هضبة الجولان... من «الانسحاب الكامل» إلى تأييد ترمب «السيادة الإسرائيلية»

«الشرق الأوسط» ترصد عقوداً من الرعاية الأميركية للمفاوضات بين سوريا وإسرائيل

الرئيسان بيل كلينتون وحافظ الاسد خلال لقائهما في جنيف في مارس (اذار) 2000 (أ ف ب)
الرئيسان بيل كلينتون وحافظ الاسد خلال لقائهما في جنيف في مارس (اذار) 2000 (أ ف ب)
TT

هضبة الجولان... من «الانسحاب الكامل» إلى تأييد ترمب «السيادة الإسرائيلية»

الرئيسان بيل كلينتون وحافظ الاسد خلال لقائهما في جنيف في مارس (اذار) 2000 (أ ف ب)
الرئيسان بيل كلينتون وحافظ الاسد خلال لقائهما في جنيف في مارس (اذار) 2000 (أ ف ب)

بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعم الاعتراف بـ«السيادة الكاملة لإسرائيل على هضبة الجولان» السورية المحتلة منذ 52 سنة واحتمال إقرار قانون في الكونغرس في هذا الشأن، تكون واشنطن قطعت مع سياسات الإدارات الأميركية السابقة التي سعت إلى لعب «دور الوسيط» بين سوريا وإسرائيل للوصول إلى تسوية بموجب القرار 242 الذي نص على «انسحاب إسرائيل من أراضٍ احتلتها في النزاع الأخير».
اللافت، أن المحاولة الأميركية الأخيرة لإنجاز اتفاق سلام قادها المبعوث الأميركي السابق فريد هوف بين الرئيس بشار الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في العام 2010، حيث أسفر عن قبول الجانب الإسرائيلي السيادة السورية الكاملة على الجولان مقابل ترتيبات تتعلق بالأمن والتطبيع و«وعود بابتعاد دمشق عن إيران». لكن هذه المبادرة، التي وصلت إلى أعلى حد من التفاهمات ضمن معادلة «لا اتفاق على شيء إلى حين الاتفاق على كل شيء»، انتهت في ربيع 2011 مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا.

وخلال ثماني سنوات تغير الكثير في سوريا، بين ذلك سيطرة فصائل معارضة على جنوب البلاد وجنوبها الغربي بما في ذلك «منطقة فك الاشتباك» التي تشكلت بموجب اتفاق رعاه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في نهاية مايو (أيار) 1974 بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) في 1973، إضافة إلى انسحاب «القوات الدولية لفك الاشتباك» (اندوف) التي كانت منتشرة في الجولان في 2014.
وخلال هذه الفترة انتشرت ميلشيات تابعة لإيران و«حزب الله» في الجنوب ضمن صراع مع فصائل المعارضة السورية. وتركزت المفاوضات الأميركية - الروسية في العام الماضي بعد إنجاز اتفاق خفض التصعيد على إبعاد إيران عن الجولان والجنوب. وخلال قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي في يوليو (تموز) الماضي أعطى الرئيسان أولوية لـ«ضمان إسرائيل» وإعادة تفعيل اتفاق فك الاشتباك ونشر القوات الدولية في الجولان إضافة إلى عودة قوات الحكومة إلى الجنوب والجنوب الغربي.
وفي أغسطس (آب) الماضي، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف: «أجرت روسيا مشاورات مع إيران، وصرحت طهران خلالها بأنها لا ترى من الصواب تأجيج الأوضاع في المنطقة وأنها لا تحمل نوايا عدوانية تجاه إسرائيل. وبالنتيجة، وبإسهام روسي، تم سحب التشكيلات الموالية لإيران مع أسلحتها الثقيلة من مرتفعات الجولان». وتابع أن الميليشيات الإيرانية انسحبت مسافة 140 كلم باتجاه الشرق، وأنه تم سحب 1050 عنصرا و24 راجمة صواريخ و145 وحدة من الأسلحة الأخرى والتقنيات العسكرية.
في المقابل، انتشرت الشرطة الروسية في نقاط على طول خط «برافو» الفاصل بين الجولان المحتل والقنيطرة، ورعت عودة «القوات الدولية لفك الاشتباك» (اندوف). وأعلنت الأمم المتحدة، إعادة نشر «اندوف» بشكل تدريجي في المنطقة المنزوعة من السلاح والمخففة من السلاح بموجب ترتيبات «فك الاشتباك» من شمال الجولان إلى جنوبه.

- قرار الضم
في 14 ديسمبر (كانون الأول) 1981 أقر الكنيست الإسرائيلي «قانون الجولان» بـ«فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان»، الأمر الذي رفضه السوريون في الجولان. كما أن المجتمع الدولي لم يعترف بالقرار ورفضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 17 ديسمبر (كانون الأول) 1981. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى منطقة الجولان باسم «الجولان السوري المحتل». من الناحية العملية، أدى «قانون الجولان» إلى إلغاء الحكم العسكري ونقل صلاحيته للسلطات المدنية العادية. وتبلغ مساحة المنطقة التي ضمتها إسرائيل 1200 كلم2 من مساحة سوريا البالغة 185 ألف كيلومتر مربع.
وأكد مجلس الأمن أن الاستيلاء على الأراضي بالقوة غير مقبول بموجب ميثاق الأمم المتحدة، واعتبر قرار إسرائيل ملغى وباطلاً ومن دون فاعلية قانونية على الصعيد الدولي؛ وطالبها باعتبارها قوة محتلة، أن تلغي قرارها فوراً. وأشار السفير السوري في جنيف حسام الدين آلا قبل يومين، إلى القرارات السنوية التي تتبناها الجمعية العامة للأمم المتحدة «حول الجولان السوري المحتل والتي تؤكد عدم شرعية الاحتلال وتجدد بشكل سنوي رفضها لقرار ضم الجولان وضرورة الانسحاب الإسرائيلي منه حتى خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وفقا لقراري مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 بشأن المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 واللذين يشكلان مرجعية لأي عملية سلام في المنطقة».

- تاريخ المفاوضات
جرت محاولات عدة لإطلاق مفاوضات بين سوريا وإسرائيل منذ احتلال الجولان في حرب يونيو (حزيران) 1967. وبعد حرب الخليج في 1991. أطلق الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر عملية السلام العربية - الإسرائيلية في مؤتمر مدريد أكتوبر (تشرين الأول) 1991. وروت المستشارة السياسية في الرئاسة بثينة شعبان في كتابها «مفكرة دمشق» أن الأسد أخرج خلال لقائه بيكر قبل مؤتمر مدريد، رسالة من الرئيس رونالد ريغان تعود لتاريخ 28 يوليو (تموز) 1988، ليقرا أن سياسة ريغان كانت «تطوير فرص السلام العربي - الإسرائيلي على جميع المسارات، وأن هذا لا يزال أولوية بالنسبة إلى أميركا لتنفيذ القرار 242 و338 بما في ذلك مبدأ «الأرض مقابل السلام» باعتبار ذلك «جوهر» 242». قائلا: «ما يقوله الرئيس الأميركي، هو سياسة أميركية».
بعد مؤتمر مدريد عقدت على المسار السوري جلسات تفاوضية، لكنها كانت بمثابة «حوار الطرشان» بسبب تعليمات رئيس الوزراء اليميني اسحق شامير الذي كان يريد «التفاوض لمجرد التفاوض». لكن فوز اسحق رابين في انتخابات يونيو 1992، أثار موجة من التفاؤل. وتم التعبير عن ذلك بتكليفه السفير ايتامار رابينوفيتش رئاسة الوفد المفاوض إلى الجولة السادسة من المفاوضات مقابل السفير الراحل موفق العلاف.
وكان «الاختراق السياسي» الأساسي في تلك الجولة التي عقدت في واشنطن في 24 أغسطس (آب) أن الوفد السوري قدم «ورقة الأهداف والمبادئ»، فكانت «الوثيقة الأولى» التي يقدمها الجانب السوري لاعتقاد الأسد بأن هذا يساعد بوش في الانتخابات في مواجهة الديمقراطي بيل كلينتون الذي صار متحمسا لدمشق وعملية السلام. والنقطة الأساسية التي تمحور النقاش حولها في ورقة «الأهداف والمبادئ» كانت تتعلق بالبند الأول من الفقرة الخامسة لأنها تضمنت المطالبة بـ«الانسحاب الإسرائيلي الكامل من مرتفعات الجولان السوري المحتل العام 1967».
ومنذ ذاك سيتبع الجانب السوري استراتيجية التمسك بـ«الانسحاب الكامل»، فبقيت المفاوضات تراوح مكانها باستثناء تقدم تمثل في اعتبار الإسرائيليين أن القرار 242 «ينطبق على المسار السوري». وسجل اختراق آخر، إذ أن الإسرائيليين بدأوا بالحديث عن انسحاب «في» الجولان مع أن ذلك لم يرتق إلى الانسحاب «من» الهضبة. حصل ذلك في الجولة السابعة في دفعتين نهاية 1992، مع أن كلينتون فاز في الانتخابات الأميركية بين الجولتين.
وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر قام بجولة في الشرق الأوسط في أغسطس 1993. فالتقى رابين في حضور رابينوفيتش للحديث عن المسار السوري لاعتقاد الأميركيين بأن «سوريا مفتاح السلام الإقليمي في الشرق الأوسط». وفي هذا الاجتماع، طرح رابين أسئلة افتراضية على كريستوفر: «لنفترض أن مطالبهم (السوريين) قبلت، هل سوريا مستعدة لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل؟ وهل ستكون على استعداد لسلام حقيقي يتضمن حدوداً مفتوحة وعلاقات دبلوماسية كما في الحالة المصرية؟ هناك عناصر يجب تحقيقها في السلام مثل إقامة سفارات وعلاقات قبل إنجاز الانسحاب».
انتقل كريستوفر إلى دمشق للقاء الأسد في 4 أغسطس (آب)، وأبلغه: «إن رابين أخبرني أنه إذا أعطى الأسد ما يريده، هل يستطيع التوجه في شكل حقيقي نحو السلام؟». وبحسب كتابة «مفكرة دمشق» لشعبان، استشار الأسد وزير الدفاع الراحل مصطفى طلاس ورئيس الأركان الراحل حكمت شهابي قبل إرسال رد الجانب السوري على اقتراح كريستوفر بـ«وديعة رابين»، بما يتضمن ضرورة «الانسحاب الكامل». من جهته، روى نائب الرئيس السوري السابق فاروق الشرع في كتابه «الرواية المفقودة» أن النسخة الأولى من وديعة رابين جاءت مع روس في العام ١٩٩٣ حاملا رسالة من كلينتون حيث اجتمع بالأسد في اللاذقية «دقيقتين» على انفراد ليقول بأن رابين «موافق على الانسحاب الكامل من الجولان، إذا تمت تلبية حاجاته الأمنية».
وفي أبريل (نيسان)، سأل الأسد كريستوفر: «هل يعني رابين الانسحاب التام إلى خط ٤ حزيران 1967؟ أليس لديه أي ادعاء في أي نوع كان في الأراضي الواقعة شرق هذا الخط؟». أجاب: «رابين يفكر بالانسحاب من كل الجولان». وعندما تسلم بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء بعد اغتيال رابين في 1995. أنكر وجود «وديعة» ما دفع الجانب السوري إلى شرح ما حصل. فروت الخارجية السورية في وثيقة في 2 أكتوبر 1999: «أبلغ كريستوفر في يوليو 1994 موافقة رابين على الانسحاب من الجولان إلى خط الرابع من حزيران كالتزام لا بد منه للانطلاق إلى معالجة بقية عناصر اتفاق سلام كامل. وفي هذا السياق طرح الأسد على الوزير الأميركي سؤالين للتأكد من صحة ودقة مضمون الالتزام الإسرائيلي. السؤال الأول: هل يعني رابين بأن الانسحاب من الجولان سيشمل كل الأراضي التي كانت تحت سيادة سوريا في الرابع من حزيران 1967؟ فكان جواب وزير الخارجية الأميركي: نعم. السؤال الثاني: هل هناك أي ادعاء إسرائيلي بأي قطعة من الأرض الواقعة ضمن خط الرابع من حزيران، فكان جواب الوزير الأميركي: لا يوجد أي ادعاء».

- خط 4 يونيو
نجحت دمشق في الانتقال من «الانسحاب الكامل» إلى فرض «خط ٤ حزيران». سيبقى هذا مبدأ رئيسياً في المفاوضات. وأبلغ الأسد كريستوفر أنه في مقابل تعهد رابين مستعدون لـ«الاستجابة للمقترحات الإسرائيلية التي تتضمن إنهاء حالة الحرب وترتيبات أمنية متفقاً عليها، ورفع المقاطعة ومشاركة سوريا في المحادثات المتعددة الأطراف وجدولا زمنيا لتحقيق ذلك». بحسب محللين، هذه «الرواية» تناقض رواية قدمها رابينوفيتش في كتابه «على حافة السلام» من أن خط الانسحاب لم يذكر إلا عام 1994 وأن الحديث كان عن «انسحاب كامل» وأن «الوديعة» الإسرائيلية التي وضعت في «جيب» كريستوفر كانت مرتبطة بـ«إذا» «الافتراضية».
ويعتقد الخبير البريطاني في الشؤون السورية الراحل باتريك سيل أن «مرونة» رابين نحو سوريا كانت لـ«خداعها» وفي إطار اللعب بين المسارات: السورية والأردنية والفلسطينية، لأن تركيزه الأساسي كان على المسار الفلسطيني الذي شهد تطوراً كبيراً بتوقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر (أيلول) 1993. إذ عقدت قمة سورية - أميركية في جنيف في بداية 1994. وتعهدت دمشق بـ«عدم تعطيل» اتفاق أوسلو.
لكن وفاة باسل نجل الرئيس السوري بعدها بأيام وقيام رابين بتقديم عرض «مجدل شمس أولاً» أسوة بـ«غزة أريحا أولاً» خلال لقائه كريستوفر في أبريل 1994 جمدا المسار السوري. لكن في 19 يوليو التقى كريستوفر رئيس الوزراء الإسرائيلي، فجدد الأول طلبه الحصول على أجوبة لأسئلة الأسد حول «خط الانسحاب». ويروي رابين نفسه رؤيته للموضوع عشية لقائه كريستوفر وبعد تقديمه «العرض» قبل سنة، في صفحات كتبها في دفتره الصغير ونشرتها صحيفة «معاريف» في 11 أكتوبر 2002: «ما تم الاتفاق عليه هو: إرادة الانسحاب الكامل في مقابل سلام كامل بجميع عناصره، مدة الانسحاب ومراحله، الجمع بين إنجاز سلام كامل قبل إكمال الانسحاب بإجراء انسحاب أولي وإجراءات أمنية». يضيف: «إن السوريين حصلوا على وعد بانسحاب كامل هو أكثر ما تتجرأ أي دولة عربية أخرى على المطالبة به في مقابل عدم وجود اتفاق على أي عنصر من عناصر صيغة ما عرف بالصفقة الكاملة أو أرجل الطاولة الأربع». ويضيف: «إن عملية المفاوضات ستبدأ عندما يتوقع السوريون أن الأميركيين سيخونون إسرائيل خطياً. لقد بدأوا المفاوضات وجعلوا من استئنافها شرطاً للحصول على تنازلات إضافية من إسرائيل... لن نتنازل عن أي تغيير في إجراءات الأمن متعلقة بالحال الجغرافية واتفاقية فصل القوات».
التقدم الجزئي، يفسر إعطاء الأسد «الضوء الأخضر» لقناة السفراء حيث اجتمع المعلم ورابينوفيتش في 25 أغسطس في منزل السفير روس، إضافة إلى لقاء السفير المعلم رئيس الأركان الإسرائيلي إيهود باراك والمستشار العسكري لرئيس الوزراء داني ياتوم في 2 و3 نوفمبر (تشرين الثاني) بعد وعود كريستوفر. كما أعطى الأسد الضوء الأخضر للقاء حكمت الشهابي بنظيره الإسرائيلي إيهود باراك لبحث ورقة «أهداف ومبادئ ترتيبات الأمن» أو الـ«لا ورقة». وروى الشرع في كتابه تركيز لقاء الشهابي مع نظيره الإسرائيلي أمنون شاحاك في يونيو ١٩٩٥ على موضوع محطة الإنذار المبكر الإسرائيلية لرفضه وجودها في سوريا.

- من نتنياهو إلى باراك
وخلال حكم نتنياهو بين 1996 و1999 جرت اتصالات ومساعٍ أوروبية قام بها المبعوث الأوروبي السابق ميغيل انخيل موراتينوس ورجل الأعمال اليهودي رون لاودر. وقال الشرع بأنه في عهد نتنياهو جاءت القناة السرية من وليد المعلم «سفيرنا في أميركا الذي كان بحكم إقامته الطويلة في واشنطن نجح في إقامة علاقات وطيدة مع مجموعة مهمة من اليهود الأميركيين القريبين من إسرائيل»، إذ نقل لاودر رسائل بين نتنياهو والأسد، إلى حين مجيء باراك وأطلق المفاوضات «من حيث توقفت» بعد مفاوضات سرية قام بها المستشار القانوني في الخارجية رياض داودي واوري ساغي في سبتمبر (أيلول) ١٩٩٩.
وفي لقائها الأول بالأسد منذ انتخاب باراك في مايو (أيار) 1999، أشارت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت أن الأسد كان يركز على أن رابين «تعهد» بإعادة كل الجولان. وروت أولبرايت في كتاب «حياتي» أن الأسد قال: «لا أحد ولا أي طفل في سوريا سيوافق على السلام مع أي طرف يحتفظ حتى لو بشبر واحد من أراضينا».
وفي بداية 2000، عقدت مفاوضات بين الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في بلدة شيبردزتاون في ولاية فرجينيا الغربية بعد اجتماع تمهيدي في واشنطن. كان السؤال المحوري: أين هي الحدود للانسحاب؟ أين الخط الذي كان قائماً قبل حرب يونيو؟. وتروي أولبرايت: «الأسد الذي لم يكلّ أبدا من إبلاغنا بأنه اعتاد السباحة في بحيرة طبريا عندما كان شاباً، أصر على أن الأراضي السورية تمتد إلى الشواطئ الشرقية للبحيرة».
وبعدما توقفت المفاوضات في شيبردزتاون بسبب تهرب باراك من «ترسيم» الحدود. بقيت القمة بين الأسد وكلينتون في 26 مارس (آذار) 2000 الأمل الوحيد لتحقيق اتفاق السلام قبل وفاة الرئيس السوري. وتقول أولبرايت بأن كلينتون عندما قال بأنه سيقدم عرضاً رسمياً لما كان باراك مستعدا للقيام به، أجاب الأسد: «جيّد. لن أرد حتى تنتهي، لكن ماذا بشأن الأراضي؟ وعندما قال كلينتون: «الإسرائيليون مستعدون للانسحاب كلياً إلى حدود متفق عليها في صورة مشتركة»، رد الأسد: ماذا تعني بمتفق عليها في صورة مشتركة؟ بدأ كلينتون يشرح وأخرج منسق عملية السلام دنيس روس خريطة تستند إلى أفكار باراك، وكانت تبيّن خطا يمتد على طول الضفة الشرقية لنهر الأردن وبحيرة طبريا، مع تحديد واضح لشريط الأرض الذي يريد باراك الاحتفاظ به. قال الأسد: إذن هو لا يريد السلام، من دون حتى أن ينظر إلى الخريطة وقال: انتهى الأمر».
وإذ كتبت شعبان في كتابها أن الجانب السوري ليس لديه المحضر الرسمي لقمة الأسد - كلينتون في جنيف، ذلك أن الجانب الأميركي لم يف بوعده بإرسال المحضر، روى الشرع أنه بعد الدخول إلى قاعة الاجتماعات وقول كلينتون بأن روس «سيغادر حالاً الاجتماع بعد أن يعرض خريطة للجولان» وأنه كان للتو على الهاتف مع باراك الذي أبدى «استعدادا لإعادة كل الجولان باستثناء شريط يبعد عن بحيرة طبريا ٤٠٠ - ٥٠٠ متر».
أضاف الشرع أن الأسد قاطع كلينتون، وقال: «هم لا يريدون السلام». أكمل كلينتون بعدما نظر إلى قصاصة ورق بأن باراك «يعرف تمسك سوريا بأراضيها، لكنه لا يستطيع التخلي عن هذا الشريط الضيق وسيعطيكم بدلاً منه أرضاً بنفس المساحة، وأشار إلى روس وطلب منه نشر الخريطة فوق طاولة بين الرئيسين. حاول كلينتون استعادة اهتمام الأسد، ولم يفلح (...) لأن الأسد فقد الاهتمام بعد أن تأكد أنهم يريدون من السوريين ألا يقتربوا من مياه البحيرة».
بعدها انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في مايو (أيار) 2000 ورحل الأسد في يونيو من العام نفسه. وخلال عقد من حكم الرئيس بشار الأسد دخل الجانب التركي على خط الوساطة لتوقيع اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل خصوصاً في «سنوات العزلة» على دمشق بين 2005 و2009 إلى أن عاد الجانب الأميركي إلى الاهتمام بعملية السلام مع تسلم الرئيس باراك أوباما وصولا إلى صوغ هوف «مسودة اتفاق» في بداية 2011. لكن الاتفاق لم يتحقق... واستقال هوف من ملف السلام وتسلم ملف دعم المعارضة السورية في 2012.

- مشروع قانون في الكونغرس الأميركي

> في مجلس الشيوخ الأميركي
17 ديسمبر (كانون الأول) 2018
قام السيد كروز بتقديم القرار التالي الذي تمت إحالته إلى لجنة العلاقات الخارجية
قرار
حيث إن مجلس الشيوخ يرى ضرورة اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بسيادة دولة إسرائيل على مرتفعات الجولان،
حيث إنه حتى عام 1967 سيطرت سوريا على مرتفعات الجولان، واستغلت ما تتمتع به من ميزة جغرافية تتيح الهجوم على القوات الإسرائيلية والمدنيين،
حيث إنه في يونيو (حزيران) 1967 كثفت سوريا هجماتها ضد إسرائيل من مرتفعات الجولان، واستحوذت إسرائيل على مرتفعات الجولان في حرب دفاعية،
حيث إنه في أكتوبر (تشرين الأول) 1973. منحت مرتفعات الجولان إسرائيل عمقا استراتيجيا مهما للتصدي إلى هجوم مفاجئ تم شنّه من جانب القوات السورية،
حيث إنه في الأول من سبتمبر (أيلول) 1975، طمأن الرئيس غيرالد فورد إسرائيل بأن الولايات المتحدة «ستدعم الموقف المتمثل في ضرورة أن تضمن أي تسوية شاملة تتم مع سوريا في إطار اتفاق سلام تأمين إسرائيل من أي هجوم من جهة مرتفعات الجولان، وأنها لن تتخذ أي موقف نهائي بشأن الحدود، وفي حال حدوث ذلك عليها منح الثقل إلى موقف إسرائيل المتمثل في ضرورة أن يقوم أي اتفاق سلام مع سوريا على بقاء إسرائيل في مرتفعات الجولان»،
حيث إنه في أكتوبر (تشرين الأول) 1991 طمأن وزير الخارجية جيمس بيكر إسرائيل بأن «الولايات المتحدة الأميركية ستواصل دعم ما قدمه الرئيس فورد من تأكيد وطمأنة لرئيس الوزراء رابين في الأول من سبتمبر (أيلول) 1975»،
حيث إنه في عام 1981، طبقت إسرائيل قانونها وسلطتها القضائية، وإدارتها في مرتفعات الجولان، وسيطرت على مرتفعات الجولان لمدة 51 عامًا،
وحيث إنه منذ عام 2011 قتل الحاكم المستبد بشار الأسد مئات الآلاف من المدنيين السوريين، وتضمن ذلك استخدام أسلحة دمار شامل، وشنّ حملة تطهير عرقي ضد السوريين السنة،
وحيث إن إيران قد استغلت الحرب في سوريا لتأمين وجودها العسكري في منطقة بلاد الشام، وتضمن ذلك نشر الآلاف من أفراد القوات الإيرانية، وعملائها، وتسعى حاليًا وراء توفير ممرات على الأرض لتعزيز سيطرتها، وتوسيع نطاق أنشطتها، وضمان وجود عسكري دائم لها على الأرض، وتزويد عملائها الإرهابيين بالأسلحة،
حيث إن إيران دولة راعية رئيسية للإرهاب على مستوى العالم ودائمًا ما يهدد قادتها بمحو إسرائيل من على وجه الأرض،
حيث إنه قد تكررت هجمات إيران وعملائها ضد إسرائيل من داخل سوريا مثلما حدث في فبراير (شباط) 2018 عندما اخترقت القوات الإيرانية المجال الجوي لإسرائيل باستخدام طائرة بدون طيار، وفي مايو (أيار) 2018 عندما قصفت القوات الإيرانية مرتفعات الجولان،
حيث إنه في ديسمبر (كانون الأول) 2014 قرر الكونغرس بالإجماع أن تدعم الولايات المتحدة الأميركية حق حكومة إسرائيل السيادي في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها من أي هجمات من جانب حماس، الجماعة الإرهابية المدعومة من إيران، ضد إسرائيل،
وحيث إن سيطرة إسرائيل على مرتفعات الجولان توفر لها حدودا يمكن الدفاع عنها، وتردع عنها أي هجمات من جانب القوات المعادية، وتسهل جمع معلومات استخباراتية، وتمكّن إسرائيل من رصد أي تهديد لأمنها القومي، وعليه،

- تقرر أن مجلس الشيوخ يرى ما يلي:
(1) تدعم الولايات المتحدة الأميركية حق حكومة إسرائيل السيادي في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها من أي هجمات ضد إسرائيل بما في ذلك أي هجمات
من جانب إيران أو أي من عملائها.
(2) سيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان مهمة وضرورية لأمن إسرائيل القومي.
(3) لا يمكن ضمان تأمين إسرائيل من أي هجمات من جانب سوريا ولبنان دون سيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.
(4) إنه من مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة ضمان أمن إسرائيل.
(5) إنه من مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة ضمان تحمل نظام الأسد العواقب الدبلوماسية والجيوسياسية لقتله للمدنيين وما قام به من تطهير عرقي للسوريين السنة.



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.