نهاية وشيكة للدورة الاقتصادية مع تفاقم حالة عدم اليقين

استطلاع رأي 145 خبيراً في إدارة أصول الدخل الثابت

ترتفع التوقعات بين الخبراء بأن الدورة الاقتصادية الحالية أصبحت على وشك الانتهاء (رويترز)
ترتفع التوقعات بين الخبراء بأن الدورة الاقتصادية الحالية أصبحت على وشك الانتهاء (رويترز)
TT

نهاية وشيكة للدورة الاقتصادية مع تفاقم حالة عدم اليقين

ترتفع التوقعات بين الخبراء بأن الدورة الاقتصادية الحالية أصبحت على وشك الانتهاء (رويترز)
ترتفع التوقعات بين الخبراء بأن الدورة الاقتصادية الحالية أصبحت على وشك الانتهاء (رويترز)

أصدرت شركة إنفيسكو أمس نسختها السنوية الثانية من «التقرير العالمي للدخل الثابت»، وهو تقرير مفصل حول السلوك الاستثماري لمستثمري الدخل الثابت. ويكشف التقرير أنه رغم التوقعات باقتراب نهاية الدورة الاقتصادية الحالية، فإن المستثمرين لا يتوقعون حدوث تصحيح كبير في الدخل الثابت، بل حالة نادرة تتمثل في هبوط خفيف مع استمرار ثبات مستويات منحنى العائد. وفي ظل ذلك، يخطط المستثمرون للحفاظ على حصص الدخل الثابت سعياً لتحقيق العائدات، مع اتباع نهج أكثر نشاطاً لخلق سيناريوهات متنوعة للعائدات من خلال البدائل، وتخصيص توزيعات للأسواق الناشئة، والاستثمار في الصين.
وتم إعداد التقرير بناء على مقابلات شخصية مباشرة مع 145 خبيراً في مجال الدخل الثابت ومديري تقنية معلومات في جميع أنحاء منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا الشمالية وآسيا المحيط الهادي، يمثلون شركات تدير أصولاً بقيمة تبلغ 14.1 تريليون دولار.
وأشار التقرير أيضا إلى أن المستثمرين يستجيبون بشكل متزايد لاحتمالات التعطيل التي قد تفرضها القضايا الجيوسياسية على الأسواق. وأظهر أن ما يقرب من نصف المستثمرين (46 في المائة) قاموا بتعديل توزيعات محافظهم استجابة للحروب التجارية. وكان مستثمرو الجملة بشكل خاص الأكثر تأثراً بهذه المخاوف، حيث قام نحو ثلثيهم (65 في المائة) بتغيير توزيعاتهم الأوروبية والبريطانية متأثرين بخروج بريطانيا المرتقب من الاتحاد الأوروبي. وأشار نحو ثلث المستثمرين المؤسسيين (34 في المائة) إلى أنهم سيقومون بتعديل توزيعاتهم الأوروبية والبريطانية نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وعلاوة على ذلك، أصبحت توقعات المستثمرين للاقتصاد العالمي أقل تيقناً وأكثر وتبايناً، مع توقع أن يكون ارتفاع الدين العالمي السبب الأكبر للانكماش الاقتصادي المقبل.

- نهاية الدورة الاقتصادية
وفي ظل استمرار التوسع الاقتصادي الحالي لفترة تقارب العشر سنوات، وهي واحدة من أطول فترات التوسع على الإطلاق، يشعر بعض المستثمرين بالقلق إزاء طول هذه الفترة، وهم في حالة تأهب دائم للمحفزات التي قد تنهيها.
وتشير وجهة النظر الأكثر شيوعاً بين مستثمري الدخل الثابت على مستوى العالم (49 في المائة) إلى أن نهاية الدورة الحالية ستكون خلال ما بين سنة إلى سنتين، أي من أواخر عام 2019 إلى أواخر عام 2020. ومع ذلك، فإن أكثر من ربعهم (27 في المائة) يرون بأن نهايتها ستكون أقرب، وقد تحدث في غضون ستة أشهر إلى سنة واحدة.
وبالمقارنة بين مستثمري الجملة والمستثمرين المؤسسيين، فإن المشاركين في الاستطلاع من المستثمرين بالجملة كانوا أكثر تشاؤماً حول التوقعات قريبة المدى، حيث يتوقع 65 في المائة منهم أن تنتهي الدورة في غضون عامين.
وعلى المستوى الإقليمي، كشفت الدراسة أيضاً عن تباينات كبيرة في وجهات نظر مستثمري الدخل الثابت في جميع أنحاء العالم. فمن وجهة النظر المتعلقة بالدورة الاقتصادية، فإن المستثمرين في منطقة آسيا المحيط الهادي أكثر اقتناعاً بأن التوسع سيستمر لعام أو لعامين المقبلين، في حين أن المستثمرين في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا كانوا أكثر تفاؤلاً بأن التوسع قد يستمر إلى ما بعد عام أو عامين. ومن ناحية أخرى، فإن مستثمري الدخل الثابت في أميركا الشمالية أقل تفاؤلاً، حيث يعتقد أكثر من نصفهم (52 في المائة) بأن التوسع سينتهي خلال عام.
وفي هذا السياق، قال نك تولشارد، رئيس قسم الدخل الثابت لمنطقة لأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة إنفيسكو: «من المرجح أن تكون السياسة في الولايات المتحدة قد ساهمت في النظرة المتشائمة التي يعبر عنها مستثمرو الدخل الثابت في أميركا الشمالية. وقد ساهمت الخطابات حادة اللهجة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بخصوص التجارة مع الصين وأوروبا وكندا والمكسيك، بالإضافة إلى فرض رسوم جمركية، في التأثير بشكل كبير على مستويات التفاؤل. أما من منظور السياسة والأسواق، فإن التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي ما زال مصمماً على إلغاء الدعم السياسي، والتكهنات باحتمالية انعكاس منحنى العائد، ستزيد من المخاوف».

- المحفزات المحتملة للركود المقبل
وعند سؤالهم عن مسببات الركود الاقتصادي المقبل، أبدى المشاركون قلقهم إزاء ارتفاع مستويات المديونية، لا سيما الدين الحكومي. وليس من المفاجئ التركيز على الديون في أعقاب انخفاض أسعار الفائدة القياسية لفترة طويلة. ويعتقد المستثمرون الذين شملهم الاستطلاع أن ارتفاع أسعار الفائدة سيكون له تأثير كبير على تكاليف الفائدة والمعدلات الافتراضية.
ورأى البعض من المشاركين في استطلاع الرأي أن مصادر تعطيل أخرى محتملة ستسبب أزمة في الأسواق الناشئة (الخطر الأكبر بالنسبة لـ15 في المائة من المستثمرين)، تليها فقاعة الديون في الصين (13 في المائة).

- التأثير على الدخل الثابت
ومع تزايد التوتر بشأن نهاية الدورة الاقتصادية، هناك بعض المخاوف بشأن احتمال حدوث تقلبات جوهرية في الأسواق، رغم أن المخاوف تميل قليلاً نحو أسواق الأسهم بدلاً من أسواق الدخل الثابت. ومع ذلك، فإن لدى المستثمرين وجهة نظر قوية بأن هوامش الائتمان سوف تتسع على مدار الأعوام الثلاثة القادمة (60 في المائة)، وأن منحنى العائد سيظل ثابتاً لفترة طويلة من الزمن (45 في المائة).
وفي مقابل ذلك، فإن لدى مستثمري الدخل الثابت مخاوف أقل بشأن زيادة التضخم (34 في المائة)، ويتوقع نحو ربعهم فقط (27 في المائة) انعكاس منحنى العائد في السنوات القليلة المقبلة.

- ازدياد التعرض في الصين
وتحقق توزيعات الدخل الثابت الصينية مكاسب مع سعي المستثمرين لتنجب آثار الحرب التجارية والقضايا الجيوسياسية لتحقيق العائدات وتنويع محافظهم. وينوي ثلث مستثمري الدخل الثابت (32 في المائة) على مستوى العالم زيادة توزيعاتهم للصين على مدار السنوات الثلاث المقبلة، لا سيما من أميركا الشمالية (58 في المائة). أما في الولايات المتحدة، فمن غير المرجح أن يحتفظ المستثمرون في الوقت الحالي بمنتجات دخل ثابت صينية في محافظهم، لكنهم قد يزيدون توزيعاتهم رغم التوترات التجارية المتزايدة. وهذا تحول مهم بالنسبة لدولة تميل إلى الاستثمار في أسواق السندات الخاصة بها (أي الولايات المتحدة الأميركية). وبالنسبة لنصف المستثمرين العالميين (51 في المائة)، يعد هذا قراراً استراتيجياً طويل الأجل يدعمه زيادة قوة الصين في مؤشرات الدخل الثابت الرئيسية المتوقعة في عام 2019 وما بعده.
ورغم تقلص علاوة العائد التي لطالما تمتعت بها السندات الحكومية الصينية بالمقارنة مع سندات الخزانة الأميركية، فقد ارتفع إجمالي الاستثمار الأجنبي في سوق الدخل الثابت الصيني بسرعة في عام 2018. وأصبحت الصين ثالث أكبر سوق سندات في العالم، إلا أنها تعاني منذ فترة طويلة من ضعف الحضور (أو الغياب التام) في محافظ الدخل الثابت لمستثمرين محترفين، رغم الاعتبارات الداعمة مثل التقييم النسبي، والعائد، وإجمالي العائدات المتوقعة.
ويُنظر إلى العوائق التي تحول دون الاستثمار في الدخل الثابت الصيني كانكماش يدفع المستثمرين إلى استغلال الفرص، على اعتبار أن العقبات الرئيسية تتمثل في مخاطر فئة الأصول، والتدخل الحكومي، والقيود المحتملة على تحركات رأس المال.
وأضاف نك تولشارد: «في الوقت الذي تحققت فيه إلى حد كبير النظرة الموحدة نسبياً لسيناريو «التطبيع الجديد» الذي برز العام الماضي، بات المستثمرون أقل يقيناً بسبب القائمة المتنامية للمخاطر المحتملة، سواء من منظور جيوسياسي أو من منظور الأسواق.


مقالات ذات صلة

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر تدفقات أسبوعية منذ شهرين ونصف

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر تدفقات أسبوعية منذ شهرين ونصف

شهدت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات أسبوعية لها منذ نحو شهرين ونصف الشهر خلال الأسبوع المنتهي في 25 مارس.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)

«منظمة التعاون الاقتصادي»: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم

حذرت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، الخميس، بأن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أدى إلى انحراف الاقتصاد العالمي عن مسار النمو القوي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

تنطلق رسمياً اليوم في ميامي الأميركية قمة مبادرة مستقبل الاستثمار التي باتت «تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي».

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستجمع قواه مع تعافي الثقة وتراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

حافظ الدولار الأميركي على مكاسبه مع انطلاق التداولات الآسيوية، يوم الخميس، مدعوماً باستعادة المستثمرين لثقتهم تدريجياً في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.