مبارك قاطع بوش الابن وفوجئ بجفاء أوباما

قيادات مصرية لـ {الشرق الأوسط}: كان فخورا بتصديه لمشروع توطين الفلسطينيين بسيناء

الرئيس المصري الأسبق مبارك، الرئيس الاميركي باراك أوباما، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش
الرئيس المصري الأسبق مبارك، الرئيس الاميركي باراك أوباما، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش
TT

مبارك قاطع بوش الابن وفوجئ بجفاء أوباما

الرئيس المصري الأسبق مبارك، الرئيس الاميركي باراك أوباما، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش
الرئيس المصري الأسبق مبارك، الرئيس الاميركي باراك أوباما، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش

تواصل عدة قيادات سابقة في مؤسسات مصرية الكشف لـ«الشرق الأوسط» عن وقائع ومواقف مجهولة في حياة عدد من الشخصيات التي ارتبط اسمها بأحداث شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. وفي مقابلات أجرتها مع اثنين من القادة السابقين في الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يرأسه الرئيس الأسبق حسني مبارك، تبين أنه يوجد اعتقاد بأن أحد أهم أسباب الخلافات بين الرئيس الأسبق وكل من الولايات المتحدة الأميركية وإحدى الدول الخليجية، كان يدور حول سيناء، خاصة عقب هيمنة حركة حماس على قطاع غزة المجاور للحدود المصرية، بحلول عام 2006، وأن صراعا مخابراتيا بين كل من مصر من جانب، والولايات المتحدة وأطراف إقليمية أخرى من جانب آخر، كان يجري منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، بشأن مشروع اقتطاع جزء من مصر لصالح إقامة وطن للفلسطينيين يضم ثلث أراضي سيناء وقطاع غزة.

ويقول أحد هذين المسؤولين الحزبيين، ويدعى «م.ع»: «في عام 2007 حضرت اجتماعا مع حسني مبارك في قصر (رأس التين) بالإسكندرية.. كنا 27 أمين محافظة.. دخلنا تحت حراسة الأمن والمخابرات. وكان يوجد صفوت الشريف (أمين عام الحزب وقتها) وزكريا عزمي (رئيس ديوان رئيس الجمهورية أيام مبارك) وأحمد عز (القيادي بالحزب).. جلسوا معنا قبل وصول الرئيس بنصف ساعة. لم يطلبوا منا أن نقول هذا أو لا نقول ذاك. لم يكن جمال (نجل مبارك) موجودا، ولم يحذرونا من القيام بأي شيء. كلمة واحدة فقط قالوها لنا، وهي أن الرئيس سيأتي ويقف هنا، وتسلمون عليه، وبعد ذلك أنتم أحرار فيما ستقولونه، ومع ذلك أشاروا إلى أن نستمع للرئيس أفضل حتى نستفيد منه».
ويضيف: «نزلت المروحية بمبارك على المهبط بجوار المبنى. كنا نستمع لصوتها. دخل، ووقف بجوار المقعد في القاعة، وأسند يده على ظهر المقعد ومد يده الأخرى للسلام علينا.. مررنا عليه واحدا واحدا، ثم جلسنا حول طاولة دائرية كبيرة، حول مبارك. وبدأت كاميرات التصوير في (التكتكة). وبعد ذلك قال مبارك: (خلاص يا زكريا.. تفضلوا)، مشيرا إلى الجميع بالخروج، فخرج الكل، ولم يتبقّ أحد، لا من الرئاسة ولا من المخابرات ولا من الأمن.. الوحيد الذي سُمح له بالمكوث معنا في القاعة كان أحمد عز الذي سحب مقعدا وجلس في الخلف.
وبدأ مبارك يتحدث.. تحدث أولا عن السياسة الخارجية، وكيف تسير، وكيف (نجحنا في أن يكون الوضع العام بالنسبة لمصر مستقرا سياسيا)، وأن الدولة الوحيدة التي تلاعب مصر هي أميركا».
ووفقا للمصدر نفسه، فإن مبارك أضاف موضحا أنه «حين يقول أميركا فإنه يعني بذلك إسرائيل، ثم أشار إلى أن البعض يقول إن إسرائيل هي ولاية أميركية، لكن أنا أقول: لا.. والحقيقة أن أميركا نفسها مجرد محافظة في إسرائيل». وأضاف مبارك قائلا في هذا الاجتماع إن «العدو الرئيس لنا هو إسرائيل، لكن نحن نحارب أميركا لا إسرائيل.. ويوجد ضغط على مصر.. هذا الكلام لا يُقال في صحف ولا جرائد ولا يُذكر علانية، وأنا أعرف أنني أتحدث لناس كبار.. وناس يفهمون الوضع. يوجد ضغط علينا لكي نفتح معبر رفح لدخول الفلسطينيين ومنحهم حرية الإقامة، خاصة في سيناء، بلا ضابط ولا رابط».
ويضيف المصدر الحزبي قائلا إن مبارك تحدث عن معبر رفح حين كان تحت يد السلطة الفلسطينية، وإن الرئيس الأسبق أشار إلى أن المعبر كان يعمل بشكل ممتاز ولم يُغلق، حين كانت الرئاسة الفلسطينية هي التي تسهم في الإشراف عليه من الجانب الآخر من الحدود، إلى أن تولت حماس السلطة في غزة عقب فوزها في الانتخابات، وطردت حرس الرئاسة الفلسطينية من المعبر، وبدأت في الاستعداد لإدارته من الجانب الآخر، وهو ما رفضته مصر.
وتطرق مبارك في الاجتماع لوجود اتفاق بين حركة حماس وإحدى الدول العربية للضغط على المعبر بواسطة حشود فلسطينية مدفوعة من حماس وأذرعها العسكرية في غزة، وتابع أن مبارك قال إن «الهدف كان إدخال أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية، فتقام لهم مخيمات داخل الجانب السيناوي من الحدود، وبعد سنة أو اثنتين يترسخ هذا الأمر، ويجري تدويل قضية المخيمات الفلسطينية في سيناء بحيث يكون الموضوع دوليا، وفي هذه اللحظة يحدث ضغط إسرائيلي على الضفة الغربية، من أجل خروج أعداد كبيرة من الفلسطينيين أيضا إلى غزة في اتجاه مصر».
ووفقا للرواية المنقولة عن مبارك، فإن الخطة كانت تتضمن تدخل الأمم المتحدة للتعامل مع المعطيات الجديدة الخاصة بالفلسطينيين في سيناء، البالغ مساحتها نحو 60 ألف كيلومتر مربع. وحسب المصدر الذي حضر لقاء مبارك، فإن الرئيس الأسبق تحدث عن أنه في هذه الحالة ستطالب الأمم المتحدة بـ«أوسلو (اتفاق سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل) جديدة»، مثل تلك التي جرى توقيعها عام 1993، يجري فيها ترسيم حدود جديدة وإنشاء وطن قومي للفلسطينيين في غزة وسيناء، ويجري بناء على ذلك إعادة الفلسطينيين من المهجر للدولة الجديدة، بحيث يكون من حق الفلسطينيين ثلث مساحة سيناء.
ونقل المصدر عن مبارك قوله في الاجتماع إنه يقف ضد هذا المشروع، وتحدث، وهو يشير إلى حنجرته، قائلا: «مصر شوكة في حلق مشروع كهذا.. مشروع لا يصب إلا في مصلحة إسرائيل، ويهدر القضية الفلسطينية برمتها.. لكنه أبلغنا، رغم ذلك، أن معبر رفح يجري فتحه للحالات الإنسانية فقط، وإدخال الغذاء والأدوية واستقبال الجرحى والمرضى الفلسطينيين والمتجهين للعمرة والحج».
ويوضح المصدر أن الرئيس الأسبق أشار للمرة الأولى إلى الدكتور محمد البرادعي في اجتماع عُقد في مقر الحزب الوطني نفسه في ضاحية مصر الجديدة في عام 2010، وأبدى دهشته من تعاون البرادعي مع جماعة الإخوان التي كان مبارك ينظر إليها بوصفها جماعة متطرفة محظورا عليها العمل السياسي في البلاد، رغم أنه كان يتغاضى عن خوض مرشحيها الانتخابات البرلمانية والنقابية، وتنسيق حزبه مع بعض رموز الجماعة في دوائر انتخابية بالمحافظات.
ووفقا للمصدر نفسه، فإن غالبية قيادات الحزب الوطني في ذلك الوقت كانت تناصب البرادعي العداء أكثر من مبارك، ربما بسبب خشيتها من منافسته لها في حال دخوله البرلمان أو الترشح لانتخابات الرئاسة التي لم تجرِ، والتي كان مقررا لها شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2011. أو ربما لأن مبارك نفسه يعتز بالبرادعي بوصفه شخصية دولية مصرية، وقيامه في عام 2006 بمنحه قلادة النيل العظمى، وهو وسام رفيع في الدولة. لكن عودة البرادعي عقب تقاعده جعلت مبارك ينظر إليه بتشكك، خاصة بعد قيامه بوضع يده في يد «الإخوان» في الشهور التي سبقت «ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011»، وتأسيسه مع الجماعة وأطراف سياسية أخرى من المعارضة ما عُرف باسم «الجمعية الوطنية للتغيير».
وبدا، وفقا لحديث المصدر الحزبي، أن مبارك كان، قبل عودة البرادعي، يعقد أملا في أن يكون الدبلوماسي الدولي الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2005، مؤيدا لـ«الخطوات الإصلاحية» التي تتخذها حكومته في الاقتصاد والسياسة، وأنه يمكن أن يكون مفيدا بوصفه نائبا مستقلا أو حتى معارضا في البرلمان. لكن الرئيس الأسبق، وبعد أن انخرط البرادعي في رئاسة «الجمعية الوطنية للتغيير»، بدأ يقول عنه إنه «يبدو عليه أنه لا يحب الوجود وسط المجاميع، ولهذا لن يترشح لانتخابات مجلس الشعب»، التي كانت على الأبواب (خريف 2010)، مشيرا إلى أن انطباعه عن شخصية البرادعي كان أنه من النوع الذي لا يفضل العمل مع فريق، وإنما «يريد أن يعمل وحده ليكون زعيما»، وكان يرى أيضا أن «الإخوان» يستغلون هذه الشخصية الدولية لتحقيق مصالحهم الخاصة، وعلى رأسها تسويق أنفسهم على أنهم معارضة ليبرالية ومعتدلة أمام الرأي العام الغربي.
والبرادعي الآن موجود خارج البلاد، وتوجد شكوك في عودته إليها قريبا، وفقا للمصادر الأمنية، بسبب دعاوى من خصوم له منظورة أمام المحققين. وكان البرادعي قد وقف مع ما عُرف بـ«جبهة الإنقاذ» التي عارضت بقوة حكم مرسي و«الإخوان» في صيف 2013. إلى أن تولى موقع نائب رئيس الدولة، عقب الإطاحة بمرسي. لكنه استقال من موقعه الرفيع احتجاجا على الطريقة التي قامت بها السلطات بفض اعتصام «الإخوان» في رابعة العدوية.
ويضيف مسؤول أمني أن الدعاوى ضد البرادعي «غير جدية، لكن لا أحد يعرف ما يمكن أن يحدث في حال رجوعه إلى البلاد بعد أن تركها وهي في أمسّ الحاجة إليه».
ويشير مصدر أمني آخر إلى أن قضايا أخرى ستكون مؤثرة في حال البدء فيها وإذاعتها للعلن، يخص جانب منها «الإخوان» أيضا، من بينها ما سماه قضية التفاوض مع الأميركيين حول خطة التنازل التدريجي المصري عن ثلث سيناء في عهد مرسي.
ويقول إنه حين قامت ثورة 2011 وتصدر «الإخوان» المشهد، وفازوا بعدها بنحو سنة في انتخابات مجلسي الشعب والشورى (البرلمان)، توجه وفد من مكتب إرشاد الجماعة، في طائرة انطلقت من أحد مطارات الدول الخليجية، برئاسة القيادي الإخواني «ع.ع»، وذلك بدعوة من أحد فروع المخابرات المركزية الأميركية، وليس من الرئاسة الأميركية أو البيت الأبيض.
ويضيف أن «موضوع الوفد الإخواني لم يكن رسميا ولا علنيا.. المهم، هذا الوفد كان يضم نحو 50 شخصية إخوانية، وعقد اجتماعا هناك، في الولايات المتحدة، وراقبته المخابرات المصرية.. المهم، خلاصة الاتفاق أن يكون التنازل في سيناء على مرحلتين؛ الأولى على مساحة 600 كيلومتر مربع المتاخمة لغزة، أي 20 كيلومترا في 30 كيلومترا، والمرحلة الثانية التنازل عن باقي الثلث السيناوي من ناحية غزة، على أن ينتهي هذا الأمر على أرض الواقع خلال أربع أو خمس سنوات، لإنشاء دولة فلسطينية تعترف بها الأمم المتحدة».
ويقول المصدر إن ما جرى رصده من جانب رجال الأمن المصريين حول هذا الاجتماع يتلخص في مناقشات بين الجانبين الأميركي والإخواني، وإن الأميركيين تعهدوا بـ«إنشاء الدولة الفلسطينية (على ثلث سيناء وكل غزة بشكل أساسي) ونحن، كأميركا، سندعمها بشكل كامل، ويكون لها حدود وبحر وموانئ ومطار وعملية إعمار وغيرها، على أن تكون دولة من دون جيش حربي، ولكن بجيش ذي تسليح خفيف للحماية وليس للحرب»، وأن يكون هناك تطبيع مصري كامل مع إسرائيل، وفي شتى المجالات، خاصة الاقتصادي، بما فيه أن يكون من حق الإسرائيليين التملك في مصر.
ويضيف أنه «جرى الاشتراط على الوفد الإخواني أيضا الإعلان عن كل هذه الخطوات، في حال الموافقة عليها مع الجانب الأمني الأميركي، وبشكل غير مباشر، والتمهيد لها في الأوساط المصرية، أو بالطريقة التي تراها الجماعة الحاكمة ممكنة، وفقا للمعطيات التي أمامها». ويضيف المصدر أن «الوفد الإخواني تخوَّف من مغبة إعطاء وعود بهذا الأمر، لكنه تحدث خلال الاجتماع مع الجانب الأميركي عن أنه سوف ينظر في الموضوع (بصورة تريح الجانبين)».
ويتابع المصدر أنه في أول اختبار من جانب بعض أعضاء الوفد الإخواني للترويج للمرحلة الجديدة التي تتضمن إقامة الدولة الفلسطينية بالطريقة المشار إليها، والتطبيع مع إسرائيل، و«إحلال سلام شامل بالمنطقة»، بدأ الإعلان الجزئي عن هذا التوجه من خلال دعوة أحد أقطاب «الإخوان» لليهود الذين هاجروا من مصر ويقيمون في إسرائيل بأنه يمكنهم العودة لأملاكهم التي تركوها، إلا أنه قوبل بعاصفة من الانتقادات، وأسرع الرئيس مرسي وتبرأ من هذه التصريحات، وقال إن ما يتردد عن هذه القضية رأي يخص قائله، ولا يعبر عنه بصفته رئيسا للدولة أو عن «الإخوان».
وفيما يتعلق بالوضع الحالي لجماعة الإخوان وعلاقتها بالدولة، خاصة مع استمرار المحاكمات لمئات من قياداتها وكوادرها، تحدثت المصادر عن أن الجماعة تطلب من قيادات الدولة، طيلة الشهور الثلاثة الأخيرة، المصالحة، إلا أن الدولة لها شروط محددة لا تريد الجماعة الموافقة عليها حتى الآن، على رأسها الاعتراف بـ«ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013»، واقتصار المصالحة على القيادات الإخوانية الموجودة خارج السجون.. «مطلوب من (الإخوان) أشياء معينة لا بد أن يقوموا بها، منها الاعتراف بـ30 يونيو بأنها ثورة، اعتراف كامل من (الإخوان) ومن التنظيم الدولي للجماعة.. وأن يقروا بالنظام الجديد، بما فيه من دستور ورئيس.. كل هذا والقيادات في السجون، أي أن المصالحة لا تشمل القيادات التي تُحاكم أمام القضاء.. صلح أو لا صلح، لن يخرجوا من السجون. من هو في السجن، في السجن.. تبرئه المحكمة أو تحكم ضده. أما حديث المصالحة فيدور حول القيادات التي لم تتلوث أيديها بالدماء».
ووفقا لشهادات ومعلومات، فإن البلاد تستعد خلال الشهور المتبقية من هذا العام، لفتح ملفات جديدة تخص أحداثا شهدتها خلال السنوات الأخيرة وأدت لهزات عنيفة ضربت المجتمع المصري سياسيا واقتصاديا وأمنيا، من بينها اتجاه لتوقيف شخصيات دعوية وسياسية وإعلامية، آزرت جماعة الإخوان، أو أصبحت عبئا على المرحلة الجديدة، والاستعداد لإصدار أمر قضائي للتحقيق في ملابسات أحاطت باعتصامي رابعة والنهضة والمشاركين في تمويلهما، وحجم الأسلحة التي كانت في أيدي المعتصمين، وملابسات إجراءات فض الاعتصامين.. «الفترة المقبلة ستشهد محاكمات جديدة في هذه القضية. وسيجري تتبع الخيوط أملا في الوصول إلى الممولين الرئيسين للاعتصام وتسليحه، وكذا تتبع خيوط الداعمين لفكرة تخصيص أراضٍ في سيناء للفلسطينيين، خاصة بعد ثورة 25 يناير»، بما فيه اجتماع وفد الـ50 الإخواني المزعوم في الولايات المتحدة، أثناء تولي مرسي الرئاسة.
وعن سبب ضعف التواصل بين القصر الرئاسي المصري المعروف بـ«الاتحادية» و«البيت الأبيض» الأميركي، في عهد مرسي، تحدث اللواء «م. ف.»، الذي عمل بالقرب من الرئيس الإخواني، عن أن هذا الموضوع كان لافتا للنظر بالنسبة للمسؤولين المصريين في الأجهزة المعنية بمثل هذه الأمور، وأنه بالنظر في الأمر تبين أن هناك من أشار على أوباما، من الرجال المشتغلين بالروحانيات في واشنطن، بأن يبتعد عن كل ما يمكن أن يكون مصدرا لـ«سوء الطالع» بالنسبة له في تلك الفترة، بما فيها التواصل المباشر مع بعض الشخصيات.. «هذا ما عرفته، ولا أدري إن كانت هذه النتيجة حقيقية أم مجرد مزحة مصرية لعدم التوصل لسبب مقنع»، لأنه كان مرحّبا بوجود مرسي في السلطة لدى قطاعات معتبرة في واشنطن. لكن، ومع ذلك، وفقا للمصدر نفسه: «لم يلتقِ أوباما مطلقا بمرسي، وبدا أنه كان حريصا على ذلك.. كما لم تجر بينهما أي مكالمات هاتفية تُذكر إلا في أضيق الحدود».
ويشير إلى أنه «في بعض الأحيان يكون لدى الرئيس الأسبق رغبة ملحّة في التحدث مع أوباما في أمر من الأمور المهمة التي تخص البلدين أو تخص قضية من قضايا المنطقة، إلا أنه يطلبه مرتين إلى ثلاث مرات يوميا ولا يرد عليه»، لكنه يضيف أن «أوباما نفسه حاول الاتصال بمرسي في يوم من أيام الثورة الشعبية الأخيرة ضد حكمه، أعتقد أنه كان يوم 30 يونيو أو الأول من يوليو، لكن الوقت كان قد فات، ولم يتمكن من الوصول إليه».
ويبدو أن العلاقات بين واشنطن والقاهرة كانت قد بدأت في التذبذب وعدم الانتظام وتعتريها قلة الثقة في السنوات التي سبقت وصول «الإخوان» للسلطة، أي منذ سنوات حكم مبارك الأخيرة؛ ففي مقابلة أخرى مع مسؤول في حزب مبارك شارك في اجتماعات مغلقة لقادة الحزب ترأسها مبارك نفسه، قال إن الرجل، الذي حكم البلاد لثلاثة عقود، تعهد بعدم زيارة أميركا طوال مدة حكم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وأن مبارك رغم تفاؤله بانتهاء ولاية بوش، إلا أنه فوجئ في 2009 بالرئيس الأميركي باراك أوباما، يرفض حضوره لخطابه الشهير في جامعة القاهرة.
ويبدو من خلال شهادة أخرى من أحد مسؤولي حزب مبارك، ويدعى «ي.ح»، أن الرئيس الأسبق تعرض لتصرفات لم تعجبه من بوش الابن، ومن خلفه أوباما أيضا. وحضر هذا المسؤول اجتماعا مغلقا مع قيادات حزبية برئاسة مبارك في مبنى تابع للحزب الوطني في ضاحية مصر الجديدة في عام 2009. وذلك عقب الزيارة الشهيرة التي قام بها أوباما لمصر وألقى خلالها خطابا للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة.
ويقول هذا المسؤول إن مبارك حمّل بوش مسؤولية فشل مؤتمر السلام الذي عقد في شرم الشيخ في صيف عام 2008، وإنه قال بالحرف: «دعيت لمؤتمر سلام.. أول مؤتمر سلام عالمي في شرم الشيخ، وجاء جورج بوش وخربه.. بوش جاء لبيتنا وشتم مصر وشتمنا، وبحكم أننا ناس شرقيون، وبوش يُعتبر في بيتي، لم أرد عليه، ولكن رددت عليه فيما بعد.. قلت له وأنا أودعه إنني لن أدخل أميركا طوال رئاستك فيها». كما تحدث مبارك بامتعاض عما قال إنه تبني إنجلترا لمواقف أميركا، رغم علاقته الحسنة مع توني بلير رئيس وزراء بريطانيا، الذي كان وقتها خارج السلطة وتربطه علاقة طيبة ببوش الابن، في حين كان مبارك معجبا بمواقف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في ذلك الوقت.
ويضيف أن مبارك كان يلتقي بقيادات حزبه بالمحافظات مرتين في السنة، وكان يتحدث معهم بصراحة كمن يشكو لهم همومه، وكان يحرص على أن يكون وحده معهم، باستثناء، في بعض المرات، مع رجل الأعمال، عز، الذي شغل في السنوات الأخيرة للحزب الوطني موقع أمين التنظيم فيه. وفي أحد الاجتماعات التي عُقدت في مقر الحزب بالقاهرة، تحدث مبارك عن أن العديد من الشخصيات الدولية تدخلت وتوسطت بينه وبين بوش الابن من أجل أن يغير موقفه الرافض لزيارة الولايات المتحدة، إلا أنه لم يستجب لها، وأن من بين من توسطوا في هذا الأمر السيدة ميركل.. و«في إحدى المرات اتصلت به المستشارة الألمانية، كما كان يتصل به بلير، وكذا رئيس وزراء إيطاليا ورئيس فرنسا في ذلك الوقت، وجاءته كوندوليزا رايس (وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك) أكثر من مرة، وذلك لإقناعه بأن يسافر للبيت الأبيض، لكنه كان يرفض.. وقالوا له اقتراحا بأن يذهب لأميركا للعلاج، لكنه كان متمسكا بموقفه من بوش الابن».
ورغم أن مبارك زار الولايات المتحدة أيام حكم أوباما، فإنه كان قد تولد لديه شعور بأن الولايات المتحدة قررت التخلي عنه. ويقول المسؤول الحزبي إن الرئيس الأسبق تحدث في ذلك الاجتماع المغلق حول هذا الموضوع بقوله إنه كان يتأهب لمرافقة أوباما لإلقاء خطابه في جامعة القاهرة، على أساس أن مبارك هو رئيس الدولة المضيفة، لكن أوباما أخطره، في الليل، بأنه سيتوجه صباحا للجامعة بمفرده. ويضيف: «قال لنا حسني مبارك إنه وجد نفسه في وضع مربك وفي موقف صعب.. إما أن يتسبب في مشكلة بسبب موقف أوباما، وبالتالي الدنيا ستقوم ولا أحد يعرف كيف ستقعد، أو أن يلتزم الصمت. وأخبرنا مبارك أنه أدرك في هذه اللحظة أنه سيحدث أمر جلل، لكنه قال إنه لا يعرف متى. وقال بالحرف وباللهجة المصرية: (فيه حاجة حتحصل، بس إمتى مش عارف). وأضاف أن مبارك قال أيضا إن أميركا تخلت عن مصر.. وكانت طريقة كلامه في تلك اللحظة تعني أن أميركا تخلت عنه هو شخصيا».



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.