بسام منصور: كلما اقتربت من الكلام هرب مني

قال إنه هرب من لبنان لأنه لا يحب «المواجهة في الوحل»

غلاف المجموعة  -  بسام منصور
غلاف المجموعة - بسام منصور
TT

بسام منصور: كلما اقتربت من الكلام هرب مني

غلاف المجموعة  -  بسام منصور
غلاف المجموعة - بسام منصور

صدر للشاعر والإعلامي اللبناني بسام منصور ديوان جديد هو «يكفي أن تعبر الليل» (دار النهضة العربية - بيروت) بعد انقطاع استمر فترة طويلة، لكن هذا لا يعني أنه انقطع عن كتابة الشعر، شاغله الأول والأخير. ويأتي الديوان الجديد وقد تكثفت فيه تجربته الشعرية التي تجلّت في ديوانيه السابقين «وجاء أنه» 1986 و«الفصول السبعة» 2002. عمل منصور منذ استقراره في باريس عام 1976، في مؤسسات صحافية عربية وأجنبية كثيرة، منها مسؤول إعلامي للمنطقة العربية في منظمة اليونيسكو، حيث أشرف على تأسيس موقعها وتحريره. هنا حوار معه عن تجربته الشعرية بمناسبة صدور مجموعته الجديدة:
> مر زمن طويل منذ أن أجريت معك حواري الأول، وها أنا أعود إليك بعد قراءة مجموعتك الجديدة بعين جديدة، ما الذي اختلف بين هذين التاريخين؟
- هل فعلاً مر كل هذا الوقت؟ هل ترانا ما زلنا على قيد الحياة أم يشبه لنا؟ في أي معطف اختبأنا حتى وصلنا إلى ما نحن وصلنا إليه وأي عربة زمن امتطينا؟ ليتني قادر أن أعود في هذه العربة إلى أول الوقت لأصحح كل أخطائي وأخطاء غيري، ينزلق الوقت بين أيدينا من دون أن نتمكن من الإفادة منه لتحسين ظروف حياتنا وتحسين مجتمعاتنا لبناء غد أفضل. أرى أن العالم يسير من سيئ إلى أسوأ، وما الابتكارات العلمية والرقمية الجديدة والمتسارعة إلا لتزيد من بؤسنا قبل أن تزيد من سعادتنا. في لقائنا الأول، كنا لا نزال نحلم بأن نبني مجتمعات عادلة قائمة على الإنصاف والمساواة والكرامة للجميع... والذي اختلف اليوم هو أننا نود أن نعود إلى ذلك الوقت لنكتفي به ونمنعه من التقهقر.
> لماذا ينقطع الشاعر في نظرك عن كتابة الشعر؟
- لا أعتقد أن الشاعر يمكن أن ينقطع عن كتابة الشعر لأنه شرط وجوده بالمعنى الفعلي والمجازي. قد يكون هناك بعض الخوف والتردد والشعور الكبير بالعبث ولكن التخلي والانقطاع من الأمور المستحيلة. إن الموهبة لا تجف وهي لا تمتلئ أبداً، الموهبة رحم يجب أن تخصب حتى تنجب. ولكن حالة الخصب فيها لا تكتفي بلقاح واحد إنه لقاح متعدد المصادر والأماكن. ما تكتبه الآن قد تجده ساذجاً غداً وتعود وتجده رائعاً بعد غد.
> حاولت في مجموعتك «يكفي أن تعبر الليل» أن تعمل على تكثيف تجربتك السابقة في ديوانيك «وجاء أنه» 1986 و«الفصول السبعة» 2002.
- «كلما كتبت كلمة ابتكرتها» كتبت ذات مرة. إن ما تسميه تكثيفاً موجود دائماً في محاولاتي الإبداعية. الكلمة عالم لا يتكرر. إنه تجديد دائم. كلما اقتربت من الكلام هرب مني كأنني وحش ضار في عالم من المخلوقات السحرية. وليس التجريد إلا محاولات صعبة لكشف ما يصعب الكشف عنه من عالمنا ووجودنا. قد تجد طريقك إلى النور عبر الحب أو عبر الغناء أو عبر الرياضة، أما أنا فطريقي في الحب والغناء والرقص والرياضة بالكلام. الكلمة هي كبسولة وصولي إلى خفايا الكون المجهول.
> أثارت قصيدة النثر جدلاً بين شعر التفعيلة والشعر التقليدي العربي، يصل أحياناً إلى الطلاق بينهما... ما رأيك؟
- إن الشعر موجود في النثر منذ بدايات الوقت وفي كل الثقافات والحضارات. وفي اللغة العربية قبل غيرها، فإن النثر العربي التراثي خزان شعري هائل والأمثلة كثيرة. وضع الدكتور والشاعر أديب صعب في مقالته عن «مجموعة يكفي أن تعبر الليل» إصبعه على جانب لم أكن أعيه؛ هو أنني اعتمدت التفاعيل في أمكنة ما من دون وعي بذلك. واسمح لي أن أشاركك رأيه: «نلاحظ أنّ العبارة الأخيرة، (تُغمِض في جفن الحبّ ويَسهو)، تجري على إيقاع (فعلن)، الذي يتكون منه الوزن المتدارَك. على هذا الإيقاع أيضاً عبارة (لو كان الشعرُ امرأةً)، وأيضاً: (وَجهُكَ أجملُ ما في المرآة). ومن الموزون على مجزوء الخفيف (فاعلاتن مفاعلن): (يَعبرُ الوقتُ دونَنا). ومن الإيقاع نفسه: (أنتَ والوقتُ توأمان). وعلى الكامل (متفاعلن): (ما لي وما لكِ والطريقُ قصيرُ؟). وعلى المتقارِب (فعولن): (وتَرمي بها في المحيطِ البعيد)».
إن التماهي في الشعر هو أكثر جدوى من التماهي في الأشكال. الشعر جوهر.
> لماذا لجأت إلى باريس بعد نشوب الحرب الأهلية؟ هل مهمة الشاعر الهروب من واقعه أم مواجهته؟
- إن الحرب الأهلية اللبنانية بالنسبة إلي أبشع الحروب في التاريخ. وما كان لي، وأنا في التاسعة عشرة من عمري، أن أتعايش مع هذه الحرب بأي شكل من الأشكال. تلك الحرب البشعة أجهضت أحلامنا بالتقدم والحرية والسعادة للجميع، وبدل أن نتقدم عدنا معها إلى العصر الحجري، بأسوأ صوره لأنه عصر حجري بتقنيات حديثة. وما كنت أخاف منه في ذلك الوقت تحقق اليوم بحيث توسعت هذه الحرب الأهلية واتسعت وأصبحت حرباً أهلية عربية. هربت؟ نعم هربت. لا أحب المواجهة في الوحل. وأدعو جميع الشباب أن يفعلوا مثلي ويهربوا من الحروب حتى لا يعود لتجار السلاح من يشتري منهم.
> ما مخاطر الغنائية على الشعر في نظرك؟
- الغنائية ليست خطراً ما دام أنها لا تنزلق إلى السطحية. وأعتقد أننا اليوم في وقت تداخلت فيه المدارس القديمة لابتكار عالم جديد معقد كلما دخلت إليه تعيد اكتشافه من جديد. في قول المتنبي: «حببتك قلبي قبل حبِّك من نأى وقد كان غداراً فكن أنت وافياً»، هناك غنائية دائمة لكل العصور وعلى مدى الدهور. وكذلك في «عيناك غابتا نخيل ساعة السحر» لبدر شاكر السياب... مهمتي أن أهز أغصان الشعر من كل العصور حتى تبقى المواسم مثمرة بالكلام الأليف.
> ما علاقتك بالشاعر الراحل أنسي الحاج؟ وما تقييمه لك من وجهة نظر شاعر، وأنت تخاطبه في بعض قصائدك؟
- أنسي الحاج الشاعر الملعون، الشيطان والملاك في آن. لقد اجتمعت فيه كل الصفات وليست قادرة على تلخيصه. كان شاعراً نادراً وكائناً نادراً وصحافياً نادراً. في الشعر كان من أوائل الثوار، بمعنى دفع الشعر حتى الطرف الآخر للحرية في التعبير والخيال، وكان متطرفاً في مخيلته التي تحولت معه آلة للخصب الدائم. إنني محظوظ جداً أن هذا الشاعر الكبير وهذا الإنسان الكبير كان واحداً من أساتذتي.
> هل تعتقد أن القصيدة تنتهي عند عنوان معين؟ أم أن النص هو الذي يحرر الشاعر من قيوده؟
- أحياناً، يكون العنوان أصعب شيء يمكنني أن أكتبه بعد الانتهاء من القصيدة. تشتبك العناوين في مخيلتي وتتزاحم. وأحياناً، يأتي العنوان كأنه الطلق الأول لمولد القصيدة. إن القصيدة تبدأ ولا تنتهي لأن حدودها المطلقة هي ما تجعلها تتفتح في مخيلة القارئ.
> تسعى على الدوام إلى استخدام مفرداتك الشعرية التي تميزك... هل تعتقد أن على الشاعر أن يؤسس لمفرداته الخاصة؟
- باختيارك المفردات تختار القصيدة. الكلمة هي التي تحدد مسار المعاني والصور والرموز. الكلمة ابتكار يتجدد مثل الحب لا ينضب إلا ليمتلئ من جديد. المهارة في الشاعر أن تكون قادراً على ابتكار مفرداتك ولغتك كما تبتكر من تحب... المرأة التي تحب لا يمكن أن تكون إذا كنت عاجزاً عن ابتكارها.
> الليل مادة لطالما عالجها الشعراء والكتّاب في كتاباتهم... هل كان الليل دليلك إلى الشعر والحياة؟
- الليل هو أحب الأوقات إلى قلبي وأكثرها سطوة. ربما في حب الليل تتألق مازوشيتي وتصل إلى أوجها. بقدر ما أحب الليل أخافه. أذكر، في الماضي، كنت أصل الليل بالنهار سهراً وعملاً ومتابعة. كنت أخرج من النادي الليلي إلى البيت لأستحم وأرتدي ملابس جديدة وأذهب إلى العمل أو إلى الجامعة أو المكتبة. كان هناك تواصل مطلق بين الليل والنهار والنوم كان عدوي الدائم. حينما بدأ الليل يتحول إلى زمن للنوم الصعب أخذ يتحول إلى عبء وكابوس.
> أنت شاعر «تعلق مرساتك في الرمال المتحركة»... ألا وجدت الأرض الثابتة التي تقف عليها؟
- وجدت الأرض؟ نعم وجدتها، بل وجدت الأراضي ولكنها كلها متحركة وغير ثابتة، لا شيء فيها يمكن أن نقول إنه صلب. هناك قول لأبي العلاء في وصفه الأرض: «خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد». الرمال المتحركة هي نحن، والمرساة نعلقها في أجسادنا.
> لماذا هذا الاقتصاد شديد في اللغة؟
- كما هو ممكن أفعل. هل هو اقتصاد في اللغة أم هو نوع من أن نوفر أكبر كمية من الوقت لتكون حياة أوفر؟ هناك لعبة مرآة بين الوقت واللغة. هل اللغة ترى نفسها في الوقت أم الوقت هو الذي يرى نفسه في اللغة؟ يمر عقد من الزمن من عمرك كأنه لحظة، فلا يمكنك أن تجعل من هذه اللحظة قاموساً بملايين الكلمات. إذا ابتكرت كلمة أو اثنتين تكون عملاقاً.
> نلاحظ أن فلسطين تتردد في شعرك قضية وجودية وليست سياسية...
- لو لم تكن مأساة فلسطين لكنت أكثر الناس سعادة اليوم. أنا لا أحولها من قضية سياسية إلى قضية وجودية، إنها أصلاً مسألة وجودية وإنسانية في الصميم. تعالَ نتأمل بالذي حصل ويحصل؛ هل كان يمكن أن يتم ذلك من دون أن يتبعه زلزال وجودي في الصميم في أي مكان آخر في العالم؟ المهم عندي هو أن تنتهي مأساة الشعب الفلسطيني. ووجود فلسطين في شعري يأتي من شعوري بمصدر الألم الحقيقي. وربما لهذا السبب أرادوا أن يحولوا بلداننا كلها إلى جراح مفتوحة.
> تتناول الحياة اليومية ولكنك تسعى على الدوام إلى رفعها إلى مستوى الأسطورة؟
- ربما هناك تماهٍ ما بين اليومي وما وراء اليومي، ما بين الواقع والوهم، أو ما بين الحياة وما بعد الحياة أو ما فوقها. أن تجعل من سلسلة الثواني والدقائق والساعات والأيام حبكة جديدة تبني عليها قصتك مع العمر، تحدٍ حقيقي يجعل منك أنت الكائن البسيط نوعاً من جلجامش بملامح عامل مقهى أو سائق باص أو راكب دراجة أو رجل يسير على الرصيف دون أن يعرف إلى أين يمضي.
والوقت هنا هو أخي التوأم يشبهني وأشبهه حينما ينتهي أنتهي معه. أنا حليفه وهو الفخ الذي ولد معي.
> تشير إلى الموت من خلال بعض الرموز السياسية اللبنانية... هل يصطف الشاعر إلى جهة معينة في نظرك؟ ألا يشكل خطراً على شعرك؟ أم لك موقف صارم من بعض القضايا؟
- أعتقد أنك تقصد قصيدة «إلى جبران تويني»، وفي هذا العنوان أعود إلى محنتي مع العناوين أحياناً. كتبتها مثل الجرح الذي ينزف في عشر دقائق ونمت عليها طويلاً. جبران تويني لم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي وإن انتخب عضواً في المجلس النيابي. كان صحافياً ومناضلاً يدافع عن الحرية بصورة عامة وعن حرية التعبير والصحافة بصورة خاصة. وكنا أصدقاء منذ المراهقة. ويوم قتل بتلك الطريقة الوحشية، وكل جريمة قتل هي جريمة وحشية، شعرت أن شيئاً من شبابي قتل معه. هل عندي موقف صارم من بعض القضايا؟ نعم، لا يمكنني أن أقبل بأن يكون القتل طريقة لحل الخلافات السياسية وغير السياسية بين الناس.



مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
TT

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».

بمناسبة مئوية ميلادها التي تحلُّ هذا العام 2026، أعادت الأوساط الثقافية الفرنسية اكتشاف الوجه الآخر لأسطورة السينما مارلين مونرو من خلال الترجمة الأولى لكتاب الصحافي البريطاني ويليام ويذربي «حوارات مع مارلين» (Conversations avec Marilyn). هذا الكتاب، الصادر عن دار «سيغير» في 12 فبراير (شباط) الماضي يقدم شهادةً حية تُفكك الصورة النمطية التي سعت هوليوود لترسيخها حول «الشقراء القنبلة» أو «ممثلة الإغراء» التي لا تملك سوى جمالها.

يكشف ويذربي، الذي التقى بمونرو خلال تصوير فيلم «المختلون» عام 1960 واستمرت لقاءاتهما في حانات نيويورك المتوارية، عن امرأةٍ مسكونة بهواجس الفكر، تتحدث عن الأدب والسياسة والتحليل النفسي بوعيٍ حادٍ واهتمام بالغ. كانت مونرو تدرك تماماً «اللعبة» التي تفرضها الصناعة السينمائية؛ حيث وصفت الشخصية التي تؤديها بأنها «عبءٌ ثقيل» وفستانٌ ترتديه وتخلعه حسب الطلب، بينما يظل جوهرها الحقيقي غارقاً في بطون الكتب وعوالم الأدب.

ويذكر ويذربي أن مارلين مونرو لم تكن مجرد ممثلةٍ طاردتها العدسات، بل كانت «مثقفةً متخفية» في جسد أيقونة إغراء، وقد جاء كتابه «حوارات مع مارلين» ليمنح هذه الحقيقة توثيقاً إنسانياً بعيداً عن صخب النجومية. ففي ثنايا لقاءاتها السّرية بمدينة نيويورك، تبرز مونرو كعاشقة للأدب والشعر، تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها، وكأداةٍ لفهم الذات والمجتمع.

يشرح الكاتب أن مكتبة مارلين الشخصية لم تكن مجرد ديكور في الغرفة، بل بمثابة مختبر لعقلٍ جائع للمعرفة، حيث احتوت على أكثر من 430 كتاب، تنوعت بين الفلسفة والتحليل النفسي والأدب والشعر، منها أعمال لألبير كامو وبودلير وفيتزجيرالد، وعملاق الأدب الآيرلندي جيمس جويس التي كانت تحتفظ بنسخٍ مُعلّمة بخط يدها من أعماله، ولا سيما روايته «يوليسيس» التي تُعدُّ من أبرز أعمال الأدب الحداثي وتحدياً فكرياً يستحق المحاولة المتكررة، بحسب ما نقله الصحافي البريطاني. كما كانت مارلين قارئة نهمة للأدب الروسي، لتولستوي وبالأخص لدوستويفسكي الذي وجدت في شخصياته المعذبة صدىً لمعاناتها الشخصية، حيث قرأت «الإخوة كارامازوف» مرتين، وكانت تُعلّم المقاطع التي تتحدث عن الألم والخلاص، وكتبت عنه في مدونتها التي نشرت في السيرة الذاتية المخصصة لها بعنوان «الشظايا» ما يلي: «دوستويفسكي يفهمني، يعرف ما معنى أن تكون ممزقاً بين الضوء والظلام، بين الرغبة في القداسة والسقوط في هاوية الخطيئة». كما كانت من عشاق أعمال فرانز كافكا، واحتفظت بنسخة من روايته «المحاكمة»، وكانت مليئة بالملاحظات في الهوامش، ومنها هذه العبارة التي كتبت بخط يدها: «هذا هو عالم هوليوود بالضبط: محاكمة دائمة دون معرفة التهمة الحقيقية».

مكتبة مارلين مونرو

وأشار الكاتب إلى أن مارلين كانت تحب قراءة أعمال من الأدب الاجتماعي التقدمي، كأعمال لينكولن ستيفنز، الصحافي الاستقصائي الذي فضح الفساد في أميركا، لكنها كانت تخفي كتبه في مواقع التصوير خوفاً من الاتهام بالتعاطف مع اليسار في تلك الحقبة التي عرفت بالمكارثية واضطهاد الاشتراكيين، كما قرأت أيضاً لجون شتاينبك، خاصة «عناقيد الغضب»، ووجدت في روايته صوتاً للمهمشين والفقراء، الطبقة التي انتمت إليها قبل أن تصبح نجمة. وكانت قد صرَّحت للكاتب ويذربي في حواريهما: «شتاينبك يكتب عن الناس الحقيقيين، الناس الذين عرفتهم في طفولتي، هؤلاء الذين يشكلون أميركا العميقة. هوليوود تريد مني أن أنسى من أين أتيت، لكن هذه الكتب تذكّرني دائماً بأصولي».

كما كان للشعر مكانة خاصة في قلب مارلين. فكانت تحتفظ بدواوين والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب». أما كارل ساندبرغ، الشاعر الذي وصفته بـ«صوت أميركا الحقيقي»، فقد كان بمثابة الأب الروحي لها. التقت به شخصياً عدة مرات، وكانت تستشيره في قراءاتها، وكان قد أهداها نسخة موقعة من سيرته الذاتية عن أبراهام لينكولن، قرأتها أكثر من ثلاث مرات. أحبت مارلين قصائد إي. إي. كامينغز وكذلك إديث سيتويل وكانت تميل إلى الشعر الذي يكسر القواعد ويتمرد على الأشكال التقليدية، ربما لأنها رأت في ذلك انعكاساً لرغبتها الدائمة في التمرد على القوالب النمطية التي حُبست فيها. وما يجهله البعض هو أن مارلين مونرو قد كتبت نصوصاً شعرية جُمعت في كتاب «الشظايا» الذي نشر في 2010، كشفت عن موهبة شعرية حقيقية تبحث عن نفسها، حيث تناولت في كتابتها موضوعات الوحدة، والحب المضطرب، والهوية المشتتة.

كانت تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها

في قصيدة أسمتها «الحياة» كتبت ما يلي:

أنا من كلا الاتجاهين

أبقى بطريقة ما معلّقة نحو الأسفل أكثر ما أكون

لكنّني قوية كخيط العنكبوت في مواجهة الريح

أشدّ حضوراً حين يتجلّى الصقيع البارد المتلألئ

بيد أنّ أشعتي المُحبَّبة تحمل الألوان

التي رأيتها ذات مرة في لوحة

آه أيتها الحياة، لقد خدعوك

كما أشار كاتب «حوارات مع مارلين مونرو» إلى أن اهتمام مارلين بالتحليل النفسي أكثر من مجرد فضول فكري، حيث قرأت معظم أعمال فرويد، وكانت تحضر جلسات التحليل النفسي مع أساتذة معروفين، كما احتفظت بنسخٍ من «تفسير الأحلام» و«الأنا والهو»، وكانت تحاول فهم عقدها النفسية من خلال نظريات فرويد. في حواراتها مع ويذربي تقول: «فرويد علّمني أن أفهم لماذا أبحث دائماً عن الحب في الأماكن الخاطئة، ولماذا أخاف من النجاح بقدر ما أسعى إليه». كانت تقرأ أيضاً لكارل يونغ، وانجذبت بشكل خاص لنظريته حول «الظل»، أو الجانب المظلم من الشخصية الذي نحاول إخفاءه.

لم ينفصل وعي مارلين الثقافي عن التزامها بالقضايا الإنسانية الكبرى. ففي حواراتها مع ويذربي، أبدت فضولاً عميقاً تجاه نضال الأميركيين الأفارقة من أجل الحقوق المدنية، وربطت بين قراءاتها التاريخية وبين واقع التمييز الذي كانت ترفضه بشدة.

 


«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية
TT

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني، الذي يبدو فضاءً زاخراً بالمهمشين الذين يلتحفون الكفاف، وهم «يكافحون الانصهار»، ليتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية؛ بل بنية ضاغطة تُعيد إنتاج الفقر والقهر، كما تُعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

في الرواية -الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع بالقاهرة- يمهِّد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات و«النميمة»، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل، لتصبح الحكايا هنا آلية بقاء، وطريقة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، ومتعة ليلية بعد «قهر النهار»، يلتف حولها الناس بجوار «كانون» الشاي الثقيل، وقد اختار الكاتب تلك التهيئة الجمعية تمهيداً لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»، لتشتعل حولهما الشائعات.

سيزيف مُعاصر

يستدعي الراوي الذي تربطه بـ«حامد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان، المُحب للغناء الصعيدي، والذي يقضي يومه عاملاً باليومية مستنداً إلى قوته الجسدية وحدها، يتندر به أهل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارِد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن حُكم عليه اجتماعياً.

يبدو اختيار مهنة «الفاعِل» اختياراً دالاً؛ فـ«حامد» أقرب إلى «سيزيف» معاصر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى «دُخان المعسل» الذي يكون عزاءه الوحيد في اليوم، ليُنذر ما تبقى من يوميته لأمه؛ حيث لا تبدو «اليومية» قيمة في ذاتها بالنسبة له، بقدر ما يعيد كل يوم الفعل نفسه، بما يُحيل إلى استعارة الطاحونة، في دينامية لا تتغيَّر ولا تفضي إلى تحول يُذكر.

يتروى العديسي في رسم سياقات القرية مشهدياً، ما بين قيظ يشتد، وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة، وأسطح بيوت فقيرة، محرراً الطقس من كونه مجرد خلفية ليصبح سلطة رمزية تُهيمن على المشهد: «كان صيف هذا العام ساخناً. والقيظ على أشده يتبختر بخيلاء بين الجميع وهو يعلن سلطانه على الملأ. تارة يتمشى بين حقول القصب، وتارة أخرى يقطع الطريق على الناس»، ليبدو القيظ هنا متصرفاً ومهيمناً، يفرض حضوره كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها. وكذلك الهواء المحمَّل بالسخونة يبدو متواطئاً على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة التي «تأكل الحكايات وتقتات من فضلات الأخبار». هكذا يتقدم السرد على وقع اقتيات أهل النجع لخبر هروب «حامد» و«صباح»، بوصفهما «عاشقين» خرجا عن تقاليد القرية. وعلى إيقاع تلك الحكايا تُرسم صورة «حامد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقاً ليكون خارج مركزها، لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة؛ بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية.

نباهة شعبية

يتجلى تعلُّق «حامد» بالراديو، وبغناء المداحين، وأغاني «الكف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنسانية، فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة في قوله: «من الأشياء التي استوقفتني في أهل قريتي عموماً، أن بعضهم لم يتعلم القراءة والكتابة، ورغم ذلك يستمعون بشغف إلى غناء المداحين، وأحياناً يستوقفهم المعنى الجميل رغم صعوبة فهمه. كيف لهؤلاء إدراك المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابن عربي؟ لم أصل إلى إجابة محددة، فتركت التفكير في هذا الأمر مثل أمور أخرى عجزت عن فهمها». هذا الاعتراف بالعجز يكشف عن وعي نقدي يتسرَّب داخل طبقات السرد، عبر لسان الراوي الذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية، فهو لا يدَّعي الفهم الكامل؛ بل يعترف بغموض الحس الشعبي، ونباهة ذلك الإدراك الحدسي الذي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

عندليب أسود

يستدعي السارد ذكرياته مع «حامد» (الهارِب)، كمقوم سردي يظل يضيء تلك المنطقة الإنسانية الملتبسة لدى «حامد» الذي يسخر منه أهل النجع، ويُنابذونه بلقب «العندليب الأسود» وهو يغني بصوته الغليظ، في مقابل سعيه الدؤوب لحضور تجمعات المداحين والموالد والعزاءات والأفراح، بما يكشف عن توقه إلى الانتماء الجمعي، وإلى مساحة بديلة يجد فيها اعترافاً لا توفره له بنية القرية اليومية، بينما تبدو علاقته بوالدته «شفا» التي تحتل مكانة طيبة في النجع، علاقة رعاية ممتدة؛ فهي تظل حتى وفاتها ترعاه بحنو بالغ، لا يخلو من وعي باستعصاء حال ابنها اجتماعياً، وبالهامش الذي كُتب عليه أن يقيم فيه.

يبدو صوت الراوي المتداخل مع استدعاء ملامح «حامد»، قائماً على طبقتين ينهض عليهما السرد في تداخلٍ واضح، فمن جهة يستعيد طفولته التي جمعته بـ«حامد»، ومن جهة أخرى يكشف عن إحساسٍ غامضٍ يلازمه تجاهه، فيقول: «منذ أن كان طفلاً، كان دائماً يلازمني شعور ما بأن (حامد) ليس طفلاً عادياً؛ القوة البدنية التي يمتلكها، شروده الدائم وعدم إلمامه بما يدور حوله، تلكؤه الغريب وصمته اللامتناهي، نظراته الزائغة دوماً، حتى ردود أفعاله البطيئة، كانت تعبر دوماً عن شيء مغاير يمتلكه هذا (الحامد) دوناً عن الآخرين؛ شيء ليس بالذميم أو الحميد، ولكنْ هناك اختلاف ما يسترعي انتباه من يتعامل معه».

لا يحسم السارِد طبيعة هذا «الاختلاف»؛ بل يتركه موارباً، وهذا الإرجاء يمنح الشخصية عمقاً سردياً؛ إذ لا يُختزل «حامد» في توصيف جاهز؛ بل يظل في منطقة رمادية بين البراءة والغموض، بوصفه «شيئاً مغايراً»، وفي هذه المسافة يتجلى موقف السارِد بوضوح؛ فهو لا يتبنى حُكم الجماعة؛ بل يعيد مساءلته.

مع عودة «حامد» و«صباح» يدخل السرد إلى مساحة اشتباك أوسع، تكشف عن تبادل مواقع الهامش والسخرية، وكأن القرية باتت في حاجة إلى إعادة تعريف مركزها؛ حيث تتقاطع موازين القوة بين التمرُّد والسلطة الاجتماعية، وقوانين الثأر، غير أن رهان «حامد» في النهاية لا يتجاوز الوقوع في الحب، والتعلُّق بأغاني الصعيد الشجيَّة التي يتلقاها بحساسيته المرهفة، فتبادله الهوى بالحساسية نفسها.


سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.