لبنان في عين المتغيرات الأميركية

رسائل حاسمة بضرورة إبعاد «حزب الله» عن المؤسسات اللبنانية

لبنان في عين المتغيرات الأميركية
TT

لبنان في عين المتغيرات الأميركية

لبنان في عين المتغيرات الأميركية

تتخطى نتائج زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بيروت التعهد الأميركي بالاستجابة لمطالب لبنان بالمساعدة في حل ملفات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، واللاجئين السوريين، والالتزام بالاستمرار في تقديم المساعدات التي بلغت في العام الماضي 800 مليون دولار.
فقد تصدرت الأولويات الأميركية مباحثات الزيارة، لجهة التحذيرات من مغبة التماهي مع «حزب الله»، وضرورة فصل المسار السياسي والاقتصادي الرسمي اللبناني عن المسار المتعلق بالحزب.
اعتمد وزير الخارجية الأميركي لهجة عنيفة للتعبير عن مطالب الأميركيين خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره اللبناني جبران باسيل، رغم التزام الوزير الأميركي باستقرار لبنان ومواصلة تقديم المساعدات له. في المقابل، بدت الأولويات اللبنانية في مكان آخر، وجرى المرور عليها «مرور الكرام» لجهة تعهد واشنطن بالمساعدة. كانت اللهجة الأميركية حاسمة تجاه ضرورة تحييد لبنان عن المسار الإيراني، وهو ما استدعى قلقاً من «حجم الجدية الأميركية في الملف المرتبط بحزب الله». رسمت اللهجة الأميركية الحاسمة شكلاً جديداً للمواجهة مع إيران، تقوم على استراتيجية «الحرب الناعمة» التي ترتبط بتوسعة مروحة العقوبات الاقتصادية، والدفع بضغوطات اقتصادية مكثفة لتقويض النفوذ الإيراني، والاستمرار في العقوبات «التي أثبتت نجاعتها»، وهو ما توقف عنده بومبيو في إشارته إلى آثار العقوبات على البنية المالية لـ«حزب الله».

تلقى اللبنانيون رسالة أميركية واضحة تفيد بأن سياسة احتواء الحزب، عبر القول بأنه ممثل في الحكومة والبرلمان وجزء من النسيج اللبناني، تبدلت بعد وصول الإدارة الأميركية الجديدة إلى السلطة، والتي أثبتت قطيعة مع موروث إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لجهة الانفتاح على إيران، وهي مختبر «الجدية» الأميركية، ومبعث القلق اللبناني من احتمالات انعكاس هذه المقاربة على الوضع الاقتصادي اللبناني الداخلي.
خلال زيارته إلى بيروت، شن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أعنف هجوم على «حزب الله»، معتبراً أنه «يسرق موارد الدولة اللبنانية التي هي ملك الشعب»، داعياً اللبنانيين للوقوف في وجه الحزب، مشيراً إلى أن «الاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال يضعان حزب الله تحت مجهر المجتمع الدولي»، متعهداً بأن واشنطن ستواصل استخدام كل الوسائل للضغط على إيران و«حزب الله».
وسعى الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري ووزير الخارجية باسيل إلى تخفيف تداعيات الموقف الأميركي من «حزب الله»، حيث أشار عون إلى أن «الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي هو من الأولويات التي يحرص اللبنانيون على العمل بها»، مشيرا إلى أن «حزب الله هو حزب لبناني ممثل في مجلس النواب وفي الحكومة ومنبثق عن قاعدة شعبية تعيش على أرضها وفي قراها، تمثل إحدى الطوائف الرئيسية في البلاد».
موقف عون، انسجم مع موقف بري الذي أكد أن «حزب الله» هو «حزب لبناني وموجود في البرلمان، والحكومة ومقاومته واللبنانيين ناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي اللبنانية». كما يلتقي الموقفان مع موقف باسيل الذي أكد أن «حزب الله» «حزب لبناني غير إرهابي ونوابه منتخبون من قبل الشعب وبتأييد شعبي كبير، وتصنيفه إرهابياً، لا يعني لبنان. نحن نتمسك بوحدتنا الوطنية وأن هذا الأمر يحافظ على علاقاتنا الجيدة مع أميركا».
وتوقف اللبنانيون عند مفردات بومبيو التي استخدمها في المؤتمر الصحافي المشترك مع باسيل، وهو التصريح الرسمي الوحيد له خلال الجولة، معتبرين أن ما قاله ليس من مفردات القاموس الدبلوماسي، إذ تضمنت بعض الجمل تهديدا مبطناً وإحراجا للبنان الرسمي برسالة واضحة: إما أن تكونوا معنا ويكون موقفكم كما موقفنا من «حزب الله» أو أنتم مع الحزب ولا تريدوننا.
ولعل إتيانه على ذكر تجربتي فنزويلا وإيران، بحسب ما تقول مصادر سياسية مواكبة لـ«الشرق الأوسط»، «حملت دلالة بالغة بأن العقوبات جدية، ويمكن أن ترخي بتداعياتها على لبنان في حال لم يمتثل لجهود تقويض إيران وتحييد حزب الله عن المؤسسات اللبنانية».

- الاعتراف بالجولان وانعكاسه على لبنان
تزامنت زيارة بومبيو مع الاعتراف الأميركي بضم الجولان إلى إسرائيل، وهو ما رسم أسئلة حول ما إذا كانت هناك انعكاسات لهذا التطور على الوضع اللبناني، ورسائل بومبيو للبنانيين بضرورة تحييد أنفسهم عن أي مواجهة أميركية – إيرانية، أو سورية إسرائيلية محتملة على خلفية الاعتراف بمسألة الجولان.
لكن سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة، يستبعد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» المواجهة العسكرية، وارتباط التصعيد الأميركي بوجه إيران بهذا التطور حول هضبة الجولان. يقول طبارة: «لا أعتقد أن هناك علاقة بين التطورين، بالنظر إلى أن تغريدة ترمب حول الجولان فاجأت أشخاصاً كثرا في الإدارة الأميركية، ولا أعتقد أنها ستكون مرتبطة مباشرة بذرائع اهتزاز الأمن الإقليمي»، موضحاً أنه «لا مواجهات مباشرة الآن، فليست من مصلحة أميركا ولا إيران، ذلك أن واشنطن تحاول أن تخفف من عملها العسكري بالمنطقة وليس زيادته، وهي تمضي بالعقوبات الاقتصادية التي أثبتت نجاحها حتى الآن، أما الإيرانيون فلا يستطيعون دفع ثمن حرب ستكون قاسية، وهو باعتقادي ليسوا انتحاريين، لذلك ستبقى الأمور تحت سقف العقوبات، وستصبح عقوبات مكثفة»، لافتاً إلى أنها «مواجهة سياسية واقتصادية مكثفة».
هذه الوقائع قد يكون لها تأثيرات مباشرة على الواقع اللبناني، وهو ما دفع بومبيو لرفع لهجة التحذيرات. وفي المقابل، كان للبنان مطالب «جرى المرور عليها مرور الكرام»، كما يقول طبارة، شارحاً: «كان واضحاً أن هناك تعهداً بمساعدة لبنان في الملفات التي يطلبها من الأميركيين، لكن في الواقع، ركز الأميركيون على مطالبهم لجهة تحييد حزب الله عن المؤسسات اللبنانية، منعاً أن تطال العقوبات المؤسسات اللبنانية، وفي المقابل قدم وعوداً للبنان، لكن ملف اللاجئين لم يحن وقت حله بعد، أما ترسيم الحدود البحرية، فوعد الأميركيون بالمساعدة، وهو لا يمثل نقلة نوعية في الموقف الأميركي، بقدر ما يُقرأ على أنه تأجيل البحث به». ويرى طبارة، أمام هذه الوقائع، أن الأميركيين «ركزوا على مطالبهم من لبنان بما يتخطى أن تكون الملفات اللبنانية لها الأولوية في المحادثات».

- مقاربة أميركية جديدة
تنطلق التحذيرات الأميركية من واقع جديد، مفاده أن واشنطن بدلت مقاربتها تجاه التعامل مع الملف الإيراني، ومن ضمنه ملف «حزب الله»، عما كان عليه قبل العام 2015. وهو ما يستدعي تغييراً في المقاربة اللبنانية تجاه الملف. ويؤكد مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية» الدكتور سامي نادر أن الرسالة الأميركية واضحة بأنه لا تراجع بمسألة العقوبات، وهناك ضرورة لفصل الحزب عن باقي القوى السياسية في لبنان إذ «لم يعد ينفع نفس الأسلوب المعتمد في احتوائه على قاعدة أن الحزب جزء من النسيج اللبناني وموجود في الحكومة والبرلمان وأنه لا يمكن اعتباره إرهابياً، وهو ما كان مقبولاً بالنسبة للإدارة الأميركية قبل العام 2015».
ويقول: «هذا التبرير لم يعد مقبولاً مع وصول ترمب للرئاسة، وبعد حرب اليمن، حيث توجد اليوم سياسة مواجهة عربية وأميركية مع إيران، حتى أن واشنطن تعاتب الأوروبيين الذين يميزون بين الجناح السياسي والعسكري، ما يعني أن هامش التسامح الذي كان قائماً مع التمييز بين جناحي الحزب لم يعد ينفع»، ويضيف: «إثر التغييرات الأميركية في المقاربة الجديدة، لم تعد الخصوصية اللبنانية والتمييز بين جناحي الحزب التي كانت قاعدة للتسوية تسمح بذلك، بل صارت عبئاً على حزب الله وعلى لبنان، لأنها تكبر مخاطره من أن يسيطر على لبنان، وتشكل خطراً على البلد». لذلك، يرى نادر أن رسالة بومبيو «تنطوي على تحذير، بمعنى أن واشنطن لا تريد أذية لبنان، لكن على اللبنانيين في المقابل الفصل، ومسؤوليتهم التمييز بين ما هو سياسي وعسكري، ومن غير المسموح للحزب باستخدام الموارد اللبنانية»، مشدداً على أن «المقاربة الجديدة جاءت لأن المعطى الخارجي تغير».
ورغم أن تحييد لبنان عن أي مواجهة محتملة والنأي بالنفس هو الاستراتيجية اللبنانية القائمة، إلا أن الرسالة الأميركية تعني أن «المواجهة مستمرة مع أفرقاء تدعمه»، إذ «لم تعد استراتيجية جمع الحزب ومحاوله تذويبه بالتركيبة اللبنانية واحتمائه بالاقتصاد اللبناني ممكنة»، وهو ما شدد عليه بومبيو في مقابله مع «فوكس نيوز» حيث شدد على مصطلح «الفصل» في المقابلة.

- تحييد لبنان عن المسار الإيراني
اتضح أن بومبيو، جاء ليؤكد من بيروت على ما صرح به الموفدون الأميركيون قبله، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد، ووكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية السفير ديفيد هيل ومسؤولون آخرون، وأثبت خلال وجوده في بيروت ما كانوا صرحوا به في لبنان، بأن تحذيرات الولايات ليست عبثية، كما يقول سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة الذي يرى أن ما تريده الولايات المتحدة، هو تحييد لبنان لنفسه قدر الإمكان عن المسار الإيراني. ويقول طبارة لـ«الشرق الأوسط»: «يدرك الأميركيون أن هناك حالة خاصة للبنان، وهم يسمحون بهامش للتحرك عادة ما لا يطبق على دول أخرى، لكن رسائل واشنطن واضحة أن هناك حدوداً لهذه العملية».
تزامن التحذير الأميركي المكثف، مع تسلم «حزب الله» لوزارة الصحة، رغم أن الوزير جميل جبق معتبر مقرباً من الحزب وليس عضواً فيه، إلا أنها وزارة حساسة لجهة موازنتها الضخمة، والخدمات التي تقدمها، وشبكة العلاقات التي تؤسسها. وعليه، يقول السفير طبارة بأن هذا الواقع «دفع الأميركيين للتحذير بأن اللبنانيين وصلوا إلى الخط الأحمر، وعليهم مراقبة وزارة الصحة وحزب الله بشكل جدي»، لافتاً إلى أن الرسالة الأميركية حاسمة بأنه «لا تسامح من جهتنا أبدا تجاه ذلك». ويقول: «ما يعنينا من الزيارة أن بومبيو أبلغ اللبنانيين بوصولهم إلى الخط الأحمر، وهدد بالعقوبات بطريقته الدبلوماسية الخاصة».

- نهج واحد في العقوبات
في الواقع، لا يختلف الخبراء والمتابعون على أن ما قاله بومبيو، يمثل رسالة تنبيه للبنانيين بأن المرحلة المقبلة ستتضمن عقوبات إضافية على إيران، وعليهم الانتباه بأن المرحلة لن تكون عادية، وستتضمن تشديداً إضافياً تجاه «حزب الله». لكن مع ذلك، لا يعتقد السفير طبارة أن نوعية العقوبات ستتغير»، بمعنى أنها «ستؤثر على الحزب ومموليه من الخارج، لكنها لن تؤثر على الاقتصاد اللبناني والنظام المصرفي». وقال: «في الماضي القريب، عندما فرضوا عقوبات مالية على حزب الله ومموليه، استدعوا الأفرقاء اللبنانيين بينهم حاكم المصرف المركزي ووفد برلماني ومصرفي للتأكيد بأن العقوبات لا تؤثر على الاقتصاد اللبناني». ويضيف: «هذه المرة، تغير الأمر. تضمن تصريح بومبيو تحذيرات كي لا تؤثر العقوبات على النظام المصرفي»، لافتاً إلى أن وتيرة التصعيد والتهديد الأميركيين «تضاعفت بسبب وصول ترمب إلى السلطة».

- مواجهة إيران أولوية بعد إنهاء «داعش»
التصعيد الاميركي تجاه ايران، مرتبط بشكل مباشر بمواجهة ايران حيث اتخذت الادارة الاميركية هذا الخيار وجعلت منه أولوية، في قطيعة كاملة مع استراتيجية الادارة السابقة، وباتت الاولوية الآن بعد انتهاء المهمة التي كانت تحتل أولوية وهي انهاء تنظيم «داعش» الذي تحقق في الباغوز في الاسبوع الماضي. وكان ملف الحرب ضد داعش أبعد الاضواء عن مواجهة ايران، لتتحول كل الجهود الآن والضغوط باتجاه طهران، كما يرى الدكتور سامي نادر. ويشير نادر الى ان هناك بعداً آخر مرتبط بالتصعيد الاميركي، هو البعد الانتخابي في اسرائيل والولايات المتحدة.

- غاز المتوسط وترسيم الحدود
اتخذت الزيارة عنواناً آخر هو رسم خريطة الغاز في الشرق الاوسط، في ضوء اجتماع اليونان والاعلان عن خط تصدير للغاز يصل تل ابيب باوروبا، وهو من أول الانانيب التي تُقام من غير تنسيق مع روسيا. ويرى سامي نادر ان هذا التطور «هو اعلان مواجهة مع روسيا وتركيا، ولبنان من ضمنه».
لكن في الوقت نفسه، فتح بومبيو ثغرة ايجابية على صعيد ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها مع اسرائيل، اذ أعرب بومبيو عن رغبة الولايات المتحدة الاميركية في «المساعدة مع جهود الامم المتحدة لمعالجة» ملف ترسيم الحدود جنوباً، وذلك خلال لقائه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي شدد على ان «يبدأ الحل بالحدود البحرية». واحيت الزيارة ما كان متفقاً عليه سابقاً لجهة أن تجمع الامم المتحدة ممثلين عن الطرفين، على طاوتها وتحت علمها وبرئاستها وحضور الوسيط الاميركي، لتثبيت حق لبنان وترسيم الحدود البحرية».

- لا توطين... ولا معالجة فورية لملف اللاجئين
لم يغب ملف عودة النازحين السوريين عن جدول أعمال مباحثات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في بيروت، ونقل عنه عدد من الوزراء والنواب قوله: إن عودة هؤلاء يجب أن تكون آمنة وطوعية، انسجاماً مع ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة الواجب علينا احترامه والتقيُّد به في التعامل مع هذا الملف. وتعليقاً على تعهد بومبيو بأن «لا توطين للنازحين السوريين في لبنان»، لا تنفي مصادر لبنانية مطلعة على أجواء زيارة بومبيو أن وزير الخارجية الأميركي تعهد بأنه «لا توطين للاجئين السوريين في لبنان»، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن هذا التعهد غير كافٍ، قائلة: «الفلسطينيون لم يتم توطينهم منذ وصولهم إلى لبنان قبل 71 عاماً، لكنهم في الواقع موجودون، ولا يستطيع أحد إرجاعهم إلى بلادهم. من هنا مصدر الخوف، ما يحتم السؤال عن ضرورة أن تكون هناك آلية لإعادة السوريين إلى بلادهم، مقرونة بتوقيت لإعادتهم».
ويقول السفير طبارة إن الواضح أنه «لا اختراق لملف اللاجئين، لا بزيارة بومبيو، ولا بالاتصالات الأخرى، ومن ضمنها زيارة الرئيس اللبناني ميشال عون إلى روسيا»، مؤكداً على أن ملف اللاجئين «لا يزال على نار خفيفة، ويجري استغلاله لأنه ملف حساس بالنسبة لأوروبا ولبنان ولكل المعنيين».
وأعلن بومبيو في بيروت تأييد عودة النازحين السوريين بشكل آمن في أسرع وقت يسمح بها، وأضاف: «أريد من الجميع أن يتأكد أن الولايات المتحدة سوف تبقى صديقاً للشعب اللبناني، وسنستمر في مساندة ودعم مؤسسات الدولة الشرعية في لبنان وجميع شعبه»، وأشار إلى أنه في عام 2018، قدمت الولايات المتحدة أكثر من 800 مليون دولار على شكل مساعدات للبنان.
وخلال لقائه مع الرئيس ميشال عون، قدم المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، عرضاً للآلية التي يعتمدها الأمن العام لتنظيم عودة النازحين السوريين منذ شهر مايو (أيار) الماضي، وقد بلغ عدد العائدين حتى أمس، 175 ألف عائد، مشيراً إلى أن «الأمن العام مستمر في تنظيم هذه العودة، سواء كانت فردية أو جماعية، ويتابع عن قرب أوضاعهم في مناطق وجودهم، ولم يتبلغ حتى الساعة أي معلومات عن تعرض العائدين لأي مضايقات». وسلم الرئيس عون، الوزير الأميركي، خريطة تظهر كثافة النزوح السوري في المناطق اللبنانية كافة.


مقالات ذات صلة

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

حصاد الأسبوع صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع  FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)

سنة على عهد الرئيس اللبناني... تثبيت الدولة

شكّلت السنة الأولى من عمر عهد الرئيس اللبناني جوزيف عون محطة مفصلية وأساسية في مسار استعادة الدولة. وفي بلد مثقل بالأزمات لم تكن السنة الأولى مرحلة إنجازات

كارولين عاكوم (بيروت)
حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.