلق بالحل، إذ يقول: «في الحقيقة إن الأمم المتحدة وبقية الدول المهتمة باليمن لا تملك أدوات ضغط واضحة يمكن أن تمارسها على الجماعات المسلحة مثل ميليشيا الحوثي لتجبرها على قبول الحل السياسي إلا استخدام القوة. فأدوات الضغط الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي تُستخدم لتطويع الحكومات الشرعية عادة، ليست فعالة مع ميليشيات مسلحة لا تعترف بالقيم الأممية أصلا، فجماعة الحوثي عبارة عن ميليشيا متمردة، ولا يمكن الضغط على مثل هذه الميليشيات إلا بالعمل العسكري الذي يقضي عليها أو يجبرها على الاستسلام لتترك السلاح وتشارك في العملية السياسية المشروعة وهذا ما لا تريده الأمم المتحدة. الأمم المتحدة أجبرت الحكومة الشرعية على إيقاف تحرير مدينة الحديدة بهدف تحقيق السلام، لكن كيف يمكن تحقيق سلام مع جماعة لا تجد نفسها إلا بالحرب؟ بهذا الشكل الأمم المتحدة عطلت جهود الحكومة الشرعية والتحالف التي تهدف إلى استعادة الدولة، لكنها لم تستطع إيقاف انتهاكات وجرائم الحوثيين بل أسهمت في تقويتهم لأنهم يقومون بعمليات تغيير ديموغرافي واسعة وكلما تأخرت عملية تحرير المدن انتشر فكرها المتطرف أكثر بين الناس».

- انتباه عالمي
وبسؤال وزير حقوق الإنسان اليمني، عن جرائم الحوثيين ووصولها إلى العالم، قال الدكتور عسكر: «نعم بدأ العالم يدرك خطورة حركة الحوثي الفاشية ليس على اليمن وعلى الإقليم فحسب، ولكن على الأمن والسلم الدوليين، ومنذ قتلهم لحليفهم صالح وامتناعهم عن تنفيذ استحقاقات السلام بحسب استوكهولم، وما رصدناه في وزارة حقوق الإنسان من انتهاكات جسيمة عرضت بشكل واضح للفعاليات الدولية، كل ذلك أظهر للعالم أنه يتعامل مع طرف لا يحترم التزاماته ولا يضع اعتبارا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان».
ويقاسمه الرأي المحلل العليي الذي قال إن «العالم يعرف جيدا الحوثيين ويدرك خطرهم على المنطقة ويتابع الانتهاكات التي يمارسونها، لكنهم يحرصون على بقاء الجماعة وسيلة ابتزاز»، مضيفا: «تعتقد بعض الدول العظمى بأن بقاء الحوثي في شبه الجزيرة العربية فرصة لا تعوض باعتبارها جماعة متطرفة يمكن استخدامها لابتزاز دول المنطقة، كما أن بقاء جماعة الحوثي في اليمن يعني استمرار الأزمات والحروب التي يسببها الحوثيون في اليمن، وهذا الوضع يمكنهم من السيطرة على باب المندب والتحكم أيضا بقناة السويس... فهل يتركون مثل هذه الفرصة؟ لن يفعلوا... ولهذا سيتم تجاهل هذا الخطر وتجاهل الانتهاكات التي تمارسها الجماعة. والحديث عنها بين الفينة والأخرى من قبل المنظمات باعتبارها أدوات للدول العظمى، هو تفاعل مؤقت مع الضغوط التي تتعرض لها والتي تطالبها بإدانة جرائم الحوثيين».

- إعادة فعلية للأمل
«دعم السعودية الاقتصادي لليمن بدأ منذ منتصف السبعينات، عبر الصندوق السعودي للتنمية، الذي نفذ ما يربو على 76 مشروعا تنمويا ضخما في اليمن»، يقول عبد الله كدسة، إن «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يدرس احتياجات اليمن بالتعاون مع الحكومة اليمنية، بدراسة الجغرافيا السكانية والتنمية البشرية والناتج المحلي ونصيب الفرد من الناتج المحلي، والصادرات والواردات إلى جانب النفقات والمصروفات وغيرها من التفاصيل الاقتصادية، فضلا عن تاريخ سعر الصرف للريال اليمني وقد لاحظنا التطور والتحسن الذي ألم بالعملة بعد الدعم السعودي للبنك المركزي اليمني».
دعمت السعودية البنك المركزي اليمني منذ عام 2011 وحتى اليوم بـ3.2 مليار دولار، «وهذا لعب دورا في تعزيز قدرات البنك وإعطاء الثقة بالدول الأخرى لدعم البنك المركزي اليمني، كما أسهم في تسديد الرواتب وإصدار ضمانات بنكية لاستصدار السلع الغذائية الأساسية». الأثر لهذه المبالغ كبير، يضيف مدير الاتصال ببرنامج الإعمار: «فلو سأل أحدهم لماذا وضعنا هذا المبلغ الضخم في البنك المركزي اليمني، ماذا تستفيدون؟ استفدنا أن أكثر من 800 مليون دولار من المبالغ تكرس للقمح والرز والزيت والسكر وحليب الأطفال وغيرها من المنتجات تذهب لليمن تحت ضمان هذا المبلغ، تخيل لو أن الوديعة لم تكن موجودة، لكانت هناك إشكالية كبيرة في الأمن الغذائي داخل اليمن».
مثال آخر، يستدل به عبد الله كدسة عن الآثار التي بدأت تظهر من مشاريع الإعمار، وهو المشتقات النفطية. «السعودية على مدى الأشهر الثلاثة الماضية أرسلت المشتقات النفطية لليمن. وهي عبارة عن ديزل ومازوت، وتم اختيارها لأن كل مولدات الكهرباء في اليمن تولد إما عن طريق الديزل أو المازوت. البرنامج لم يكتف بإرسال المشتقات وحسب، بل تم وضع حوكمة وإجراءات عمل واضحة مع الأجهزة المعنية في الحكومة اليمنية، لنضمن أين ستذهب هذه المشتقات وكيف سيتم صرفها، وأن كل محطة تأخذ حاجتها بالضبط من دون زيادة أو نقصان».
كانت الكهرباء تعمل من ساعتين إلى أربع، وفي أحسن الأحوال تعمل 6 ساعات في اليوم، «نفذ برنامج الإعمار زيارة شملت 64 محطة توليد كهربائي، رصدنا كم احتياج كل محطة، وعرفنا الاحتياج، وبدأ التنفيذ».
وحرص البرنامج على مسألة الكهرباء لأن نتائجها تنعكس «على المستشفيات التي تتعطل ومراكز الكلى والمدارس، والبيوت التي لا تستطيع حفظ المواد الغذائية. واستفادت من ذلك 10 محافظات يقطنها أكثر من 16 مليون مستفيد تغيرت حياتهم. فلذلك فإن التأثير لم يقتصر على الدعم وحسب، بل أسلوب حياة المستفيدين بالتأكيد تأثر».
يقول مدير الاتصال في البرنامج: «هناك أيضا منفذ الوديعة الذي تم فتحه وتدخل عبره بضائع وتستخدمه منظمات إنسانية مثل برنامج الغذاء العالمي وغيره، وأيضا دعم آخر تمثل في 70 مليون دولار عبر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) لدفع رواتب المعلمين. وبالمناسبة نسبة كبيرة من هذا الدعم ذهب إلى معلمين يعيشون في الأراضي الواقعة تحت احتلال الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران».
ويشدد كدسة على أن السعودية لم تميز في المساعدات، «وإلى اليوم تدفع المملكة 10 ملايين دولار لصالح مستشفى في صعدة وآخر في حجة سواء رواتب الأطباء أو الأدوية وهذه الأمور تتم ونحن لا نستطيع الدخول إلى هناك لأنها تقع في مناطق سيطرة الحوثيين، ولكن يتم تحويل المبالغ ويتم التأكد من صحة صرفها، حتى الحوثي عندما يرى شاحنة الأدوية السعودية لا يتعرض لها بأي شيء لأنه يعرف أن هذا المستشفى لو تم إغلاقه فسينقلب عليه أهالي صعدة أو حجة وغيرهم. ولا نستطيع إغلاق هذه المستشفيات لأن المعالَجين أهالي صعدة وحجة، وهم تحت احتلال والمملكة تعتبر هذه مسؤوليتها ولم توقف الدعم عن هذين المستشفيين، ومستشفى صعدة في العام الماضي عالج 800 ألف حالة، كثير منهم مواليد، وعمليات جراحية وغيرها، وهو مستشفى السلام».
وتدعم السعودية اليمن عن طريقين، الأول دعم المنظمات الأممية لدعم اليمنيين الواقعين تحت سيطرة الحوثيين. والدعم الآخر مباشر عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.
«لدينا هدف أساسي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية. هناك 120 طبيبا يتدربون في مستشفى الحرس الوطني السعودي، وأكثر من 60 دبلوماسيا يتدربون في معهد الأمير سعود الفيصل الدبلوماسي، والبرنامج يعمل بشكل استراتيجي عميق على تطوير البنية التحتية والقدرات الحكومية، وإضعاف تأثير الجماعات الإرهابية، وحض المانحين الدوليين على المساهمة في تنمية اليمن، إما فرديا أو عبر الشراكة، وتشجيعهم على تحسين الخدمات وخلق فرص العمل ودعم السلام وتعزيز الأمل في نفوس اليمنيين».
وتعمل برامج الإعمار السعودي لليمن في 7 قطاعات رئيسية: «الطرق والموانئ والمطارات، والمياه والسدود، والتعليم، والصحة، والكهرباء والطاقة، والزراعة والثروة السمكية، والمباني السكنية والحكومية».


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.