أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

محللون يمنيون: مشكلة بلادنا مع الحوثيين ممتدة منذ 2004

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي
TT

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

أفق الأزمة اليمنية ومتطلبات الحل السياسي

«هل تعلم أن السعودية تدفع جميع مصاريف مستشفى السلام في صعدة من أدوية ورواتب ورسوم تشغيل كامل؟ ليس غريبا... ولكن هل تعلم أن المستشفى يقع في منطقة تحت سيطرة الحوثيين؟ وهل تعلم أن نحو 800 ألف حالة تم علاجها ولا يمكن للمملكة أن تحرم أولئك القابعين تحت احتلال وسيطرة الحوثيين من العلاج؟». «حسنا، هل تعلم أن الحوثيين لا يستطيعون التعرض لشاحنات سعودية تحمل مستلزمات طبية ذاهبة إلى ذلك المستشفى لأنهم يعلمون تماما أن أي عطب في خدمات المستشفى سيجعل المواطنين يثورون ضدهم؟».
كان ذلك جزءا من تصريحات أدلى بها عبد الله كدسة مدير الإعلام والاتصال الاستراتيجي بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، في سياق قراءة «الشرق الأوسط» لأفق الأزمة اليمنية ومتطلباتها، إذ استمزجت مسؤولين يمنيين وأمميين ومحللين للحديث عن تداعيات الأزمة وما قبلها وما بعدها، وأبرز متطلبات نجاح الحل السياسي لها، فضلا عن الجهود الإنسانية التي دأبت على تنفيذ دول تحالف دعم الشرعية في اليمن.
ماذا لو تأخر التحالف عن التدخل في اليمن؟ وماذا يحتاج الحل السياسي لكي ينجح؟ وهل عرف العالم حقيقة ما يحصل في البلد الذي بدأت أزمته بانقلاب في عام 2014، وبدأت عملية استعادة الشرعية فيه منذ مارس (آذار) 2015، لتعود جل الأراضي إلى سلطة الحكومة اليمنية؟

بداية يقول تيم ليندركينغ في حديث خاص مع «الشرق الأوسط» سينشر لاحقا، إن هناك إرادة سياسية قوية سواء على المستوى الإدارة الأميركية وقوى المجتمع الدولي وقوى إقليمية ودولية مثل السعودية والإمارات والمملكة المتحدة لدعم الحل السياسي في اليمن، وإن عدنا إلى عام 2016 فإن المشاورات في الكويت كانت جديدة لكنها للأسف لم تنجح. استوكهولم كانت الفرصة التالية لجمع الطرفين، الحكومة اليمنية والحوثيين معا، وكانت هناك روح إيجابية حاضرة في السويد. وكنت هناك مع السفير ممثلا للولايات المتحدة ومجموعة الخمس - الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن - فإن كل طرف لعب دورا إيجابيا للمضي قدما في الحل السياسي، ولذلك كانت النتائج إيجابية. لكن منذ ذلك الحين، كانت هناك بعض الصعوبات في تفعيل ما تم الاتفاق عليه وبصراحة كان هناك تقصير من الطرفين. لكن السؤال النهائي يتعلق بمدى التزام الحوثيين بالعملية السياسية وإن كان لديهم الإرادة السياسية لدعم هذه العملية للوصول إلى نتيجة منطقية، وليس فقط لوقف إطلاق النار فقط بل عودة الحكومة ومؤسساتها والقدرة على معالجة الكوارث الإنسانية في البلد.
ورغم التحديات التي تواجه الحكومة في مناطقها، فإنها في أسوأ الأحوال تعيش مناخا أمنيا واقتصاديا وتنمويا متقدما عن تلك المناطق التي ما زالت تحت سيطرة الميليشيات.
وهرع التحالف الذي ضم ما يربو على 10 دول، إلى إنقاذ البلاد من التسلط الإيراني الذي ضرب مثالا نموذجيا في التخريب بسوريا والعراق، وأمثلة أخرى في بسط هيمنة الزعزعة في دول أخرى مثل لبنان.
سيطر الحوثيون الذين بدأت حروبهم على اليمن وشعبه منذ عام 2004 على مفاصل الدولة عبر اتفاق «غريب» مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ومكنهم الحلف الذي يستطيع مضغه كلا الطرفين من العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014.
لم يفق صالح من «غيبوبة» الانكفاء تحت لواء الحوثيين، حتى حاربوه، وضيقوا الخناق على حزبه «المؤتمر الشعبي العام»، وانتهى الأمر باغتياله، ولا بأس من خسارة مئات المقاتلين بالنسبة لميليشيات لم تقم وزنا للإنسان بل تفرض على الكل خدمة «السيد» القابع في مكان مجهول.
وبدأت العمليات العسكرية والإنسانية بالوقت نفسه. حرر التحالف عدن وجل مناطق الجنوب، ليس من الحوثيين وحسب، بل طرد حتى الجماعات التي استغلت غياب الدولة بانقلاب الحوثيين وأخذت تتمدد في محافظات كحضرموت وأبين والضالع وشبوة، صحيح أنها لم تتمكن منها بوصفها محافظات لكنها أوجدت لنفسها مكانا في كل منها، لتقضي قوات التحالف التي ساندت القوات اليمنية الأمنية المحلية في طردهم منها.
وبالاتجاه شمالا، حرر التحالف مدينة مأرب، وأجزاء محيطة بمركز المحافظة النفطية المهمة، ومن ثم اتجهت العمليات لتحرير المخا والساحل الغربي ووصلت القوات إلى أسوار ميناء الحديدة.
وبالتوازي مع العمل العسكري، دأبت قوات التحالف مع الحكومة اليمنية على إعطاء المساحة الإنسانية حقها، وإغاثة المنكوبين اليمنيين من بطش الميليشيات، وتم دفع ما يربو على 13.8 مليار دولار فقط من السعودية وحدها، فضلا عن مبالغ كبيرة أخرى قدمتها دول الإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة والكويت.
سياسيا، أجمع محللون على أن الحوثيين كانوا أبرز معرقل للسلام. كانت مشاورات المائة يوم في الكويت خير برهان على ذلك، فالحكومية اليمنية قدمت تنازلات واسعة حرصا منها على إحلال السلام، لكن إيران لم تعط الضوء الأخضر للعملية بأن تنتهي بتلك الشاكلة. وفسر السفير الأميركي ماثيو تولر في حوار سابق مع «الشرق الأوسط» بأن الطرفين توقعا أنهما يستطيعان الخروج بمكاسب أكبر على الأرض.
وفي استوكهولم، وبعد توقف الحوار عامين ونصف العام بين الفريقين، برزت بادرة أمل لحل الأزمة، ورغم أن الحوثيين صدموا المجتمع الدولي بمسرحية تسليم الميناء من الحوثيين إلى أنفسهم بشكل رفضته الأمم المتحدة، فإن المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن يرى أن الأطراف ما زالت لديها الرغبة في الانخراط بشكل إيجابي لتنفيذ الاتفاق الذي عقد في السويد وسمي «اتفاقية استوكهولم» وذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2018.

- ما قبل «العاصفة»
«حروب ميليشيات الحوثي الإرهابية على الشعب اليمني بدأت منذ عام 2004، ووصلت الحروب التوسعية منذ ذلك التاريخ حتى وصلوا إلى صنعاء في سبتمبر 2014». يعيد السفير اليمني السابق لدى سوريا عبد الوهاب طواف الذاكرة إلى أولى الحروب الحوثية في سياق حديثه عن مرحلة بداية الانقلاب والأشهر التي سبقت أولى عمليات التحالف. ويعلق في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» قائلا: «تمت دعوة الأطراف اليمنية إلى الرياض والحوثيون رفضوا ذلك، وحاولوا تنظيم مناورة عسكرية على الحدود السعودية وهددوا بأنهم سيأتون للحج ببنادقهم، وبالتالي واصلوا انتهاكاتهم ضد الشعب اليمني، وحبسوا رئيس الجمهورية وحبسوا الحكومة وحلوا الدستور ومجلس النواب، وهذا كله قبل عاصفة الحزم، لم نصل إلى 25 مارس (آذار) 2015 إلا وقد ارتكبت ميليشيات الحوثي الإرهابية من الممارسات والعبث بالشعب اليمني ما لم يفعله تنظيم (داعش) الإرهابي في العراق أو سوريا. كان الخيار الأقرب والأوحد لإنقاذ ما تبقى من مكتسبات الشعب اليمني هو الاتجاه للسعودية، وبالفعل جاء طلب رسمي من رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي لإنقاذ الشعب اليمني، وبالتالي تدخلت السعودية بقرار حازم وحاسم وجريء لإنقاذ ما تبقى من اليمن».
«هذا القرار أوقف التغول الإيراني في اليمن بعدما كان مسؤولو النظام الإيراني يحتفلون ويفرحون بوجود رابع عاصمة عربية تحت سيطرتهم»، يضيف السفير: «اليوم اليمن يعاني من حرب مدمرة وجوع ودماء، ولكن لو لم يتدخل التحالف في ذلك الحين، لكان الوضع أسوأ مما هو عليه اليوم».
مانع المطري المحلل السياسي اليمني يقول في اتصال مع «الشرق الأوسط»: «هناك كثير من المحطات التي مر بها الملف اليمني منذ الانقلاب الحوثي وجزء من هذه المحطات مرتبط بما قبل الانقلاب وبالفترة التي ارتبطت بتشكيل الميليشيا الحوثية وتدريبها وبداية الإرساليات الإيرانية التدريبية لعناصر الحركة مرورا بمرحلة الحروب الست التي سبقت 2011، ومن المحطات التي تلت الانقلاب والتغيرات المرتبطة بها تفرد الحوثي بالانقلاب وتحمله مسؤولية الحرب بعد قضائه على حليفه وشريكة في الانقلاب المتمثل في الرئيس السابق علي عبد الله صالح، حيث انتصرت الميليشيا الحوثية عليه عسكرياً لكنها بالمقابل خسرت الغطاء السياسي الذي كان يوفره لها هذا التحالف».
«عند إعلان الانقلاب واجتياح الميليشيا للمدن اليمنية بعد سيطرتها على صنعاء ورغم الرفض الشعبي الذي عبر عنه الشعب من خلال المظاهرات التي قمعتها الميليشيا بوحشية»، يقول المطري: «لكن وجود الحكومة الشرعية كان وجودا قانونيا حينها وليس وجودا فعليا بحكم أن السيطرة على الأرض كانت للميليشيا بعد انهيار المنظومة العسكرية وانجرار جزء كبير منها لموالاة الحوثيين والقتال إلى جانبهم، فحدث المتغير الجوهري بإعلان عاصفة الحزم دفاعا عن خيارات الشعب اليمني ودفاعا عن مؤسساته الشرعية ودفاعاً عن الأمن القومي العربي ضد التدخلات الإيرانية الرامية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة والتأثير على الممرات البحرية التي تطل عليها اليمن، لتصبح المنطقة العربية خاضعه بشكل حيوي للنفوذ الإيراني، إلا أن عاصفة الحزم بددت كل ذلك وأوقفت المطامع الإيرانية التي كانت تعتقد أن الأمر قد حسم في اليمن لصالحها وتحولت الحكومة خلال الفترة من وجود قانوني ودستوري واعتراف دولي إلى وجود فعلي على الأرض بعد السيطرة على 80 في المائة من الأرض أعاد ترتيب صفوف القوة العسكرية».
ويعود السفير طواف إلى القول إن «الحرب جاءت نتيجة لممارسات الحوثي وعبثه بالشعب اليمني ومكتسباته. والدليل على أن الحرب عادلة لاستعادة اليمن، فإنني أستطيع القول إن كل القوى السياسية اليمنية تدعم الحكومة والتحالف، ولا يوجد فصيل أو حزب سياسي إلا وهو ضد هذه الميليشيات».
«ولكن إذا كانوا جميعا ضد الحوثيين فمن الذي يدعمهم ويمدهم بالمقاتلين إذن؟»، سألت «الشرق الأوسط» السفير طواف فأجاب: «الحوثي استولى على إمكانيات الجمهورية اليمنية العسكرية، وهي ليست بالقليلة. واستخدمت الميليشيات أدوات التجويع والإكراه في تطويع كثير من المقاتلين والبسطاء، وجعلت النافذة الوحيدة للرزق والإنقاذ من الموت جوعا هو الذهاب إلى المعسكرات، وبالتالي استطاعت تجييش الكثير».

- جهود غريفيث
تعتقد حنان البدوي مديرة الاتصال والإعلام في مكتب المبعوث الخاص للأمين للأمم المتحدة إلى اليمن، أن هناك قناعة بين الأطراف اليمنية بأنه لا حل يمكن الوصول إليه في ساحة الحرب.
وتقول البدوي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»: «نستطيع القول، إنه قبيل مشاورات السويد أصبح هناك توافق دولي غير مسبوق على ضرورة التوصل لحل سلمي للنزاع في اليمن. إذن، هناك إرادة سياسية من الأطراف اليمنية ودعم دولي غير مسبوق وتوافق نادر في مجلس الأمن حول ضرورة إنهاء النزاع في اليمن بشكل سلمي، لكن في الوقت نفسه، هناك حالة من التشكك، أو غياب الثقة بين الطرفين اليمنيين، وهذا مفهوم، والحل بالنسبة لموقف مثل ذلك هو استمرار العمل، ولا خيار سوى استمرار العمل».
وعند سؤالها عن طول الفترة التي مضت على مشاورات السويد أجابت البدوي بالقول: «صحيح أن ثلاثة أشهر قد مضت على اتفاق السويد، لكن لنتذكر أيضا أننا خرجنا للتو من سنتين ونصف خاوية من أي نوع من التشاور بين الطرفين. مفهوم أننا نحتاج للعمل لبناء الثقة، وينبغي أن يكون لدى الطرفين ثقة بأن ضمان النجاح هو البدء الفوري في تنفيذ الاتفاق وهذا ما نعمل عليه في الوقت الحالي. يجب أن نتذكر أيضا أننا لدينا للمرة الأولى منذ بدء الحرب آلية مشتركة هي لجنة تنسيق إعادة الانتشار التي يعمل الطرفان معا من خلالها وبرئاسة الأمم المتحدة لتنفيذ الاتفاق. ما نأمله هو أن تدرك الأطراف أن البديل عن الاتفاق سيكون كارثيا، ولا طاقة للمواطنين اليمنيين به. ونثق في أن الأطراف لديها من الإرادة السياسية ومن الحكمة ما سيمكننا من تجاوز الصعوبات».
وحرصت على التأكيد على مسألة توفر الإرادة السياسية والالتزام بمسألة الحديدة، إذ قالت: «نأمل بتنفيذ إعادة الانتشار فورا، وأن يفتح ذلك بابا جديدا للتقدم نحو الحل الشامل للنزاع في اليمن».
وذكّرت البدوي بأن المبعوث ومكتبه «على تواصل دائم مع مختلف مكونات الشعب اليمني، وكما يقول مارتن دائما، إنهاء الحرب ليس هو نفسه بناء السلام، وبناء السلام لا يتم فقط بواسطة من بيدهم إنهاء الحرب، بناء السلام أكثر صعوبة من إنهاء الحرب، ويحتاج إلى جهود جميع أبناء اليمن... وهذه عملية يجب أن تستمر وهي مستمرة، حتى على المستوى المحلي داخل اليمن، هناك جهود يشارك فيها أبناء الشعب اليمني بطرق مختلفة». وزادت: «مارتن يحث دائما على زيادة نسبة تمثيل المرأة في المشاورات المقبلة، ومخرجات الحوار الوطني اليمني تنص على تمثيل المرأة بنسبة 30 في المائة والمبعوث يحث الطرفين دائما على الالتزام بذلك».
وعرجت مديرة الاتصال بمكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن على مسائل اقتصادية، واعتبرت مشكلة دفع الرواتب تشهد بعض التقدم: «وهذا موضوع مهم لتحسين الحياة لليمنيين، ومكتب المبعوث الخاص مستمر في التعامل مع الملف الاقتصادي، ورأينا تقدما فيما يخص موضوع دفع الرواتب طبقا لتوجيهات الرئيس عبد ربه منصور هادي، وهو تقدم مهم. ونسعى لحل أكثر شمولا في الملف الاقتصادي بما يضمن استقرار الاقتصاد اليمني ويسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية للشعب اليمني».

- كيف سينجح الحل؟
يجيب الدكتور محمد عسكر وزير حقوق الإنسان اليمني على السؤال بالقول: «ممارسة ضغوط قوية من مجلس الأمن على الميليشيات وحليفتها إيران لقبول السلام والتعاطي الإيجابي مع الجهود الأممية لمارتن غريفيث».
ويرى مانع المطري «أن هناك عوامل متعلقة بالحكومة الشرعية والقوى المؤيدة لها وعوامل أخرى مرتبطة بالمجتمع الدولي وبالميليشيات».
فيما يتعلق بالجانب الحكومي «أعتقد أننا بعد أربع سنوات من الحرب ضد الانقلاب بحاجة لوقفة تقييم للأداء وتلافي جوانب القصور ووضع تصورات لاكتمال أداء المؤسسات الدستورية وضرورة تحقيق فاعليتها، فاكتمال عمل المؤسسات الدستورية من العاصمة المؤقتة عدن أمر في غاية الأهمية يعطي ثقة للمواطن في الحكومة ويعطي أيضا انطباعا إيجابيا لدى المجتمع الدولي بهذه المؤسسات كشريك في حفظ الاستقرار وأيضا ضرورة اجتماع القوى السياسية اليمنية على برنامج عمل مشترك يركز على قضايا استعادة الدولة وترشيد الأداء الحكومي ومواجهة الانقلاب والترفع عن المناكفات والتسابق على اغتنام الدولة التي ما زال جزء كبير من مؤسساتها مغتصبا لدى الميليشيا، وأيضا استيعاب المتغيرات في خريطة القوى السياسية الرافضة للانقلاب والتي أفرزتها الحرب، وتعزيز الشراكة مع التحالف العربي نحو تحقيق الأهداف والمصالح المشتركة في ظل المعركة الواحدة».
أما بالنسبة للمجتمع الدولي - والحديث للمطري - فمن الخطأ أن يستمر تعامل بعض القوى الدولية مع اليمن من زاوية أنها أزمة إنسانية بعكس ما تؤكده القرارات الدولية التي تصنف الحالة الانقلابية باليمن أنها تهديد للأمن والسلم العالميين والإقليميين، ويجب بذل جهد حقيقي في مساعدة اليمنيين من أجل إنهاء الحالة الانقلابية التي تعمل على توليد واستمرار الأزمة الإنسانية التي ما كانت لتحصل لولاء اغتصاب مؤسسات الدولة من قبل الميليشيا وتعطيل عملها والعبث بهياكل المؤسسات بما يمكن المعادلة الإيرانية من النفاذ للداخل اليماني، والمعادلة تقوم على أساس استبدال الجماعة الطائفية بمؤسسات الدولة والميليشيا بالجيوش، وهي معادلة مدمرة لفكرة الدولة الوطنية.
بالنسبة لجماعة الحوثي يقول المطري إن «الأحداث تثبت يوما بعد آخر بأنها ليست مؤهلة لأن تكون شريكا حقيقيا قادرا على اتخاذ قرارات حقيقية تصنع السلام الدائم في اليمن الذي يعيد لها الاستقرار؛ لأن فكرة التنشئة والتكوين تقوم على قاعدة تعطيل الدولة وإبقائها في حالة الشلل لتبقى بؤرة لزعزعة الاستقرار بما يخدم المشاريع الإيرانية التوسعية».
المحلل السياسي اليمني همدان العليي لديه رأي أكثر تشاؤما فيما يتعلق بالحل، إذ يقول: «في الحقيقة إن الأمم المتحدة وبقية الدول المهتمة باليمن لا تملك أدوات ضغط واضحة يمكن أن تمارسها على الجماعات المسلحة مثل ميليشيا الحوثي لتجبرها على قبول الحل السياسي إلا استخدام القوة. فأدوات الضغط الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي تُستخدم لتطويع الحكومات الشرعية عادة، ليست فعالة مع ميليشيات مسلحة لا تعترف بالقيم الأممية أصلا، فجماعة الحوثي عبارة عن ميليشيا متمردة، ولا يمكن الضغط على مثل هذه الميليشيات إلا بالعمل العسكري الذي يقضي عليها أو يجبرها على الاستسلام لتترك السلاح وتشارك في العملية السياسية المشروعة وهذا ما لا تريده الأمم المتحدة. الأمم المتحدة أجبرت الحكومة الشرعية على إيقاف تحرير مدينة الحديدة بهدف تحقيق السلام، لكن كيف يمكن تحقيق سلام مع جماعة لا تجد نفسها إلا بالحرب؟ بهذا الشكل الأمم المتحدة عطلت جهود الحكومة الشرعية والتحالف التي تهدف إلى استعادة الدولة، لكنها لم تستطع إيقاف انتهاكات وجرائم الحوثيين بل أسهمت في تقويتهم لأنهم يقومون بعمليات تغيير ديموغرافي واسعة وكلما تأخرت عملية تحرير المدن انتشر فكرها المتطرف أكثر بين الناس».

- انتباه عالمي
وبسؤال وزير حقوق الإنسان اليمني، عن جرائم الحوثيين ووصولها إلى العالم، قال الدكتور عسكر: «نعم بدأ العالم يدرك خطورة حركة الحوثي الفاشية ليس على اليمن وعلى الإقليم فحسب، ولكن على الأمن والسلم الدوليين، ومنذ قتلهم لحليفهم صالح وامتناعهم عن تنفيذ استحقاقات السلام بحسب استوكهولم، وما رصدناه في وزارة حقوق الإنسان من انتهاكات جسيمة عرضت بشكل واضح للفعاليات الدولية، كل ذلك أظهر للعالم أنه يتعامل مع طرف لا يحترم التزاماته ولا يضع اعتبارا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان».
ويقاسمه الرأي المحلل العليي الذي قال إن «العالم يعرف جيدا الحوثيين ويدرك خطرهم على المنطقة ويتابع الانتهاكات التي يمارسونها، لكنهم يحرصون على بقاء الجماعة وسيلة ابتزاز»، مضيفا: «تعتقد بعض الدول العظمى بأن بقاء الحوثي في شبه الجزيرة العربية فرصة لا تعوض باعتبارها جماعة متطرفة يمكن استخدامها لابتزاز دول المنطقة، كما أن بقاء جماعة الحوثي في اليمن يعني استمرار الأزمات والحروب التي يسببها الحوثيون في اليمن، وهذا الوضع يمكنهم من السيطرة على باب المندب والتحكم أيضا بقناة السويس... فهل يتركون مثل هذه الفرصة؟ لن يفعلوا... ولهذا سيتم تجاهل هذا الخطر وتجاهل الانتهاكات التي تمارسها الجماعة. والحديث عنها بين الفينة والأخرى من قبل المنظمات باعتبارها أدوات للدول العظمى، هو تفاعل مؤقت مع الضغوط التي تتعرض لها والتي تطالبها بإدانة جرائم الحوثيين».

- إعادة فعلية للأمل
«دعم السعودية الاقتصادي لليمن بدأ منذ منتصف السبعينات، عبر الصندوق السعودي للتنمية، الذي نفذ ما يربو على 76 مشروعا تنمويا ضخما في اليمن»، يقول عبد الله كدسة، إن «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يدرس احتياجات اليمن بالتعاون مع الحكومة اليمنية، بدراسة الجغرافيا السكانية والتنمية البشرية والناتج المحلي ونصيب الفرد من الناتج المحلي، والصادرات والواردات إلى جانب النفقات والمصروفات وغيرها من التفاصيل الاقتصادية، فضلا عن تاريخ سعر الصرف للريال اليمني وقد لاحظنا التطور والتحسن الذي ألم بالعملة بعد الدعم السعودي للبنك المركزي اليمني».
دعمت السعودية البنك المركزي اليمني منذ عام 2011 وحتى اليوم بـ3.2 مليار دولار، «وهذا لعب دورا في تعزيز قدرات البنك وإعطاء الثقة بالدول الأخرى لدعم البنك المركزي اليمني، كما أسهم في تسديد الرواتب وإصدار ضمانات بنكية لاستصدار السلع الغذائية الأساسية». الأثر لهذه المبالغ كبير، يضيف مدير الاتصال ببرنامج الإعمار: «فلو سأل أحدهم لماذا وضعنا هذا المبلغ الضخم في البنك المركزي اليمني، ماذا تستفيدون؟ استفدنا أن أكثر من 800 مليون دولار من المبالغ تكرس للقمح والرز والزيت والسكر وحليب الأطفال وغيرها من المنتجات تذهب لليمن تحت ضمان هذا المبلغ، تخيل لو أن الوديعة لم تكن موجودة، لكانت هناك إشكالية كبيرة في الأمن الغذائي داخل اليمن».
مثال آخر، يستدل به عبد الله كدسة عن الآثار التي بدأت تظهر من مشاريع الإعمار، وهو المشتقات النفطية. «السعودية على مدى الأشهر الثلاثة الماضية أرسلت المشتقات النفطية لليمن. وهي عبارة عن ديزل ومازوت، وتم اختيارها لأن كل مولدات الكهرباء في اليمن تولد إما عن طريق الديزل أو المازوت. البرنامج لم يكتف بإرسال المشتقات وحسب، بل تم وضع حوكمة وإجراءات عمل واضحة مع الأجهزة المعنية في الحكومة اليمنية، لنضمن أين ستذهب هذه المشتقات وكيف سيتم صرفها، وأن كل محطة تأخذ حاجتها بالضبط من دون زيادة أو نقصان».
كانت الكهرباء تعمل من ساعتين إلى أربع، وفي أحسن الأحوال تعمل 6 ساعات في اليوم، «نفذ برنامج الإعمار زيارة شملت 64 محطة توليد كهربائي، رصدنا كم احتياج كل محطة، وعرفنا الاحتياج، وبدأ التنفيذ».
وحرص البرنامج على مسألة الكهرباء لأن نتائجها تنعكس «على المستشفيات التي تتعطل ومراكز الكلى والمدارس، والبيوت التي لا تستطيع حفظ المواد الغذائية. واستفادت من ذلك 10 محافظات يقطنها أكثر من 16 مليون مستفيد تغيرت حياتهم. فلذلك فإن التأثير لم يقتصر على الدعم وحسب، بل أسلوب حياة المستفيدين بالتأكيد تأثر».
يقول مدير الاتصال في البرنامج: «هناك أيضا منفذ الوديعة الذي تم فتحه وتدخل عبره بضائع وتستخدمه منظمات إنسانية مثل برنامج الغذاء العالمي وغيره، وأيضا دعم آخر تمثل في 70 مليون دولار عبر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) لدفع رواتب المعلمين. وبالمناسبة نسبة كبيرة من هذا الدعم ذهب إلى معلمين يعيشون في الأراضي الواقعة تحت احتلال الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران».
ويشدد كدسة على أن السعودية لم تميز في المساعدات، «وإلى اليوم تدفع المملكة 10 ملايين دولار لصالح مستشفى في صعدة وآخر في حجة سواء رواتب الأطباء أو الأدوية وهذه الأمور تتم ونحن لا نستطيع الدخول إلى هناك لأنها تقع في مناطق سيطرة الحوثيين، ولكن يتم تحويل المبالغ ويتم التأكد من صحة صرفها، حتى الحوثي عندما يرى شاحنة الأدوية السعودية لا يتعرض لها بأي شيء لأنه يعرف أن هذا المستشفى لو تم إغلاقه فسينقلب عليه أهالي صعدة أو حجة وغيرهم. ولا نستطيع إغلاق هذه المستشفيات لأن المعالَجين أهالي صعدة وحجة، وهم تحت احتلال والمملكة تعتبر هذه مسؤوليتها ولم توقف الدعم عن هذين المستشفيين، ومستشفى صعدة في العام الماضي عالج 800 ألف حالة، كثير منهم مواليد، وعمليات جراحية وغيرها، وهو مستشفى السلام».
وتدعم السعودية اليمن عن طريقين، الأول دعم المنظمات الأممية لدعم اليمنيين الواقعين تحت سيطرة الحوثيين. والدعم الآخر مباشر عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.
«لدينا هدف أساسي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية. هناك 120 طبيبا يتدربون في مستشفى الحرس الوطني السعودي، وأكثر من 60 دبلوماسيا يتدربون في معهد الأمير سعود الفيصل الدبلوماسي، والبرنامج يعمل بشكل استراتيجي عميق على تطوير البنية التحتية والقدرات الحكومية، وإضعاف تأثير الجماعات الإرهابية، وحض المانحين الدوليين على المساهمة في تنمية اليمن، إما فرديا أو عبر الشراكة، وتشجيعهم على تحسين الخدمات وخلق فرص العمل ودعم السلام وتعزيز الأمل في نفوس اليمنيين».
وتعمل برامج الإعمار السعودي لليمن في 7 قطاعات رئيسية: «الطرق والموانئ والمطارات، والمياه والسدود، والتعليم، والصحة، والكهرباء والطاقة، والزراعة والثروة السمكية، والمباني السكنية والحكومية».


مقالات ذات صلة

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

حصاد الأسبوع مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً»

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي،

«الشرق الأوسط» (بغداد)
حصاد الأسبوع ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها،

إيلي يوسف ( واشنطن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».