بسام منصور: كلما اقتربت من الكلام هرب مني

قال إنه هرب من لبنان لأنه لا يحب «المواجهة في الوحل»

غلاف المجموعة  -  بسام منصور
غلاف المجموعة - بسام منصور
TT

بسام منصور: كلما اقتربت من الكلام هرب مني

غلاف المجموعة  -  بسام منصور
غلاف المجموعة - بسام منصور

صدر للشاعر والإعلامي اللبناني بسام منصور ديوان جديد هو «يكفي أن تعبر الليل» (دار النهضة العربية - بيروت) بعد انقطاع استمر فترة طويلة، لكن هذا لا يعني أنه انقطع عن كتابة الشعر، شاغله الأول والأخير. ويأتي الديوان الجديد وقد تكثفت فيه تجربته الشعرية التي تجلّت في ديوانيه السابقين «وجاء أنه» 1986 و«الفصول السبعة» 2002. عمل منصور منذ استقراره في باريس عام 1976، في مؤسسات صحافية عربية وأجنبية كثيرة، منها مسؤول إعلامي للمنطقة العربية في منظمة اليونيسكو، حيث أشرف على تأسيس موقعها وتحريره. هنا حوار معه عن تجربته الشعرية بمناسبة صدور مجموعته الجديدة:
> مر زمن طويل منذ أن أجريت معك حواري الأول، وها أنا أعود إليك بعد قراءة مجموعتك الجديدة بعين جديدة، ما الذي اختلف بين هذين التاريخين؟
- هل فعلاً مر كل هذا الوقت؟ هل ترانا ما زلنا على قيد الحياة أم يشبه لنا؟ في أي معطف اختبأنا حتى وصلنا إلى ما نحن وصلنا إليه وأي عربة زمن امتطينا؟ ليتني قادر أن أعود في هذه العربة إلى أول الوقت لأصحح كل أخطائي وأخطاء غيري، ينزلق الوقت بين أيدينا من دون أن نتمكن من الإفادة منه لتحسين ظروف حياتنا وتحسين مجتمعاتنا لبناء غد أفضل. أرى أن العالم يسير من سيئ إلى أسوأ، وما الابتكارات العلمية والرقمية الجديدة والمتسارعة إلا لتزيد من بؤسنا قبل أن تزيد من سعادتنا. في لقائنا الأول، كنا لا نزال نحلم بأن نبني مجتمعات عادلة قائمة على الإنصاف والمساواة والكرامة للجميع... والذي اختلف اليوم هو أننا نود أن نعود إلى ذلك الوقت لنكتفي به ونمنعه من التقهقر.
> لماذا ينقطع الشاعر في نظرك عن كتابة الشعر؟
- لا أعتقد أن الشاعر يمكن أن ينقطع عن كتابة الشعر لأنه شرط وجوده بالمعنى الفعلي والمجازي. قد يكون هناك بعض الخوف والتردد والشعور الكبير بالعبث ولكن التخلي والانقطاع من الأمور المستحيلة. إن الموهبة لا تجف وهي لا تمتلئ أبداً، الموهبة رحم يجب أن تخصب حتى تنجب. ولكن حالة الخصب فيها لا تكتفي بلقاح واحد إنه لقاح متعدد المصادر والأماكن. ما تكتبه الآن قد تجده ساذجاً غداً وتعود وتجده رائعاً بعد غد.
> حاولت في مجموعتك «يكفي أن تعبر الليل» أن تعمل على تكثيف تجربتك السابقة في ديوانيك «وجاء أنه» 1986 و«الفصول السبعة» 2002.
- «كلما كتبت كلمة ابتكرتها» كتبت ذات مرة. إن ما تسميه تكثيفاً موجود دائماً في محاولاتي الإبداعية. الكلمة عالم لا يتكرر. إنه تجديد دائم. كلما اقتربت من الكلام هرب مني كأنني وحش ضار في عالم من المخلوقات السحرية. وليس التجريد إلا محاولات صعبة لكشف ما يصعب الكشف عنه من عالمنا ووجودنا. قد تجد طريقك إلى النور عبر الحب أو عبر الغناء أو عبر الرياضة، أما أنا فطريقي في الحب والغناء والرقص والرياضة بالكلام. الكلمة هي كبسولة وصولي إلى خفايا الكون المجهول.
> أثارت قصيدة النثر جدلاً بين شعر التفعيلة والشعر التقليدي العربي، يصل أحياناً إلى الطلاق بينهما... ما رأيك؟
- إن الشعر موجود في النثر منذ بدايات الوقت وفي كل الثقافات والحضارات. وفي اللغة العربية قبل غيرها، فإن النثر العربي التراثي خزان شعري هائل والأمثلة كثيرة. وضع الدكتور والشاعر أديب صعب في مقالته عن «مجموعة يكفي أن تعبر الليل» إصبعه على جانب لم أكن أعيه؛ هو أنني اعتمدت التفاعيل في أمكنة ما من دون وعي بذلك. واسمح لي أن أشاركك رأيه: «نلاحظ أنّ العبارة الأخيرة، (تُغمِض في جفن الحبّ ويَسهو)، تجري على إيقاع (فعلن)، الذي يتكون منه الوزن المتدارَك. على هذا الإيقاع أيضاً عبارة (لو كان الشعرُ امرأةً)، وأيضاً: (وَجهُكَ أجملُ ما في المرآة). ومن الموزون على مجزوء الخفيف (فاعلاتن مفاعلن): (يَعبرُ الوقتُ دونَنا). ومن الإيقاع نفسه: (أنتَ والوقتُ توأمان). وعلى الكامل (متفاعلن): (ما لي وما لكِ والطريقُ قصيرُ؟). وعلى المتقارِب (فعولن): (وتَرمي بها في المحيطِ البعيد)».
إن التماهي في الشعر هو أكثر جدوى من التماهي في الأشكال. الشعر جوهر.
> لماذا لجأت إلى باريس بعد نشوب الحرب الأهلية؟ هل مهمة الشاعر الهروب من واقعه أم مواجهته؟
- إن الحرب الأهلية اللبنانية بالنسبة إلي أبشع الحروب في التاريخ. وما كان لي، وأنا في التاسعة عشرة من عمري، أن أتعايش مع هذه الحرب بأي شكل من الأشكال. تلك الحرب البشعة أجهضت أحلامنا بالتقدم والحرية والسعادة للجميع، وبدل أن نتقدم عدنا معها إلى العصر الحجري، بأسوأ صوره لأنه عصر حجري بتقنيات حديثة. وما كنت أخاف منه في ذلك الوقت تحقق اليوم بحيث توسعت هذه الحرب الأهلية واتسعت وأصبحت حرباً أهلية عربية. هربت؟ نعم هربت. لا أحب المواجهة في الوحل. وأدعو جميع الشباب أن يفعلوا مثلي ويهربوا من الحروب حتى لا يعود لتجار السلاح من يشتري منهم.
> ما مخاطر الغنائية على الشعر في نظرك؟
- الغنائية ليست خطراً ما دام أنها لا تنزلق إلى السطحية. وأعتقد أننا اليوم في وقت تداخلت فيه المدارس القديمة لابتكار عالم جديد معقد كلما دخلت إليه تعيد اكتشافه من جديد. في قول المتنبي: «حببتك قلبي قبل حبِّك من نأى وقد كان غداراً فكن أنت وافياً»، هناك غنائية دائمة لكل العصور وعلى مدى الدهور. وكذلك في «عيناك غابتا نخيل ساعة السحر» لبدر شاكر السياب... مهمتي أن أهز أغصان الشعر من كل العصور حتى تبقى المواسم مثمرة بالكلام الأليف.
> ما علاقتك بالشاعر الراحل أنسي الحاج؟ وما تقييمه لك من وجهة نظر شاعر، وأنت تخاطبه في بعض قصائدك؟
- أنسي الحاج الشاعر الملعون، الشيطان والملاك في آن. لقد اجتمعت فيه كل الصفات وليست قادرة على تلخيصه. كان شاعراً نادراً وكائناً نادراً وصحافياً نادراً. في الشعر كان من أوائل الثوار، بمعنى دفع الشعر حتى الطرف الآخر للحرية في التعبير والخيال، وكان متطرفاً في مخيلته التي تحولت معه آلة للخصب الدائم. إنني محظوظ جداً أن هذا الشاعر الكبير وهذا الإنسان الكبير كان واحداً من أساتذتي.
> هل تعتقد أن القصيدة تنتهي عند عنوان معين؟ أم أن النص هو الذي يحرر الشاعر من قيوده؟
- أحياناً، يكون العنوان أصعب شيء يمكنني أن أكتبه بعد الانتهاء من القصيدة. تشتبك العناوين في مخيلتي وتتزاحم. وأحياناً، يأتي العنوان كأنه الطلق الأول لمولد القصيدة. إن القصيدة تبدأ ولا تنتهي لأن حدودها المطلقة هي ما تجعلها تتفتح في مخيلة القارئ.
> تسعى على الدوام إلى استخدام مفرداتك الشعرية التي تميزك... هل تعتقد أن على الشاعر أن يؤسس لمفرداته الخاصة؟
- باختيارك المفردات تختار القصيدة. الكلمة هي التي تحدد مسار المعاني والصور والرموز. الكلمة ابتكار يتجدد مثل الحب لا ينضب إلا ليمتلئ من جديد. المهارة في الشاعر أن تكون قادراً على ابتكار مفرداتك ولغتك كما تبتكر من تحب... المرأة التي تحب لا يمكن أن تكون إذا كنت عاجزاً عن ابتكارها.
> الليل مادة لطالما عالجها الشعراء والكتّاب في كتاباتهم... هل كان الليل دليلك إلى الشعر والحياة؟
- الليل هو أحب الأوقات إلى قلبي وأكثرها سطوة. ربما في حب الليل تتألق مازوشيتي وتصل إلى أوجها. بقدر ما أحب الليل أخافه. أذكر، في الماضي، كنت أصل الليل بالنهار سهراً وعملاً ومتابعة. كنت أخرج من النادي الليلي إلى البيت لأستحم وأرتدي ملابس جديدة وأذهب إلى العمل أو إلى الجامعة أو المكتبة. كان هناك تواصل مطلق بين الليل والنهار والنوم كان عدوي الدائم. حينما بدأ الليل يتحول إلى زمن للنوم الصعب أخذ يتحول إلى عبء وكابوس.
> أنت شاعر «تعلق مرساتك في الرمال المتحركة»... ألا وجدت الأرض الثابتة التي تقف عليها؟
- وجدت الأرض؟ نعم وجدتها، بل وجدت الأراضي ولكنها كلها متحركة وغير ثابتة، لا شيء فيها يمكن أن نقول إنه صلب. هناك قول لأبي العلاء في وصفه الأرض: «خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد». الرمال المتحركة هي نحن، والمرساة نعلقها في أجسادنا.
> لماذا هذا الاقتصاد شديد في اللغة؟
- كما هو ممكن أفعل. هل هو اقتصاد في اللغة أم هو نوع من أن نوفر أكبر كمية من الوقت لتكون حياة أوفر؟ هناك لعبة مرآة بين الوقت واللغة. هل اللغة ترى نفسها في الوقت أم الوقت هو الذي يرى نفسه في اللغة؟ يمر عقد من الزمن من عمرك كأنه لحظة، فلا يمكنك أن تجعل من هذه اللحظة قاموساً بملايين الكلمات. إذا ابتكرت كلمة أو اثنتين تكون عملاقاً.
> نلاحظ أن فلسطين تتردد في شعرك قضية وجودية وليست سياسية...
- لو لم تكن مأساة فلسطين لكنت أكثر الناس سعادة اليوم. أنا لا أحولها من قضية سياسية إلى قضية وجودية، إنها أصلاً مسألة وجودية وإنسانية في الصميم. تعالَ نتأمل بالذي حصل ويحصل؛ هل كان يمكن أن يتم ذلك من دون أن يتبعه زلزال وجودي في الصميم في أي مكان آخر في العالم؟ المهم عندي هو أن تنتهي مأساة الشعب الفلسطيني. ووجود فلسطين في شعري يأتي من شعوري بمصدر الألم الحقيقي. وربما لهذا السبب أرادوا أن يحولوا بلداننا كلها إلى جراح مفتوحة.
> تتناول الحياة اليومية ولكنك تسعى على الدوام إلى رفعها إلى مستوى الأسطورة؟
- ربما هناك تماهٍ ما بين اليومي وما وراء اليومي، ما بين الواقع والوهم، أو ما بين الحياة وما بعد الحياة أو ما فوقها. أن تجعل من سلسلة الثواني والدقائق والساعات والأيام حبكة جديدة تبني عليها قصتك مع العمر، تحدٍ حقيقي يجعل منك أنت الكائن البسيط نوعاً من جلجامش بملامح عامل مقهى أو سائق باص أو راكب دراجة أو رجل يسير على الرصيف دون أن يعرف إلى أين يمضي.
والوقت هنا هو أخي التوأم يشبهني وأشبهه حينما ينتهي أنتهي معه. أنا حليفه وهو الفخ الذي ولد معي.
> تشير إلى الموت من خلال بعض الرموز السياسية اللبنانية... هل يصطف الشاعر إلى جهة معينة في نظرك؟ ألا يشكل خطراً على شعرك؟ أم لك موقف صارم من بعض القضايا؟
- أعتقد أنك تقصد قصيدة «إلى جبران تويني»، وفي هذا العنوان أعود إلى محنتي مع العناوين أحياناً. كتبتها مثل الجرح الذي ينزف في عشر دقائق ونمت عليها طويلاً. جبران تويني لم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي وإن انتخب عضواً في المجلس النيابي. كان صحافياً ومناضلاً يدافع عن الحرية بصورة عامة وعن حرية التعبير والصحافة بصورة خاصة. وكنا أصدقاء منذ المراهقة. ويوم قتل بتلك الطريقة الوحشية، وكل جريمة قتل هي جريمة وحشية، شعرت أن شيئاً من شبابي قتل معه. هل عندي موقف صارم من بعض القضايا؟ نعم، لا يمكنني أن أقبل بأن يكون القتل طريقة لحل الخلافات السياسية وغير السياسية بين الناس.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».