حكم الفيديو بحاجة لإجراءات علاجية قبل إقراره في الدوري الإنجليزي

الأسابيع القليلة الماضية شهدت التباساً وغموضاً حول حالات تسلل ولمس يد في مباريات مهمة ومصيرية

أغويرو (على الأرض) يسجل هدف فوز سيتي في مرمى سوانزي من تسلل لم يدركه الحكام  -  مغواير مدافع ليستر خرج مطروداً بعد 4 دقائق أمام بيرنلي
أغويرو (على الأرض) يسجل هدف فوز سيتي في مرمى سوانزي من تسلل لم يدركه الحكام - مغواير مدافع ليستر خرج مطروداً بعد 4 دقائق أمام بيرنلي
TT

حكم الفيديو بحاجة لإجراءات علاجية قبل إقراره في الدوري الإنجليزي

أغويرو (على الأرض) يسجل هدف فوز سيتي في مرمى سوانزي من تسلل لم يدركه الحكام  -  مغواير مدافع ليستر خرج مطروداً بعد 4 دقائق أمام بيرنلي
أغويرو (على الأرض) يسجل هدف فوز سيتي في مرمى سوانزي من تسلل لم يدركه الحكام - مغواير مدافع ليستر خرج مطروداً بعد 4 دقائق أمام بيرنلي

تبدو بعض القرارات واضحة تماماً بما لا يدع مجالاً للشك، لكن الكثير من حكام كرة القدم لا ينطبق عليه هذا التوصيف ـ وعلى ما يبدو فإن تقنية حكم الفيديو المساعد من شأنها أن تزيد الاضطراب والتشوش، بدلاً من إزاحة الغموض والالتباس.
بالتأكيد لا أحد يود رؤية لاعب يتعرض للطرد بسبب مخالفة غير متعمدة، خاصة عندما لا يكون قد مر على انطلاق المباراة سوى أربع دقائق. ورغم أنه كان من الممكن الشعور بالأسف من أجل هاري مغواير خلال مباراة فريقه ليستر سيتي أمام بيرنلي الأسبوع الماضي، فإن المرء يشعر بارتياح بالتأكيد عندما يعاين موقفاً يدرك خلاله الجميع ما ينبغي أن يكون عليه قرار الحكم.
وقد كان على مغواير مغادرة أرض الملعب، ببساطة. ومع أن المخالفة التي ارتكبها كانت أقل فحشاً عن تلك التي اقترفها بول ألين خلال نهائي بطولة كأس الاتحاد عام 1980 وتسببت في إقرار البطاقات الحمراء عن المخالفات الصارخة مباشرة في كرة القدم الاحترافية للمرة الأولى، فإن مجمل المحصلة النهائية لحسم قرارات التحكيم ظل دونما تغيير ـ فقد ضاعت على نحو ظالم فرصة لتسجيل هدف دون ارتكاب الفريق المهاجم لأي خطأ.
وقد تواترت أنباء عن أن وضع التهديد الثلاثي للمدافعين يجري الآن تعديله، وأنه لم يعد المدافع يتلقى بطاقة حمراء تلقائياً إذا ما حال بصورة غير قانونية دون تسجيل هدف داخل منطقة الجزاء. وعليه، فإنه ينبغي إظهار القدر ذاته من الليونة في التعامل مع المخالفات غير المقصودة في أماكن أخرى من الملعب. إلا أنه يبقى السؤال: أين في هذه الحالة التعويض عما ناله بيرنلي من مكافأة؟ إنه لم يكن ليحصل على فرصة تسجيل هدف من نقطة الجزاء، وإنما مجرد ركلة حرة من نقطة بعيدة، مثلما فعل وستهام يونايتد عام 1980 في حادثة بول ألين، والتي تشير جميع الاحتمالات إلى أنه سيجري التصدي لها بنجاح.
في الواقع، السؤال الوحيد الذي تعين على الحكم الذي أدار لقاء بيرنلي وليستر داخل استاد «تيرف مور» ما إذا كانت مخالفة قد وقعت بالفعل وتستحق الطرد أم لا. أما الإجابة فكانت نعم واضحة، ولذلك فإنه بناءً على القواعد المعمول بها حالياً تلقى مغواير سيء الحظ العقاب المنصوص عليه. وربما يدفع البعض بأن الحكم كان باستطاعته اللجوء إلى حل أفضل يتمثل في طرد مغواير ومنح بينرلي ركلة جزاء، وإن كانت كرة القدم لم تقر قط فكرة احتساب ركلة جزاء على مخالفات تقع خارج منطقة المرمى. وبالنظر إلى حجم الجدال الدائر حول الحوادث التي تقع داخل منطقة الجزاء، فإنها هي الأخرى ربما لا يمر مثل هذا القرار بشأنها بسهولة. الحقيقة أن مغواير كان سيء الحظ للغاية بخرقه القواعد في مثل هذا الوقت المبكر للغاية من المباراة، لكن تبقى النقطة الرئيسية أن القواعد واضحة، وبالتالي ليس هناك من يحق له الشكوى، حتى اللاعب نفسه.
ويبدو هذا الأمر في حد ذاته إيجابياً في أعقاب خلافات المنطقة الرمادية التي ثارت على امتداد الأسابيع القليلة الماضية. على سبيل المثال، كانت ركلة جزاء لمسة اليد التي احتسبت لصالح مانشستر يونايتد أمام باريس سان جيرمان محل تفسير واختلاف وجدال محتدم، وكذلك الهدف الأول لرحيم سترلينغ مهاجم مانشستر سيتي أمام واتفورد، والذي يبدو أنه سجل من وضع تسلل.
الآن، جرى سؤال عدد من اللاعبين بخصوص مدى تفهمهم للقواعد واعترفوا بأن ثمة كثيراً منها يلتبس عليهم الأمر الذي يختلف عما كان عليه الحال من قبل في كرة القدم. على سبيل المثال، يعرف الجميع أن اتحاد الرجبي يقر قواعد فنية على درجة بالغة من الغموض والتعقيد لدرجة أنه أصبح لزاماً على الحكم في الوقت الحالي أن يشرح للجمهور أي مخالفة أصدر بخصوصها العقوبة. في المقابل، نجد أن كرة القدم رياضة لطالما تميزت بقواعدها بالغة الشفافية والمباشرة على نحو يجعل غالبية المتفرجين مدركين لها.
ويعني ذلك أنه على امتداد القرن الأخير، كان لدى الغالبية العظمى من متابعي كرة القدم فكرة جيدة عما سيكون عليه قرار الحكم في موقف ما. ولم يكن مطلوباً من الحكم داخل أرض الملعب تفسير مهاراته أو مدى قدرته على تذكر قائمة طويلة من المخالفات، وإنما كان وجوده فقط ليطلق صافرته ويوقف المباراة عندما يتطلب الأمر، ثم يتخذ الإجراءات اللازمة لإعادة إطلاقها على النحو المناسب. وعندما كان يقع الحكام في أخطاء، الأمر الذي كان يحدث من وقت لآخر، كانت الجماهير داخل أرض الملعب تحرص على إعلام الحكم بخطئه. اليوم، غالباً ما تشعر الجماهير بذات الحيرة التي يشعر بها اللاعبون، حتى بعد الاستعانة بحكم الفيديو المساعد ـ بل وربما بسبب ذلك.
الحقيقة أنه ثمة افتراض عام بأن الأمور ستسير داخل الملاعب على درجة هائلة من السلاسة الموسم المقبل لأنه ستجري الاستعانة بحكم الفيديو المساعد والذي يفترض أنه سيعاون الحكام في كل شيء على النحو الصائب. إلا أننا شاهدنا ما يكفي لأن ندرك أن هذا مجرد وهم. الواضح أن القواعد بحاجة للتشديد أولاً، خاصة فيما يتعلق بلمسات اليد والتسلل. لو أن تقنية حكم الفيديو المساعد كانت متوفرة وقت لمسة اليد الشهيرة التي ارتكبها تييري هنري في مباراة حاسمة في كأس العالم لصالح فرنسا أمام آيرلندا، ربما كانت آيرلندا لتشارك في بطولة كأس العالم 2010. إلا أن المخالفة التي ارتكبها بريسنل كميمبي لاعب سان جيرمان في مواجهة مانشستر يونايتد كانت بعيدة كل البعد عن الوضوح.
الأسبوع الماضي، عندما سجل سيرجيو أغويرو هدف الفوز لمانشستر سيتي في مواجهة سوانزي سيتي في بطولة كأس الاتحاد، لاحظ المعلق التلفزيوني بعد الموقف بفترة قصيرة أنه ربما كان في موقف تسلل على نحو طفيف، وقال إن الهدف ربما لم يكن ليحتسب إذا كان هناك حكم الفيديو المساعد. إلا أنه إذا كان أغويرو يقف في موقف تسلل لم يبد واضحاً في لحظتها، فهل نحتاج حقاً إلى وقف المباراة لإعادة المشهد عدة مرات كي نتحقق مما بدا في حينها أنه هدف صحيح تماماً؟.
إنجلترا بحاجة لإقرار قواعد محددة بهذا الشأن قبل إقرار حكم الفيديو المساعد الموسم المقبل. وربما يرى البعض أنه يجب احترام نص القانون ويجب احترام دقة حكم الفيديو المساعد مهما بلغ عدد مرات إعادة المشهد المعني.
على الجانب الآخر، لدى البعض قناعة على ذات الدرجة من القوة من أن أخطاء التسلل عند خط منطقة المرمى لا ينبغي تفسيرها بالضرورة باعتبارها ميزة غير قانونية، ويدفعون بأن الهدف الأصلي من القانون وهو الحيلولة دون وقوف لاعب ما بجوار المرمى في انتظار فرصة لإحراز هدف، جرى إغفاله.
المؤكد أن مثل هذه الحجج ستستمر وستبقى خلال الموسم المقبل للدوري الممتاز الإنجليزي، وربما في قلب المباريات. ولذلك، من الأفضل محاولة الوصول لشيء يمكن للجميع الاتفاق عليه. أما الأمر المؤكد فهو أن حكم الفيديو المساعد لم يكن باستطاعته فعل أي شيء لمعاونة هاري مغواير. لقد كان عليه الخروج من أرض الملعب ـ الجميع يدرك ذلك.
ودعا مغواير مدافع ليستر سيتي الحكام إلى التسامح مع بعض الالتحامات داخل منطقة الجزاء ما لم تكن مخالفة صريحة.
ويعتقد مغواير، 26 عاماً، أنه يجب على الحكام السماح للمدافعين بفرض رقابة لصيقة على المنافسين دون المخاطرة باحتساب ركلة جزاء على أي «هفوة». وقال: «الأمر متروك لقانون العقوبات لتحديد مدى خطورة الالتحام لكن لا يجب احتساب مخالفة على كل التحام داخل المنطقة لأنها من طبيعة خط الدفاع. يجب السماح ببعض الالتحامات في اللعبة لأنك لو سمحت للمنافس بالإفلات من الرقابة أثناء تنفيذ ركلة ركنية على سبيل المثال فإنك تخالف واجباتك ولا تقوم بالشيء الصحيح».
وتابع: «لا يجب احتساب ركلة جزاء على أي دفعة بسيطة لكن الأمر يكون مختلفاً بالطبع عندما تجذب المنافس من رقبته».
وعلق مغواير على قرار طرده أمام بيرنلي: «فور أن سمعت الصفارة علمت أنها بطاقة حمراء. سمعت بعض المشجعين يقولون إن العقوبة قاسية لأني لم أقصد أن ألمسه لكن اللوائح واضحة. كان في طريقه للمرمى... قرار الحكم كان صحيحاً».


مقالات ذات صلة


«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026
TT

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

تشهد كرة القدم المغربية في الآونة الأخيرة طفرة استراتيجية تتجاوز مجرد تحقيق الإنجازات الآنية، لتكشف عن عمق التخطيط الذي تبنته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عبر الاستثمار في الفئات السنية.

ولم يعد المنتخب المغربي الأول مجرد تجميع للنجوم الجاهزين من الدوريات الأوروبية، بل أضحى امتداداً طبيعياً لجيل ترعرع في المنتخبات الشابة ونال شرف التتويج الأفريقي والأولمبي.

هذا التحول التكتيكي والجيل الجديد الذي يتقدمه نجوم واعدون، يمنح الإدارة الفنية لـ«أسود الأطلس» دماءً جديدة متشبعة بروح الانتصارات القارية، وقادرة على حمل لواء المستقبل بعقلية احترافية نضجت مبكراً قبل بلوغ المونديال الحالي.

أسامة ترغالين والمايسترو الذي يضبط إيقاع المستقبل

يبرز أسامة ترغالين البالغ من العمر 24 ربيعاً بوصفه أحد أهم خريجي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم الذين شقوا طريقهم بنجاح نحو الملاعب الأوروبية عبر بوابة نادي لو هافر الفرنسي. ترغالين، الذي كان القائد الملهم ومنظم الإيقاع في وسط ميدان المنتخب المغربي لأقل من 23 عاماً، نجح في قيادة الأشبال للتتويج بلقب كأس أمم أفريقيا تحت 23 سنة ونيل الميدالية البرونزية التاريخية في أولمبياد باريس.

اللاعب المغربي أسامة ترغالين (فيسبوك)

يمنح هذا النجم الشاب خط وسط المنتخب الأول عمقاً تكتيكياً نادراً بفضل قدرته الفائقة على قراءة الملعب، وقطع الكرات، وتحويل اللعب من الدفاع إلى الهجوم بسلاسة بالغة، ما يجعله الخليفة الشرعي لركائز خط الوسط في المنظومة الوطنية.

زكرياء الواحدي وعنفوان الرواق الشامل في بلجيكا

يقدم زكرياء الواحدي صاحب الـ24 عاماً نموذجاً حياً للاعب العصري الشامل الذي يطوع طاقته البدنية لخدمة الواجب التكتيكي برفقة نادي جينك البلجيكي. الواحدي، الذي لفت الأنظار بشدة في المحافل القارية والأولمبية الأخيرة بفضل مستوياته الثابتة، يعد مكسباً كبيراً لأسود الأطلس نظراً لمرونته الشديدة في شغل مركزي الظهير والجناح على حد سواء.

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

إن إنجازاته المحلية في الدوري البلجيكي ومساهمته الفعالة في الصعود بالمنتخب الأولمبي إلى منصات التتويج، تمنح التشكيلة المغربية الحالية خياراً ديناميكياً سريعاً قادراً على صناعة الفارق في الأطراف واللعب تحت الضغط العالي الذي تفرضه مباريات المونديال.

ياسين جاسم والرهان الدفاعي الصاعد من الدوري الفرنسي

في الخط الخلفي، تبرز الموهبة الواعدة للمدافع ياسين جاسم البالغ من العمر 21 عاماً، كإحدى الأوراق التي تجسد سياسة ضخ الدماء الشابة ذات التكوين الصارم في الدوري الفرنسي.

الدولي المغربي ياسين جاسم (فيسبوك)

تمكن جاسم، من خلال تدرجه السريع وأدائه المنضبط، من إثبات جدارته كعنصر مستقبلي في الدفاع المغربي يعتمد على البناء الهادئ من الخلف والتفوق في الكرات الهوائية. ويمثل وجوده في المنظومة الوطنية امتداداً لجيل المدافعين المغاربة الذين يجمعون بين القوة البدنية والذكاء التكتيكي، ما يجعله خياراً استراتيجياً طويل الأمد قادراً على تعويض أصحاب الخبرة والحفاظ على صلابة الحصن الدفاعي المغربي.

عبد الحميد آيت بودلال والصلابة المتفجرة من رين الفرنسي

يعدّ عبد الحميد آيت بودلال البالغ من العمر 20 عاماً أحد ألمع الجواهر الدفاعية الصاعدة في أوروبا، حيث نجح نادي رين الفرنسي في خطف توقيعه للاستفادة من مؤهلاته البدنية والفنية الاستثنائية. آيت بودلال، الذي قاد دفاع المنتخب المغربي لفئة أقل من 17 عاماً بكفاءة منقطعة النظير في كأس العالم للناشئين وكأس أفريقيا، يمتلك شخصية قيادية تفوق عمره بكثير داخل المستطيل الأخضر.

الدولي المغربي عبد الحميد آيت بودلال (فيسبوك)

وتتجلى قيمته الفنية في قدرته العالية على التمركز الصحيح والتدخلات الأرضية الحاسمة، وهو ما يجعله ركيزة واعدة يعول عليها المغرب لبناء جدار دفاعي حديدي يضمن استمرارية التوهج العالمي لـ«أسود الأطلس» لسنوات طويلة قادمة.

هذا الجيل الجديد ليس مجرد أسماء عابرة في قائمة «أسود الأطلس»، بل هو تجسيد حي لـ«فلسفة الاستدامة» الكروية التي انتهجها المغرب طوال السنوات الماضية، فبين خبرة النضج التي يقدمها ترغالين والواحدي، وعنفوان الموهبة المتفجرة في أقدام جاسم وآيت بودلال، يملك المغرب ترسانة تكتيكية للمستقبل صُنعت في قوالب الإنجازات القارية والأولمبية. هؤلاء الشبان، الذين تدرجوا في الفئات السنية وتجرعوا مرارة المنافسة وعاشوا نشوة التتويج مبكراً، يحملون اليوم طموحات شعب يرفض التراجع عن القمة.


7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟
TT

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

منذ أن وطأت أقدام «أسود الأطلس» ملاعب كأس العالم لأول مرة في مكسيكو 1970 وحتى مشارف المونديال الحالي 2026، تعاقب على سدّة الإدارة الفنية للمنتخب المغربي سبعة مدربين حفروا أسماءهم في السجل المونديالي. تنوعت هذه المدارس الفنية بين الانضباط اليوغوسلافي، والواقعية البرازيلية، والأناقة الفرنسية، والعبقرية المحلية، لينتهي المطاف بـ«ثورة الحداثة» التكوينية المعاصرة.

مسيرة جنرالات الدكة الفنية الذين قادوا سفينة المغرب في رحلاتها السبع عبر تاريخ المونديال بدأت مع فيدينيتش.

بلاغوي فيدينيتش... مهندس الإطلالة التاريخية الأولى (المكسيك 1970)

مدرب المنتخب المغربي السابق بلاغوي فيدينيتش (إكس)

صاغ المدرب اليوغوسلافي الراحل بلاغوي فيدينيتش فصول الرواية المونديالية الأولى للمغرب، بعدما قاد جيل العمالقة للتأهل إلى نسخة المكسيك 1970. نقل فيدينيتش، المستند إلى إرث تكتيكي أوروبي صارم، عقلية الانضباط والالتزام البدني الشديد إلى اللاعب المغربي، فكانت النتيجة أداءً بطولياً بهر العالم، خصوصاً في الملحمة الشهيرة أمام ألمانيا الغربية التي تقدم فيها الأسود أولاً قبل الخسارة بصعوبة.

منح هذا الرجل الصافرة والكرة المغربية صكّ الاعتراف الدولي الأول، ممهداً الطريق لسطوع الموهبة الأفريقية عالمياً.

خوسيه فاريا... ملهم المعجزة المكسيكية الخالدة (المكسيك 1986)

خوسيه فاريا مدرب المنتخب المغربي السابق (فيسبوك)

في مونديال المكسيك 1986، قاد البرازيلي الداهية خوسيه المهدي فاريا ثورة كروية غير مسبوقة وضعت المغرب في صدارة المشهد العالمي. امتاز فاريا بقدرة عجيبة على المزج بين المهارة الفطرية للاعب المغربي والتنظيم الدفاعي المحكم بنكهة «السامبا» الواقعية، لينجح في صناعة التاريخ بوصفه أول منتخب أفريقي وعربي يتأهل إلى الدور الثاني من صدارة مجموعة حديدية ضمت إنجلترا، وبولندا، والبرتغال.

تحول فاريا إلى أسطورة في الوجدان المغربي بعدما أثبت أن التخطيط التكتيكي الدقيق قادر على قهر فوارق الإمكانيات التقليدية.

عبد الله بليندة... الشجاعة المحلية في بلاد العم سام (الولايات المتحدة 1994)

عبد الله بليندة مدرب المنتخب المغربي السابق (ويكيبيديا)

أوكلت الجامعة الملكية المغربية مهمة قيادة الأسود في مونديال أميركا 1994 إلى الإطار المغربي الراحل عبد الله بليندة، لتكون أول تجربة قيادة محلية خالصة في كأس العالم.

واجه بليندة ظروفاً معقّدة وضغوطاً جماهيرية بالغة، واعتمد على تشكيلة غلب عليها اللاعبون المحليون الممزوجون ببعض المحترفين، ورغم أن النتائج لم تسعفه بمغادرة دور المجموعات بعد ثلاث هزائم مريرة، فإن مسيرته جسّدت شجاعة الإطار الوطني في تحمّل المسؤولية بالمنعطفات الكبرى وصقل كبرياء الصافرة والتدريب المحلي.

هنري ميشال... الأناقة الفرنسية المكلومة بالدراما (فرنسا 1998)

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

قاد الساحر الفرنسي الراحل هنري ميشال كتيبة الأسود في مونديال فرنسا 1998، مقدماً واحدة من أجمل النسخ الهجومية في تاريخ الكرة الوطنية. نجح ميشال في صياغة توليفة متجانسة اتسمت بالأناقة الفنية والتمريرات القصيرة الممتعة بقيادة مصطفى حجي وصلاح الدين بصير، مفرزاً انتصاراً تاريخياً على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة. غير أن الأقدار والدراما الكروية في مباراة النرويج والبرازيل حرمت جيله الفذ من تأهل مستحق للدور الثاني، لتبقى حقبة هنري ميشال مرادفة للمتعة الكروية الممزوجة بالدموع.

هيرفي رينارد... ثعلب الصلابة وعودة الروح (روسيا 2018)

رينارد انتهت مهمته مع المنتخب السعودي (أ.ف.ب)

بعد غياب دام عشرين عاماً عن المحفل العالمي، أعاد «الثعلب» الفرنسي هيرفي رينارد الروح إلى جسد المنتخب المغربي في مونديال روسيا 2018. اتسم تكتيك رينارد بالاندفاع البدني الهائل، والضغط العالي الخانق، والصلابة الدفاعية المستميتة التي أحرجت عمالقة القارة الأوروبية مثل إسبانيا والبرتغال. ورغم الخروج المبكر من الدور الأول بفعل تفاصيل صغيرة غاب عنها التوفيق، فإن رينارد أعاد الهيبة المفقودة إلى الشخصية الكروية المغربية وزرع في اللاعبين عقلية مقارعة الكبار دون مركب نقص.

وليد الركراكي... صانع الملحمة والمربع الذهبي الإعجازي (قطر 2022)

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (أ.ف.ب)

دخل الإطار المغربي وليد الركراكي سفر التاريخ العالمي من أوسع أبوابه في مونديال قطر 2022، محققاً إعجازاً كروياً ببلوغ المربع الذهبي واحتلال المركز الرابع عالمياً في سابقة تاريخية أفريقية وعربية. اعتمد الركراكي على واقعية براغماتية صارمة وتكتيك الكتل الدفاعية المتراصة (Low Block) مع الارتداد الهجومي الخاطف، مكسراً طموحات إسبانيا، والبرتغال، وبلجيكا. لم يصنع الركراكي مجداً كروياً فحسب، وإنما صاغ بعبارته الشهيرة «ديرو النية» ملحمة تلاحم وطني ألهمت الملايين حول العالم.

محمد وهبي... رهان الحداثة وعصر «المهاجم الشبح» (المونديال الحالي 2026)

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (أ.ف.ب)

يتولى الإطار الوطني الشاب محمد وهبي دفة القيادة الفنية لأسود الأطلس في النسخة الحالية لنهائيات كأس العالم 2026، حاملاً على عاتقه إرثاً ثقيلاً وتطلعات جماهيرية بلغت عنان السماء. وهبي، الذي عُيّن في مارس (آذار) 2026 مستنداً إلى نجاحه الباهر بالفوز بكأس العالم للشباب تحت 20 عاماً، يمثل تيار الحداثة التكتيكية القائم على الاستحواذ والضغط العكسي والاعتماد على خطة «المهاجم الشبح». يقود وهبي جيل المستقبل في المونديال الحالي برهان استراتيجي يسعى لتتويج مسار البناء الكروي ونقل المغرب من حذر الدفاع إلى جرأة الريادة العالمية.

Your Premium trial has ended


«ثورة التشبيب» المغاربية... كيف تضبط لغة الأرقام بوصلة طموح الأسود والمحاربين والنسور؟

المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
TT

«ثورة التشبيب» المغاربية... كيف تضبط لغة الأرقام بوصلة طموح الأسود والمحاربين والنسور؟

المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)

تفرض كرة القدم في شمال أفريقيا واقعاً تكتيكياً جديداً على مسرح مونديال 2026، حيث نجحت المدارس المغاربية الثلاث (المغرب وتونس والجزائر) في إعادة صياغة هويتها الفنية عبر الاستثمار الصارم في «عنصر الشباب»

.

ويتصدر المنتخب المغربي هذا التحول الطموح باحتلاله المرتبة الرابعة عالمياً كأصغر المنتخبات معدلاً للأعمار بـ«26.4 سنة»، يليه نسور قرطاج في المركز الخامس بـ«26.6 سنة»، بينما يستقر محاربو الصحراء في المرتبة التاسعة بمتوسط يبلغ «26.9 سنة».

لم تعد اللياقة البدنية والسرعة مجرد عوامل مكملة في الخطط الكروية المعاصرة، بل تحولت إلى الركيزة الأولى التي تُبنى عليها منظومات الضغط العالي والتحول السريع. ومن هذا المنطلق، تدخل المنتخبات المغاربية الثلاثة منافسات المونديال الحالي، وهي مسلحة بأقوى توازن رقمي في تاريخها الحديث.

هذه «الثورة الصامتة» في خفض معدلات الأعمار لم تأتِ كإجراء اضطراري، بل تعكس توجهاً مدروساً يهدف إلى كسر نمطية الاعتماد على الحرس القديم، وضخّ دماء شابة قادرة على تلبية المتطلبات البدنية القاسية التي تفرضها الملاعب الأميركية الشمالية بمساحاتها الشاسعة وتقلباتها المناخية.

الحيوية المغربية... هندسة الاستدامة وبناء الجيل الثالث

يُثبت المنتخب المغربي، بتموقعه رابعاً في قائمة أصغر منتخبات المونديال بمتوسط أعمار يناهز 26.4 سنة، أن طفرة الإنجازات السابقة كانت مجرد نقطة انطلاق لخط استراتيجي مستدام. ولا يقتصر تميز هذه القائمة على الأرقام فحسب، بل يمتد إلى نوعية الخيارات التكتيكية، حيث يقود هذا التحول جيل يافع، يتصدره الموهوب أيوب بوعدي أحد أصغر اللاعبين في البطولة بأكملها، إلى جانب ثنائي كريستال بالاس وسندرلاند، شادي رياض وشمس الدين الطالبي. هذا العمق البشري الشاب يمنح الإدارة الفنية مرونة استثنائية لتطبيق أسلوب تكتيكي هجومي وديناميكي، يرتكز على تضييق المساحات وحرمان المنافسين من الكرة، دون الخشية من الإجهاد البدني المبكر.

المنتخب التونسي لكرة القدم (إ.ب.أ)

التوازن التونسي... ذكاء الانتقال وبناء الهوية الجديدة

في المرتبة الخامسة عالمياً، يحل ّالمنتخب التونسي بمعدل أعمار ناضج ومبشر يبلغ 26.6 سنة، وهو رقم يعكس نجاح الكرة التونسية في تدبير المرحلة الانتقالية الحرجة دون السقوط في فخ الهزات الفنية.

وقد نجح «نسور قرطاج» في صهر المواهب الشابة الصاعدة في الملاعب الأوروبية، مثل إسماعيل الغربي ومعتز النفاتي، داخل قالب تكتيكي يتسم بالانضباط الدفاعي التقليدي. هذه الجرأة في منح الثقة للشبان تُوازنها خبرة ميدانية هادئة لبعض ركائز الفريق المخضرمين، ما يمنح المنتخب التونسي القدرة على تسيير ريتم المباريات بذكاء عالٍ، والتحول من التكتل الدفاعي المنضبط إلى المرتدات الخاطفة بأقل عدد من التمريرات.

الثورة الجزائرية الهادئة... عقلية بيتكوفيتش وتغيير الجلد

المنتخب الجزائري لكرة القدم (أسوشييتد برس)

أما المنتخب الجزائري، الذي يستقر في المرتبة التاسعة عالمياً بمتوسط أعمار يبلغ 26.9 سنة، فيعيش مرحلة «إعادة ابتكار» حقيقية تحت قيادة السويسري فلاديمير بيتكوفيتش. فقد أظهرت الاختيارات الفنية الأخيرة شجاعة واضحة في التخلي عن الأسماء التي استهلكت طاقتها الدولية، لصالح جيل جديد يفيض حيوية بقيادة إبراهيم مازة وياسين تيطراوي. وتكمن قوة التركيبة التكتيكية لـ«محاربي الصحراء» في أن هذا الاندفاع الشبابي الشرس في خطوط الوسط والهجوم، يحتمي بـ«مظلة خبرة» يقودها القائد رياض محرز وعيسى ماندي، ما يقي الفريق مغبة الاندفاع غير المحسوب أمام المنتخبات الكبرى التي تجيد استغلال حماس الشبان.

صراع الأجيال في المونديال... نفَس الشبان في مواجهة حكمة العجائز

تكتسب هذه الأرقام المغاربية قيمتها الحقيقية عند وضعها في مقارنة مباشرة مع بقية المدارس المونديالية، ففي الوقت الذي تتصدر فيه ساحل العاج والإكوادور القائمة كأصغر الفرق، تعاني قوى تقليدية في البطولة من معضلة «الشيخوخة الكروية» بتجاوز متوسط أعمار لاعبيها حاجز الثلاثين عاماً.

وسيكون هذا التباين العمري بمثابة الورقة الرابحة للمنتخبات العربية في دور المجموعات، إذ إن التفوق في معدل اللياقة، والقدرة على مواصلة العطاء بنفس الكثافة طوال الدقائق التسعين، سيكونان العامل الحاسم لكسر طموح الفرق المعتمدة على الخبرة الميدانية الصرفة، وتحويل أحلام الجماهير المغاربية إلى واقع ملموس على المستطيل الأخضر.

إليك ترتيب المنتخبات الـ10 الأصغر سناً في مونديال 2026:

1- ساحل العاج (الأصغر سناً في المونديال بمتوسط 25.35 سنة)

2- الإكوادور (بمتوسط 25.58 سنة)

3- البوسنة والهرسك (بمتوسط 25.92 سنة)

4- المغرب

(بمتوسط 26.40 سنة)

5- تونس

(بمتوسط 26.60 سنة)

6- إسبانيا (بمتوسط 26.65 سنة)

7- النرويج (بمتوسط 26.72 سنة)

8- جنوب أفريقيا (بمتوسط 26.80 سنة)

9- الجزائر

(بمتوسط 26.90 سنة)

10- كندا

/ الولايات المتحدة (بمتوسط 26.95 سنة)