عبد الله المحيسن... رائد صناعة السينما في السعودية

كتابٌ يتتبَّعُ من خلاله تاريخَ السينما في بلاده

عبد الله المحيسن... رائد صناعة السينما في السعودية
TT

عبد الله المحيسن... رائد صناعة السينما في السعودية

عبد الله المحيسن... رائد صناعة السينما في السعودية

يتتبع الناقد السينمائي اللبناني إبراهيم العريس في كتابه «من مكة إلى كان - سينما عبد الله المحيسن»، الصادر في بيروت عن «الدار العربية للعلوم ناشرون»، الطبعة الأولى، مارس (آذار) 2019، سيرة المخرج السينمائي السعودي عبد الله المحيسن، وسنوات تكوينه، ثم يقف عند المتن السينمائي الذي لا يزال بحاجة إلى أن يكتمل في السنوات المقبلة، وهذا ما يعبر عنه الكتاب في واحد من فصوله المهمة، وكذلك يتحدث عن أفكاره فيما يخص السينما، ودورها الجمالي والاجتماعي. ونقرأ في الكتاب عن تأثيرات مكة الروحانية والدينية على المخرج عبد الله المحيسن، وكيف وظفها بلغة سينمائية معاصرة عكست فهماً عميقاً لتأثيرات عصر الصورة في حروب الكلمة الحديثة.
يفتتح المؤلف كتابه بالحديث عن سيرة عبد الله المحيسن، حيث وُلِدَ في مكة عام (1947)، وكانت نشأته أدبية، من ناحية أن جو الأسرة كان جو قراءة وثقافة. وقد كانت القراءة هي وسيلة الترفيه الوحيدة المتاحة لعبد الله المحيسن، وكانت أولى قراءات المحيسن في التاريخ، تاريخ بلده وتاريخ البلدان العربية. درس المحيسن المرحلة الابتدائية والمتوسطة في المملكة العربية السعودية، ثم ذهب إلى لبنان من أجل مواصلة دراسته الثانوية. وعقب ذلك، سافر إلى بريطانيا ليدرس السينما في معهد لندن للفيلم (London School of Film)، وحصل منه على دبلوم عالٍ في الإخراج السينمائي عام 1975م، والتحق خلال الفترة نفسها، بين عامي 1973 و1975، بالأكاديمية الملكية البريطانية للتلفزيون، حيث قضى ستة أشهر أخرى استقى فيها الأساسيات النظرية المتعلقة بصناعة الأفلام، ثم عاد في السنة ذاتها إلى المملكة العربية السعودية، ليؤسس الشركة العالمية للدعاية والإعلان. ومن منتصف السبعينات، انطلق المخرج السعودي عبد الله المحيسن في مسيرته السينمائية الرائدة. وكنتاج لهذه المسيرة المميزة، احتل عبد الله المحيسن مكانته المهمة بين السينمائيين العرب، وبرز ذلك في اختياره عضواً للجنة تحكيم مهرجان القاهرة السينمائي الثاني عام 1978، كما تم اختياره عضواً في لجان تحكيم مهرجان الخليج الأول للإنتاج التلفزيوني الذي عُقِد في الكويت عام 1979.
- وحيداً وسط الضباب
من البديهي أن أي حديث عن عبد الله المحيسن، في تاريخه السينمائي على الأقل، لا يمكنه أن ينطلق إلا من تحديد مكانته في تاريخ السينما في بلده. ويبين المؤلف أولاً أن هذا التاريخ يبدو لنا متعرجاً، ولكن من الممكن أن نجعل تاريخ السينما السعودية بشكل عام يرتبط بما يمكن أن نطلق عليه «ظاهرة عبد الله المحيسن»، أو ربما «مؤسس السينما السعودية». ويعود المؤلف إلى عقدين من الزمن، ليوثق مشاهداته في مدن المملكة العربية السعودية، قبل القرار الثوري السعودي بعودة السينما، وفي ظل رعاية رسمية، إلى الحياة الاجتماعية في المملكة العربية السعودية. وفي واحدة من زياراته للسعودية بداية هذا القرن، أُتيح للعريس خلال جولة صحافية في الرياض وما جاورها أن يرصد ظاهرة لم يكن يتوقعها في كثير من مقاهٍ منتشرة على أطراف من العاصمة. فقد كانت ثمة شاشات تلفزيونية عملاقة معلقة في صالات المقاهي، وشكلت تلك العروض السينمائية سينما حقيقة تضاهي تلك التي تُقدم عادة في الصالات.
- مؤسس السينما السعودية
لقد شكلت ظاهرة عبد الله المحيسن مادة خصبة استطاع أن يوثقها المؤلف ببراعة من خلال تتبع سيرة المحيسن السينمائية منذ بداياتها، حيث عمل المحيسن سنوات طويلة خارج الأضواء، إلى أن حانت الفرصة لكي يُخرج مشروعه السينمائي العملاق إلى العلن، عبر مجموعة أفلام سينمائية تخطت الحدود المحلية. فقد أنجز المحيسن فيلماً تسجيلياً «اغتيال مدينة» (1976 - 1977)، يتحدث عن الحرب الأهلية في لبنان التي اندلعت عام 1975 بين الفصائل اللبنانية المختلفة. وأول ما يلفت الانتباه في هذا الفيلم أنه صُوِّر بعد اندلاع الحرب مباشرة، في وقت كانت فيه بيروت مكاناً خطراً من المجازفة السفر إليه. ومع ذلك، فإن تنوّع اللقطات وغزارة الصور، التي أخذها المحيسن خصيصاً من قلب الحدث، تمنح الفيلم قيمته التوثيقية المهمة، وتجعل منه تسجيلاً حياً لبشاعة الحرب. وقد استخدم المحيسن، حسب المؤلف، لغة سينمائية مكثفة، جسدت البعد السياسي للحرب، رابطاً بين لعبة «الكبار» ولعبة «الصغار». وأخرج كذلك فيلم «ظلال الصمت» (2006)، الذي قارب فيه بتأملٍ فني الواقع العربي. ومن خلال هذا الفيلم، استطاع المحيسن فتح الطريق بقوة واقتدار بالنسبة للسينما السعودية، ولكن بشيء من الحذر أيضاً. فمنذ البداية، أراد المحيسن لـ«ظلال الصمت» أن يكون فيلم قضية ورسالة، من ناحيته الفكرية، وقد شارك فيه عدد من الفنانين العرب، ولقي قبولاً ملحوظاً عند المشاهد السعودي والعربي. وفي سنة 1976، قام بإنشاء أول استوديو إذاعي متكامل على مستوى القطاع الخاص، ثم قام بعرض فيلمه التلفزيوني «تطور مدينة الرياض» في مدينة «فانكوفر» بكندا، وقد حاز على شهادة تقدير خاصة من منظمة الأمم المتحدة تكريماً له على هذه الإضاءة التي سلطها على تطور مدينة الرياض في فترات نموها الأولى. ثم قدم في عام 1982 فيلمه السينمائي الثاني، وهو فيلم «الإسلام جسر المستقبل»، الذي تغلغل من خلاله إلى داخل أفغانستان، لينقل من هناك صور الحرب. وفي عقد التسعينات من القرن الماضي، استطاع المحيسن أن يوثق بكاميرته السينمائية أكثر من ثلاثمائة ساعة من داخل الحدث، في أثناء الغزو العراقي للكويت، في 2 أغسطس (آب) 1990، حيث صنع فيلمه الثالث «الصدمة». ولم ينطلق عبد الله المحيسن في تلك الأفلام من نظرة محلية، بل شاملة. وهذا ما يفسر انطلاق أفلامه وانتشارها.
- سينما الضرورة الملحة
حين نعود إلى مشاهدة أفلام المحيسن، بعد سنوات طويلة من إنجازها، نحس بأننا أمام «سينما الضرورة الملحة»، كما يسميها المؤلف، حيث بدا المحسين شبيهاً إلى حدٍ ما بأولئك السينمائيين اللبنانيين «الذين ما إن امتلكوا ناصية قدرتهم المهنية خلال سبعينات القرن العشرين تحديداً، حتى راحوا يحققون أفلاماً عن فلسطين (برهان علوية وجان شمعون) أو مصر (برهان علوية وجوسلين صعب)». لقد تناول الناقد السينمائي البارز إبراهيم العريس الأفلام التي أنتجها السينمائي عبد الله المحيسن بكل أمانة واحترافية، وقد عكس المضامين الفكرية والثقافية التي عَمِلَ المحيسن على ترجمتها في مجموعة الأعمال السينمائية التي أنجزها طيلة الفترة الماضية. يقول الكاتب إن «من حق عبد الله المحيسن أن يشعر بالرضا، بل بالسرور، في أيامنا هذه، فهو رائد لما يمكن أن نطلق عليه اسم البدايات الممكنة للصناعة السينمائية في المملكة العربية السعودية».
- صحافي وكاتب سوري


مقالات ذات صلة

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.