أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

محللون يمنيون: مشكلة بلادنا مع الحوثيين ممتدة منذ 2004

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي
TT

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

«هل تعلم أن السعودية تدفع جميع مصاريف مستشفى السلام في صعدة من أدوية ورواتب ورسوم تشغيل كامل؟ ليس غريبا... ولكن هل تعلم أن المستشفى يقع في منطقة تحت سيطرة الحوثيين؟ وهل تعلم أن نحو 800 ألف حالة تم علاجها ولا يمكن للمملكة أن تحرم أولئك القابعين تحت احتلال وسيطرة الحوثيين من العلاج؟». «حسنا، هل تعلم أن الحوثيين لا يستطيعون التعرض لشاحنات سعودية تحمل مستلزمات طبية ذاهبة إلى ذلك المستشفى لأنهم يعلمون تماما أن أي عطب في خدمات المستشفى سيجعل المواطنين يثورون ضدهم؟».
كان ذلك جزءا من تصريحات أدلى بها عبد الله كدسة مدير الإعلام والاتصال الاستراتيجي بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، في سياق قراءة «الشرق الأوسط» لأفق الأزمة اليمنية ومتطلباتها، إذ استمزجت مسؤولين يمنيين وأمميين ومحللين للحديث عن تداعيات الأزمة وما قبلها وما بعدها، وأبرز متطلبات نجاح الحل السياسي لها، فضلا عن الجهود الإنسانية التي دأبت على تنفيذ دول تحالف دعم الشرعية في اليمن.
ماذا لو تأخر التحالف عن التدخل في اليمن؟ وماذا يحتاج الحل السياسي لكي ينجح؟ وهل عرف العالم حقيقة ما يحصل في البلد الذي بدأت أزمته بانقلاب في عام 2014، وبدأت عملية استعادة الشرعية فيه منذ مارس (آذار) 2015، لتعود جل الأراضي إلى سلطة الحكومة اليمنية؟

بداية يقول تيم ليندركينغ في حديث خاص مع «الشرق الأوسط» سينشر لاحقا، إن هناك إرادة سياسية قوية سواء على المستوى الإدارة الأميركية وقوى المجتمع الدولي وقوى إقليمية ودولية مثل السعودية والإمارات والمملكة المتحدة لدعم الحل السياسي في اليمن، وإن عدنا إلى عام 2016 فإن المشاورات في الكويت كانت جديدة لكنها للأسف لم تنجح. استوكهولم كانت الفرصة التالية لجمع الطرفين، الحكومة اليمنية والحوثيين معا، وكانت هناك روح إيجابية حاضرة في السويد. وكنت هناك مع السفير ممثلا للولايات المتحدة ومجموعة الخمس - الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن - فإن كل طرف لعب دورا إيجابيا للمضي قدما في الحل السياسي، ولذلك كانت النتائج إيجابية. لكن منذ ذلك الحين، كانت هناك بعض الصعوبات في تفعيل ما تم الاتفاق عليه وبصراحة كان هناك تقصير من الطرفين. لكن السؤال النهائي يتعلق بمدى التزام الحوثيين بالعملية السياسية وإن كان لديهم الإرادة السياسية لدعم هذه العملية للوصول إلى نتيجة منطقية، وليس فقط لوقف إطلاق النار فقط بل عودة الحكومة ومؤسساتها والقدرة على معالجة الكوارث الإنسانية في البلد.
ورغم التحديات التي تواجه الحكومة في مناطقها، فإنها في أسوأ الأحوال تعيش مناخا أمنيا واقتصاديا وتنمويا متقدما عن تلك المناطق التي ما زالت تحت سيطرة الميليشيات.
وهرع التحالف الذي ضم ما يربو على 10 دول، إلى إنقاذ البلاد من التسلط الإيراني الذي ضرب مثالا نموذجيا في التخريب بسوريا والعراق، وأمثلة أخرى في بسط هيمنة الزعزعة في دول أخرى مثل لبنان.
سيطر الحوثيون الذين بدأت حروبهم على اليمن وشعبه منذ عام 2004 على مفاصل الدولة عبر اتفاق «غريب» مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ومكنهم الحلف الذي يستطيع مضغه كلا الطرفين من العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014.
لم يفق صالح من «غيبوبة» الانكفاء تحت لواء الحوثيين، حتى حاربوه، وضيقوا الخناق على حزبه «المؤتمر الشعبي العام»، وانتهى الأمر باغتياله، ولا بأس من خسارة مئات المقاتلين بالنسبة لميليشيات لم تقم وزنا للإنسان بل تفرض على الكل خدمة «السيد» القابع في مكان مجهول.
وبدأت العمليات العسكرية والإنسانية بالوقت نفسه. حرر التحالف عدن وجل مناطق الجنوب، ليس من الحوثيين وحسب، بل طرد حتى الجماعات التي استغلت غياب الدولة بانقلاب الحوثيين وأخذت تتمدد في محافظات كحضرموت وأبين والضالع وشبوة، صحيح أنها لم تتمكن منها بوصفها محافظات لكنها أوجدت لنفسها مكانا في كل منها، لتقضي قوات التحالف التي ساندت القوات اليمنية الأمنية المحلية في طردهم منها.
وبالاتجاه شمالا، حرر التحالف مدينة مأرب، وأجزاء محيطة بمركز المحافظة النفطية المهمة، ومن ثم اتجهت العمليات لتحرير المخا والساحل الغربي ووصلت القوات إلى أسوار ميناء الحديدة.
وبالتوازي مع العمل العسكري، دأبت قوات التحالف مع الحكومة اليمنية على إعطاء المساحة الإنسانية حقها، وإغاثة المنكوبين اليمنيين من بطش الميليشيات، وتم دفع ما يربو على 13.8 مليار دولار فقط من السعودية وحدها، فضلا عن مبالغ كبيرة أخرى قدمتها دول الإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة والكويت.
سياسيا، أجمع محللون على أن الحوثيين كانوا أبرز معرقل للسلام. كانت مشاورات المائة يوم في الكويت خير برهان على ذلك، فالحكومية اليمنية قدمت تنازلات واسعة حرصا منها على إحلال السلام، لكن إيران لم تعط الضوء الأخضر للعملية بأن تنتهي بتلك الشاكلة. وفسر السفير الأميركي ماثيو تولر في حوار سابق مع «الشرق الأوسط» بأن الطرفين توقعا أنهما يستطيعان الخروج بمكاسب أكبر على الأرض.
وفي استوكهولم، وبعد توقف الحوار عامين ونصف العام بين الفريقين، برزت بادرة أمل لحل الأزمة، ورغم أن الحوثيين صدموا المجتمع الدولي بمسرحية تسليم الميناء من الحوثيين إلى أنفسهم بشكل رفضته الأمم المتحدة، فإن المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن يرى أن الأطراف ما زالت لديها الرغبة في الانخراط بشكل إيجابي لتنفيذ الاتفاق الذي عقد في السويد وسمي «اتفاقية استوكهولم» وذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2018.

- ما قبل «العاصفة»
«حروب ميليشيات الحوثي الإرهابية على الشعب اليمني بدأت منذ عام 2004، ووصلت الحروب التوسعية منذ ذلك التاريخ حتى وصلوا إلى صنعاء في سبتمبر 2014». يعيد السفير اليمني السابق لدى سوريا عبد الوهاب طواف الذاكرة إلى أولى الحروب الحوثية في سياق حديثه عن مرحلة بداية الانقلاب والأشهر التي سبقت أولى عمليات التحالف. ويعلق في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» قائلا: «تمت دعوة الأطراف اليمنية إلى الرياض والحوثيون رفضوا ذلك، وحاولوا تنظيم مناورة عسكرية على الحدود السعودية وهددوا بأنهم سيأتون للحج ببنادقهم، وبالتالي واصلوا انتهاكاتهم ضد الشعب اليمني، وحبسوا رئيس الجمهورية وحبسوا الحكومة وحلوا الدستور ومجلس النواب، وهذا كله قبل عاصفة الحزم، لم نصل إلى 25 مارس (آذار) 2015 إلا وقد ارتكبت ميليشيات الحوثي الإرهابية من الممارسات والعبث بالشعب اليمني ما لم يفعله تنظيم (داعش) الإرهابي في العراق أو سوريا. كان الخيار الأقرب والأوحد لإنقاذ ما تبقى من مكتسبات الشعب اليمني هو الاتجاه للسعودية، وبالفعل جاء طلب رسمي من رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي لإنقاذ الشعب اليمني، وبالتالي تدخلت السعودية بقرار حازم وحاسم وجريء لإنقاذ ما تبقى من اليمن».
«هذا القرار أوقف التغول الإيراني في اليمن بعدما كان مسؤولو النظام الإيراني يحتفلون ويفرحون بوجود رابع عاصمة عربية تحت سيطرتهم»، يضيف السفير: «اليوم اليمن يعاني من حرب مدمرة وجوع ودماء، ولكن لو لم يتدخل التحالف في ذلك الحين، لكان الوضع أسوأ مما هو عليه اليوم».
مانع المطري المحلل السياسي اليمني يقول في اتصال مع «الشرق الأوسط»: «هناك كثير من المحطات التي مر بها الملف اليمني منذ الانقلاب الحوثي وجزء من هذه المحطات مرتبط بما قبل الانقلاب وبالفترة التي ارتبطت بتشكيل الميليشيا الحوثية وتدريبها وبداية الإرساليات الإيرانية التدريبية لعناصر الحركة مرورا بمرحلة الحروب الست التي سبقت 2011، ومن المحطات التي تلت الانقلاب والتغيرات المرتبطة بها تفرد الحوثي بالانقلاب وتحمله مسؤولية الحرب بعد قضائه على حليفه وشريكة في الانقلاب المتمثل في الرئيس السابق علي عبد الله صالح، حيث انتصرت الميليشيا الحوثية عليه عسكرياً لكنها بالمقابل خسرت الغطاء السياسي الذي كان يوفره لها هذا التحالف».
«عند إعلان الانقلاب واجتياح الميليشيا للمدن اليمنية بعد سيطرتها على صنعاء ورغم الرفض الشعبي الذي عبر عنه الشعب من خلال المظاهرات التي قمعتها الميليشيا بوحشية»، يقول المطري: «لكن وجود الحكومة الشرعية كان وجودا قانونيا حينها وليس وجودا فعليا بحكم أن السيطرة على الأرض كانت للميليشيا بعد انهيار المنظومة العسكرية وانجرار جزء كبير منها لموالاة الحوثيين والقتال إلى جانبهم، فحدث المتغير الجوهري بإعلان عاصفة الحزم دفاعا عن خيارات الشعب اليمني ودفاعا عن مؤسساته الشرعية ودفاعاً عن الأمن القومي العربي ضد التدخلات الإيرانية الرامية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة والتأثير على الممرات البحرية التي تطل عليها اليمن، لتصبح المنطقة العربية خاضعه بشكل حيوي للنفوذ الإيراني، إلا أن عاصفة الحزم بددت كل ذلك وأوقفت المطامع الإيرانية التي كانت تعتقد أن الأمر قد حسم في اليمن لصالحها وتحولت الحكومة خلال الفترة من وجود قانوني ودستوري واعتراف دولي إلى وجود فعلي على الأرض بعد السيطرة على 80 في المائة من الأرض أعاد ترتيب صفوف القوة العسكرية».
ويعود السفير طواف إلى القول إن «الحرب جاءت نتيجة لممارسات الحوثي وعبثه بالشعب اليمني ومكتسباته. والدليل على أن الحرب عادلة لاستعادة اليمن، فإنني أستطيع القول إن كل القوى السياسية اليمنية تدعم الحكومة والتحالف، ولا يوجد فصيل أو حزب سياسي إلا وهو ضد هذه الميليشيات».
«ولكن إذا كانوا جميعا ضد الحوثيين فمن الذي يدعمهم ويمدهم بالمقاتلين إذن؟»، سألت «الشرق الأوسط» السفير طواف فأجاب: «الحوثي استولى على إمكانيات الجمهورية اليمنية العسكرية، وهي ليست بالقليلة. واستخدمت الميليشيات أدوات التجويع والإكراه في تطويع كثير من المقاتلين والبسطاء، وجعلت النافذة الوحيدة للرزق والإنقاذ من الموت جوعا هو الذهاب إلى المعسكرات، وبالتالي استطاعت تجييش الكثير».

- جهود غريفيث
تعتقد حنان البدوي مديرة الاتصال والإعلام في مكتب المبعوث الخاص للأمين للأمم المتحدة إلى اليمن، أن هناك قناعة بين الأطراف اليمنية بأنه لا حل يمكن الوصول إليه في ساحة الحرب.
وتقول البدوي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «نستطيع القول، إنه قبيل مشاورات السويد أصبح هناك توافق دولي غير مسبوق على ضرورة التوصل لحل سلمي للنزاع في اليمن. إذن، هناك إرادة سياسية من الأطراف اليمنية ودعم دولي غير مسبوق وتوافق نادر في مجلس الأمن حول ضرورة إنهاء النزاع في اليمن بشكل سلمي، لكن في الوقت نفسه، هناك حالة من التشكك، أو غياب الثقة بين الطرفين اليمنيين، وهذا مفهوم، والحل بالنسبة لموقف مثل ذلك هو استمرار العمل، ولا خيار سوى استمرار العمل».
وعند سؤالها عن طول الفترة التي مضت على مشاورات السويد أجابت البدوي بالقول: «صحيح أن ثلاثة أشهر قد مضت على اتفاق السويد، لكن لنتذكر أيضا أننا خرجنا للتو من سنتين ونصف خاوية من أي نوع من التشاور بين الطرفين. مفهوم أننا نحتاج للعمل لبناء الثقة، وينبغي أن يكون لدى الطرفين ثقة بأن ضمان النجاح هو البدء الفوري في تنفيذ الاتفاق وهذا ما نعمل عليه في الوقت الحالي. يجب أن نتذكر أيضا أننا لدينا للمرة الأولى منذ بدء الحرب آلية مشتركة هي لجنة تنسيق إعادة الانتشار التي يعمل الطرفان معا من خلالها وبرئاسة الأمم المتحدة لتنفيذ الاتفاق. ما نأمله هو أن تدرك الأطراف أن البديل عن الاتفاق سيكون كارثيا، ولا طاقة للمواطنين اليمنيين به. ونثق في أن الأطراف لديها من الإرادة السياسية ومن الحكمة ما سيمكننا من تجاوز الصعوبات».
وحرصت على التأكيد على مسألة توفر الإرادة السياسية والالتزام بمسألة الحديدة، إذ قالت: «نأمل بتنفيذ إعادة الانتشار فورا، وأن يفتح ذلك بابا جديدا للتقدم نحو الحل الشامل للنزاع في اليمن».
وذكّرت البدوي بأن المبعوث ومكتبه «على تواصل دائم مع مختلف مكونات الشعب اليمني، وكما يقول مارتن دائما، إنهاء الحرب ليس هو نفسه بناء السلام، وبناء السلام لا يتم فقط بواسطة من بيدهم إنهاء الحرب، بناء السلام أكثر صعوبة من إنهاء الحرب، ويحتاج إلى جهود جميع أبناء اليمن... وهذه عملية يجب أن تستمر وهي مستمرة، حتى على المستوى المحلي داخل اليمن، هناك جهود يشارك فيها أبناء الشعب اليمني بطرق مختلفة». وزادت: «مارتن يحث دائما على زيادة نسبة تمثيل المرأة في المشاورات المقبلة، ومخرجات الحوار الوطني اليمني تنص على تمثيل المرأة بنسبة 30 في المائة والمبعوث يحث الطرفين دائما على الالتزام بذلك».
وعرجت مديرة الاتصال بمكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن على مسائل اقتصادية، واعتبرت مشكلة دفع الرواتب تشهد بعض التقدم: «وهذا موضوع مهم لتحسين الحياة لليمنيين، ومكتب المبعوث الخاص مستمر في التعامل مع الملف الاقتصادي، ورأينا تقدما فيما يخص موضوع دفع الرواتب طبقا لتوجيهات الرئيس عبد ربه منصور هادي، وهو تقدم مهم. ونسعى لحل أكثر شمولا في الملف الاقتصادي بما يضمن استقرار الاقتصاد اليمني ويسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية للشعب اليمني».

- كيف سينجح الحل؟
يجيب الدكتور محمد عسكر وزير حقوق الإنسان اليمني على السؤال بالقول: «ممارسة ضغوط قوية من مجلس الأمن على الميليشيات وحليفتها إيران لقبول السلام والتعاطي الإيجابي مع الجهود الأممية لمارتن غريفيث».
ويرى مانع المطري «أن هناك عوامل متعلقة بالحكومة الشرعية والقوى المؤيدة لها وعوامل أخرى مرتبطة بالمجتمع الدولي وبالميليشيات».
فيما يتعلق بالجانب الحكومي «أعتقد أننا بعد أربع سنوات من الحرب ضد الانقلاب بحاجة لوقفة تقييم للأداء وتلافي جوانب القصور ووضع تصورات لاكتمال أداء المؤسسات الدستورية وضرورة تحقيق فاعليتها، فاكتمال عمل المؤسسات الدستورية من العاصمة المؤقتة عدن أمر في غاية الأهمية يعطي ثقة للمواطن في الحكومة ويعطي أيضا انطباعا إيجابيا لدى المجتمع الدولي بهذه المؤسسات كشريك في حفظ الاستقرار وأيضا ضرورة اجتماع القوى السياسية اليمنية على برنامج عمل مشترك يركز على قضايا استعادة الدولة وترشيد الأداء الحكومي ومواجهة الانقلاب والترفع عن المناكفات والتسابق على اغتنام الدولة التي ما زال جزء كبير من مؤسساتها مغتصبا لدى الميليشيا، وأيضا استيعاب المتغيرات في خريطة القوى السياسية الرافضة للانقلاب والتي أفرزتها الحرب، وتعزيز الشراكة مع التحالف العربي نحو تحقيق الأهداف والمصالح المشتركة في ظل المعركة الواحدة».
أما بالنسبة للمجتمع الدولي - والحديث للمطري - فمن الخطأ أن يستمر تعامل بعض القوى الدولية مع اليمن من زاوية أنها أزمة إنسانية بعكس ما تؤكده القرارات الدولية التي تصنف الحالة الانقلابية باليمن أنها تهديد للأمن والسلم العالميين والإقليميين، ويجب بذل جهد حقيقي في مساعدة اليمنيين من أجل إنهاء الحالة الانقلابية التي تعمل على توليد واستمرار الأزمة الإنسانية التي ما كانت لتحصل لولاء اغتصاب مؤسسات الدولة من قبل الميليشيا وتعطيل عملها والعبث بهياكل المؤسسات بما يمكن المعادلة الإيرانية من النفاذ للداخل اليماني، والمعادلة تقوم على أساس استبدال الجماعة الطائفية بمؤسسات الدولة والميليشيا بالجيوش، وهي معادلة مدمرة لفكرة الدولة الوطنية.
بالنسبة لجماعة الحوثي يقول المطري إن «الأحداث تثبت يوما بعد آخر بأنها ليست مؤهلة لأن تكون شريكا حقيقيا قادرا على اتخاذ قرارات حقيقية تصنع السلام الدائم في اليمن الذي يعيد لها الاستقرار؛ لأن فكرة التنشئة والتكوين تقوم على قاعدة تعطيل الدولة وإبقائها في حالة الشلل لتبقى بؤرة لزعزعة الاستقرار بما يخدم المشاريع الإيرانية التوسعية».
المحلل السياسي اليمني همدان العليي لديه رأي أكثر تشاؤما فيما يتعلق بالحل، إذ يقول: «في الحقيقة إن الأمم المتحدة وبقية الدول المهتمة باليمن لا تملك أدوات ضغط واضحة يمكن أن تمارسها على الجماعات المسلحة مثل ميليشيا الحوثي لتجبرها على قبول الحل السياسي إلا استخدام القوة. فأدوات الضغط الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي تُستخدم لتطويع الحكومات الشرعية عادة، ليست فعالة مع ميليشيات مسلحة لا تعترف بالقيم الأممية أصلا، فجماعة الحوثي عبارة عن ميليشيا متمردة، ولا يمكن الضغط على مثل هذه الميليشيات إلا بالعمل العسكري الذي يقضي عليها أو يجبرها على الاستسلام لتترك السلاح وتشارك في العملية السياسية المشروعة وهذا ما لا تريده الأمم المتحدة. الأمم المتحدة أجبرت الحكومة الشرعية على إيقاف تحرير مدينة الحديدة بهدف تحقيق السلام، لكن كيف يمكن تحقيق سلام مع جماعة لا تجد نفسها إلا بالحرب؟ بهذا الشكل الأمم المتحدة عطلت جهود الحكومة الشرعية والتحالف التي تهدف إلى استعادة الدولة، لكنها لم تستطع إيقاف انتهاكات وجرائم الحوثيين بل أسهمت في تقويتهم لأنهم يقومون بعمليات تغيير ديموغرافي واسعة وكلما تأخرت عملية تحرير المدن انتشر فكرها المتطرف أكثر بين الناس».

- انتباه عالمي
وبسؤال وزير حقوق الإنسان اليمني، عن جرائم الحوثيين ووصولها إلى العالم، قال الدكتور عسكر: «نعم بدأ العالم يدرك خطورة حركة الحوثي الفاشية ليس على اليمن وعلى الإقليم فحسب، ولكن على الأمن والسلم الدوليين، ومنذ قتلهم لحليفهم صالح وامتناعهم عن تنفيذ استحقاقات السلام بحسب استوكهولم، وما رصدناه في وزارة حقوق الإنسان من انتهاكات جسيمة عرضت بشكل واضح للفعاليات الدولية، كل ذلك أظهر للعالم أنه يتعامل مع طرف لا يحترم التزاماته ولا يضع اعتبارا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان».
ويقاسمه الرأي المحلل العليي الذي قال إن «العالم يعرف جيدا الحوثيين ويدرك خطرهم على المنطقة ويتابع الانتهاكات التي يمارسونها، لكنهم يحرصون على بقاء الجماعة وسيلة ابتزاز»، مضيفا: «تعتقد بعض الدول العظمى بأن بقاء الحوثي في شبه الجزيرة العربية فرصة لا تعوض باعتبارها جماعة متطرفة يمكن استخدامها لابتزاز دول المنطقة، كما أن بقاء جماعة الحوثي في اليمن يعني استمرار الأزمات والحروب التي يسببها الحوثيون في اليمن، وهذا الوضع يمكنهم من السيطرة على باب المندب والتحكم أيضا بقناة السويس... فهل يتركون مثل هذه الفرصة؟ لن يفعلوا... ولهذا سيتم تجاهل هذا الخطر وتجاهل الانتهاكات التي تمارسها الجماعة. والحديث عنها بين الفينة والأخرى من قبل المنظمات باعتبارها أدوات للدول العظمى، هو تفاعل مؤقت مع الضغوط التي تتعرض لها والتي تطالبها بإدانة جرائم الحوثيين».

- إعادة فعلية للأمل
«دعم السعودية الاقتصادي لليمن بدأ منذ منتصف السبعينات، عبر الصندوق السعودي للتنمية، الذي نفذ ما يربو على 76 مشروعا تنمويا ضخما في اليمن»، يقول عبد الله كدسة، إن «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يدرس احتياجات اليمن بالتعاون مع الحكومة اليمنية، بدراسة الجغرافيا السكانية والتنمية البشرية والناتج المحلي ونصيب الفرد من الناتج المحلي، والصادرات والواردات إلى جانب النفقات والمصروفات وغيرها من التفاصيل الاقتصادية، فضلا عن تاريخ سعر الصرف للريال اليمني وقد لاحظنا التطور والتحسن الذي ألم بالعملة بعد الدعم السعودي للبنك المركزي اليمني».
دعمت السعودية البنك المركزي اليمني منذ عام 2011 وحتى اليوم بـ3.2 مليار دولار، «وهذا لعب دورا في تعزيز قدرات البنك وإعطاء الثقة بالدول الأخرى لدعم البنك المركزي اليمني، كما أسهم في تسديد الرواتب وإصدار ضمانات بنكية لاستصدار السلع الغذائية الأساسية». الأثر لهذه المبالغ كبير، يضيف مدير الاتصال ببرنامج الإعمار: «فلو سأل أحدهم لماذا وضعنا هذا المبلغ الضخم في البنك المركزي اليمني، ماذا تستفيدون؟ استفدنا أن أكثر من 800 مليون دولار من المبالغ تكرس للقمح والرز والزيت والسكر وحليب الأطفال وغيرها من المنتجات تذهب لليمن تحت ضمان هذا المبلغ، تخيل لو أن الوديعة لم تكن موجودة، لكانت هناك إشكالية كبيرة في الأمن الغذائي داخل اليمن».
مثال آخر، يستدل به عبد الله كدسة عن الآثار التي بدأت تظهر من مشاريع الإعمار، وهو المشتقات النفطية. «السعودية على مدى الأشهر الثلاثة الماضية أرسلت المشتقات النفطية لليمن. وهي عبارة عن ديزل ومازوت، وتم اختيارها لأن كل مولدات الكهرباء في اليمن تولد إما عن طريق الديزل أو المازوت. البرنامج لم يكتف بإرسال المشتقات وحسب، بل تم وضع حوكمة وإجراءات عمل واضحة مع الأجهزة المعنية في الحكومة اليمنية، لنضمن أين ستذهب هذه المشتقات وكيف سيتم صرفها، وأن كل محطة تأخذ حاجتها بالضبط من دون زيادة أو نقصان».
كانت الكهرباء تعمل من ساعتين إلى أربع، وفي أحسن الأحوال تعمل 6 ساعات في اليوم، «نفذ برنامج الإعمار زيارة شملت 64 محطة توليد كهربائي، رصدنا كم احتياج كل محطة، وعرفنا الاحتياج، وبدأ التنفيذ».
وحرص البرنامج على مسألة الكهرباء لأن نتائجها تنعكس «على المستشفيات التي تتعطل ومراكز الكلى والمدارس، والبيوت التي لا تستطيع حفظ المواد الغذائية. واستفادت من ذلك 10 محافظات يقطنها أكثر من 16 مليون مستفيد تغيرت حياتهم. فلذلك فإن التأثير لم يقتصر على الدعم وحسب، بل أسلوب حياة المستفيدين بالتأكيد تأثر».
يقول مدير الاتصال في البرنامج: «هناك أيضا منفذ الوديعة الذي تم فتحه وتدخل عبره بضائع وتستخدمه منظمات إنسانية مثل برنامج الغذاء العالمي وغيره، وأيضا دعم آخر تمثل في 70 مليون دولار عبر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) لدفع رواتب المعلمين. وبالمناسبة نسبة كبيرة من هذا الدعم ذهب إلى معلمين يعيشون في الأراضي الواقعة تحت احتلال الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران».
ويشدد كدسة على أن السعودية لم تميز في المساعدات، «وإلى اليوم تدفع المملكة 10 ملايين دولار لصالح مستشفى في صعدة وآخر في حجة سواء رواتب الأطباء أو الأدوية وهذه الأمور تتم ونحن لا نستطيع الدخول إلى هناك لأنها تقع في مناطق سيطرة الحوثيين، ولكن يتم تحويل المبالغ ويتم التأكد من صحة صرفها، حتى الحوثي عندما يرى شاحنة الأدوية السعودية لا يتعرض لها بأي شيء لأنه يعرف أن هذا المستشفى لو تم إغلاقه فسينقلب عليه أهالي صعدة أو حجة وغيرهم. ولا نستطيع إغلاق هذه المستشفيات لأن المعالَجين أهالي صعدة وحجة، وهم تحت احتلال والمملكة تعتبر هذه مسؤوليتها ولم توقف الدعم عن هذين المستشفيين، ومستشفى صعدة في العام الماضي عالج 800 ألف حالة، كثير منهم مواليد، وعمليات جراحية وغيرها، وهو مستشفى السلام».
وتدعم السعودية اليمن عن طريقين، الأول دعم المنظمات الأممية لدعم اليمنيين الواقعين تحت سيطرة الحوثيين. والدعم الآخر مباشر عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.
«لدينا هدف أساسي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية. هناك 120 طبيبا يتدربون في مستشفى الحرس الوطني السعودي، وأكثر من 60 دبلوماسيا يتدربون في معهد الأمير سعود الفيصل الدبلوماسي، والبرنامج يعمل بشكل استراتيجي عميق على تطوير البنية التحتية والقدرات الحكومية، وإضعاف تأثير الجماعات الإرهابية، وحض المانحين الدوليين على المساهمة في تنمية اليمن، إما فرديا أو عبر الشراكة، وتشجيعهم على تحسين الخدمات وخلق فرص العمل ودعم السلام وتعزيز الأمل في نفوس اليمنيين».
وتعمل برامج الإعمار السعودي لليمن في 7 قطاعات رئيسية: «الطرق والموانئ والمطارات، والمياه والسدود، والتعليم، والصحة، والكهرباء والطاقة، والزراعة والثروة السمكية، والمباني السكنية والحكومية».


مقالات ذات صلة

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حصاد الأسبوع داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني

رائد جبر ( موسكو)
حصاد الأسبوع يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع شابيرو (أ.ب)

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من كاليفورنيا... كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (آب)

«الصوت اللاتيني» يفرض نفسه في حسابات الانتخابات الأميركية

ثمّة لغز يدور منذ عقود حول «الصوت اللاتيني (الهسبانيكي)» في السياسة الأميركية. هذا اللغز يعجز الجميع عن تعريفه بدقة، لكن الكل يسلّم بعمق تأثيره وأهميته في

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع صورة من الحدود الأميركية - المكسيكية (أ.ب)

«الجار الجنوبي» المكسيكي عامل مؤثر... سواء بوجود «الجدار» أو غيابه

لا تكتمل صورة الصوت اللاتيني في الانتخابات الأميركية من دون «الجار الجنوبي»؛ أي المكسيك؛ إذ يُستدل من بعض الدراسات أن الأميركيين اللاتينيين الشبان


«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».