قوات حفتر تستعيد مواقعها في بنغازي والسفيرة الأميركية تطالب بدور للميليشيات المسلحة

مفتى ليبيا يجدد انحيازه للمتطرفين ووقف رحلات الطيران من مصر وتونس

اللواء خليفة حفتر
اللواء خليفة حفتر
TT

قوات حفتر تستعيد مواقعها في بنغازي والسفيرة الأميركية تطالب بدور للميليشيات المسلحة

اللواء خليفة حفتر
اللواء خليفة حفتر

للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع واحد، شنت طائرات مجهولة الهوية غارات جوية فوق عدة مواقع عسكرية تابعة لميلشيات مصراتة وحلفائها حول منطقة مطار العاصمة الليبية طرابلس، وأحرزت قوات الجيش الوطني بقيادة اللواء خليفة حفتر تقدما ملحوظا ضد المتطرفين في مدينة بنغازي بشرق البلاد، بينما سعت ديبورا جونزا السفيرة الأميركية لدى طرابلس إلى إضفاء شرعية على الميلشيات المسلحة عبر المطالبة، بوضع سلاحها تحت سلطة الدولة وإعطائها دورا إيجابيا في البلاد.
وقال مسؤول أمني في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» أن مواقع تابعة للميلشيات التي تحارب ضمن ما يسمى بعمليتي «فجر ليبيا» و«قسورة» التابعتين لمصراتة وحلفائها، قد تعرضت لقصف عنيف في وقت مبكر من صباح أمس.
وأضاف المسؤول الذي طلب عدم تعريفه، : «هناك قصف، لكن لا تأكيد على وقوع غارات بالطائرات، منطقة القصف تمتد من حول مطار طرابلس الدولي إلى السواني وبوابة الجبس».
وتحدث نفس المسؤول عن تقدم مفاجئ أحرزته ميلشيات مصراتة وحلفائها في مواجهة ميلشيات الزنتان وجيش القبائل المتحالف معها، فيما زعمت الصفحة الرسمية لغرفة عمليات ثوار ليبيا استسلام 23 من القناصة الذين كانوا يتمركزون بحي الأكواخ، مشيرة إلى أن قوات فجر ليبيا ما زالت تتقدم بعد تحرير حي الأكواخ وسط انهيار كامل ومفاجئ مما وصفتها بـ«عصابات القعقاع»، في إشارة إلى كتيبة القعقاع التي تنتمي إلى الزنتان وتتولى مع كتيبة الصواعق حماية مطار طرابلس الدولي.
لكن مصادر مقربة من القوات التي تنتمي إلى الزنتان وتدافع عن المطار، نفت لـ«الشرق الأوسط» صحة هذه المعلومات، وقالت في المقابل أن ميلشيات مصراتة وحلفاءها تتعرض لخسائر فادحة في العتاد والمقاتلين لكنها تمتنع عن الإفصاح عنها. وطبقا لروايات سكان وصحافيين لـ«الشرق الأوسط» فقد شهدت مناطق جنوب وغرب طرابلس عدة اشتباكات عنيفة كان أكثرها دموية في منطقة حي الأكواخ، ولفتوا إلى أن منطقة الاشتباكات لا تخضع لسيطرة أي من الأطراف التي تخوض منذ الثالث عشر من الشهر الماضي معارك مفتوحة للسيطرة على منطقة مطار طرابلس.
وقال صحافي بالمدينة لـ«الشرق الأوسط»: «ميلشيات مصراتة تزعم أنها سيطرت هذا غير صحيح، نعم هناك فيه تقهقر من الزنتان ولكن المنطقة نقطة تماس النيران الآن لا سيطرة لأحد فيها أو عليها».
وفي تأكيد على إخفاقها في مساعيها للتوصل إلى هدنة لوقف إطلاق النار بين الميلشيات المتحاربة في طرابلس، اكتفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بإصدار بيان أدانت فيه استمرار المعارك في طرابلس وبنغازي، لا سيما قصف الأحياء السكنية عشوائيا والمرافق العامة واستخدام الطيران في العمليات العسكرية.
وجددت البعثة في البيان الذي تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، تحذيرها من مغبة الاقتتال ونتائجه الكارثية على جميع الصعد، في الوقت الذي تحتاج فيه ليبيا إلى التوافق من أجل بناء دولة المؤسسات والقانون ومعالجة المشكلات التي تهدد استقرارها ووحدتها الوطنية وسلامة مواطنيها. كما أعلنت أنها ستواصل مع ذلك جهودها الرامية إلى مساعدة الأطراف على التوصل إلى وقف لإطلاق النار تمهيدا لاستئناف العملية السياسية في أقرب فرصة ممكنة، مؤكدة على مسؤولية المؤسسات الشرعية في استكمال المرحلة الانتقالية بروحية الوفاق الوطني.
وفى مدينة بنغازي بشرق البلاد، حققت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر سلسلة انتصارات عسكرية ضد الجماعات المتطرفة في المدينة، حيث تمكنت خلال الساعات الماضية من استعادة أربعة معسكرات كانت تخص القوات الخاصة (الصاعقة) التابعة للجيش الليبي.
من جهته، عاد الشيخ الصادق الغرياني مفتي ليبيا إلى المشهد السياسي مجددا، بعدما نشر مقالا عبر موقعه الإلكتروني الرسمي أشاد فيه بالجماعات المتطرفة، وقال أحيي ثوارَ فجر ليبيا الشجعانَ، وثوار شورى بنغازي الأبطال، وأترحمُ على شهدائِهم، وعلى كلِ شهداءِ ليبيا.
وعد المفتي أن «القتالُ الجاري بين القعقاع والصواعقِ وقواتِ حفترَ مِن جهة، وبينَ ثوارِ فجر ليبيا ومجلس شورى ثوارِ بنغازي من جهة أخرى؛ ليسَ صراعا على السلطة، ولا هو تناحرٌ، كما تسميه الحكومة، أو كما يصورُه إعلامُ الفتنة المضلِل والمموّل».
وأضاف: «وإنّما هو قتالٌ بين الثوارِ وبين أعداءِ الثورة مِن الانقلابيين في بنغازي، وبقايا النظام السابق من كتائب القذافي في (32) معزز وإمحمد، والمتحالفين معهم من الصواعق والقعقاع، وَالصاعقة، ومَن استأجروهم من المرتزقة مِن خارج ليبيا لقتالِ الليبيين».
وعد أن القتال الدائر يستهدف «تحريرِ مُمتلكاتِ الدولة ومقرّاتها الشاسعة الواسعة، التي استلبَتها الصواعقُ والقعقاعُ مِن الدولة، وعلى رأسِها مقرُ الداخلية ورئاسة الأركانِ للجيشِ الليبي ومعسكراته الكثيرة، بالسطوِ المسلّح، التي حولوا الكثير منها إلى ممتلكات خاصة تساوي الملايين».
ودعا المحللينَ السياسيين والإعلاميين، إلى «أن يتبصروا حقيقة ما يجري، وأن يُسمّوا الأمورَ بأسمائِها الصحيحة، وينصفوا من يقدمون أرواحهم رخيصة من أجل الحق، فلا يظلموهم بتسويتهم مع أهل الباطل».
وتابع: «أهيب بكلّ منصفٍ مِن الإعلاميين والساسَة، أن يكفَ عن استعمال هذا المفهومِ الخاطِئِ للحياد... وأن يكُفُوا في القتال الدائر في ليبيا عنِ استعمالِ عبارات التنصل من اتخاذ موقف، مثل عبارة: (مَا يُعْرفُ بفجرِ ليبيا)، و(ما يعرف بمجلس شورى ثوار بنغازي) عندَ وصفِهم للأحداثِ؛ لأنّ هذا يعنِي أنك أيُها المتحدثُ تُسوِي بينَ كتائب القذافي ومَن يقاتِلون معهم، وبينَ الثوار الذين يقاتلونَهم، فهل فعلا هما سواء».
إلى ذلك، أعلن مسؤولون في قطاع الطيران المدني أن مطاري القاهرة وتونس ألغيا معظم الرحلات المتجهة إلى ليبيا والقادمة منها بعد أيام من إعلان الحكومة في طرابلس أن طائرات حربية مجهولة الهوية هاجمت مواقع لجماعات مسلحة في العاصمة.
ولم يفصح متحدث باسم ديوان الطيران المدني بتونس عن سبب اتخاذ هذه الإجراءات في حين قالت وكالة الأنباء الليبية الرسمية ومسؤولون مصريون إن سلطات مطار القاهرة ألغت الرحلات لدواع أمنية. وقال مسؤول في مجال الطيران المدني الليبي إن الرحلات لا تزال مستمرة من تونس إلى مدينة الأبرق في شرق ليبيا بالإضافة إلى الرحلات من مدينة الإسكندرية المصرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط إلى ليبيا. وقال مسؤول تونسي في قطاع النقل إن الرحلات إلى مدينة طبرق الشرقية مستمرة أيضا.
وكانت الرحلات من تونس ومصر إلى ليبيا تعمل بشكل يومي تقريبا حتى يوم الخميس.
وكان حفتر قد أعلن أن قواته مسؤولة عن الضربات الجوية التي استهدفت يوم الاثنين فصائل إسلامية كانت تحاول طرد منافسيها من العاصمة الليبية في أسوأ معارك تشهدها طرابلس منذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.
غير أن بعض المحللين شككوا في مدى قدرة طائرات قديمة الطراز من القوات الجوية الليبية - التي لحقت بها أضرار بالغة أثناء انتفاضة 2011 ضد القذافي - على القيام بهجوم ليلي وقطع مسافة ألف كيلومتر من الشرق.
واستخدم حفتر طائرات في بنغازي لشن هجمات على كتائب إسلامية ولكن بنجاح متفاوت. وقال سكان محليون إن إحداها ضربت ذات مرة موقع جامعة بدلا من معسكر لميليشيا. وتكهنت قنوات تلفزيونية ليبية بأن تكون دول مجاورة أو أطراف أخرى وراء الضربات الجوية الليلية.
ونفى مسؤولون من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي (الناتو) ومصر أي تدخل.
في غضون ذلك، دخلت السفيرة الأميركية في ليبيا، ديبورا جونزا على خط الأزمة وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار، لكنها طالبت في المقابل بوضع سلاح التشكيلات المسلحة تحت سلطة الدولة وإعطائها دورا إيجابيا في البلاد.
وشككت جونز في تصريحات منسوبة لها أمس في قدرة القوات الموالية للواء حفتر، الذي تبنى الضربات الجوية الأخيرة على مواقع تابعة لدرع الوسطى، وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تعرف قدرات الجيش وتعرف أنه ليس وراء هذه الضربات، دون أن تفصح عن الجهة التي تقف وراءها.
وقالت جونز في وقت سابق إن بلادها تدعم مجلس النواب والهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، رافضة وصف ليبيا بالدولة الفاشلة، عادة أن بناء الدولة هو أمر أساسي.
من جهة أخرى، أعلنت الشركة العامة للكهرباء عن حدوث إطفاء كامل لشبكة الكهرباء بالمنطقة الغربية الممتدة من منطقة السراج، وحتى رأس جدير، منذ الساعة السابعة صباحا.
وأفادت مصادر مسؤولة بالشركة أن العطل يرجع إلى إصابة دوائر نقل الطاقة غرب طرابلس - الزاوية، وهي الدوائر التي تمت صيانتها خلال الأيام الماضية، بالإضافة إلى خروج وحدات التوليد عن الخدمة.
إلى ذلك، نقلت وكالة رويترز عن متحدث باسم المؤسسة الوطنية للنفط أن إنتاج ليبيا من الخام ارتفع إلى 612 ألف برميل يوميا، علما بأن أحدث تقديرات رسمية لإنتاج الدولة العضو في منظمة أوبك كانت تبلغ 560 ألف برميل يوميا.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.