الرئيس الصيني في باريس وسط قلق أوروبي من طموحات بكين

اتفاق لشراء 290 طائرة {إيرباص} من طراز «إي 320» و«إي 350»

الرئيسان الفرنسي والصيني خلال مؤتمر صحافي في باريس أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي والصيني خلال مؤتمر صحافي في باريس أمس (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الصيني في باريس وسط قلق أوروبي من طموحات بكين

الرئيسان الفرنسي والصيني خلال مؤتمر صحافي في باريس أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي والصيني خلال مؤتمر صحافي في باريس أمس (أ.ف.ب)

حرص الرئيسان الفرنسي والصيني إيمانويل ماكرون وشي جينبينغ، في المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماعين أحدهما مغلق والثاني موسع، في قصر الإليزيه الذي أحيط بتدابير أمنية بالغة التشدد، على توافق آرائهما إن كان بصدد العلاقات الثنائية أو مع الاتحاد الأوروبي، وأخيراً بخصوص الحوكمة العالمية وتحديداً الدفاع عن عالم متعدد الأطراف، و«متوازن ومستقر»، وفق كلمات «شي».
ومع التوقيع على 14 اتفاقاً وعقداً، أبرزها شراء الصين لـ290 طائرة إيرباص من طراز إي 320 وإي 350 بعشرات المليارات من الدولارات، كان لا بد من التركيز على التفاهم وعلى «الرؤية المشتركة» بين باريس وبكين لشؤون العالم.
ورغم إشارة ماكرون لملف حقوق الإنسان في الصين، واعتبار ذلك ليس تدخلاً في شؤون الصين الداخلية وإنما معايير «عالمية»، فإن ذلك لم يعكر مزاج الضيف الصيني الذي لم يتوقف عندها. كذلك، فإن الرئيس الصيني تلقى تنبيه ماكرون إلى ضرورة أن يكون المشروع الضخم المسمى «طرق الحرير» «مفيداً بالاتجاهين» بانفتاح. ورد التحية بأحسن منها، بتأكيد أن بلاده «تريد أن يستفيد الآخرون من نموها» الاقتصادي، وأن يكون المشروع المذكور «مفيداً للإنسانية جمعاء، لأن هذا هو جوهر وروح الحضارة الصينية».
وبلغة أرادها أن تكون حاسمة، شدد الزعيم الصيني على أن بلاده «تريد أوروبا متحدة ومزدهرة» وقال إنها ستدعم تطورها دوما وستعمل معها لبناء نظام جديد من العلاقات. وإذ أشار إلى أن همه هو «سعادة» الشعب الصيني، لكنه اعتبر أن ذلك «لا يعني أن ننسى واجباتنا الدولية». كما طمأن ماكرون بالتشديد على أن بلاده تريد التعاون مع فرنسا في «إطار استراتيجية شاملة»، وعلى رأسها قطاعات الطاقة والفضاء والنووي المدني والإبداع والثقافة... وضمن كلمته رسالة مفادها رغبة بكين بأن يرحب بالشركات الصينية، وأن تعامل معاملة منصفة.
وكان الرئيس الصيني يرد بذلك على دعوة ماكرون لعلاقات ثنائية «مثالية». كذلك، رسم ماكرون الأسس الثلاثة التي يتعين أن تقوم عليها العلاقات الصينية - الأوروبية، ولم ينس قدرة البلدين على العمل في بلدان أخرى وتحديدا في أفريقيا، حيث لباريس ملاحظات كثيرة على السياسات الصينية.
وكانت باريس قد فرشت السجاد الأحمر تحت قدمي الرئيس الصيني، الذي يقوم بزيارة دولة لفرنسا من ثلاثة أيام بدأها الأحد من مدينة نيس الساحلية التي أغلقت واجهتها البحرية الشهيرة المسماة «متنزه الإنجليز»، حرصاً على راحة الضيف الكبير الذي يرافقه وفد من 500 شخص. ونزل الزعيم الصيني وحاشيته في فندق «نيغريسكو» الشهير، فيما دعاه ماكرون وزوجته بريجيت إلى عشاء خاص في الفيلا - المتحف المسماة «كريلوس» المطلة على مياه المتوسط الزرقاء، والتي تعد أحد أجمل الإنجازات المعمارية في المنطقة. ولإكمال الحفاوة بزعيم «إمبراطورية الوسط»، فإن شي جينبينغ، وفي لفتة استثنائية، استقبل رسمياً في باريس تحت قوس النصر، الواقع في أعلى جادة الشانزليزيه. كما أنه كان ضيف الشرف في العشاء الرسمي الذي أقيم ليل أمس تكريماً له في قصر الإليزيه، والذي دعي إليه 200 شخص من السياسيين والأدباء والفنانين ورجال الاقتصاد والمال. بيد أن هذه الحفاوة لا تعني أن شهر العسل الفرنسي - الصيني على حاله، رغم تغريدة إيمانويل ماكرون الذي اعتبر أن زيارة نظيره الصيني «ستعزز الشراكة الاستراتيجية وتؤكد دور فرنسا وأوروبا والصين لصالح حوكمة عالمية متعددة الأقطاب». ذلك أن باريس ومعها مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي تتخوف من نمو النفوذ الصيني في أوروبا في الكثير من القطاعات الاستراتيجية، كما أن باريس تجد في بكين «منافسا قويا» في منطقة النفوذ الفرنسية في أفريقيا، وهو ما شدد عليه ماكرون في جولته الأخيرة في 3 بلدان في أفريقيا الشرقية (جيبوتي وإثيوبيا وكينيا).
كذلك، فإن باريس حساسة للغاية لنشاطات الصين في منطقة جنوب المحيط الهادي حيث السيادة الفرنسية تمارس على أرخبيل «كاليدونيا الجديدة» وأرخبيل بولينيزيا وجزيرة كليبرتون الصغرى. وقد عبّر المسؤولون الفرنسيون أكثر من مرة عن «قلقهم» إزاء نشاطات بكين العسكرية في هذه المنطقة.
لكن الطرف الفرنسي يرى أن الرد على النمو الصيني لا يمكن أن يكون على المستوى الوطني بل يتعين أن يأتي أوروبياً. ودعا ماكرون الخميس الماضي الاتحاد الأوروبي إلى أن «يعي» المخاطر التي تمثلها الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم وإلى الدفاع عن «السيادة الأوروبية» بوجه الصين التي يصفها تقرير صادر عن بروكسل بأنها «المنافس المنهجي» لأوروبا. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم دعوة الرئيس ماكرون للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ولرئيس المفوضية جان كلود يونكر للمشاركة صباح اليوم في اجتماع مع شي لطرح مجمل هذه المسائل، إضافة إلى ملفات أخرى مثل: «الحوكمة العالمية، واتفاقية التجارة، والحضور الصيني الاقتصادي والتجاري في أوروبا، وتمسك الجانب الأوروبي بمبدأ المعاملة بالمثل بالنسبة لحضور الشركات الصينية والأوروبية في أسواق الطرف الآخر». بيد أن الأوروبيين لم ينجحوا حتى اليوم في انتهاج خط واضح موحد إزاء الصين، الأمر الذي عبر عنه المفوض الألماني في الاتحاد الأوروبي غونتر أوتينغر الذي ينظر بـ«قلق» لخروج قطاعات أساسية أوروبية ذات أهمية استراتيجية «في إيطاليا أو بلدان أوروبية أخرى مثل الشبكات الكهربائية والخطوط الحديدية والمرافئ» من أيدي الأوروبيين ووقوعها بأيدٍ صينية. وكان بوسع المسؤول الأوروبي أن يضيف مسألة خلافية أساسية تتعلق بمد شبكة الإنترنت من الجيل الجديد المسمى G5التي تروج لها الشركة العملاقة الصينية «هواوي» المنافس الأكبر للشركات الغربية. ويرى عدد من الخبراء أن تمكن الصين من هذه الشبكة سيعني أن «أسرار الغرب ستكون بمتناول أيديهم». وخلاصة المسؤول الألماني أن أوروبا «بحاجة ماسة لاستراتيجية (موحدة) إزاء الصين» التي تمد خطوطها وتقيم شبكاتها بفضل مشروعها الضخم المسمى «طرق الحرير الجديدة» الساعية بكين عبره إلى إعادة صياغة علاقات الصين التجارية والاقتصادية مع العالم من خلال إقامة شبكة طرق بحرية وبرية لتسهيل التجارة والمبادلات. والتكلفة المقدرة للمشروع الذي يحتضن أهدافا اقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية تزيد على 3000 مليار دولار.
مشكلة أوروبا العميقة، كما ترى مصادر فرنسية، أنها «واقعة بين المطرقة الأميركية والسندان الصيني». وتحتاج أوروبا للصين في سعيها للالتفاف على أحادية الرئيس ترمب، وللاستفادة من الفرص التي تتيحها السوق الصينية. إلا أنها في الوقت عينه تتبنى الكثير من المخاوف الأميركية من غير أن تصل إلى المقاربة «الصدامية» التي تنتهجها الإدارة الأميركية في تعاطيها مع الصين. لذا، فإن الطرف الأوروبي، وتحديداً الرئيس ماكرون، الذي يبدو الأكثر أهلية لذلك بسبب قرب خروج ميركل من المشهد السياسي، وتخبط رئيسة الوزراء البريطانية في تعقيدات البريكست، يسعى للعب دور الوسيط. لكن الاضطلاع بدور كهذا يفترض أن لأوروبا سياسة واضحة وموحدة إزاء بكين التي تفضل التعامل مع كل بلد أوروبي على حدة.



كندا: ترودو يستقيل من زعامة الحزب الليبرالي

TT

كندا: ترودو يستقيل من زعامة الحزب الليبرالي

ترودو متأثراً خلال إعلان استقالته في أوتاوا الاثنين (رويترز)
ترودو متأثراً خلال إعلان استقالته في أوتاوا الاثنين (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو (53 عاماً) استقالته من منصبه، الاثنين، في مواجهة ازدياد الاستياء من قيادته، وبعدما كشفت الاستقالة المفاجئة لوزيرة ماليته عن ازدياد الاضطرابات داخل حكومته.

وقال ترودو إنه أصبح من الواضح له أنه لا يستطيع «أن يكون الزعيم خلال الانتخابات المقبلة بسبب المعارك الداخلية». وأشار إلى أنه يعتزم البقاء في منصب رئيس الوزراء حتى يتم اختيار زعيم جديد للحزب الليبرالي.

وأضاف ترودو: «أنا لا أتراجع بسهولة في مواجهة أي معركة، خاصة إذا كانت معركة مهمة للغاية لحزبنا وبلدنا. لكنني أقوم بهذا العمل لأن مصالح الكنديين وسلامة الديمقراطية أشياء مهمة بالنسبة لي».

ترودو يعلن استقالته من أمام مسكنه في أوتاوا الاثنين (رويترز)

وقال مسؤول، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن البرلمان، الذي كان من المقرر أن يستأنف عمله في 27 يناير (كانون الثاني) سيتم تعليقه حتى 24 مارس، وسيسمح التوقيت بإجراء انتخابات على قيادة الحزب الليبرالي.

وقال ترودو: «الحزب الليبرالي الكندي مؤسسة مهمة في تاريخ بلدنا العظيم وديمقراطيتنا... سيحمل رئيس وزراء جديد وزعيم جديد للحزب الليبرالي قيمه ومثله العليا في الانتخابات المقبلة... أنا متحمّس لرؤية هذه العملية تتضح في الأشهر المقبلة».

وفي ظل الوضع الراهن، يتخلف رئيس الوزراء الذي كان قد أعلن نيته الترشح بفارق 20 نقطة عن خصمه المحافظ بيار بوالييفر في استطلاعات الرأي.

ويواجه ترودو أزمة سياسية غير مسبوقة مدفوعة بالاستياء المتزايد داخل حزبه وتخلّي حليفه اليساري في البرلمان عنه.

انهيار الشعبية

تراجعت شعبية ترودو في الأشهر الأخيرة ونجت خلالها حكومته بفارق ضئيل من محاولات عدة لحجب الثقة عنها، ودعا معارضوه إلى استقالته.

ترودو وترمب خلال قمة مجموعة العشرين في هامبورغ 8 يوليو 2017 (رويترز)

وأثارت الاستقالة المفاجئة لنائبته في منتصف ديسمبر (كانون الأول) البلبلة في أوتاوا، على خلفية خلاف حول كيفية مواجهة الحرب التجارية التي تلوح في الأفق مع عودة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

وهدّد ترمب، الذي يتولى منصبه رسمياً في 20 يناير، بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25 في المائة على السلع الكندية والمكسيكية، مبرراً ذلك بالأزمات المرتبطة بالأفيونيات ولا سيما الفنتانيل والهجرة.

وزار ترودو فلوريدا في نوفمبر (تشرين الثاني) واجتمع مع ترمب لتجنب حرب تجارية.

ويواجه ترودو الذي يتولى السلطة منذ 9 سنوات، تراجعاً في شعبيته، فهو يعد مسؤولاً عن ارتفاع معدلات التضخم في البلاد، بالإضافة إلى أزمة الإسكان والخدمات العامة.

ترودو خلال حملة انتخابية في فانكوفر 11 سبتمبر 2019 (رويترز)

وترودو، الذي كان يواجه باستهتار وحتى بالسخرية من قبل خصومه قبل تحقيقه فوزاً مفاجئاً ليصبح رئيساً للحكومة الكندية على خطى والده عام 2015، قاد الليبراليين إلى انتصارين آخرين في انتخابات عامي 2019 و2021.

واتبع نجل رئيس الوزراء الأسبق بيار إليوت ترودو (1968 - 1979 و1980 - 1984) مسارات عدة قبل دخوله المعترك السياسي، فبعد حصوله على دبلوم في الأدب الإنجليزي والتربية عمل دليلاً في رياضة الرافتينغ (التجديف في المنحدرات المائية) ثم مدرباً للتزلج على الثلج بالألواح ونادلاً في مطعم قبل أن يسافر حول العالم.

وأخيراً دخل معترك السياسة في 2007، وسعى للترشح عن دائرة في مونتريال، لكن الحزب رفض طلبه. واختاره الناشطون في بابينو المجاورة وتعد من الأفقر والأكثر تنوعاً إثنياً في كندا وانتُخب نائباً عنها في 2008 ثم أُعيد انتخابه منذ ذلك الحين.

وفي أبريل (نيسان) 2013، أصبح زعيم حزب هزمه المحافظون قبل سنتين ليحوله إلى آلة انتخابية.

وخلال فترة حكمه، جعل كندا ثاني دولة في العالم تقوم بتشريع الحشيش وفرض ضريبة على الكربون والسماح بالموت الرحيم، وأطلق تحقيقاً عاماً حول نساء السكان الأصليين اللاتي فُقدن أو قُتلن، ووقع اتفاقات تبادل حرّ مع أوروبا والولايات المتحدة والمكسيك.