مصطلح القصة القصيرة في الخليج

ظهرت قبل الرواية في عموم المشهد الأدبي

د. سمحي الهاجري  -  د. سمر روحي الفيصل  -  د. صالح هويدي
د. سمحي الهاجري - د. سمر روحي الفيصل - د. صالح هويدي
TT

مصطلح القصة القصيرة في الخليج

د. سمحي الهاجري  -  د. سمر روحي الفيصل  -  د. صالح هويدي
د. سمحي الهاجري - د. سمر روحي الفيصل - د. صالح هويدي

إن موقع منطقة الخليج العربي جغرافياً جعلها ملتقى لعدد من الحضارات والأقوام والثقافات، كالحضارة الهندية والفارسية واليونانية، بالإضافة إلى حضارات المنطقة، مثل: حضارة بابل وبلاد الرافدين بالعراق، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام، والحضارة الفرعونية في مصر، بل فرض الموقع الجغرافي إحداث موانئ بحرية وبرية للتبادل التجاري والتعامل الاقتصادي، مع حدوث مواقع وأمكنة للتعاطي الثقافي. وبحصول المنطقة على هذه الحظوة الاستراتيجية التي أسهمت في استقبال تلك الحضارات المتعددة، والثقافات المتنوعة، واللغات المختلفة، أعطى أفراد مجتمع المنطقة رغبة التواصل والتلاقي من دون التلكؤ أو التراجع أو الوقوف، لأن بعض مناطق الخليج والجزيرة ذات قسوة في طبيعتها المناخية والتضاريسية، فإن هؤلاء الأفراد الذين يشكلون المجتمع الخليجي، بكل فئاته وطوائفه وأعراقه ودياناته، كانوا مصرين على معرفة طبائع الشعوب القادمة إليه، والوقوف على ثقافاتهم وحضاراتهم، بل امتد ذلك إلى بناء علاقات اقتصادية وتجارية. ومع تطور هذه العلاقات ذات الطابع الثقافي، باتت المنطقة محطة ثقافية زارها كثير من المثقفين العرب وغير العرب.
القصة في منطقة الخليج العربية فن من الفنون الحديثة، ذات حالة إبداعية وخيالية، وذات ارتباط بالواقع المعيش في إطار إنساني، بل هي ضمن الفنون الإنسانية الأخرى التي تعبر عن تاريخ الإنسان والمكان والزمان، وتسعى إلى البحث عن جماليات فنية، وهي توظف التقنيات القصصية لتحفر لنفسها (القصة الخليجية - في الخليج) بصمة في المشهدين الأدبي والثقافي بالمنطقة، كما فعلت ذلك من قبل كل من القصة المصرية، والقصة العراقية، والقصة السورية، بالإضافة إلى دول المغرب العربي. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الفن لم يكن سهل التناول، وإنما هناك مخاطرة الولوج إليه لحداثته، وتعقيد بنائه، ومعرفة نماذجه المتعددة، بين القصة الطويلة، والقصيرة، والقصيرة جداً التي بدأت في الانتشار حديثاً.
وظهرت القصة القصيرة قبل الرواية في عموم المشهد الأدبي الخليجي، ويعود هذا إلى معطيات اجتماعية وتطورية في بناء المجتمع، دينياً ومدنياً، وحالة الوعي الثقافي المتسيدة آنذاك، وكذلك القدرات الفنية والتقنية لدى الكاتب وهو ينسج كتاباته السردية التي لا تتعدى الحديث عن بعض المشكلات الاجتماعية المحصورة في العلاقات بين المرأة والرجل، كالزواج والطلاق والتعليم والعادات والتقاليد، إذ كانت القصص في عالم الحكاية البسيطة والمسطحة، بعد تأثر أصحابها بما كان يكتب وينشر من قصص ومقالات وخواطر في المجلات والدوريات التي تصل إلى المنطقة، أو من خلال التواصل مع البعثات التعليمية التي تمثلت في المعلمين والمعلمات الذين حطوا رحالهم لتعليم أبناء المنطقة، بالإضافة إلى الصحافة ودورها في نشر المحاولات المتأثرة بما هو موجود في مصر والعراق وبلاد الشام، إضافة إلى ما يصل مترجماً، وإن كان متأخراً.
ومن الطبعي إذا كان المجتمع يؤمن بالتلاقي والتحاور والتواصل مع الثقافات الأخرى، فإن القصة أحد ملامح هذا التلاقي، لذلك فظهور القصة القصيرة في المنطقة لم يكن محض صدفة، أو تبعاً لأهواء كاتب هنا أو كاتب هناك، وإنما نشأت في الخليج والجزيرة العربية، حيث ذكر الناقد إبراهيم غلوم في كتابه «القصة القصيرة في الخليج العربي - الكويت والبحرين»، ص27 - 28، قائلاً: «تجاوباً مع المرحلة الحديثة التي بدأ يتعرف عليها المجتمع، بكل ما رافقها من عوامل التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وبكل ما اقترنت به من نوازع في تمزيق جدار العزلة، لذلك نشأتها تعبير مؤثر مهم في التجربة الثقافية والفكرية في الخليج العربي».
علينا أن نطرح التساؤل الذي قد يكون عبارة عن إشكاليات فنية، تتعلق بالمكان وفن القص، حيث كثيراً ما نتفوه ببعض المفاهيم والمصطلحات لنجعلها حالة مطلقة، مما قد يتسبب لنا ببعض من الإشكاليات المفاهيمية والنقدية. وفي هذا السياق، نعني القصة هنا، أي ذلك المكان الجغرافي المحدد بدول مجلس التعاون الخليجي، والكتابات النقدية والأدبية عادة ما تشير إلى ما نطلق عليه الأدب الخليجي - الشعر الخليجي - الرواية الخليجية - القصة الخليجية - المسرح الخليجي - الدراما الخليجية - السينما الخليجية... أو نبتعد عن هذه المساءلة الفنية والمصطلحية، فنذهب إلى ما يمكن أن نطلق عليه الأدب في الخليج - الشعر في الخليج - الرواية في الخليج - القصة في الخليج - المسرح في الخليج - الدراما في الخليج - السينما في الخليج، وهذا ليس بغريب في الثقافة العربية، بل حتى العالمية.
هناك فرق كبير بين المصطلحين أو بين المفهومين، بين القصة الخليجية والقصة في الخليج، وهو ما ينطبق على الأدب بشكل عام، فالأول يعني إلصاق الفعل الإبداعي إلى المكان، وهويته هي الفاعل الأساس، بمعنى كل هذا الإبداع من صنع الفرد الخليجي، أي الأدب والفعل الإبداعي وحالة الكتابة خليجية بحتة، أما الثاني فيشير إلى أن ما نتج من إبداع في المنطقة هو منتج لكل كاتب في المنطقة، سواء أكان خليجياً أم عربياً أم أجنبياً، وهنا إبعاد لهوية المكان، ونسبته إلى هوية النص لا غير، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نتجاهل الكاتب غير الخليجي، ودوره في المنجز الإبداعي والثقافي بالمنطقة، فهناك كتاب من الدول العربية المختلفة أسهموا في الحراك الثقافي والأدبي، وقد أشار الناقد السعودي سمحي بن ماجد الهاجري في كتابه «القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية»، ص86 - 85؛ ص108، إلى مساهمات الكاتب والقاص والصحافي الجزائري أحمد رضا حوحو في نشأة القصة السعودية، حيث عاش فترة في المدينة المنورة، وكتب كثيراً من القصص والمقالات، بل كان سكرتير تحرير مجلة «المنهل»، ومحمد عالم الأفغاني الذي وفد إلى المدينة المنورة، وكتب القصة مع النشأة وبعده، كما كان للناقد يوسف الشاروني شأن تجاه السرد العماني، وهناك مجموعة من المبدعين والنقاد أدوا دوراً بارزاً في المشهد الأدبي، شعراً وسرداً، بدولة الإمارات العربية المتحدة، مثل الناقد سمر روحي الفيصل، والناقد صالح هويدي، والناقد عزت عمر، والشاعر الناقد عبد الفتاح صبري، وغيرهم. وفي البحرين، كان للناقدين عبد الرحمن الصوير وعبد الحميد المحادين مساهمات ثقافية ونقدية وإبداعية، لذلك هل سألنا أنفسنا أيهما نأخذ من هذين المفهومين تجاه ما ينجز بالمنطقة، فضلاً عن أن بعض المنجزات الكتابية، وبالأخص النقدية، هي دراسات لنقاد وكتاب عرب اشتغلوا على منجز أبناء المنطقة، كما هو واضح وجلي في الكتابات النقدية التي كتبت عن الأدب في الإمارات العربية المتحدة، حيث كرس عدد من الأكاديميين والباحثين والنقاد جل عملهم في دراسة أعمال أنتجها كتاب إماراتيون.
وهذا يدفعنا لعدم تجاهل هذا الدور الفاعل، حضوراً وتواصلاً ونقداً، الذي يقوم به هؤلاء وغيرهم، فضلاً عما يقدم من منجز إبداعي أيضاً في القصة والرواية والشعر، لذلك نحن نستعمل هذه المصطلحات التي ربما تكون غير دقيقة، نقدياً وعلمياً، وإنما توافق عليها المشتغلون بالدرس الأدبي والنقدي من أجل الوصول إلى صيغ الكتابة النقدية المحصورة في مكان جغرافي معين، بل ذهبنا أكثر من تعميم المنجز الأدبي، إبداعاً ونقداً، من كونه خليجياً إلى الحدود الجغرافية الأكثر حصراً، فنقول: القصة العمانية - القصة السعودية - القصة الكويتية - القصة القطرية - القصة الإماراتية - القصة البحرينية، وربما أخذنا هذه التسميات من العالم العربي الذي يؤكد على وجود القصة المصرية - القصة السورية - القصة العراقية - القصة المغربية، كما تعلمنا في مدارسنا وجامعاتنا.
وإن كانت هذه المصطلحات يجانبها بعض الغموض فنياً، فإنها حضرت في المشهد الأدبي عامة، والنقدي على وجه الخصوص، بغية الدرس، بعدما اتفق عليها المشتغلون للوقوف على حالة الإبداع والكتابة، وخصوصية هذا المكان ومنجزه الذي قد يتباين مع الآخر، ثم دخلنا في تجزئة هذا الفن أو ذاك عبر بعض المكونات السردية، والتقنيات الجمالية، فذهبنا إلى عناوين نطوعها للدرس والتحليل، مثل: البحر في القصة العمانية - المكان في القصة السعودية - الزمن في القصة الكويتية - الهوية في القصة الإماراتية، وأدب الصحراء، والعلاقة بين الريف والمدينة، وهكذا نسير إلى جزئيات العمل، وزد على ذلك حين نقوم بدراسة هذه الجزئية كأننا ندرس خصوصية القصة في منطقة معينة من هذه الدولة أو تلك، مثل الشخصية عند كتاب الداخل، أو كتاب الأطراف، أو علاقة القصة بالذاكرة الثقافية عند سكان الجبال.
- كاتب بحريني



حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.


«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.